السياسة

السياسة

سر الهجمة على الإسلام

إن الهجمة على الإسلام ، ديناً ومنهجاً ونبياً، بدأت منذ أن أظهر الله دينه وأهل الإسلام على اليهود والنصارى ، لأن حقدهم ومكرهم وحسدهم كان ولا يزال  على الإسلام والمسلمين ، وهو ما أخبرنا الله به في قوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ البقرة 109 . فقد كان من وراء الهجمات والحروب الصليبية  ، واحتلال العالم الإسلامي قبل وبعد الحرب العالمية الأولى ، مؤسسات دينية ودنيوية  ولا ننسى قول قائدهم حين دخل دمشق عند قبر صلاح الدين الأيوبي : "ها قد عدنا يا صلاح الدين"  ولكنهم    رغم كل محاولات طمس الهوية وتبديل الانتماء ومحاربة الشريعة وتضييع الولاء للدين ، وجدوا أن الإسلام ما زال حياً في نفوس أبنائه ، وأيقنوا أن الصراع بيننا وبينهم لا تحسمه القوة المادية والعسكرية مهما بلغت ، لأنه ليس صراع مناهج وأساليب حياة ، بل هو صراع عقيدة في المقام الأول ، صراعٌ أعجز الباطل بكل قواه ، ولذلك فإنهم يحاولون إيقاع الهزيمة بالمسلمين معنوياً بالهجوم على مبادئ الإسلام وشرائعه ، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعسكرياً باحتلال بلاد المسلمين مرة أخرى ،  فتعددت نوازل الأمة ومآسيها من الشيشان إلى أفغانستان إلى السودان والعراق والصومال والقائمة لا تكاد تنتهي، وكلما تراجعت نازلة أفسحت المجال لأخرى ، مما يدعو المسلمين إلى التمسك بالإسلام فهما وعملا ودعوة ، لأن هذه الهجمات ما هي إلا فرصة عظيمة لاستخراج طاقات كامنة في المسلمين نحو مزيد من الالتزام بمنهج الإسلام ، ولنتذكر أن إسلام حمزة -رضي الله عنه- كان عقب سب أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له حمزة: أتسبه؟ فأنا على دينه .

إن الله يقيض لمن يعادى نبيه صلى الله عليه وسلم أو يطعن في الإسلام  من يقطع دعوته : ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ الكوثر 3 . فلو وعى المسلمون حقيقة دينهم وأحسنوا الرد على شبهات أعدائهم ، وأدركوا عظمة دينهم وشريعته ، لتمسكوا به وما فرطوا فيه ، ولما وُجد منهم من يجعل الغرب قبلته وتقليده ديدنه  ويتجاهل أن البغضاء والعداوة مع الكفار لأجل كفرهم ، هي جزء من اعتقادنا بنص القرآن : ﴿  وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ الممتحنة 4 . ولما وُجد من يقول لهم  : "بيننا وبينكم كل مودة"، أو "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية". متجاهلين أن  المداهنة والسكوت عن باطلهم   وترك دعوتهم إلى الإسلام غير مقبول شرعا . 

إن ما حدث في سويسرا ومن قبلها بريطانيا والدنمرك وهولندا وخروج المظاهرات المنددة بما يسمى "الإسلام الفاشي"  وما يدعو إلى مشاعر العداء والخوف والقلق من الإسلام خاصة في أوربا، ذلك أنها لم ولن تنسى أبداً أن جيوشها هزمت وأجليت من القدس وما حولها في الحروب الصليبية ، لذا فإن أغلب التيارات اليمينية في أغلب دول أوروبا متفقة على الخوف من المد الإسلامي سواء بالهجرة أو بتزايد عدد المتحولين إلى الإسلام أو ارتفاع معدلات الإنجاب بين الجاليات الإسلامية ، مما حدا بقيادات هولندية يمينية على سبيل المثال إلى إثارة مشاعر الخوف والقلق ، من انقلاب التركيبة الديموجرافية للدول بأكملها ، ليصبح المسلمون بها أغلبية في البلاد بعد عدة عقود ، لذا تعتزم هذه الدول اتخاذ إجراءات مشددة حيال تزايد أعداد المهاجرين إليها ، وخصوصاً من الدول الإسلامية ، فقد قال الرئيس الفرنسي ساركوزي بشأن محاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي : إن الاتحاد الأوروبي اتحاد مسيحي ولابد أن يبقى كذلك والموقف من تركيا ومن المسلمين بوجه عام ، موقف تاريخي وأيديولوجي يصعب للغاية تغييره ، فأوروبا لن تنسى بجانب هزيمتها في الحروب الصليبية ، أن أغلب دولها كانت تحت الحكم العثماني يوما ما ، وأن الأندلس كانت في يوم ما معقلاً للمسلمين ، ولهذا السبب أيضا وقفت أوربا كلها إلى جانب الصرب في حربهم العرقية البشعة ضد المسلمين في البوسنة والهرسك ، وما ذاك إلا خوفاً من قيام دولة إسلامية أخرى في قلب أوربا ، تغير من ثقافة وعقيدة القارة بعد حين .

والمشكلة ليست بجديدة على الجاليات المسلمة التي تعيش في أوربا أو حتى في أمريكا ، وهي عدم الاتحاد أو العمل على إقامة كيانات شرعية قوية تقوم على رعاية مصالحهم والذود عنهم ، في حال تعرضهم لأي انتهاكات ، صحيح أن هناك جهد مشكور يبذل من جانب بعض المنظمات لكنه للأسف ليس بكاف  والدليل على ذلك هو السماح بانتشار الشعارات التي ترمز إلى المآذن على أنها رؤوس صواريخ ، دون محاولة تصعيد الأمر قضائياً باعتباره مهين لمشاعر المسلمين  أو محاولة عمل شعارات مضادة للتيار اليميني المتطرف ، وبعيداً عن مدى أهمية المآذن في حد ذاتها كجزء من مكونات المسجد ، وهي أمر ليس بالمقدس ولا الضروري ، إلا أن هذه البداية وهذا النجاح في أمر قد نعده نحن صغيراً  ، سيكون له تبعات قد بدأت تستشعره كافة الجاليات في الدول الغربية   خاصة في ظل السماح ببناء أبراج الأجراس بالكنائس أو وضع نجمة داود على المعابد اليهودية أو غيرها من الشعارات الدينية ،  وفي ظل صمت العالم الإسلامي وضعف الجاليات الإسلامية ، لتوضيح حقيقة هذا الدين والوقوف في وجه من يسبه ويسب رموزه بقوة ، كما تفعل الجاليات اليهودية في كل من يقترب من خرافة الهولوكوست ، الأمر الذي فتح المجال أمام المزيد من المكتسبات لهؤلاء ، ليخوضوا المزيد من معارك الترهيب والتخويف من الإسلام ، وهم مطمئنون إلى ضعف الرد الذي لن يتجاوز بعض الاستنكار أو الاحتجاج هنا أو هناك ، والدعوة إلى مقاطعة منتجات تلك الدول التي لا تستمر إلا لعدة أيام ، ثم يعود الأمر كما كان .

لنفرض أن بلداً مسلماً أصدر قراراً بمنع بناء أجراس الكنائس ، ماذا كان سيحدث؟ لقامت الدنيا ولم تقعد ولهاج العالم منتقداً الإسلام ، ووصفه بالإرهاب والتطرف وبالتعصب والعنصرية ، أما أن يحدث ذلك في قلب أوروبا في سويسرا بلد الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح والحياد والأمان ، فلقد جاءت نتائج الاستفتاء على اقتراح حظر بناء المآذن في المساجد وكأنه أمر طبيعي ، ليؤكد ذلك لكل مسلم مخدوع أن فكرة الحياد الدولي في سويسرا ، ما هي إلا وهم كبير  نعم نحن نعلم جيدا أن المآذن ليست إلا رمزاً وعدم وجودها لا يؤثر على وظيفة المسجد ، ولا ينقص من  صحة الصلاة ، لكنها حرب على الرموز ، وقد أخطأ من استهان بتلك المعركة ، فحرب الرموز أشد أنواع الحرب خطورة وتأثيراً ، لأن تغيير الرموز وتعديلها يرسخ مفهوم الانصياع التام ، ويؤكد ثقافة الانهزام أمام الأخر ، وهو أمر من الصعب علاجه ، ومن الأصعب أن يعود لأصله  والحرب معهم تدور على جبهتين هما : العسكرية والفكرية ، والقضية أعمق وأكبر من مجرد مئذنة ، فقد شن الحزب اليميني المتطرف في سويسرا حرباً فكرية ضد المسلمين استطاع بها أن يكسب الشعب السويسري  فاختار ملصقات بشعة تمثل علم سويسرا تقف عليه امرأة منتقبة بلباس أسود مغطاة بالكامل ، بينما يخترق العلم عددٌ كبيرٌ من المآذن التي بدت وكأنها صواريخ حربية   وملصق آخر يُظهر عدداً آخر من المآذن المرتفعة في سماء سويسرا كُتب تحته عبارة : إذا أردت أن تكون بلادك بهذا الشكل فصوت لمصلحة بناء المآذن ، وملصق ثالث ظهرت فيه خريطة سويسرا وقد اخترقته مئذنة ضخمة  وملصق رابع رسم لهم المآذن على شكل أجهزة تناسلية ترمز إلى فحولة المسلمين ، وطغيان النـزعة الذكورية لديهم ، وصوروا لهم الحضور الإسلامي في سويسرا كخطر يهدد أبنائهم في عقيدتهم المسيحية ، ولذلك كان تصويت السويسريين على منع بناء المآذن في المساجد الإسلامية فوق أراضيهم ، استجابة لدعوة عنصرية أطلقها الحزب اليميني وباركتها الحكومة ، من وراء الستار بقبولها عرض المسألة للتصويت ، إذن هي حرب على الإسلام ، ليس في سويسرا فحسب ، بل في كل الدول الأوربية التي تعيش بها جاليات مسلمة كبيرة ، فتجد أن الحزب اليميني المتطرف اليوم يحاول إثارة نقاشات مرتبطة بالمهاجرين ومدى اندماجهم في النسيج المجتمعي الأوربي  وبدأت كل الحكومات الأوربية في التنسيق في ما بينها على الصعيد الأوربي ، لوقف الزحف الإسلامي إلى أراضيها ، فجاءت قوانين فرنسا بحظر ارتداء الحجاب بالمدارس قبل سنوات ، وتبعته بريطانيا عندما وضعت قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب ، أتضح أنها كانت موجهة أساساً لتجفيف منابع تمويل الجمعيات الإسلامية الخيرية في بريطانيا ، ووصلت الحمى إلى أسبانيا عندما منعت المدارس دخول الطالبات بالحجاب ، ومنع قاض محامية مسلمة تضع الحجاب على رأسها من دخول قاعة المحكمة ، وكل ذلك يتزامن مع طرح الرئيس الفرنسي وحزبه نقاشاً حول الهوية الوطنية ، ومعناها : إما أن يقبل المسلم في فرنسا بالانسلاخ والتجرد من جذوره الإسلامية العربية أو الأفريقية ، لكي ينتمي بالكامل إلى العرق الفرنسي والثقافة الفرنسية والهوية الفرنسية ، وإما أن يعود إلى حيث جذوره التي يفتخر بها ، وفي إيطاليا هناك عودة قوية لتحالف الشمال الذي يدعو إلى تضييق الخناق على المهاجرين ، خصوصاً منهم المغاربة ، وذلك بتسليط الأضواء عليهم في قضية الحجاب والصيام ، بل إن هذا التحالف كان وراء إجبار العمال المغاربة المهاجرين على الإفطار في رمضان أثناء العمل ، وفي سويسرا استبقوا الأمور وصوتوا لصالح حظر بناء المآذن ، وهذه القرارات التي تتخذ من أجل التضييق على المسلمين بطريقة ديمقراطية ، وذلك عبر الاستفتاء والتصويت وقوانين الهجرة ، وذلك للحد من المهاجرين المسلمين إلى أراضي أوربا والإقامة فيها ، ولعل ما تفعله أسبانيا الآن مع المسلمين المغاربة ، والتي تخطط لأكبر عملية طرد لهم من فوق أراضيها ، وما ذلك إلا من الخوف من الإسلام وقدرته الكبيرة على الانتشار في كل أوربا .

لم يُثبت التاريخ يوماً أن الإسلام عاش في كنف المسيحية واليهودية بسلام ، وإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى المثل على قدرته على احتضان الديانات الأخرى وهو في أوج قوته ، ففي الأندلس عاش النصارى واليهود في كنف المسلمين طيلة ثمانية قرون .

إن الهجمة الشرسة الذي يتعرض لها الإسلام هذه الأيام ما هو إلا امتداد للحروب الصليبية ، وان من يجعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي السبب لهذه الهجمة   لا يقرأ القرآن الذي يحذرنا من عداوتهم ، ولا يقرأ التاريخ لأن الغرب بقيادة أمريكا قد دمر بدل العمارتين دولتين -العراق وأفغانستان ، وها هي باكستان على الطريق ، وإن موضوع حظر بناء المآذن ما هو إلا نتاج الشحن الإعلامي الذي يشن على الإسلام عبر وسائل الإعلام الصهيونية في الغرب ، بهدف التخويف من الإسلام وعدم القبول به ، خاصة وهو الدين الأول انتشارا في الغرب بشهادة مراكز الدراسات الغربية ، وإن توظيف الأحداث الصغيرة التي يقوم بها بعض المسلمين وتضخيمها ، هو ما دأبت عليه وسائلهم الإعلامية ، مع أن هناك حوادث توازيها إن لم تكن اكبر منها قام بها صليبيون ، لم تعطيها تلك الأهمية ومنها تفجير أكلوهما وحوادث القتل في المدارس الأمريكية والأوربية ،فلم نسمع أحداً يتهم العقيدة النصرانية بالإرهاب ، بل إن هذا الإعلام نفسه وقف يختلق المبررات لما قام به المجرم الألماني الذي قتل مروة الشربيني بسبب ارتدائها للحجاب الإسلامي، ومن قبل هذا ما حدث من قتل الملايين من السود الذين تم أخذهم عبيدا من أفريقيا ، إن هذه المفارقات العجيبة تستدعي أن يقوم المثقفون المبهورين بالغرب إلى مراجعة أنفسهم ، والتوقف عن تزييف العقول العربية والمسلمة بمبادئ الغرب  لأن ما تقوم به هذه الدول لا يدع مجالا للشك  على أن الإسلام يعيش مرحلة نمو في دولهم ، ومرحلة يُتْمٍ في بلاد المسلمين  وهذا اليتم يظهر من خلال ردود الأفعال الباهتة ، من المسلمين أنفسهم على إجرآتهم  التي  تمس إسلامنا وأقلياتنا المسلمة في بلادهم  ولا نجد لها نصيرا  ولكن ولله الحمد فقد تكفل بالحفظ لهذا الدين رغما عن أنوف الحاقدين وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار : ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

 

 

 

مكر الأعداء بالمسلمين

تتوالى الأنباء في كل يوم عن تعزيز الهجمة على المسلمين في إصرار على التصدي للإسلام وأهله ، ومن أجل ذلك أمر الله  بقتالهم فقال سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ التحريم . وشدد النكير على الذين يتولونهم وحذر من ذلك بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَهُ منْهُمْ ﴾ .

والدارس للتاريخ الإسلامي يلمس أن محاولات التصدي للنيل من الإسلام والمسلمين بدأت منذ بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم  وقد بُذلت في سبيل ذلك جهوداً كبيرة لرد أصحاب هذه المحاولات على أعقابهم ، فكانت بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة وحنين، ومن بعدها اليرموك والقادسية وعين جالوت وحطين وغزوات ومعارك كثيرة   انتصر المسلمون في معظمها، وما زلنا نلمس هذه المحاولات التي لم تقتصر على الكيد السياسي والعسكري   بل تعدى ذلك إلى الكيد الفكري والثقافي والاجتماعي والتعليمي ، بل إنه شمل  كل نواحي الحياة ، وقد تكون لذلك حكمة يعلمها الله ، ويدرك بعض أبعادها الراسخون في السياسة وفقه التصدي لهجمات الكفار  يقول ابن القيم رحمه الله : إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم ، وكسرهم لهم أحيانا ، فيه حكمة عظيمة  لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل، فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله ، وانكسارهم له   وافتقارهم إليه ، وسؤاله نصرهم على أعدائهم ، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين؛ لبطروا وأشروا ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ، ولا كانت للحق دولة           ومنها : أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين، قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد . 

ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم  ويخلصهم ويهذبهم ، ويفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها بعد الجهاد والابتلاء والصبر . 

إن المسلمين اليوم يعانون من شدة هجوم الكافرين عليهم ويعانون من آثار ذلك على دينهم ودنياهم وآخرتهم .  

فاتقوا الله ربكم وتيقظوا لما يريده أعداء المسلمين من القضاء على الإسلام والمسلمين بكل وسيلة ، وما يدبرون من مكايد : ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ .

لقد تنوعت أساليب أعداء المسلمين في محاولة القضاء على ديننا بكل وسيلة ، فغزوا المسلمين بالسلاح العسكري  فأعلنوا الحرب باستعمال أقوى الأسلحة  ، وغزوا المسلمين بالسلاح الفكري ؛ لإفساد عقيدتهم وأفكارهم وذلك بالتشكيك في دينهم وزعزعة العقيدة في قلوبهم  وقد أخبر الله عن ذلك بقوله : ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ وقال : ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ   ﴾ .

وإذا لم يقتنع المسلم بما هم عليه من الكفر والضلال اقتنعوا منه بالشك والارتياب في دينه ، وفي ذلك خروجه من الدين ؛ فإن الشك في الدين كفر ، ولقد صرح -  بعض هؤلاء - الأعداء بذلك ؛ فقالوا : إننا نستبعد من المسلم أن يدخل في ديننا ، ولكن يكفينا أن يشك في دينه ثم يخرج منه إلى أي دين شاء ؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن عز الإسلام هو ذلهم والقضاء عليهم ، وأن انتصار الإسلام يعني خذلانهم  وأن قيام دولته يعني سقوط دولهم ، وقد غزونا بالسلاح الخلقي ؛ فنشروا بين المسلمين ما يفسد أخلاقهم ، بنشر الرذيلة وما يثير الغرائز والشهوات   إما بالأغاني الخليعة ، وإما بالصور الفاتنة حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته ، فيتحلل من كل خلق فاضل وينـزل إلى مستوى البهائم ، وحتى لا يكون له هم سواء إشباع غريزته من حلال أو حرام ، وبذلك ينسى دينه ، وينطلق مع شهواته ولذاته إلى غير حدود شرعية وغزونا المسلمين بالسلاح العاطفي ، فيتظاهرون بمحبة المسلمين والعطف عليهم ومراعاة مصالحهم ؛ حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين وتنـزع من قلوب المؤمنين العاطفة الدينية فيميلون إلى هؤلاء الأعداء بالمودة والإخاء والقرب والولاء ، وينسون قول ربهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾ .

أيها المسلمون : أنه يجب علينا مع هذه التوجيهات الإلهية الصادرة عن علم وحكمة ورحمة ، ألا نتجاهل دليلاً واقعيًا يوجب علينا الحذر من أعدائنا ومن موالاتهم  فإن أعدائنا لن ينسوا أن الإسلام هو الذي أسقط دولهم وأزال سلطانهم وأجتاح بلادهم ، ولن يهدأ لهم بال حتى يأخذوا بالثأر منه بشتى الوسائل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .

أيها المسلمون : إن أعداء الإسلام لا ينحصرون في طائفة معينة ولا حزب معين إن الكافرين كلهم أعداء الإسلام وهم أولياء بعض قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ . فملة الكفر واحدة ، وكلهم يوالي بعضهم بعضا ، تشابهت قلوبهم واختلفت عبارتهم وأساليبهم ، وحتى المحاكم الدولية التي أسسوها لا حظ للمسلمين في عدالتها  فهناك قرارات دولية لمعاقبة الذين اشتركوا في ما يسمى بالهولوكوست ، بينما الجرائم التي ترتكب ضد المسلمين تمر في الإعلام العالمي مرور الكرام ، فهذه إسرائيل ترتكب المجازر ضد الشعب الفلسطيني، وما زالت سجونها تمتلئ بهم على سمع هذه المحاكم ، كما لم تحرك ساكناً لما يجري في الشيشان وكشمير والفلبين والصين وأفغانستان والعراق  وقد اعترف خبير في معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن بأن الجزء الأكبر من الحروب التي يخوضها الغرب بشكل مباشر أو غير مباشر ،  هي موجهة ضد خصوم محسوبين على المعسكر الإسلامي، ويضيف أن الحرب المستمرة في جنوب السودان لا تستهدف سوى تقسيمه وإقامة دولة مسيحية وثنية في جنوبه ، تكون حاجزاً أمام المد الإسلامي نحو وسط أفريقيا ، كما أن النجاح في فصل تيمور الشرقية عن أندونيسيا يشكل خطوة أولى لإضعاف أكبر بلد إسلامي من حيث تعداد السكان .

إن علينا أن ننتبه ، وأن نحذر وأن نعتبر بالأحداث ، وأن نكون أقوياء ، لأن أعداء الإسلام اليوم ما هم إلا امتداد لأعداء الإسلام منذ بزوغ فجره ، وهؤلاء لم تزدهم الأيام إلا قسوة في قلوبهم ، وهم يريدون الخلاص من الإسلام  ومحاولاتهم لهدم أركان الإسلام لا تنتهي ، وإن علينا أن نلمس هذه الحقيقة ، حتى نعمل على إيقافهم ، وإلا فإن الله سيستبدلنا بقومٍ غيرنا ، ولا يكونوا أمثالنا قال تعالى :  ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ محمد 38  .

 

 

 

 

 

  

 

رياء الاستبداد السياسي

من طبيعة المستضعفين أن يسارعوا إلى مرضاة الظلمة وإجابة رغائبهم ، والظالم يبارك هذه الطبيعة  والدارس لتاريخ الاستبداد السياسي في الأرض يجد أن مراءاة الظلمة ، أقامت للأكاذيب سوقاً رائجة وقلبت الحقائق ، جاء ذلك واضحاً في دواوين الشعر العربي ، مطولات أجاد الشعراء في مدح الخلفاء والأمراء ، فيها من الكذب والجرأة على الله ، يروي التاريخ أن الخليفة المنتصر بالله قتل أباه المتوكل على الله ، وبدل أن يذهب إلى السجن أو يعدم ، تولى الحكم بعده ، وليس هذا غريباً في تاريخ الاستبداد السياسي ، ولكن الغريب أن يأتي شاعر مرائي ليقول :      

لقد طال عهدي بالإمام محمد  وما كنت أخشى أن يطول به عهدي

فأصبحت ذا بعد وداري قريبة  فيا عجباً من قرب داري ومن بعدي

رأيتك في برد النبي محمد            كبدر الدجى بين العمامة والبرد

اعتبر الشاعر الرجل القاتل ، يرتدي برد النبوة .

ثم إن المنتصر بالله هذا خلع أخويه المعتز وإبراهيم من ولاية العهد من بعده ، وكان أبوهم المتوكل على الله قد أخذ لهم العهد في كتب كتبها وشروط شرطها  وأفرد لكل واحد منهم جزءاً من الأعمال رسمه له وجعل ولي عهده والتالي لِمُلْكِه محمداً المنتصر وقال : المنتصر وولي عهده المعتز ، وتالي المعتز وولي عهده إبراهيم المؤيد ، وعلى هذا الترتيب أخذت البيعة على الناس ، بهذا نرى كيف يريد المتوكل أن يتحكم في ثلاثة أجيال من بعده ، على هذا النحو الشائن ، ومن المعلوم أن الله حرم على الإنسان حق توزيع تركته على ذريته ، وتولى سبحانه وتعالى توزيع أنصبة التركة على الورثة ، وإذا كان هذا حكم الله في تقسيم المال الخاص ، فكيف ساغ للمتوكل أن يقسم المسلمين على أولاده ، وبدلاً من أن يسمع رأي الدين في هذا الصنيع ، فإنه يستمع إلى شاعر  مرائي مرتزق يقول :

ثلاثة أسلاك فأما محمد        فنور هدى يهدي به الله من يهدي

وأما أبو عبد الإله فإنه       شبيهك في التقوى ويجدى كما تجدي

وذو الفضل إبراهيم للناس عصمة        تقيُّ وفيُّ بالوعيد وبالوعد

وما أكثر المرتزقة الذين يتكسبون بمثل هذا المديح    ولا يخفى ما لمثل هؤلاء ، من تضليل الرأي العام وإضاعة حقوق الله والناس ، وكيف أن الاستبداد السياسي ، ينظر إلى الناس كأنهم رق يتداول بالبيع والخلع والتوريث ، وكأنه مُلْكٌ للحاكم ، يضع يده عليه كيف يشاء ، وينفقه كيف يشاء .  

ومن المعلوم أن عصرنا الحاضر لا يخلو من مثل هذا الرياء ، الذي قد يصدر ابتغاء عرض ما ، أو لتأليف الأتباع ، لأن أصحاب الرياسة ، يمهدوا لأعمال تزرع في القلوب هيبتهم ، ويفعلوا الخير ليلفوا به الناس المعجبة ، فيكون رياؤهم امتداداً لكبريائهم  لكن الإسلام جعل هذه الصلة ، أكرم من ذلك وأنقى ، فقد جعل الحاكم إمام ، والمحكوم مقتد ، والكل يبتغي وجه الله ، فالحاكم ليس سيداً ليستعلي ويستعلن ، وإنما ليؤدي عملاً موكولاً به ، وذلك سرّ قول أبي بكر وعمر " وليت عليكم ولست بخيركم " .  وكذلك المحكوم المسلم ، ليس تابعاً ليتملق ويرائي  بل ليعين على الخير ، ويمنع عن الشر ، وهذا سرّ قول عمر : " إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني " فيقول له رجل : " لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ، فقال عمر : لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها " وجاء في خطبة لعمر " اعلموا أن شدّتي التي كنتم ترونها   ازدادت أضعافا على الظالم والمعتدي ، والأخذ لضعيف المسلمين من قويهم .. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  وإحضاري النصيحة فيما ولاّني الله أمركم ، أيها الناس : إنه لم يبلغ ذو حق في حقه ، أن يطاع في معصية الله " .

هذا هو وضع الحاكم المسلم في الدولة المسلمة  يطلب أن يُعان على الحق ، وأن يُمْنع من الباطل ويرى سلطته سياجاً للمصالح العامة ، لا مصيدة للمنافع الخاصة أو باباً للطغيان : ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ﴾ القصص 83 .

إن تعاليم الدين تدل على أن طغيان الفرد في الأمة جريمة ، وأن الحاكم لا يستمد بقاءه المشروع أو التأييد إلا إذا كان متوافقاً مع ما يخدم مصالح الأمة وأهدافها ، لأن الأمة هي مصدر السلطة ، وان النزول على إرادتها فريضة ، ونصوص الدين تدل على ذلك ، وإن سياسة تكميم الأفواه ، والتصرف في مقدرات الأمة دون قيود ، أمرٌ لا يقرِّه شرع ولا دين ، فالله لم يعطهم الملك ، ليستعلوا به أو يكونوا مثاراً للفتن ، وتلك هي الطامة التي يستأصل الإسلام جذورها ، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد لكل من ولي عملا فخان فقال : ( ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور  وإن كان مسيئاً زيد غلاً إلى غله ) رواه الدارمي . إنه الدين الذي كسر القيود  وحرر العبيد ، ووضع التعاليم التي تجعل الحاكم يتحرى العدل ، والمحكوم يكره الضيم .  إننا نعيش في عصر ، تظالم الناس فيما بينهم   فأخذوا يتطلعون إلى حقوقهم ، ويسعون لاسترجاع المغصوب منها ، عصر يتذرع المستبدون ، بالحجج الواهية ، لتبرير جرائمهم ، وليس بالعسير على من يسفك الدم الحرام ، أن يقلب الحقائق ويزورها . لقد جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض، وجعل له مهمة إعمارها، والسعي الدائم لحياة أفضل تتحقق فيها سعادة الجماعة ، وتحقيقاً لهذه الغاية، كانت الاستقامة والاعتدال نقيض الظلم والطغيان ، الذين يولدان التنافر بين الجماعة ويفسدان وحدتها، ويورثانها التنازع ، فكان قوله تعالى : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا ﴾ . فمن أراد أن يطغى ويظلم الآخرين ويخضعهم لسلطانه  ليكونوا مستضعفين لديه، عبيداً له، فإن الإنسان مأمور بمقاومة ذلك ومجابهته لأنه من غير الجائز أن يقبل المؤمن بعبودية لغير الله، وإذا ما ارتضى لنفسه الذل وقبل بالظلم دون أن يثور عليه، فإن عقابه لا يقل عمن مارس الظلم والطغيان .

فالطاغية كالقابل بالطغيان، والظالم كمن ارتضى الظلم ، فالنار هي للاثنين معاً، وهذا الحكم نراه في قول الله تعالى : ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾  .

 

 

 

   

 

 

 

 

 

على مستوى الأحداث

ينبغي أن لا تخرج خطبة الجمعة ، خارج إطار الأحداث التي تعصف بالأمة ، وليس من المنطق والحكمة ، لا بل ليس من الشرع أن يكون موضوع الخطبة في واد وما تشهده الأمة ، وتعانيه من أحداث   في واد آخر ، فما تشهده الأمة من مآسي تصابحنا وتماسينا ، مآسي وفتن ، كلما جاءت فتنةٌ غطّت على التي قبلها ، نرى بعض شعوب هذه الأمة تتعرض للإبادة والتصفية الجسدية ، تهدم المنازل   وتدمر مقدراتها ، حتى يُخَيَلُ للمرء ، أنها حرب إبادة

 ويرتكب البعض القتل والبطش ، ولا يستطيع أحد الإحاطة بتفاصيل ما يجري ، وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل واعتقال ، ليس سوى جزء يسير عما يجري من قصص دامية  ومشاهد تهز المشاعر ، إنها المصائب التي تحل بالمسلمين الذين انفرط عقدهم ، فأصبحوا بلا سلطة تجمعهم ، فاجترأ عليهم الأعداء ، يهددونهم  بهدف الاستيلاء على ثرواتهم ومقدراتهم ، وطمس معالم دينهم قال تعالى : ] يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره[

من الناس من يجيد تقليد الصالحات وإتقان أدائها  ولكنه محرومٌ من آثارها الطيبة ، بسبب قسوة قلبه  ومن الساسة من يعبد نفسه ، ويتظاهر بعبادة ربه ، وقد يدور حول مآربه ورغباته ، وهو يباشر أعمالاً عامة من وراء أخطاء تدفع ثمنها الأمة ، مثله كأبي جهل الذي كان يستطيع العودة بقومه دون أن يتسبب في هزيمتهم في بدر ، وما كان للمعركة معنى بعد أن نجت القافلة التي جاءوا لاستنقاذها ، لكن حبه للزعامة والظهور قاده وقومه إلى الهلاك . 

إن القسوة والظلم ، والفظاظة والكبرياء ، خصال ما وضعت في كفةٍ إلا هوت بها ، وإن الانطلاق من الضوابط في شئون الحكم ، يقود إلى السيطرة والإرهاب تخرس معه الألسنة ، كما أن محاولة تسويغ الواقع ، وإعطائه الصورة التي يرضاها الإسلام ، ما هي إلا محاولةً لاستدراج الدين ، إلى الرضا عن الظلم ، علماً بأنه لا خلاف على أن عقيدة التوحيد أساس الإسلام ، وأن استقرار هذه العقيدة معناه توطد حقوق الإنسان ، من حرية وإخاء ومساواة   وأن التوحيد الحق ، يعني أن البشر كافة عبيد الله  فإذا تجبر أحدهم ، وحاول فرض نفسه على غيره  وجب قمعه ورده إلى مكانه ، ولكن المتجبرين لا ينـزلون عن سلطانهم بسهولة ، ولا يسمحون لأحد أن يزلزل أوضاعهم ، وليتهم عملوا بقول القائل :    

وليت من لم يكن بالحق مقتنعا  يخلي الطريق فلا يؤذى من اقتنعا

أما علم المتجبر ، أن الحاكم  في الإسلام ، أبٌ رحيم قبل أن يكون ذا سلطان مكين ، لكنه لو علم ذلك لكانت ناحية الرحمة في نفسه ، أسبق من ناحية الشدّة والصرامة ، وتجاهل أن الحاكم ، ما كان في نظر الإسلام غير رجل مستأجر لعمل ، إن أحسن فيه أخذ راتبه ، وإلا طرد منه ، ومن كبرى المصائب أن يتحول الحاكم مالكا ، والأمة نفسها هي التي تؤجر أو تطرد .  

لقد أرخصت أحوال أمتنا الدم الإسلامي ، فأصبح أهون الدماء المسفوكة ، وإذا تألم أصحاب الغيرة لهذه الأوضاع ، نثرت حوله الإشاعات والتهم .  

لقد تمادى بعض الحاكمين في غيهم ، حينما فرضوا وجودهم على أبناء شعوبهم بالقوة، فإما أن يحكموهم ، وإما أن يقتلوهم ، لأنهم رفعوا أكفهم في وجه السوط المسلط على ظهورهم، يريدون أن يكون حكمهم أزلياً مطلقاً، يريدون لشعوبهم أن تكون دمى يحركونها بخيطانهم كما يشاءون  فمارسوا في حق شعوبهم أبشع صور الاستعباد والاستبداد، وضللوا بعض العقول فكرياً ونفسياً  حتى وصلوا إلى حد تأليه الزعماء ، وتقديس   صورهم ، فاستبدوا بحكمهم، وتغافلوا عن واجباتهم وحقوق شعوبهم ، وتهربوا من وعودهم بالإصلاح والتغيير ، فلم تقطف شعوبهم من الوعود إلا قبض الريح، ونسوا أن الكرسي تكليف لا تشريف  وما تأسوا بالسلف الصالح ، فهذا عمر بن عبد العزيز قد بويع بالخلافة ، بعد وفاة سليمان بن عبد الملك وهو لها كاره ، فأمر فنودي في الناس بالصلاة فلما اجتمع الناس في المسجد ، قام فيهم خطيباً فحمد الله ثم أثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال : أيها الناس إنني قد ابتليت بهذا الأمر ، على غير رأي مني فيه ، ولا طلب له ، ولا مشورة من المسلمين     وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه " . فصاح الناس صيحة واحدة : قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، هنا تتجلى أبهى صور الديمقراطية والشورى ، وتحمل المسؤولية الحقة ، التي تدفع الشعوب الآن ، ثمنها من دمها . وقيل إن سليمان بن عبد الملك ، حج فرأى الخلائق بالموقف ، فقال لعمر: أما ترى هذا الخلق لا يحصي عددهم إلا الله ؟ قال : هؤلاء اليوم رعيتك   وهم غداً خصماؤك ، فبكى بكاءً شديداً .

ورحم الله عمر الفاروق القائل : لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها ، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ فأين ولاة الأمور الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، فكم من بغلة سيحاسبون عليها ؟ بل كم من رقبة بريئة ستحاسبهم يوم القيامة ، وكم من ضحية ستطالب بالقصاص منهم بين يدي الله أم   نسوا قول رسولنا r : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته . . ) إن من الواجب أن يتحملوا وزر المسؤولية  وقد تكون للكرسي الذي أضلهم عواقب وخيمة   فيتحول من كرسي الأحلام  ، إلى كرسي الإعدام .

إنه لا نجاة لنا من هذه المحن ، ولا مخرج لنا مما نعاني ، إلا بما شرعه الله لذلك من وسائل وأسباب  فقد قضى الله  في كتبه ، وعلى لسان رسله ، أن يكون أولها تطبيق منهج الله ، والتوبة والرجوع إلي الله سبحانه ، وليست التوبة كلمةٌ تقال ، بل هي  الإقلاع عن جميع الذنوب والآثام ، والاستغفار منها  والتصميم على السير قدماً في سبيل الصلاح والإصلاح  وإعداد الأمة ما استطاعوا روحياً وماديا ، مقبلين بصدق وإخلاص ، على ما آتانا الله من كتاب وحكمة ، فنحل حلاله ، ونحرِّم حرامه  ونهتدي بهديه ، ونعمل بشريعته   ثم بعد ذلك ننتظر المعونة والتأييد من الله ] ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا [ .

 

 

 

 

 

 

  

 

 

تداعي الأعداء على حربنا

إن أعدائنا يضللون الرأي عندنا وعندهم  ويشوهون الصراع مع المسلمين ، بأن حربهم ، حرب على الإرهاب ، إنها كذبة مفضوحة ، لأنهم أصل الإرهاب ورعاته ، بل هم مصدِّروا الإرهاب ومنبعه ، حتى هان دم المسلمين ، من كل دول العالم ، ألا ترون ما يحصل في بلاد المسلمين من قتل وتعذيب ، وهم صامتون صمت القبور   حتى صارت الإساءة ، إلى مقدسات الإسلام ، أمراً مكرراً ، وصار اضطهاد المسلمين ، بسبب إسلامهم ، أمراً طبيعياً  من عدوٌ يفسر ما يريد ، كيفما يريد ، فيرى القصف بالأسلحة المحرمة ، ليس إرهابا  وإنما هو ضرورة ، للمحافظة على نفوذه وسياسته ، وتشجيع الدول الإقليمية   لضرب المسلمين ، باسم محاربة الإرهاب ومواجهة الخطر المزعوم ، لتنظيم الدولة  وكما قال الشاعر :

قتل امرئ في غابة   جريمة لا تغتفر

وقتل شعب  آمن    مسألة فيها نظر

والحق للقوة لا     يُعطاه إلا من ظفر

 ومع أنهم أحرزوا تفوقهم علينا ، فإننا لا نخافهم على ديننا ، بقدر ما نخاف من أدعياء الإسلام ، الذين بطشوا برجاله ، على حدٍ تجاوز كل ما يفعله الكفار، المجاهرون بعداوتهم ، وهنا نقول : فمن يرفع اعتدائهم ويوقفه إذن ؟ إنه الإسلام ، يوم تكون له دولة ، تعيد له عزه ومهابته ، روي أن السلطان عبد الحميد في سنة 1890 في زمن الخلافة العثمانية ، زمن عزة الإسلام سمع أن فرنسا تنوي عرض مسرحية ، تنال فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأرسل رسالة إلى فرنسا ، لا ليستعطفها  كحال المسلمين اليوم ، بل يأمرها ويمنعها  من عرض المسرحية ، فماذا فعلت فرنسا ؟ هل أرسلت جيشها ، لتأديبه كما تفعل اليوم  وهل تحالفت مع دول أوروبا ، لضرب المسلمين في عقر دارهم ، لا، بل أطاعت أمر السلطان ، وأرسلت رسالة تقول فيها : " نحن متأكدون ، بأن الموقف الذي اتخذناه ، تجاه أمر السلطان ، سيعزز العلاقة التي بيننا " فخلف من بعدهم خلف   يوالون الغرب ضد الإسلام ، الذي يحاول بكل ما أوتي من قوة ، ومكر ودهاء ، أن يقضي على أهل الحق ، قال تعالى : ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسُطوا إليكم أيديهم بالسوء وودوا لو تكفرون ﴾ لكن إرادة الله ، لن تترك هذا الباطل يمضي ، في طريق المكر كيف يشاء ، ليهدم صروح الإيمان وأهله ، بل إن إرادة الله وقدرته  تدافع عن أهل الإيمان ، الصادقين المخلصين ، وتمدهم بأسباب الصمود والتصدي ، أمام جبروت الباطل ، قال تعالى:﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾ قد يعجب الإنسان من ضعف المسلمين  ومن تمزُّقهم، والعداوات والبغضاء فيما بينهم، والذي أدى إلى تسلطهم ، الذي لا يدوم ، لقوله سبحانه وتعالى:﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾النساء 14  قال المفسرون : إن شرط الإيمان المذكور في قوله تعالى : ﴿ على المؤمنين ﴾ لن يتحقق ، في فترات تسلط الكفار   فبحسب النقص من الإيمان ، كان العدوان  والله عز وجل ،لا يخلف وعده ، إلا أن يكون عباده ، هم الذين نكثوا وقصروا   قال القرطبي : أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ، إلا أن يتواصوا بالباطل ، ولا يتناهوا عن المنكر  ويتقاعدوا عن التوبة ، فيكون تسليط العدو من قِبَلِهم ، كما قال تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ قال ابن العربي : ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان : ( حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا ) وذلك أن (حتى) غاية ، فيقتضي ظاهر الكلام ، أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم ، إلا إذا كان منهم ، إهلاك بعضهم لبعض ، وسبي بعضهم لبعض ، وهو ما نعانيه هذه الأيام  بالفتن الواقعة بين المسلمين ، فغلظت شوكة الكافرين ، واستولوا على بلاد المسلمين " الجامع لأحكام القرآن ، وأحكام القرآن لابن العربي ، وقيل أن المنفي : هو أن يتسلط الكفار على المؤمنين بالإفناء ، واستئصال الشأفة كاملة  أما أن يصيبوا منهم بعض الأذى ، فلا مانع من وقوعه ، لما روي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْعَالِيَةِ- منطقة من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم _ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ  وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا  فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً ، سَأَلْتُ رَبِّي  أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا ) أخرجه مسلم ، فهناك أمم تهلك بزلزال، وأمم تهلك بصواعق وأعاصير وأوبئة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام ، سأل ربه ألا تهلك أمته بسَنةٍ عامة ، أي بهلاكٍ عام، ولكن بسبب ضعفهم وتخاذلهم ، نُزِعَت هيبتهم من صدور عدوهم، وأصابهم الوهن وهو : حب الدنيا ، وكراهية الموت، وفي بعض الروايات عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا )

أخرجه مسلم عن ثوبان، إن من أشد المصائب ، أن يكون بأس الأمة فيما بينها، حتى يُهلك بعضهم بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا، ففي  البلاد الإسلامية ، نشبت الحروب الأهليَّة التي أكلت الأخضر واليابس ، ورغم هذا البلاء ، فإن المستقبل للإسلام ، وان حكمه الذي انهار ، سيقوم مرَّة أُخرى ، وأن دول الغرب واليهود ، الذين يعربدون في منطقتنا  ولهم على حكامنا ، صولة وجولة ، ستخمد نارُهم ، وتذوب دولتُهم ، فلا تقوم الساعة قبل ذلك ، نلحظ ذلك عندما نقرأ قوله تعالى : ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ والآيات كثيرة في أن الله سيظهر الإسلام ، على كل الأديان  لكن الأمرَ خاضع لقوانين ، تجب على المسلمون وهي : أن الحق لا ينتصر إلا بالمجاهدين ، وبعد صدام مرير مع مبادئ أخرى ، انخدع بها أصحابها ، واستماتوا في نصرتها ، فإن وجد المتمسكون بالإيمان  الذين وعدهم الله بنصره ، على أهل الكفر والضلال ، مهما بلغت قوتهم ، قال تعالى : ﴿ ونريد أن نم على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئِمة ونجعلَهُمُ الوارثين﴾ فالغلبة والنصر لحزب الله ، على حزب الشيطان قال تعالى : ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت  فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ إن الأعداء يحاربون الله ، والله سينتقم ممن يحاربونه ، قال تعالى : ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله يأفواههم  والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ وستكون هذه الحرب دماراً عليهم ، قال الله تعالى : ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ وإننا في شوق إلى سيادة دين الإسلام ، وسوف يُظهره الله وينصره ، إن شاء الله ﴿ ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ﴾.

 

 

 

الحاكم والسياسة الشرعية

عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل .. ) البخاري ومسلم ، أي الحاكم العادل الذي يعتقد أن الحكم تكليفاً وليس تشريفاً ، والرئاسة مغرماً وليست مغنماً ، ويعلم أنه ليس إلا خادماً يخدم الناس ويسهل لهم أمورهم ، محسناً إليهم ، محافظاً على حقوقهم ، حريصاً على تعزيز كرامتهم ، ساعياً في تلبية حوائجهم ، يقول النبي  صلى الله عليه وسلم : ( ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة ) مسلم ، ويقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .

أما السياسة فهي مشتقة من ساس الأمر ، أي دبَّره وحكم فيه ، بعد أن يكون المرء قد خبره ووعاه  وتعني بالنسبة للأمة ، رعاية شؤونها في مختلف الميادين  وعلى جميع المستويات ، فإن كانت ذات علاقة بالمال فهي سياسة المال أو الاقتصاد ، وإن كانت مرتبطة بعلاقة الدولة بغيرها من الدول ، فهي السياسة الخارجية ، وإن كانت مرتبطة بتدبير شؤون الناس في الداخل ، فهي السياسة الداخلية ، وإن تناولت مناهج التعليم وشؤونه ، فهي سياسة التعليم    وهكذا …وكل ذلك خاضع للدين ، مستمدٌ من العقيدة ، قائم على حكم الشرع ، بخلاف مفهومها الملوث والشائن عند الغرب ، إذ السياسة عندهم ، ألاعيب اتخذوها حرفةً بلا تقوى   وارتقوها سلّماً بلا خلق ، وجعلوها وسيلة وصولٍ إلى منفعة ، أو بلوغ غرضٍ دنيوي هزيل ، وإن أدى ذلك إلى الكذب والدجل والنفاق.

أما السياسة في الإسلام تقوم على الوضوح التام والصراحة المطلقة ، سياسة لا تؤله الحاكم ولا تعتقد فيه العصمة ، ولا تجيز له فعل كل ما يريد ، وإنما تقومه وتأخذ على يديه ، وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتأطره على الحق أطراً ، وتطيعه طاعة مقيدة بعدم المعصية ، يقول أبو قبيل : (خطبنا معاوية بن أبي سفيان في يوم جمعة فقال : " إنما المال مالنا، والفيء فيؤنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا . فلم يردَّ عليه أحد . فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد . فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام رجل ممَّن شهد المسجد فقال : كلا، بل المال مالنا، والفيء فيؤنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا . فلما صلى أمر بالرجل فأُدخل عليه ، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس! إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله ، سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيأتي قوم يتكلمون فلا يُرَدُّ عليهم ، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ) فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما ردَّ هذا عليَّ أحياني أحياه الله ، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم) رواه الطبراني وحسنه الألباني . فالحاكم أو الأمير في السياسة الشرعية إنما هو في الحقيقة أجير عند الناس كما قال أبو مسلم الخولاني : عندما دخل على أحد الولاة فقال له : السلام عليك أيها الأجير! فقال الناس: الأمير يا أبا مسلم! ثم قال: السلام عليك أيها الأجير! فقال الناس: الأمير! فقال الوالي أو الأمير: دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول " هكذا كان منهج التعامل مع الولاة والأمراء والحكام ، إنه منهج واضح يبين مدى معرفتهم بحقوقهم السياسية ، التي لا غموض فيها ولا تملق ولا نفاق ولا مجاملة للحاكم .

لقد انتشر المفهوم الخاطئ للسياسة ، فوصل الحكام إلى هذه الدرجة من الاستعلاء والاستهتار بالشعوب لأنهم لم يسمعوا منهم كلمة لا ، ولم يعرفوا إلا المتزلفين ، الذين ينفذون أوامرهم بلا نقاش ويطيعونهم بلا تردد ، ويوهمونهم أنه لولاهم لكانت البلاد في فوضى وخراب ، فاستأثر هؤلاء الحكام بالسلطة ، وضحوا بحقوق الشعوب ، ونهبوا الأموال  وتألهوا على العباد ، كفرعون الذي نادى في قومه : ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ والنمرود الذي زعم أنه يحي ويميت ، يشاركهم ويشجعهم البطانة المحيطة بهم فسيطر الكبر والكبرياء والغطرسة ، على سلوكياتهم فمارسوا القمع والترهيب ، فعانت الشعوب حياة المذلة والمهانة والإذلال والاضطهاد ، فوصلت إلى حدٍ لا بد فيه من انكسار الحواجز النفسية ، التي من أهمها الخوف والتردد والقلق ، فجاءت إرادة الشعوب أقوى من بطشهم وقمعهم  ، فثارت على ظلم الظالمين ، وفرضت التغيير ، إنها عودة الإرادة للذات الإنسانية ، التي لم يعد الرصاص الحي  والمطاطي, يخيف أو يرعب تلك الإرادة ، ولم يعد صوت الدبابات وهدير الطائرات يرعبها .

جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها وجعلتهم مسؤولين عن عدوانهم وأخطائهم ، وجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين ، تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها ، لأن مهمة الحاكم المسلم كما نصَّ فقهاء الإسلام هي (حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين)   وإن الدعوة إلى الابتعاد بالدين عن السياسة ، غباء ليس بعده غباء ، وإلا كيف يعقل أن يفهم الإسلام  بلا سياسة ، والقرآن بلا حكم ، إلا إذا طمسنا من القرآن آيات وحذفنا من الإسلام تشاريع عرفها المسلمون ووعوها وطبقوها عبر قرون من الزمان  كانوا فيها أعزةً بالإيمان والعلم والعمل وكان أعداؤهم أذلةً بالجهاد .

إن الحيلولة بين الإسلام والحكم ، في ديار الإسلام هدف يلتقي عليه كل أعداء الإسلام ، والذي يحزُّ في النفس أن يزعم من يحسبون أنفسهم على درجة من الفطنة والذكاء ، أنهم بهذا الفصل يسيرون في الطريق الذي رسمه الله وارتضاه ، تعسون بائسون أولئك ، لأن الفصل بين الإسلام والحكم ، معناه الفصل بين الدين والحياة ، فلا يستمد منه خلق أو مثل أو عادات أو قيم بمعنى فصل الدين عن الحياة في كل مرافقها ، وعندها هيهات أن يبقى معنى من معاني الفضيلة أو حقيقة من حقائق الخلق أو قيمة من قيم الإنسانية ، لأن القوانين التي تطبق والحكم الذي يسيطر ، لا يسأل الدين راية في عقيدة أو معاملات أو سلوك أو عادات ، وتلك خطيئة كبرى يخالف صاحبها أمر الله ، ويتنكر لتعاليم الرسالة المحمدية ، لأن الأمر بتحكيم كتاب الله ورد في أكثر من موقع في القرآن الكريم قال تعالى :{فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}المائدة 48 . كما حذَّر الله من الإصغاء لأصحاب الهوى في الآية التي بعدها فقال:{وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك}المائدة 49 .

وقد ورد النهي عن ترك بعض ما أنزل الله فكيف بمن ترك الكل ؟ ثم إن المناداة ببعض الإسلام وترك البعض الآخر ، يضع المسلمين أمام تساؤل رهيب يدفع القلوب بالزيغ والهوان فقال تعالى :{افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب ومالله بغافل عما تعملون}البقرة 85 .

لقد فهم المسلمون الأوائل الإسلام حق الفهم وأدركوا أن السياسة والقيادة جزء من الإسلام ، لأن الإسلام في نظرهم ، ليس مجرد ركعات أو أدعية   إنما هو نظام شامل يعالج شؤون الحياة جميعاً  يركِّز على التجمع على العقيدة ، واحترام العمل الصالح  سواء كان ذا صبغةٍ دينية كالعبادات ، أو دنيويةٍ كطلب الرزق ، أو الدعوة إلى الخير ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الجهاد في سبيل الله أو تثبيت الفضائل الخلقية ، كالعدل والإحسان واحترام النظام ، كانوا يعرفون الرجال بالحق ، أما الذين يعرفون الحق بالرجال ، ويثقون في أي كلام لأنه صادر من فلان ، فهم أبعد الناس من فهم الإسلام ، بل هم آخر من يقدم للإسلام خيرا أو يحرز له نصرا .

لقد كانت أعمال الحكام ومواقف العلماء ترجماناً لتعاليم الإسلام والسنة ، وهل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف إلا نصيحةً وموعظةً حسنة ، فكان العلماء لا يكتمون حكماً شرعيا في قضيةٍ تتعلق بشؤون الأمة ، لأنه آمنوا بقول الله تعالى:﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ آل عمران 187 . 

 

 

 

 

 

 

 

      الخروج على تعسف الحاكم

 هناك من يتباكون على الحاكم، ولا يعنيهم شأن الأمة، ويستيقظون على الصيحات من الظلم  والأنّات من التعسف ، ويفسرونه على أنّه خروج على الحاكم، ينظرون إلى الجراحات ، فلا تَعنيهم  ولا تحرك فيهم إنسانيّة ولا رحمة ولا غيرة، ينظرون إلى حال السلطان بكل عطف وإشفاق، ولا يريدون أن يتغير ، وليظلَّ كما هو في استعلائه، يفعل ما يريد، دون أن يجد محاسباً ولا منكراً ولا مسائلاً له عن تصرفاته ، مهما خالفت شرع الله ، لأن الكل مسخَّر لطاعته ، كما أمر الله في قوله ( وألي الأمر ) لقد نسي هؤلاء أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه الغيرة على امتهان الحيوان الأعجم ، وكان يحذر من إيذائه، فضلاً عن إيذاء الناس وسفك الدم الحرام ، وكل ما يعنيهم استمرار الحاكم في حكمه واستمرار الأمة في ذلها ومهانتها وسلب حقوقها وليلزم الجميع الصمت، وليقولوا سمعنا وأطعنا ، فإذا خالفوا فإن ذلك خروج على طاعة أولي الأمر  متناسين أن الله إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً، لغاية إنقاذ الإنسان من الاستبعاد وأن يكون عبداً خالصاً لله تعالى.

نعم جاء الأمر بالقرآن بطاعة أولي الأمر   ولكنها طاعة مقيدة بنصوص أخرى  أجمع عليها علماء المسلمين : أطيعوهم ما أطاعوا الله ، فان أخطأوا فقوموهم  وان علموا وأخطأوا فراجعوهم وحاجوهم ، وان تمادوا فانذروهم ، وإن طغوا فاعزلوهم ، فان أبوا فحاربوهم ، كما أجمع العلماء على أن كل عامل عند الحاكم الظالم آثم ، إلا من أمر بخير أو نهى عن معصية, حتى قالوا : بأن العامل الذي يحيك ثياب الحاكم الظالم يأثم بل وساقية ، بل وكل من أعانه على ظلم .

وتجاهل الداعون إلى الطاعة العمياء ، أن حفظ النصوص يفتقر إلى فقه النصوص ، ولذلك دعا النبي g لابن عباس بالفقه في الدين؛ وفي تعبيد الإنسان لله وحده يقول الحق سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ الأنبياء25 . إن شباب الأمة اليوم أيقظتهم لَسَعَاتُ الظلم، فثاروا  مستندين إلى قول الله عز وجل : ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ﴾ النساء 148، وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾الشورى 39 .

فقد أجاز الشرع للمظلوم أن يجهر بالسوء الذي يعبر عن مكامن الظلم النازل ، والشعوب التي   طال عليها أمد الظلم والكبت ، والإذلال والحرمان   تنادي بأعلى صوتها أنها ما ثارت إلا لعدم الوفاء بوعود الإصلاح ، ومن التصريحات الكاذبة بتطبيق ما وعدوا به ، وكفى الحاكم الكاذب منزلة ، أن الله لا ينظر الله إليه يوم القيامة، عن أبي هريرة أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ وملكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر) مسلم .

وما عاد الناس يصدقونه ، لأنه عاهدَ على الالتزام بالدستور فلم يفِ بعهده ، وعند الخصومة تجاوز الحد في الإيذاء  وسفك دماء الذين يطالبونه بالوفاء بما وعد ، فاعتدى على الأعراض ونهب الأموال   وهو ما يتنافى مع  علامات الإيمان؛ قوله  صلى الله عليه وسلم : (والمؤمنون مَن أَمِنَهُ الناس على دِمائهم وأموالهم) رواه أحمد، والترمذي، والنسائي . وهذا يدل على أن التسلط وقهر الناس وإذلالهم، وتسخيرهم  لطاعته في الحق والباطل  يتنافى مع مقتضيات الإيمان .    

 وقد قيد الشارع طاعة أولي الأمر بطاعة الله ، فإن عصى فلا طاعة له ، لأن وظيفة الحاكم هي حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين؛ ومن تتعارض أعماله وأفعاله مع دين الله ، فلا طاعة له ، لأن الإسلام جاء ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وقد جاءت النصوص تدل على وجوب النصح لأولي الأمر ، فقال  صلى الله عليه وسلم : (إنّه يُسْتَعمل عليكم أمراءَ  فتعْرِفون وتنْكِرون، فمن كره فقد برئَ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضِيَ وتابع) رواه مسلم  وحديث: (الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم . وما أحوج الناس اليوم إلى أن يقولوا كلمة الحق ، ولا يعينوا الظالم على ظلمه لقوله  صلى الله عليه وسلم : (إنه سيكون عليكم أمراء، فلا تعينوهم على ظلمهم، ولا تصدّقوهم بكذبهم، فإن من أعانهم على ظلمهم وصدّقهم بكذبهم، فلن يرد عليّ الحوض) رواه أحمد  والنسائي . وقوله : (تكون أمراء تغشاهم غواشٍ أو حواشٍ من النّاس، يظلمون ويكذبون، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ومن لم يدخل عليهم ويصدّقهم بكذبهم، ويعنْهم على ظلمهم، فهو منّي وأنا منه) رواه أحمد . وقوله : (أفضل الجهاد كلمة عدل عن سلطان جائر) [رواه أحمد والترمذي  والنسائي . وفي التحذير من الظلم وعدم النصح للرعيّة ووجوب الشفقة بهم : قوله  صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمّتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمّتي شيئا فَرَفَق بهم، فارفق به) رواه مسلم ،وقوله : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) رواه مسلم . والظلم مسقط للبيعة ، ناقض للتولية ، وإن الله عز وجل لما خاطب ابراهيم عليه السلام قائلا " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين " وقد تبين من الآية أن الظلم منقض للبيعة مانع من الإمامة ، ومن الظلم عدم  الحكم بما أنزل الله وتوفير الأمن والأمان ، والعدل بين الرعية، وتسوية المظالم ، والقيام بحق الدعوة تعليما وتوضيحا ، ووضع الخطط الملائمة لمواجهة الفقر والبطالة ، حتى نكون كما قال صلى الله عليه وسلم : ( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ " لا كما في تتمة الحديث "وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ) رواه مسلم ، ومن سنن الله الجارية في كونه أن من أمن العقوبة أساء الأدب حاكماً كان أو محكوماً . اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا ، وألف بين قلوبنا واجمع كلمتنا على الحق والعدل اللهم آمين .

 

 

 

 

 

 

 

محاربة الإسلام باسم محاربة التطرف

كثيراً ما نسمع ذكر التطرف في الصحف ولإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى ، وهناك من غالى وتشدد في فهمه ، وهناك من أفرط وتساهل ، والكل يفسر هذا المصطلح على حسب مدرسته الفكرية وميوله وهواه ، ومبادئه وأهدافه ، وما يرمي إليه من إطلاق  عبارة التطرف ، وبننا وبين الغرب في تفسير مفهوم التطرف والإرهاب تباين كبير ، فهناك من يكره كل الكره ما أنزل الله ، وهناك من يريد قتل الشعب باسم الشعب ، ووأد الحرية باسم الحرية ، وهناك من يفعل بالمسلمين الأفاعيل باسم الديمقراطية ، وهناك من رجال الدين من يمشي في مواكبهم راغباً في دنياه زاهداً في أخراه ، مستوجباً لعنة الله ، لقد ضيقت الحرب الشاملة المعلنة على الإسلام والمسلمين الخناق على كل فرد وكل بيت وكل عائلة ، وأصبحت تمسهم في أعز ما يملكون في دينهم وعقيدتهم ونظام حياتهم . إن مفهوم التطرف والاعتدال والمعتدلين  يتردد على ألسنة الحكام والمفكرين ووسائل الإعلام   وذلك عند الحديث عن الحركات الإسلامية ، أو عند الحديث عن أفكار الإسلام ، بل لقد أصبح الغرب الكافر يرصد واقع المسلمين ، ويعد الدراسات والأبحاث لمواجهة ما يسمى بالتطرف  وما هو في الحقيقة إلا لمحاربة الإسلام وحملة دعوته للحيلولة دون عودته إلى واقع الحياة . كما أنهم يعملون على توفير الجو الملائم لتسلط الطواغيت وإرهابهم للناس ، ورغم كل محاولاتهم فقد برز الإسلام على الساحة كعامل سياسي ، يتطلع إليه المسلمون ، ليتخلصوا  من الواقع السيء ، وهذا ما دفعهم إلى محاربة الإسلام ، ووصف حملته بأنهم قتلة وإرهابيون ومتطرفون ، ليثيروا عداء الشعوب للإسلام والمسلمين ، فكانت ألفاظ التطرف والمتطرفين والإرهاب والإرهابيين، والاعتدال والمعتدلين، التي يشهرونها في وجوه المسلمين العاملين بالإسلام وللإسلام، وقد صرفوا هذه الألفاظ عن دلالتها ، والمعاني التي وضعت لها عن خبث وسوء نية ، فقد عابوا على المسلم إذا التزم تعاليم الإسلام ، التي توجب عليه الجهاد لرد العدوان إذا شنه البغاة ، وسياجاً لحفظ الحقوق ، إذا امتدت إليها أيدي الطامعين ، ولماذا يطلب منا أن نقطع صلتنا بالله ، وإعلان براءتنا من الإسلام ، عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة ، ولماذا يستغرب منا أن نستمد من ديننا روح الجهاد ، ولماذا يعتبرون المجاهدين متطرفين ، إنهم يتلاعبون بالألفاظ  ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، فالذين يموتون من أجل المقدسات ، ويقاتلون من احتل أرض المسلمين  ليسوا متطرفين ، إنهم مجاهدون وليسوا متطرفين   لأن التطرف لون من الغلو الممجوج ، لكنها الصليبية التي ترى الفتك والقتل دينا ، وتجعل من ينكر على الحكام ظلمهم ، وحكمهم بأحكام الكفر متطرفا، وتجعل من يسير في ركابهم ، ويعمل للإصلاحات الجزئية مع بقاء العمل بأنظمة الكفر معتدلا . علماً بأن الاعتدال شرعاً : هو الالتزام بالأحكام الشرعية والاستقامة عليها ، والإتيان بها على الوجه الذي شرعه الله تعالى ، فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض، أو يوجب على نفسه لبس الخشن من اللباس تقربا إلى الله، أو يحرم العمل السياسي ، ويقصر الإسلام على العقائد والعبادات والأخلاق وبعض المعاملات ، او يمتنع عن الزواج لانه يلهي عن العبادة وقيام الليل، كل هؤلاء يعتبرون متطرفين ومتنطعين لأنهم جاوزوا حدود الأحكام الشرعية ، والذي يلتزم أحكام الله تعالى ويبتعد عن نواهيه ويجاهد الكفار ، ويقول الحق أينما كان ولمن كان دون خشية أو خوف ، فمن يفعل ذلك لا يكون متطرفا أو متزمتا ، وإنما هو معتدل وملتزم بأحكام الله تعالى .

والمسلمون جميعا ملزمون بالتقيد بأحكام الإسلام والإتيان بها كاملة ، وفق ما شرعه الله لعباده دون زيادة فيها أو نقصان، والوقوف عند حدود الله فيها وعدم تجاوزها ، حتى لو ناقضت مصالحهم وأهواءهم وعاداتهم وقوانينهم  ، فدين الله أحق أن يتبع وحدود الله أولى أن تصان ، وأحكام الإسلام من الواجب أن تطبق ، وكل من يعمل لذلك فهو ملتزم ومعتدل   أما من يخالف هذا فهو المتطرف والآثم : ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾. ومباديء ديننا وعقيدتنا توجب على المسلمين الإنكار على الحكام الظالمين  لما روى أبو إمامة عن النبي عليه السلام قوله : ( أعظم الجهاد كلمة حق تقال في وجه سلطان جائر )  وفي رواية لعبد الله بن مسعود : ( لتأخذن على يد الظالم  ولتأطرنه على الحق أطرا ) وتمام الرواية عن حذيفة ( أو ليوشكن الله  أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم ) . كما ويحظر على المسلمين موالاتهم قال تعالى : ﴿ لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ وقال : ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾.

ومن الجدير بالذكر أن التطرف ليس له دلالة شرعية لان هذه اللفظة لم ترد في النصوص الشرعية ولم يستعملها فقهاء الإسلام، ولذا فانه ليس لها سوى الدلالة اللغوية فحسب، والتطرف في اللغة : مشتق من الطرف ، وهو ناحية الشيء القصوى من إحدى الجهتين ، وهو مجاوزة حدّ الاعتدال ، ويقال رجل متطرف ، أي لا يثبت على أمر، وإذا أردنا أن نستعمل اللفظة في الشرع قلنا : إن التطرف هو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع، أي مخالفة أحكام الإسلام . وأما الوسطية فهي إحدى خصائص هذا الدين الإسلامي، فهو وسط بين الإفراط والتفريط ، وبين التشدد في العبادات  والمروق من الدين بدعوى الترخصات ، والتطرف في الدين مذموم من كلا الجانبين، فالإفراط مذموم  والتفريط مذموم، وقد حرم الله الغلو والتنطع في الدين قال تعالى: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ ﴾النساء171 وفي الحديث: ( إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ) . رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني. وفي الحديث: ( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثاً ) مسلم .

 وقد أطلق العلماء قديما كلمة المتطرف على القول المخالف للشرع ، وعلى الفعل المخالف للشرع .

والتنطع : هو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة  والتنطع داء لا دواء له ، إلا بتركك إياه برمته ، أما الغلو: فهو كما قال النووي : الزيادة على ما يطلب شرعا . وقال ابن حجر : هو المبالغة في الشيء  والتشديد فيه بتجاوز الحد ، ولذا يمكن القول : إن الغلو تجاوز ما أمر الله - تعالى - من جهة التشديد .

إن الإسلام قد حدد أحكاما شرعية ، وأمر المسلمين بالتزامها ، ونهاهم عن مخالفتها ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ وفي الحديث ( إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها ). والحدود التي أمر الله بالتزامها ، ونهى عن التعدي عليها ومجاوزتها ، هي أحكام شرعية بينتها الشريعة الإسلامية قال تعالى : ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ والإسلام يحرم أن يسود مجتمعه ، كل ما لم ينبثق عن العقيدة الإسلامية ، من أفكار وأحكام وآراء : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ وقال عليه السلام : ( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) . ومن قال بأن الإسلام دين عبادات وأخلاق ولا دخل له بالسياسة أو الدولة ، مستندا إلى مقولة : دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، فإن رأيه هذا مردود عليه ، لأنه ليس من الإسلام في شيء ، بل هو إنكار لما ثبت بالتواتر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاكما ورئيسا لدولة يحكم الناس فيها بأحكام الإسلام ، التي عالجت جميع نواحي الحياة .

وعليه فإن من الخطأ الفادح أن يجعل التطرف سهما يطلق على كل رأي أو سلوك لمجرد وجود تخوف معين من نتائج هذا الرأي ، أو آثار ذلك السلوك أو لمجرد مخالفة أي منهما ، لهوى أو مصلحة، بل لا بد من أن يكون هناك مقياس يقاس به كل رأي وكل سلوك فتعرف شرعيته في الإسلام ، من عدم شرعيته ، ويتقرر حينئذ رفضه أو قبوله أو تبنيه أو محاربته ، والإسلام هو الحجة ، فإذا فُهم حق الفهم وتحقق عند المسلمين الوعي على أفكاره وأحكامه فإنهم عندئذ يكونون بمنأى عن الوقوع في التطرف ومغالطات التطرف ، ملتزمين بقوله  صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ) .

  

 

الأوضاع العربية

لقد عمل أعداء الإسلام وما زالوا يعملون على تفتت العرب ، وإبعادهم عن دينهم ، وكرَّسوا جهدهم ليضمنوا لهم التفوق والنصر .

أما العرب فيمضون منحدرين إلى القاع ، العقيدة تذبل وتنكمش ، وروح الجهاد مفقودةٌ ، وقد أعرضوا عن تعاليم الإسلام وشرائعه ، الأمر الذي أدى إلى انهزامهم والتفريط بثرواتهم وبذلها رخيصة لأعدائهم ، لأنهم استهانوا بدينهم ، وتهوين قيمه ومثله وأحكامه ، إضافةً إلى نجاح الغزو الثقافي  الذي أفلح في خلق شباب يُقاد من غرائزه الجنسية  ويُغرى بعبادة الحياة الدنيا ، وينسى ربه وآخرته  ومع شدَّة وقع مطارق الهزيمة ، التي مُني بها العرب  سواء على مستوى المعارك أو المفاوضات  واستماتة البعض في الإعراض عن دينهم مصدر قوتهم ، والذي بدونه لن يكون هناك توفيق ونصر على عدونا رغم أننا أكثر منهم عدداً وأقوى عُدَّةً  لأننا لم نحسن القتال بما حملنا من سلاح ، ولا ثبتنا به  ولا استطعنا إيذاء عدونا ، لذلك كانت هزائمنا فريدة ، فيما نتركه من إنطباعات مُخزية  

والذي يرجع إلى أسباب خلقية ودينية ، وبما ابتليت به الأمة ، بمن يكذب عليها  ، مما أدى إلى ضياع أرضنا وشرفنا ، ويومنا وغدنا ، كما أحدثوا تخريباً شديدا في ضمائرنا وأفكارنا  فأوجدوا نفوساً تحسب حساباً لكل شيء إلا لله وحده .

إن مما يدعو للأسى أن نتخلى عن رسالتنا ، في الوقت الذي يعمل أعدائنا ، لإذلال المسلمين وتهب ثرواتهم ، وفرض سياسة التجويع عليهم   وأبواق الدعاية في الشرق والغرب  تسكت عن هذه الممارسات .مما يدعوا للتساؤل : هل يباح لهم أن يفعلوا ما بدا لهم ولا يُباح للمسلمين  رد الأذى ؟ أم يا ترى صار القضاء على الإسلام هدفاً مشروعاً  وأصبحت المطالبة بدفع الأذى عن المسلمين عملاً مستهجناً  ؟  أي لغوٍ وأي إفك هذا  ؟ أليسوا وراء جميع الأزمات المادية والروحية  التي تدوخ العالم ، وتميل به عن الصراط المستقيم ، ولماذا يُحسنون الظن بمن  يخفي وراءه نيات سوداء للبشرية ، وبمن هم تجسيد لكل الأحقاد التي طفحت ضد الإسلام والمسلمين ، ساعدهم في ذلك تفريط المسلمين بدينهم ، ونسيانهم لرسالتهم ، وتحولهم إلى شعوبٍ مُتعطلة مُتبلدة ، مما أدى إلى هذه الأوضاع المأساوية التي نعيش .

إننا لم نخف الله فخوفنا الله بذباب الأرض   وجعل الأقربين والأبعدين ينظرون بشماتة وازدراء إلي جراحاتنا ، التي لا ينقطع لها نزيف .

إن المصائب تصب على المسلمين من أعدائهم   في وقت توجد فئةٌ منهم ، لو تَسلْلَتَ إلي ضمائرهم لوجدت حالهم يقول بأن أعدائنا  أولى بالأموال من أصحابها ، تلك هي سريرة البعض  الذين يحكمون علينا لا لنا …لماذا  ؟ في تقديري إنه أرفق عقاب ينزله الله بأمةٍ تخلت عن دينه  وأدارت ظهرها لتعاليمه .

إن المتع التي استوردنا من الغرب ، تكفي لتدمير أمة ناهضه  فكيف بأمة عليلة ؟ إنه ليُخيلُ إلّيَّ أنهم لو كشفوا عن خباياهم ، لمنحوا بعض المسئولين في البلاد العربية جوائز سخية ، لأنهم هم الذين مهدوا طريق الغزو ، واطفأوا نار المقاومة   ودمروا روح الإيمان ، ومزقوا أواصر الوحدة  وربوا أجيالاً متنكرةً لدينها ، ولغتها وتقاليدها ومُثلها ، والسؤال هنا : هل هناك نجاةٌ مما نعاني ؟ وكيف ؟ إن النجاة تكمن في معالجة الأمور على منهاج النبوة ، ويوم يكون الدين سلاحاً روحياً ومادياً ويكون الإسلام مطبقاً بالفعل ، وإلا كيف يطلب من المسلمين أن يتجردوا من دينهم في لقاء عدوهم ؟ وهل يصمد المسلمون بقلوب خربة  أمام أعدائهم الذين لهم دينهم ، الذي يلهب حماسهم ويدفعهم إلى عداوتنا وإيذائنا ، ويجورون علينا ، ويهشون لمصائبنا ، ويشمتون من هزائمنا ، بل يشاركون في صنعها ، إذ بسلاحهم نُقتل ، وبسياستهم نُخْذَل ، في الوقت الذي ابتلينا فيه ، بجماعةٍ مَرَدوا على النفاق ، ولم يعرفوا إلى التوبة طريقا  واخذوا يُمَنون الأمة بكلام كذب ، لا يزيدها إلا خبالا ، وينقلها من كبوة إلى أخرى أسوأ وأبشع  ومن هنا كان السبب الأول والأخير لهزائمنا   فقدان العقيدة ، وعدم الالتزام بالمنهج ، ونضوب معين الإيمان من قلوبٍ تعلَّقت بالشهوات ، ونسيت المثل والمبادئ .

إن الأمر لا يحتمل الميوعة ولا التسويف ، وعلى المسلمين أن يستيقظوا من غفلتهم ، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم وتاريخهم في وجه الهجمة   العقائدية ، التي تستهدف إجتثاث جذورنا ، والتطويح برسالتنا ومكانتنا . وإنه لن يحمينا من عدونا إلا الإسلام ، يوم نعتصم به خُلقاً وشرعاً  وسيرةً ونظاما ، لأنه لا قيمة لأحدث الآلات   إذا تولت إدارتها قلوبٌ خربة ، ولا قيمة لأفتك الأسلحة ، عند قلوبٍ مقطوعة عن الله ، مولعةٍ بالشهوات .

إن بناء النفوس والضمائر ، يسبق بناء المصانع والجيوش ، وكلاهما لا يتم إلا وفق تعاليم الإسلام  تنشئةً تصوغ الأجيال الجديدة ، وتقاليداً تحكم العلاقات السائدة ، ورعاية لظاهر الإسلام وباطنة  للعبادات المفروضة ، ومقاطعةً حاسمةً لكل ما يتنافى مع مبادئ الإسلام .

إن إعادة الحياة إلى العقيدة الإسلامية ، لتحتل مكانها أولاً في الضمير ثم في الشريعة ، لترسم خط السير في المجتمع الكبير ، وهو وحده طريق الخلاص مما نحن فيه قال تعالى :﴿ وما لنا ألا نتوكل على الله  وقد هدانا سُبُلنا ، ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ إبراهيم 12.        

 معاناة المسلمين من جور الكافرين

لم تكن الأحداث التي يعانيها المسلمون هي الأولى  ولن تكون الأخيرة فالتاريخ حافلٌ بأقدار من الخير والشرّ ، دارت بشأنها سنن وجرت بسببها ابتلاءات وحصلت بعدها تغييرات في أحوال الأمم والمجتمعات .

 وإذا كان لهذه الأحداث تأثيرٌ علينا ، فما هو المطلوب منا ؟ ومتى نُعِدُّ للأمر عدته ؟  ولماذا لا نكون كالجسد الواحد يشدُّ بعضه بعضاً؟  إن ما يطرحه زعماء الكفر وأعوانهم في بقية العالم شنشنة معروفة يطرحها المنحرفون حيثما تبور سلعهم ، وهيهات أن يغتر بها إلا الضالون والمنافقون .

فتصريحات زعماء الكفر ومخططاتهم تحمل في صريح عباراتها الحقد والكراهية وحب الانتقام وهو يعكس ما تنطوي عليه نفسيتهم من كره للإسلام والمسلمين   ونحن بدورنا نتألم على هذا الواقع المرير ، حيث أُصيبت الأمة بالإحباط وهي ترى مساندة الكفر وأهله من قبل فئة من المسلمين ، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ ديننا لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم ) . إن مساندة دول الكفر معصية ومخالفة لله وعدم إحساس بالمسؤولية وضعف بالانتماء للإسلام   لذا كانت مواقف المسلمين المؤيدين لما يتخذون من قرارات جائرة ضد الإسلاميين ، سلبية تدفعهم إلى اللامبالاة بالأحكام الشرعية والاستهانة بشعوبهم وعدم الاكتراث بمشاعرهم ، والوقوف إلى جانب المجرمين الذين عاثوا في الأرض فساداً وتلوثوا بدماء الأبرياء . متجردين من وازع الخوف من الله تعالى والالتجاء إليه والاعتماد عليه لأن قلوبهم امتلأت تعظيماً لأعداء الله وثقة بهم ، وقد تعاموا على إدراك الوقائع والأحداث ناسين أن الارتماء على أعتاب دول الكفر من علامات الخزي والخذلان ، ومتناسين تكفل أهل الكفر بتفكيك العالم الإسلامي وفرص سيادتهم عليه ونهب ثرواته وتصدير نظمهم إليه وفرض القرارات الجائرة عليه وربطه بالسياسة والاقتصاد والحصار لتأخذ صفة الإلزام حتى يردوهم عن دينهم ، وهذا ما أخبر به سبحانه وتعالى:}ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق{.البقرة 109

ومهملين الواجب المطلوب منهم من مدافعة الشر ومقاومة أهل البغي والظلم بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى:}وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة{.

فالسلاح وبناء الجيوش قوة ، والكلمة الجريئة التي تفضح مخططات الأعداء والمنافقين قوة والإلحاح على الله بالدعاء على الأعداء والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة .

أما التخلي عن أحكام الإسلام لإرضاء الأعداء أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم أو الوقوف موقف المتفرج لما يعانيه المسلمون فهو ضعف يمقته الله .

إن ما يواجه المسلمين اليوم باسم محاربة الإرهاب   اخطر من الغزو الصليبي والاجتياح التتاري   وهي مصيبة أكبر من أي كلام بلا عمل ، ومن أي عمل بلا فقه ومن أي فقه بلا إخلاص ، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية أو العصبيات الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية ، إنها أشق من أن تتحمل مسئوليتها جهة واحدة ، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها دولة واحدة ، إنها بحاجة الى تحرك على مستوى كل المسلمين بعد أن يعلنوا الولاء الصادق لله ورسوله 

وعندها مهما طال زمن المواجهة ، وعظمت مشقتها ، ومهما كثرت الخسائر ، فالعاقبة للإسلام ، رغم كل الضغوط التي تصب ظلماً وعدواناً ضده ، وضد الداعين إلى التحاكم الى شريعة الله ، نعم إن دين الله باق مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام ودعاته ، وهذه حقيقة علمنا إياها الله سبحانه بقوله } هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون{ التوبة 33 

ورغم أن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر   إلا أن عاقبتهم الخسران والدمار لأن الإسلام قادم رغم كل السدود والعوائق والقيود وصدق الله :     ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون { الأنبياء 105 .

                          

 

 

 

أساليب الأعداء في الكيد على الإسلام

قال تعالى : ﴿ إنَّهٍمً يّكٌيدٍونّ كّيًدْا ﴾ تؤكد هذه الآية القرآنية حقيقةً ثابتةً على مر العصور في مواجهة أهل الكفر والباطل لما سبحانه وتعالى من الشرائع، إنها حقيقة كيد أعداء الدين ، ووقوفهم ضدّه ، فالكيد من الأعداء مستمر لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وفي هذه الآية الكريمة ما يردُّ على المستغربين من المسلمين في هذا العصر الذين ينفون فكرة مؤامرة الأعداء ضدَّ الإسلام والمسلمين   ومخطَّطات أهل الكفر والعصيان ضد دين الله وأهله وأنصاره ، متعددة ومتنوعة ، فمن الناحية العسكرية  أعلنوا الحرب على المسلمين ، بأقوى الأسلحة ، ومن الناحية الفكرية ،  حاولوا التشكيك في دين الله وزعزعة العقيدة في قلوب المسلمين ، بما ينشرونه من كتب ورسائل ، وما يلقونه من خطب ومقالات بالطعن في الإسلام وقادته ، قال تعالى : ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ .  

وإذا لم يعتنق المسلم ما هم عليه من الكفر والضلال اقتنعوا منه بالشك في دينه ، وفي ذلك خروجه من الدين ؛  فقد قالوا : " إننا نستبعد من المسلم أن يدخل في ديننا ، ولكن يكفينا أن يشك في دينه ثم يخرج منه إلى أي دين شاء " وهذا صموئيل زويمر رئيس جمعيات التنصير؟ يقول في إحدى المؤتمرات : " إنكم إذا أعددتم نشأً لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام وجعلتموه لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى تصبح الشهوات هدفه في الحياة، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوّأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات، إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات " يكيدون لأنهم يعلمون علم اليقين أن عز الإسلام هو ذلهم والقضاء عليهم ، وأن انتصار الإسلام يعني خذلانهم ، وأن قيام دولته يعني سقوط دولهم ، ومن الناحية الخلقية نشروا بين المسلمين ما تفسد به أخلاقهم ، وتفسد به آدابهم ، وتفسد به قيمهم ؛ إما بالأغاني الماجنة والقصص الخليعة ، وإما بالصور الفاتنة حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته يتحلل من كل خلق فاضل، وينزل إلى مستوى البهائم ، وحتى لا يكون للمسلم إي هم سوى إشباع غريزته من حلال أو حرام ، وبذلك ينسى دينه ويهجر كل فضيلة ، وينطلق مع شهواته ولذاته  ومن الناحية العاطفية ، تظاهروا بمحبة المسلمين والولاء لهم والعطف عليهم ومراعاة مصالحهم  حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين ، فيميلوا إليهم بالمودة والإخاء ، والقرب والولاء ، الذي جاء النهي عنه صريحا في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾ .  يعلمون أن قوة الإسلام والمسلمين تكمن في عقيدتهم  ، وما يملكون من  الثروات التي تعيش عليها الأمم الأخرى ،  إنهم يتزودون بسبعين بالمئة من الوقود الذي تقوم عليه الحضارة الصناعية المعاصرة ، ويملك المسلمون ضمن مجموعة الدول النفطية مردوداً مالياً نقدياً يوازي ميزانية أكبر دول العالم ثلاثة مرات سنوياً ، كما يملك المسلمون قدرةً على التنامي السكاني ، الذي يمكن أن يهدد العالم      ولذلك يكيدون ، والله لهم بالمرصاد وسينصر عباده المؤمنين ، فقال تعالى :﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الحساب ﴾ وما علموا أنهم في حرب مع الله ، ومن كان في حربٍ مع الله فهو خاسر ومهزوم قال تعالى : ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز ﴾ 

 لقد تجمعت كل القوى على معاداة الإسلام  فتحالفت الصهيونية العالمية التى تمثلها إسرائيل وكل المجامع الماسونية والنوادى اليهودية ، مع الصليبية العالمية ، وانضمت إليهم الشيوعية الملحدة ، لإبعاد        الإسلام من الطريق ، وظل تمزيق العالم الإسلامي حلماً بالنسبة لهم ،  وكان القضاء على الخلافة الإسلامية من أولى الأولويات عندهم ، لما لها من أهمية كبرى في الإسلام ؛ ففضلاً عن أنها تقوم بحماية الدين والسهر على تنفيذه، فهي تقوم على حماية المسلمين وتوحيد كلمتهم ، بحيث يتمكنون من الدفاع عن عقيدتهم وأوطانهم، وحتى ينفرط عقد هذه الخلافة ، فقد ركز الأعداء على إحياء النزعات القومية والعنصرية التي مزقت الخلافة الإسلامية .  وحتى تستمر الأمة المسلمة في حالة ضعف  أدرك العدو أنه لابد من الهيمنة على نظم الحكم في العالم الإسلامي ، عن طريق إعداد طبقة من الموالين لهم من أهل تلك البلاد وتسليمهم مقاليد الحكم  .  وعن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة العامة ، عملوا على إحلال القوانين الغربية محل القوانين الإسلامية  وعلى سبيل التمويه والخداع أُطلق على هذه العملية اسم (العلمانية) وتحقق لهم ما أرادوه ، من فصل الدين عن الدولة، فتمزق الشباب المسلم وتحللت المجتمعات الإسلامية وانتشر الصراع الداخلى بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة.

 وفى مواجهة المد الإسلامى الفكرى شجع الأعداء على تكوين الفرق الهدامة المنسوبة للإسلام لضرب الإسلام وتشكيك المسلمين فى دينهم، ومساعدة هذه الفرق ، فى محو فكرة الجهاد من الشريعة الإسلامية والترويج لفكرة أن الإسلام لم يعد صالحاً للعصر الحديث، وليس خافياً أن هذه الفرق تحظى بحماية كاملة من أعداء الإسلام ، لإنجاح خططهم ومؤامراتهم، لإضلال المسلمين وإفسادهم وإخراجهم من دينهم،  قال تعالى: ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ 

فقد تآمروا وأشعلوا الحروب بين المسلمين    فقسموهم شيعة وسنة ، ولم يكتفوا بذلك بل واصلوا تجزيء المجزأ ،وتشتيت المشتت ، ولن يتوقفوا عن عبثهم بنا،حتى يصبح كل واحد منا أمة ، له مذهبه وطقوسه واستقلاله الذاتي.

تآمروا على نسائنا وبناتنا،فأصبحن بعد التستر متهتكات،وبعد الخلق الفاضل فاسقات،وبعد التحجب عاريات ،وبعد الحياء والحشمة والوقار فاتنات ، وتآمروا على شبابنا في أخلاقه ، وطريقة لبسه وموضة حلاقته وكل اهتماماته..

إنها المؤامرة على الإسلام والمسلمين ، والسؤال هنا : هل نستسلم لأصحاب نظرية المؤامرة ، أولئك الذين يردون كل انكساراتنا وخيباتنا وهزائمنا وأسباب ضعفنا ،إلى مؤامرة ،نسجها بليل أعداء الأمة ، وواصلوا تآمرهم علينا ، وهل وُجدت الدول والأمم إلا لكي يكيد بعضها لبعض؟ أوليس دأب الدول والأنظمة السياسية التآمر على بعضها لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية؟  وكم هو طويل ومتشعب تاريخ المؤامرة ،وكم هي متداخلة سلاسله   وهل مكتوب علينا أن تكبلنا من بين كل العالمين ؟ وبأي منطق ، وتحت أي ذريعة نستسلم لنظرية المؤامرة ؟ أما آن لنا الرجوع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ، وندع الأماني والتمني : 

وما نيل المطالب بالتمني  ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

فكيف نطرب ولا نغضب ؟ وكيف نأمل ولا نعمل ؟ وكيف نتألم ولا نتعلم ؟

 كفى أن نجعل من نظرية المؤامرة  كابوساً مخيفاً، أو شماعة نلقي عليها كافَّة الأعذار التي تحول بيننا وبين ما نتطلع إليه من اللحاق بركب التنمية والتجديد والتنوير بمفاهيمها الإسلاميَّة    

قد يأتي هذا التبرير لدى كثير من الناس متدينين وغير متدينين، فبعضهم يعتقد أنَّ كل شر أتى لهذه الأمة فهو بسبب الكفار والغربيين تحديداً، وكل خطأ يقع في بلادنا من نواح سياسيَّة أو اقتصادية فهو بسبب عدونا، ويتناسون أنَّ هنالك الكثير من الأخطاء التي صنعناها بأيدينا ونحن عنها غافلون.

 ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾هود 117 .

 

 

 

 

 

  

 اهتمام دول الكفر بالثورات العربية

لم تكن الأحداث التي وقعت في العالم العربي هي الأولى ، ولن تكون الأخيرة فالتاريخ حافلٌ بأقدار من الخير والشرّ ، دارت بشأنها سنن وجرت بسببها ابتلاءات ، وحصلت بعدها تغييرات في أحوال الأمم والمجتمعات ، وإذا كان لهذه الأحداث تأثيرٌ علينا   فما هو المطلوب منا ؟ ومتى نُعِدُّ للأمر عدته ؟ ولماذا لا نكون كالجسد الواحد يشدُّ بعضه بعضاً ؟ إذا علمنا أن أطرافاً عديدة غربية وعربية ، اتهمت أمريكا في تحريك الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية   من خلال تدريب الناشطين السياسيين العرب على التظاهر السلمي ، والعمل على إسقاط الأنظمة الاستبدادية بطرق سلمية ، لكن أمريكا تعاملت مع كل ثورة عربية بمعزل عن الأخرى   بالرغم من إن الهدف واحد ، وهو إسقاط الأنظمة الاستبدادية ، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية جديدة  وتسعى أمريكا أن تضع هذه الأنظمة الجديدة تحت لوائها وسيطرتها ، والتصريحات التي تصدر تحمل في صريح عباراتها ، الحقد والكراهية وحب الانتقام  كما تعكس ما تنطوي عليه نفسيتهم من كره للإسلام والمسلمين ، وما يمكرون ويخططون ، فقد صرح بذلك كثير من الكتاب   في إشارة إلى أن أمريكا ربما ترعى هذه الثورات العربية لمقاصد كثيرة  من أهمها شغل العرب عن القضية الفلسطينية  والحفاظ على أمن إسرائيل .

أما في حالة وصول نظام حكم غير مرغوب فيه أمريكيا, فإن الخطة الأمريكية لإسقاطه جاهزة عبر الوسائل الديمقراطية أيضا, وهو ما أشار إليه كتاب صادر عن أحد المؤسسات الأمريكية الشهيرة في الولايات المتحدة, وهي مؤسسة بيت الحرية في واشنطن , والتي يرأسها شخص يهودي هو بيتر أكرمان, هذه المؤسسة التي تحصل على تمويلها من الخارجية الأمريكية, وتعمل على نشر فكرة تغيير الأنظمة بصورة ديمقراطية غير عنيفة ، من خلال دعم مراكز حقوق الإنسان, وبعض الصحف المستقلة على مستوى العالم. ولقد أصدرت هذه المؤسسة كتيبا بعنوان: "كيفية الفوز بالحرية " قام نائب أكرمان ، السفير مارك بالمر بعرضه أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ "يونيو2006".والكتاب يتضمن ‏67‏ طريقة لقلب نظم الحكم بصورة سلمية من خلال منظمات المجتمع المدني ، بتكتيكات المقاطعة والمظاهرات الكبرى‏ وتعطيل المرور والإضرابات والاعتصامات   والعصيان المدني ، وتجريد الحكام من الشرعية وتقليص مصادر دعمهم ، من خلال تحويل ولاءات من يحمونهم من الشرطة والجيش والمخابرات‏  والمطالبة بزيادة الدعم المالي لنشطاء حقوق الإنسان  في المناطق المرغوب التخلص السريع من أنظمتها السياسية‏ ، وتدبير وسائط الإنترنت والهاتف المحمول لتسهيل الاتصالات الدولية بين النشطاء ، الذين سيقومون بالانقلاب ، وبين داعميهم في الخارج‏ وزيادة تمويل الإعلام المستقل الموجه أمريكيا  بنحو‏100‏ مليون دولار سنويا وتسليمها لنشطاء حقوق الإنسان‏ ، وتوصيل الدعم المالي مباشرة للنشطاء الشبان في المرحلة الوسطي من العمر". هذا الكلام الهام الصادر عام 2006 يكشف عن التكتيكات الأمريكية في التعامل مع النظم غير المرغوب فيها أمريكيا ، وإذا خرجت الثورة من براثن وأنياب واشنطن, فإنها ، تتربص ما ستسفر عنه مرحلة ما بعد الثورة, فإذا أفرزت نظاما يحقق لها مصالحها ومصالح إسرائيل بالتبعية ، فلا بأس في ذلك, أما إذا كان الأمر خلاف ذلك, فإن خطة" بيت الحرية" جاهزة للتطبيق مع إدخال بعض التعديلات عليها.ونحن نتألم على هذا الواقع المرير  حيث أُصيبت الأمة بالإحباط ، وهي ترى مساندة الكفر وأهله من قبل فئة من المسلمين ، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ ديننا لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم ) .  

إن مساندة دول الكفر معصية ومخالفة لله وعدم إحساس بالمسؤولية وضعف بالانتماء للإسلام ، لذا كانت مواقف المسلمين المؤيدين لما يتخذون من قرارات جائرة ضد الإسلاميين ، سلبية تدفعهم إلى اللامبالاة بالأحكام الشرعية والاستهانة بشعوبهم وعدم الاكتراث بمشاعرهم ، والوقوف إلى جانب المجرمين الذين عاثوا في الأرض فساداً وتلوثوا بدماء الأبرياء . متجردين من وازع الخوف من الله تعالى والالتجاء إليه والاعتماد عليه ، لأن قلوبهم امتلأت تعظيماً لأعداء الله وثقة بهم ، وقد تعاموا على إدراك الوقائع والأحداث ، ناسين أن الارتماء على أعتاب دول الكفر من علامات الخزي والخذلان   ومتناسين تكفل أهل الكفر بتفكيك العالم الإسلامي   وفرص سيادتهم عليه ، ونهب ثرواته وتصدير نظمهم إليه ، وفرض القرارات الجائرة عليه وربطه بالسياسة والاقتصاد والحصار ، لتأخذ صفة الإلزام حتى يردوا المسلمين عن دينهم ، وهذا ما أخبر به سبحانه وتعالى:}ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق {البقرة 109 ، الذين أهملوا الواجب المطلوب منهم من مدافعة الشر ، ومقاومة أهل البغي والظلم ، بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى:}وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة{ ، فالسلاح وبناء الجيوش قوة   والكلمة الجريئة التي تفضح مخططات الأعداء والمنافقين قوة ، والإلحاح على الله بالدعاء على الأعداء والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة ، أما التخلي عن أحكام الإسلام لإرضاء الأعداء ، أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم أو الوقوف موقف المتفرج لما يعانيه المسلمون فهو ضعف يمقته الله .

وقد انشغل العالم بهذه الثورات بعيداً عن الهم الفلسطيني ، الذي بدا إسلامياً ثم غدا عربياً وأصبح أخيراً هماً فلسطينياً وحيداً طريداً لإسرائيل ، التي انفردت بالفلسطينيين في إطار عمليات داخلية بحتة  لا شأن للمجتمع الدولي بها ، وقد قامت إسرائيل بقتل من قتلت واعتقال من اعتقلت ، والمسلمون يتفرجون وعلى ما يجري صامتون .

إن ما يواجه المسلمين اليوم ، مصيبة أكبر من أي كلام بلا عمل ، ومن أي عمل بلا فقه ، ومن أي فقه بلا إخلاص ، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية أو العصبيات الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية ، إنها أشق من أن تتحمل مسئوليتها جهة واحدة ، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها دولة واحدة ، إنها بحاجة إلى تحرك على مستوى كل المسلمين ، بعد أن يعلنوا الولاء الصادق لله ورسوله   وعندها مهما طال زمن المواجهة   وعظمت مشقتها ، ومهما كثرت الخسائر   فالعاقبة للإسلام ، رغم كل الضغوط التي تصب ظلماً وعدواناً ضده ، وضد الداعين إلى التحاكم الى شريعة الله ، نعم إن دين الله باق مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام ودعاته ، وهذه حقيقة علمنا إياها الله سبحانه بقوله:}هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون{ التوبة 33 . ورغم أن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر ، إلا أن عاقبتهم الخسران والدمار لأن الإسلام قادم رغم كل السدود والعوائق والقيود ، وصدق الله ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون { الأنبياء 105 .

                          

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مخططات الأعداء ضد بلاد المسلمين

إن الخطط المرسومة للقضاء على الإسلام والمسلمين تُنفذ بدهاء وخبث ، ذكر مايلز كوبلاند الذي عمل في جهاز المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط ذكر في كتاب لعبة الشعوب : " أن الولايات المتحدة اتبعت منذ عام 1947 في هذه المنطقة وغيرها ، سياسة ذات وجهين ظاهر وخفي .. أما الظاهر فهو التمسك بمبادئ حرية الشعوب واستقلالها وإيمانها بالنظم الديمقراطية والدستورية .. وأما الخفي فهو سياسة التدخل في شؤون الدول الصغيرة خفية دون تقيد بالمثاليات والقيم الأخلاقية .. وإن وثائق البنتاجون أو المخابرات الأميركية تعطي انطباعاً بأننا كنا مثاليين في الظاهر وميكافيليين في الباطن .. وهذه العملية الخفية لا يمكن أن تتم إلا بتواطؤ بين القائمين على السياسة الأميركية الخفية التي يمثلها جهاز المخابرات الأميركية وبين بعض حكام أو زعماء الشرق الأوسط والعالم الثالث الذين يقبلون التعاون معهم في هذه السياسة ذات الوجهين " وقد نشرت مجلتان أمريكيتان تقارير عن الشرق الأوسط الجديد ، وتقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية ، وأشارت مجلة القوة العسكرية " إلى أنه يجب على الغرب أن يُدرك بأن العراق وسورية ولبنان وباقي الدول العربية مخلوقات اصطناعية، وأن القومية العربية هي الخطر الحقيقي على الغرب، والحل يكمُن في إقامة دويلات جديدة طائفية وعشائرية ، ويعرض التقرير المنشور في المجلة ، خرائط لمنطقة الشرق الأوسط بالحدود التي رسمتها كل من بريطانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر ، وهي حدود غير عادلة ، لأنها حددت بشكل عشوائي ، لذا يجب أن يتم العمل على تعديله ، لتحقيق عدد من الأهداف الإنسانية ، التي تتعلق بالعدل والديمقراطية والتوازن ، وأهداف أخرى منها : إنهاء الظلم الذي يعاني منه عدد من الأقليات في الشرق الأوسط ، ومحاربة الإرهاب بشكل كامل بواسطة القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة وحلفائها من الدول المحلية أو العالمية ، وتأمين تدفق النفط بشكل تام وكامل للغرب دون أي قيود ، ويشير التقرير أن التغيير في الحدود المرسومة حالياً وتعديلها لإيجاد شرق أوسط جديد، لا يمكن أن يتمّ بسهولة وسرعة، لأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقاً لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن، ولضيق الوقت فإنه لابد من (سفك الدماء) للوصول إلى هذه الغاية ، وأن دولاً جديدة ستنشأ، مما يعني فقدان بعض الدول الموجودة لأجزاء كبيرة من حدودها الحالية وزيادة حدود دول أخرى.

إن هذه الإستراتيجية الأمريكية هي الوجه الحقيقي لـ"خريطة الدم الأمريكية" والتي لا تتوقف مؤامرتها البشعة عند سورية وفلسطين ولبنان وإنما ستمتد نيرانها لتحرق تركيا وقبلها الخليج العربي .  

إننا كمسلمين بحاجة إلى أن نقف في وجه هذه المؤامرة التي تستهدف بلاد المسلمين كما تستهدف الإسلام دينا وتشريعا ونظاما ومنهجا للحياة ، في الوقت الذي تمرُّ الأمة الإسلامية بأسوأ محنة ، وليس أعجب من تجمع الأعداء عليها إلا ذهول أتباعها وانشغالهم بقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع ، وحين نسمع عن المجازر التي تنفذ ضد امتنا ، ونرى تكثير الضحايا  وكأنما يحققون أمنيات أعداء الأمة ، ظناً منهم أن هزيمة المسلمين اليوم هي القاضية ، وأنه لن يبقى منهم من يأسف على ما حدث له أو لأبنائه ، وقد تكون هذه هي ضريبة التخلف والفرقة والضعف  التي يجب أن ندفعها ، وإن كان الثمن فادحا  وأما عن الغد فالغيب لله ، ولا ندري أيكون قصاصاً لنا أم امتداداً لمحنتنا ؟ ولكن من الخسَّة والنذالة بل والخيانة لأمتنا وديننا ، أن نترك المآسي النازلة بنا دون نكير ودون تذكير ، في وقت اشتد فيه الظلم وفسدت الأوضاع ، واختلت الموازين عند الشعوب العربية والإسلامية ، حتى وصلوا إلى حدٍ ألفوا قيه رؤية الطغيان يبطش ، وهم لا يتحركون ، حتى توهموا أن هذا هو الأصل وهو الصحيح ، وأن الذي يحاول أن يدفع الظلم يتعرض للوم والتوبيخ ، شعوب نسيت أو تناست أن من الفتنة والقصور أن يتعرض إخوانهم للأذى من الباطل وأهله ، ثم لا يجدون النصير الذي يساندهم ، ولا يجدون القوة التي يواجهون بها الطغيان ، بل قد يهتفون بهم ليسالموا أو يستسلموا ، إن ما يجري في بعض البلاد الإسلامية ، له دلالته من شعوبٍ امتلأت نفوسهم بالغيظ من الظلم والنقمة على البغي ، والضيق بالأذى الواقع عليهم   ومن التصرفات الشاذة التي لا يكادون يطيقون رؤيتها فضلاً على معاناتها  . 

 أن الأمة مسؤولة عما يقع الآن للإسلام من أحزان ، فكما كان تفرقهم الشائن أيام الحملة الصليبية الأولى قد فتح الطريق إلى القدس ، فإنهم اليوم يكررون الخطأ القديم ، بل أضافوا إلى تقطيع الصفوف وتوهين العقيدة ، وتهوين الأخلاق وعربدة الشهوات ، أضافوا إلى ذلك المواقف المخزية التي تجاهلت في وضاعة عجيبة ما يجري على الساحة ، وأن ذلك سيسجل عليهم العار في صفحات التاريخ المعاصر ، والسؤال هنا ؟ هل نرجع إلى الإسلام عقيدة وجهادا لا سياسة وشعارا ؟ أليس هو الضمان الوحيد للوجود العربي في هذه الدنيا ، إذ لا يمكن للعرب أن يستعيدوا مكانتهم ويصونوا رسالتهم إلا إذا ساروا على الدرب الصحيح وتمثلوا قول الله تعالى:)إن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون( ولنا في سلفنا الصالح خير قدوة ، كان الواحد منهم يعترض الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته يطلب أن يعلمه الإسلام ، ويمسك بزمام الناقة حتى يسمع ، ويحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم بما عنده فيصنع منه إنساناً جديداً عامر القلب ، فلا تراه بعد ذلك إلا قذيفةً تدكُّ عروش المستبدين ، يسبح بحمد الله ويتلو كتابة الذي أخرجه من الظلمات إلى النور .نحن بحاجة إلى رسالة كهذه لتصنع نفوسنا على هذا النحو ، إنها الرسالة الإلهية التي صنعت أمتنتا أولاً ، والتي تنقذها مما هي فيه أخيراً . وعلينا أن نؤمن أن معركتنا هي معركة المصير الإنساني كله ، وإننا بانتظار المخلصين الأوفياء للعمل لتخليص الأمة ، مما هي فيه لتنزع ثياب المذلةِ والمهانة والوضاعة ، إننا بانتظار المخلصين ، في وقت ألمت بالأمة المحنُ من كل صوب ، وأحدقت بها الأخطار من كل ناحية ، فحلَّ بها القتل والتشريد يوماً بعد يوم ،  ما يفرض علينا كمسلمين البحث عن الرؤيةِ الواضحةِ الصادقة ، التي يتلوها العمل الجاد والحازم لتغيير هذا الواقع ، ورد كيد الكافرين والمنافقين وأشياعهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها ، خير أمه أخرجت للناس .

إن الحق لا يحق وان الباطل لا يبطل في المجتمع الإنساني ، بمجرد البيان النظري للحق  والباطل  و بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق وهذا باطل ، بل إن الحق حق ، وينبغي أن يوجد في واقع الناس ، وإن الباطل لا يزهق ويغيب من واقع الحياة ، إلا بتحطيم سلطان الباطل ، وإعلاء سلطان الإسلام ، وتطبيق أحكام الإسلام  لأن الإسلام ليس مجرد نظريه للمعرفة والجدل  ولا ديناً كهنوتياً لا يحرك صاحبه لتغيير المنكر  وقهر الباطل ، بل هو الذي يجعل القائم بالحق والمدافع عنه بحياته سيد الشهداء ، استجابةً لقوله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ﴾الصف 10 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

اهتمام المسلم بالسياسة

تأتي السياسة في مقدمة الأمور التي اهتم بها العلماء المسلمون حتى جعلوا باب الإمامة من أبواب العقيدة. لأن السياسة جزء من الدين، ولا صحة لمن يقول لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ، لأن الإصلاح السياسي يبدأ من أسفل، بتعليم الشعب وتطهيره من الرذائل، إذ يضع الإسلام في عنق كل مسلم فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وقد جاءت النصوص النبويةُ تُحرِّض على مقاومة الفساد في الداخل، واعتبرته أفضل من مقاومة الغزو من الخارج، فيقول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفضل الجهاد قال : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )، وذلك لأن فساد الداخل هو الذي يمهِّد السبيل لعدوان الخارج   ويعتبر الشهادة هنا من أعلى أنواع الشهادة في سبيل الله: ( سيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) . كما يغرس في نفس المسلم رفض الظلم، والتمرُّد على الظالمين حتى إنه ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن مسعود : ( نشكرك الله ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يَفجرُك ) .وجاء الترغيب الإلهي في القتال لإنقاذ المُضطهدين  والمُستضعفين في الأرض، بأبلغ عبارات الحثِّ والتحريض، فيقول الله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ﴾ النساء75. ويصبُّ جام غضبه وشديد إنكاره على الذين يقبلون الضَّيم، ويرضون بالإقامة في أرض يهانون فيها ويظلمون، ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها فيقول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾النساء97. وحتى العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم ﴾ فجعل ذلك في مَظِنَة الرجاء من الله تعالى، زجرًا عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلاً.

 وحديث القرآن المُتكرِّر عن المُتجبرين في الأرض من أمثال فرعون، وهامان، وقارون ، حديث يملأ قلب المسلم بالنقمة عليهم، والإنكار لسيرتهم  والبغض لطغيانهم، وحديث القرآن والسنة عن السكوت على المنكر، والوقوف موقف السلب من مقترفيه -حكامًا أو محكومين- حديث يُزلزل كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. يقول القرآن : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾المائدة 78 . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) . ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر في الربا والزنى  وشرب الخمر  وما في معناهما ، فالاستهانة بكرامة الشعب ، وسرقة المال العام ، واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة ، واعتقال الناس بغير جريمة   وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات ، ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها  وتملُّق الحكام بالباطل ، وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين ، ذلك كله منكر وأي منكر  وإن دائرة المنكرات تتَّسع وتتَّسع لتشمل كثيرًا مما يعدُّه الناس في صُلب السياسة. فهل يَسَع المسلم الحريص على مرضاة ربه، أن يقف صامتًا؟ أو ينسحب من الميدان هاربًا، أمام هذه المنكرات وغيرها ، خوفًا أو طمعًا، أو إيثارًا للسلامة؟ إن مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها وحُكِم عليها بالفناء، لأنها غَدَت أمة أخرى، غير الأمة التي وصفها الله بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾آل عمران110 . ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف إذ يقول: ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم فقد تُودِّع منهم ) أي فقدوا أهلية الحياة ، فالمسلم مطالب -بمقتضى إيمانه- ألا يقف موقف المتفرج من المنكر، أيًا كان نوعه : سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد  إن استطاع، وإلا فباللسان والبيان، فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها، وهي التغيير بالقلب، وهي أضعف الإيمان ، كما جاء في الحديث . وإنما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم تغييرًا بالقلب  لأنه تعبئة نفسية ضد المنكر وأهله وحماته، وهذه التعبئة ليست أمرًا سلبيًا محضًا، كما يتوهم، ولو كانت كذلك ما سماها الحديث تغييرًا . وهذا التعبئة المستمرة للأنفس ، والمشاعر والضمائر ، لا بد لها أن تتنفَّس يومًا ما، في عمل إيجابي، قد يكون ثورة عارمة أو انفجارًا لا يُبقى ولا يذر، فإن توالى الضغط لا بد أن يُولِّد الانفجار، سنة الله في خلقه.

وإذا سمى الحديث هذا الموقف ، تغييرًا بالقلب  فإن حديثًا نبويًا آخر سماه ، جهاد القلب ، وهي آخر درجات الجهاد، كما أنها آخر درجات الإيمان وأضعفها، فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس ذلك من الإيمان حبة خردل ) . وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر وخصوصًا إذا انتشر شراره وقَوِي فاعلوه، أو كان المنكر من قِبَل الأمراء ، الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم أول المحاربين له، لا أصحابه وحرَّاسه وهنا يكون الأمر كالمثل القائل : حاميها حراميها، أو كما قال الشاعر :

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها  فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!

وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجبًا لا ريب فيه، لأنه تعاون على البر والتقوى، ويكون العمل الجماعي للتغيير ، فريضة يوجبها الدِّين، كما أنه ضرورة يُحتِّمها الواقع ، به يتحقق للأمة وجودها الآمن ، وإلا عمهم الله بعقاب من عنده : ( واتَّقوا فتنة لا تُصيبَنَّ الذين ظلمُوا منْكُم خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الله شديدُ العقابِ ﴾ الأنفال 25 . وقد فسرها  ابن عباس بقوله : " أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم ، فيعمهم الله بالعذاب " .   وإن من عهد الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم الأخذ على أيدي الظالمين والمفسدين في الأرض ، فإن لم نفعل سلَّط الله علينا عدواً من غيرنا ، وقد فعل ، لأن تغيير المنكر  والأخذ على يد الظالم ، وردع المفسدين هي الفريضة الموءودة في أمتنا ، وإذا لم يقم كل منا أفراداً وأمة بتغيير هذا المنكر ، فإن الدمار هو عقبى السوء ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( إن الناس إذ رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) .

 

  

 

 

 

قسوة قلوب الظلمة والكفار على المسلمين

هي التي ألفت رؤية المنكرات ، ورؤية النكبات التي تحيط بالأمة من كل جانب , حتى أضحت أخبار قتلى المسلمين ومناظر القصف والتشريد أمراً مألوفا ، قلوب انعدمت عندها عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم ، فقست قلوبهم  وتحجرت ، فلم تعد الشدّة تثير فيهم الإحساس وتردهم إلى الله ، وأصبحت لا تلين عند ذكر الله ، ولا يزيدها التذكير بالله إلا قسوة ونفورًا  فكانوا أبعد الناس عن الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي ) . ويقول مالك بن دينار : ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب   وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم  .

أصحاب القلوب القاسية اشتغلوا باللهو والتمتع بمحرم الشهوات ، عن طاعة رب الأرض والسماوات  فأسماعهم عن الخير مقفلة ، وأبصارهم عن النظر في العواقب معطلة ، وقلوبهم في وجه الحق مغلقة  تتلى عليهم الآيات فلا يعتبرون ، وتطرقهم القوارع وتنزل بساحتهم الفواجع ، وهم بلهوهم وملذاتهم مشتغلون ، خدعهم طول الأمل  فشغلهم عن صالح العمل   والاعتذار عن الزلل .

لقد كثرت أسباب القسوة والغفلة ، فلم يبق للعبد إلا توفيق الله تعالى إلى العمل بأسباب صلاح القلوب واستقامتها، وقد كان المسلمون من قبل يعتنون بذلك   ويخافون من أن تقسو قلوبهم ، فتجترئ على المعاصي وتهلك مع من هلك! وشتان بين القلب القاسي والقلب اللين لأن القلب القاسي مصدره التطرف والاستكبار والغرور ، والثاني  مصدره الاعتدال والتواضع واللين ، الأول : غير قابل للمراجعة والتراجع ، المؤدي إلى الفرقة والجهل والتخلف والضعف ، والثاني : قابل للمراجعة والتراجع المؤدي إلى الإيمان ، الأول: خزي وندامة في الدنيا والآخرة ، لأنه نقمة ولعنة من الله على من سخط من عباده والثاني: علو وسعادة في الدنيا والآخرة لأنه نعمة ورحمة من الله .

وقد أوضح القرآن الكريم الفارق الكبير بن قسوة القلب وقوته ، فقد وصف الله تعالى الذين لم يؤمنوا بأنبيائه ورسله بالقسوة قال تعالى : ﴿ ويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ الزمر 22. ويل ، عذاب ونكال لقلوب قست عن ذكر الله ، بينما النعيم والرحمة والسعادة والفوز لقلوب انكسرت وخشعت لله .

إن أصحاب القلوب القاسية ، لا يؤمنون بتعظيم الإسلام للنفس المسلمة والتشديد في النهي عن قتلها لأنهم لا يؤمنون بالله الذي صانها ، ووضع لها القيود للحفاظ عليها، قال تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقة مؤمنة ودية مسلمة الى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ النساء92. مما يدل على التشديد في حرمة النفس المسلمة فإذا كان الإسلام قد وضع هذه القيود على من قتل مسلماً خطأ فكيف بمن يزهق الأرواح البريئة المسلمة بغير حق، كيف بمن يزرع القنابل والألغام والمتفجرات ، فيقتل العشرات ويجرح المئات ويروع الآلاف من المسلمين، كيف بمن يقتل الصغير والكبير إشباعاً لنزواته الشيطانية ، كيف بمن استعملوا نفوذهم كحكام وأباطرة للدول ، في تعذيب شعوبهم وإذاقتهم ويلات الظلم والقهر ، ومن يقرأ صفحات التاريخ يجد بعضها يقطر دماً ، ومن هذه الصفحات المؤلمة : ما قرأناه عن جرائم محاكم التفتيش ، فما مرّ أقسى ولا أشد منها ، فقد كانوا تعاقبون بالظنة ويأخذون بالشبهة ويحرقون الأطفال ويرهقون الشيوخ العجزة والنساء الضعيفات بصنوف العذاب وألوان الاضطهاد والإجرام .

ففي بلد المليون ونصف شهيد واصل الاستعمار الفرنسي طيلة سنوات الاحتلال حملة إبادة لشعب الجزائر بحيث كان جنوده يسجلون كل يوم صفحات جديدة من الجرائم كانت ادمي واشد آلاماً مما شهده تاريخ القرن العشرين ، قال الكاتب الفرنسي بيار هنري : إنني لا أتكلم كثيرا عن القسوة والتعذيب وإلقاء القنابل علي المدن والقرى بما فيها من نساء أطفال ومواشي ولا أتكلم عن حوادث القتل التي قام بها جنود المظلات إذ من السهل علي كل مسافر بالقطار أن يشاهد علي طول الطريق آثار حطام المنازل التي أوقدت فيها نيران رشاشاتنا للانتقام ، إن الجنود الفرنسيين يقومون غالباً بهدم المنازل وإحراقها دون شفقة أو رحمة وقال : لم يصيبني ملل من الحياة كما أصابني في الجزائر ، فان الألمان النازيين في وحشيتهم القاسية ليسوا إلا أطفالاً صغاراً أمامنا .

ولم تكن بريطانيا رائدة الاستعمار في العالم بأقل حظاً من فرنسا فما فعلته في مصر وفلسطين ، يفوقها وحشية وهمجية ، فقد كان جيشهم عندما يعجز أن ينال من المجاهدين ينقلب إلى الفلاحين المساكين الآمنين في بيوتهم ينتقم منهم ويشفي صدره بتعذيبهم بالضرب الشديد بأعقاب البنادق والهراوات الغليظة بلا شفقة ولا رحمة وبدون تفريق بين الصغار والكبار والرجال والنساء وكانوا يسمون هذا العمل عملية تفتيشية يرتكبون خلالها من الفظائع أشكالا وألوانا ، كتخريب البيوت ونسفها بالديناميت وإتلاف أمتعة الفلاحين ومؤنهم ونهب الحلي والأموال وترويع النساء والأطفال وقتل الآمنين على قارعة الطريق من رجال ونساء وأطفال ، ومن الصفحات التاريخية المؤلمة تطل علينا شخصية نيرون الإمبراطور الروماني الذي لم يدخر جهداً في تعذيب أبناء شعبه وقتل القريب منه والبعيد، جاء ليدون واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت  وهي حريق روما الشهير عام 64م، حيث عمل على زيادة تعذيب الشعب وجاءت أبشع صور طغيانه بإشعال النار في روما وجلس متفرجاً، متغنياً بأشعار هوميروس ومستعيداً لأحداث طروادة وانتشرت النيران في أرجاء روما واستمرت مندلعة لأكثر من أسبوع حاصدة معها أرواح البشر من رجال ونساء وأطفال، كما زاد في جوره وطغيانه للمسيحيين ولم  يترك أي وسيلة لتعذيبهم إلا وفعلها ، ولما تصاعدت النبرة الغاضبة الكارهة له سواء من شعبه أو من باقي ملوك أوربا، عمد إلي إيجاد ضحية جديدة ليفتدي بها نفسه فكان عليه أن يختار ما بين اليهود والمسيحيين، وبما أن اليهود كانوا تحت حماية إحدى زوجات نيرون، فقد ألصق تهمة الحريق بالمسيحيين   فسفك دمائهم وعمد إلى اضطهادهم، وحشد الشعب من أجل قتلهم وتعذيبهم في مشاهد دموية بشعة ، وفي النهاية ولكل ظالم نهاية تم عزله وحكم عليه بالقتل ، لكنه أبى أن يقتل بيد شعبه فقتل نفسه

وها نحن نرى ما يفعله نيرون العرب في سوريا ، فقد فاقه قتلاً وهدما  ولكن الصمت الدولي يفوق جرائمه  بل إن الصمت على ما يجري جريمة أخرى لا يمكن السكوت عليها ، فالدماء التي تسفك في سوريا تستدعي وقفة العالم الذي يقف في حالة  ذهول من بسالة وشجاعة وصبر وجلد الشعب السوري في مواجهة آلة قمع ليس لها مثيل أو شبيه في هذا الزمن ؛ حتى الصهاينة والصليبيين يتقززون منها ولا يجرؤن على فعل مثلها .

فلله دره من شعب يجاهد الظلم والطغيان فريدا وحيدا إلا من توكله على الله ، ولله در شهدائه الأبرار الذين ارتوت أرض الشام من دمائهم وستنبت بإذن الله أشجار العزة والحرية والإيمان ، ولله در شبابه الذين تركوا السفاسف وألقوا أثقال الأرض خلف ظهورهم  وركبوا ظهور المنايا شامخي الرؤوس يستقبلون الموت بابتسامة الرضا  وقلوبهم تهتف وعجلت إليك ربي لترضى ، ولله در شيوخه الذين كسروا قيود الذل وحطموا أغلال العبودية ؛ فاستحالوا أسودا فتية في ميادين الكرامة على ضفاف العاصي والفرات وحول مسجد خالد بن الوليد وفي باحات درعا الريادة وبانياس النجدة ولاذقية النخوة ولله در علمائه ومثقفيه ومفكريه الذين خلعوا أرديت الضعف عن كهولهم ؛ ومزقوا صورة الهلع من عقولهم وصدعوا بكلمات سيسجلها التاريخ في أبواب البطولات وسيكتبها الزمان في كتب الهامات ، شعب توكل على الله وآمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً ) والله إن النصر قريب والفرج قاب قوسين أو أدنى , ولقد قالت العرب: (بين النصر والهزيمة صبر ساعة)، وهذا عنترة بن شداد الفارس الجاهلي لما سئل: بم تغلب خصمك؟ قال: (ما بارزت أحداً إلا قلت: الآن أفر، ثم قلت: أنتظر قليلاً فربما فر، فيفر، فأكون أنا الذي انتصرت) فهذا الذي يحدث الآن من هذا النظام الوحشي هو السهم الأخير في جعبته وبعده تبدأ قصة النهاية والانهيار الشامل بإذن الله ، وإنكم تعيشون أروع لحظاتكم فأنتم ما بين جهاد سلمي للظلم والبغي والطغيان ، وهذا ذروة سنام الجهاد (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ؛ وما بين الفوز بالشهادة التي هي منتهى أمنيات الأنبياء والرسل والصحابة وأهل الصدق والإيمان   وما بين كفالة يتيم ورعاية أرملة وإيثار عائلة وتقاسم لقمة واستضافة أخوة ، فهنيئا لكم اجتماع شرف هذه الأعمال وشرف المكان أرض الشام .

جزاكم ذو الجلال بني دمشق     وعزُّ الشرق أوله دمشق

 

 

 

ماذا يحدث في سوريا

يتعرّض الشّعب السوريّ منذ بداية الثّورة إلى سياسة قمعٍ أمنيّ شامل تجلّت في إطلاق النّار على المتظاهرين بشكلٍ منهجيّ ومثابر وبالتّعذيب، ثمّ بقصف المدن والأحياء المأهولة والتّدمير والتّهجير. ولا يجوز لأيّ تحليلٍ لمظاهر العنف في الثّورة أن يغفل الحقيقة الأساس، وهي عنف النّظام ضدّ المجتمع والإنسان، وهو عنف شامل وغير محدود بقوانين أو قيم أو روادع. لقد تحوّل الصّراع في سورية إلى صراعٍ مسلّح نتيجة لإصرار النّظام على خيار القمع المسلّح طوال أكثر من عامٍ ونصف ،  كانت الثورة تقول أنها ضد التدخل الأجنبي، وهي حاليا تطالب بإلحاح بالتدخل الأجنبي بعد أن وصل الرد إلى مستوى خيالي من القسوة المفرطة بدك المدن بالمدافع والطائرات.

سوريا تعيش كل يوم في مذبحة وهذا يذكرنا بمذابح المغول من العصور الوسطى فكيف نفهم الإعدمات الميدانية والذبح بالسكاكين حتى للنساء والأطفال! الذي تورع عنه النازيين  . 

وهناك أيادي خفية من أطراف خفية حريصة على طول الحرب وتفتيت سوريا ، فكانت مختلفة عن الثورات في تونس ومصر واليمن  فتلك التظاهرات لم تكلف عشر معشار الثورة السورية  أما ليبيا فقد أراح الناتو الليبيين من المخاض السوري جزئيا ، ولكن المجنون الليبي ونيرون السوري أوحيا إلى الشعوب العربية أن باب الثورات دموي جدا جدا ، ومكلف جدا جدا وآثارها مؤلمة مدمرة، ولذا فهو درس لأي شعب عربي آخر، بل أي شعب في البسيطة، أن حذاري من الثورة فتصيبك النار السورية التي لا تبق  ولا تذر ، هذه النار قد تقوم   بصهر الأمة وخلقها من جديد ، لكنها نار تؤدي إلى تدمير البنية التحتية لمؤسسات الدولة والجيش ، حتى ينشغل الشعب في إعادة البناء من جديد للدولة والجيش ، وتحويل الهم الأول بعد الثورة إلى هم داخلي قد يستمر لعشرات السنين يشغل الدولة ومعها الشعب عن التفكير حتى في مواجهة إسرائيل ، وها هي الأخبار تطالعنا كل يوم ، عن قوافل الشهداء، ومناظر الأشلاء وشلالات الدماء  وعمليات الإجرام والحشية التي تمارس ، في ظل  التخاذل العالمي عن نصرة المستضعفين ، ولعل أقرب حدث مشابه لما يجري على أرض سوريا اليوم ما قصه لنا القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود   فحيثما كان الإيمان كان البلاء والامتحان   ليميز الله الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، فحين أعلن أصحاب الأخدود إيمانهم بالله واجهوا الموت حرقاً بالنار، وحين أعلن سحرة فرعون إيمانهم برب هارون وموسى ،كان الصلب وتقطيع الأيدي والأرجل بانتظارهم، وها هو التاريخ يعيد نفسه مع أهل الشام، فما إن طالبوا برفع الظلم حتى  أحاط بهم البلاء من كل جانب.

وهذا يدل على أن المعركة بين المسلمين والكفار هي معركة عقيدة وليست معركة اقتصادية، أو عسكرية  أو سياسية قال تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾البروج 4. وإلا فلماذا ذبح المسلمون في البوسنة والهرسك وفي آسام الهندية وفي جزر الملوك ويذبحون اليوم في مالي وبورما وفي سوريا الآن ؟ 

تلك هي أخلاق الطغاة في مواجهة المؤمنين على مدار التاريخ ، إنها لغة التهديد والوعيد والتصفية الجسدية، والإبادة الجماعية، في مواجهة كل من يفكر أن يتخلص من العبودية لهم وإعلان العبودية لله. وها هي الأخبار تطالعنا عن كيفية  ذبح الأطفال وكيف يدفن الناس أحياء وكيف تهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها، فما يزيد ذلك الناس إلا إقداما على الموت من أجل حياة العزة والكرامة ، ومن أجل انتصار العقيدة والدين ، ولو افترضنا عدم الانتصار المادي ، فإن الثوار بثباتهم حطموا أصنام الطواغيت والظلمة ، أما الانتصار المادي فهو بيد الله ، الذي لا يضيع لهم الأجر قال تعالى: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ . فليطمئن كل ثائر على نظام البغي والطغيان وكل من فقد أحبابه، ومن أسر ابنه، ومن هدم بيته ومن ضاعت دنياه أن الله لن يضيع جهدهم وجهادهم ، إما النصر وإما الشهادة .

تعيش الثورة السورية ملحمة لم يشهد لها التاريخ مثيلا, فالثبات الأسطوري الذي تبديه في مواجهة آلة القمع يثير الإعجاب ويحير الألباب ، فتحية إجلال وإكبار نقدّمها لدماء الشهداء ولهامات الرجال والأطفال والنساء الذين يسطرون تاريخا ناصعا وثباتاً إسطوريا لذا فإن التحرك الدولي تجاهها بطيء ومتردد ، والمواقف منها مشوبة بالحذر، فاختلف تعامله مع القضية السورية عن تعامل مع قضية ليبيا, فاقتصر الموقف على التلويح بالعقوبات الاقتصادية كأداة ضغط ، مع إدراكها بعدم جدواها  وقد يكون ذلك إشارة تطمين للنظام حتى يخمد الثورة ، دون أن يتوجس خيفة من التدخل الغربي  وفي ذلك ما يدل على أنهم لا يريدون للنظام أن يسقط  ، وأن لا قيمة لإرادة الشعوب وأن الاعتبار الوحيد لمواقفها هو مصالحها ليس غير, وحتى وقوف أوروبا مع الثورة السورية ليس من أجل الشعب السوري وليس من أجل نصرة للمظلومين من شعوب العالم, فالسياسة الغربية خالية من القيم الإنسانية والمعنوية والخلقية, لأن القيمة المادية هي المتحكمة, وهي الدافع وراء الرغبة في التدخل.  

إن في عدم التدخل الأجنبي رحمة من الله بأهل سوريا ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ . فقد رأينا أن التدخل الأجنبي لم يرفع القتل والقمع عن أهل ليبيا بل ضاعفه عشرات المرات .  وقد كشفت الثورة السورية عن أن الدم العربي بالنسبة لجهات دولية هي أرخص  من أن يحرك إنسانيتهم ناهيك عن طائراتهم وأساطيلهم ، اللهم إنا نسألك أن تجعل كيدهم في نحورهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

التعصب الغربي ضدنا

لقد بلغ التعصب الغربي ضد الإسلام والمسلمين حداً لا يطاق ، تعصب لا تتحدث عنه منظمات حقوق الإنسان ، لا بل تتعامي وتتغاضى عنه ، فهم يعملون جاهدين لوضع الخطط التي تساعد على خلق جيل زاهد في الانتماء لدينه ، جيل  فارغ من عقائد الإسلام وتعاليمه ، غير متحمس له ولا حريص عليه   يهاب الأديان الأخرى ولا يهاب عقيدته ، كما يعمل الغرب على تبنّي رجالاً يزورون تاريخ الأمة   ويلمزون الإسلام ، ويغمزون أصوله وفروعه     ووضع مقاليد الأمور قي أيد من استهوتهم الأمجاد الخاصة ، وأغراهم السلطان المطلق ، فأداروا رحى البطش والقتل ، غير مبالين بما يسببه ذلك من الضحايا واليتامى والأيامى  ، كأنهم يرون أن   المسلمين عبيد لهم ، وأن أرضهم كلاً مباحا لهم  فتراهم في كثيرٍ من المواقف ، قد لبسوا جلد الحمل الوديع ، بحقيقة ذئبٍ مفترس ، يمارسون سياسة الاغتصاب والاجتياح ، يلطمون الوجوه غير مبالين بالقيم الإنسانية وكرامتها ، ينفذون خططهم بدهاء وخبث ، لمحو الإسلام وأمته ، والمسلمون مشغولون بخلافاتهم ، وبقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع   وفي الوقت الذي يتعرض المسلمون فيه للمجازر والمذابح ، تراهم يتساندون ضدنا ويتصالحون على تمويتنا ، ويساهمون إلى تكثير الضحايا ، وكأنما يحققون أمانيهم ، ويا ليتهم فهموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ابغض بغيضك هوناً ما ، عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) فهم يعتقدون أن هزيمة المسلمين هذه الأيام هي القاضية ، وبذلك يحققون أهدافهم التي من ضمنها تدمير الحضارة الإسلامية ، فهذا يوجين روستو مستشار جونسون في الستينات يقول : " لا تستطيع أمريكا إلا أن تقف في الصف المعادي للإسلام ، أي إلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية ، لأنها إذا ما فعلت ذلك تنكرت للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها " وهذا مسئول فرنسي قال في الخمسينات : " العالم الإسلامي عملاق مقيَّد لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافاً تاما ، وهو حائر قلق ، ضائق بتخلفه وانحطاطه وإن كان يعاني من الكسل والفوضى ، غير أنه راغب في مستقبل أحسن وحرية أوفر ، وعلينا أن نبذل كل جهودنا حتى لا ينهض ويحقق أمانيه ، ذلك أن فشلنا في تعويق نهضته ، يعرضنا لأخطار جسيمة   ويجعل مستقبلنا في مهب الريح .. ويقول : إن صحوة العالم العربي وما يتبعه من قوى إسلامية كبيرة   نذير بكارثة للغرب ونهاية لوظيفته الحقيقية في العالم"   نعم منذ زمن بعيد ، والغرب مثقل بضغائن قديمة  فهو يكره الإسلام كراهية شديدة ، ويشجع على اقتراف الخيانات وإشاعتها ، ويضيق ذرعا بكل ما ينتمي إلى الإسلام ، وإذا ما واتته الفرصة ، فإنه يضرب الإسلام بقوة ومكر ، وقد كانت روح الضغائن هذه ، وراء الحروب الصليبية قديما ، وأن هذه الروح لم تزل كامنة في الصدور ، كما كانت متأججة في قلب بطرس الناسك ، الذي أشعل الحروب الصليبية ، وما زالت هذه الروح وراء الحروب الاستعمارية حديثا ، فهذه هي ضريبة الذل والضعف والفرقة ، وما ندري هل هذا هو قصاص لنا أم امتداد لمحنتنا ، ومن العار علينا أن نترك المآسي النازلة بنا دون نكير أو نذير ، لأن تركهم أمن لهم على حياتهم   ومن أمن على حياته فعل الشيء الكثير .

إن المسلمين مسئولون عما يقع للإسلام من أحزان لأنهم لم يعتبروا بما جرى لهم قديما أيام الحروب الصليبية ، إذ أدى تفرقهم إلى فتح الطريق إلى القدس   فجعل الجثث أكواما ، كما عملت الصليبية والصهيونية معا للقضاء على الخلافة العثمانية   وتقطيع أوصال العالم الإسلامي ، إلى دويلات صغيرة هزيلة ضعيفة ، تتصارع فيما بينها بما يحقق مصالح الأعداء ، ويحقق لهم السيطرة على مقدرات الأمة   فانتزعت فلسطين لليهود ، واكتفت الصليبية بإرواء حقدها بنـزعها من يد المسلمين ، ونحيت الشريعة عن الحكم ، ولم يكتفوا بذلك ، بل وضعوا الخطط الكفيلة بعدم عودتها إلى الحكم مرة أخرى ، وعملوا على تربية أجيال تحمل أفكارهم وتنفذ مخططاتهم   وكانت الطامة في طائفة من الحكام العسكريين   الذين جيء بهم ليسحقوا الإسلام سحقا ، ويذبحون المسلمين وتقطر دمائهم من أيديهم ، ويعبّدون شعوبهم لمصالح الغرب لقاء شهوة السلطة وشهوة الطغيان . وقد وضعوا من     أجل الوصول إلى هذه الأهداف ، مخططاتهم السياسية والحربية والاقتصادية  ويكفي للتعرف على هذه الأهداف ، قراءة تقرير اللورد كامبل الذي جاء فيه : " هناك شعبٌ واحد متصل يسكن من المحيط إلى الخليج ، لغته واحدة   ودينه واحد ، وأرضه متصلة ، وماضيه مشترك   وآماله واحدة ، وهو اليوم في قبضة أيدينا ، ولكنه أخذ يتململ ، فماذا يحدث لنا إذا استيقظ العملاق ؟ رد على التساؤل وأعطى الحل المطلوب فقال :" يجب علينا أن نقطع اتصال هذا الشعب ، بإيجاد دولة دخيلة تكون صديقة لنا ، وعدوةً لأهل المنطقة  وتكون بمثابة الشوكة تخز العملاق ،كلما أراد أن ينهض " فكانت هذه المؤامرة التي أنتجت إسرائيل .

وها هم المسلمون كما خُطط لهم ، قد وصلوا إلى حال من التفرق والتشرذم والخصام الذي يصل أحياناً إلى حد الصدام ، فضموا إلى تقطيع الصفوف وتوهين العقيدة وتهوين الأخلاق ، وعربدة الشهوات   أخطاء ستجعلهم أحاديث ، إن لم يسرعوا بالمتاب .

إن نجاح الغرب في فرض ارتداد المسلمين عن إسلامهم ، هزيمة رهيبة الآثار ، ونحن على يقين بان المسلمون المؤمنون بربهم ، أوفياء لدينهم حتى الموت   وإن الذين يحاولون فرض الإلحاد عليهم بالسلاح   وتجريدهم من الانتماء لدينهم ، ما دروا أنهم بذلك يحفرون قبورهم بأيديهم ، وكم كان مصيباً الشاعر الذي ناشد العرب أن يصحوا ويستثير ضمائرهم لنجدة الإسلام حين قال : 

إني تذكرت والذكرى مؤرقةُ      مجـداً تلـيداً بأيدينا أضعناه

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ  تجدْه  كالطير مقصوصاً جناحاه

ويح العروبةِ كان الكون مسرَحَها  فأصبحت تتوارى في زواياه

كم صرفتنا يدٌ كـنا نصرّفها     وبـات يملكنا شعبٌ ملكناه

إن مستقبل الإسلام رهين بعد مشيئة الله بجهود أبناءه لا بإرادة أعداءه ، وإن المسلمين ما انهزموا قط ولن يهزموا أبدا ، إلا لتخليهم عن دينهم ، ولخلل في صفوفهم ، وقد أراد الله أن يكون المسلمون رؤوساً بالإسلام ، قادة برسالته ، وإذا تخلى المسلمون عنه   فقد أنذرهم الله بقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾ النساء 133 .   

  

 

 

 

 

 

التغيير الجائر

لماذا يغيّر من ينادي بالإسلام ، ولماذا يتهم بالتقصير من يغضب إذا وجد حقاً ينهب أو حقيقة تغير ، أو وقف في وجه الناهبين والحاقدين ، ودعاة الكفر والعلمانية ، وماذا نصنع إذا بلغ الجور على الحقوق والتحريف للحقائق مبلغه ، ماذا نصنع إذا استحر القتل في المدافعين عن شرّعيتهم ، واعتبروا مجرمين في الوقت الذي يتبجح فيه القتلة ، ويلبسون شارات العدالة ، ماذا نصنع إذا تواطأ العالم على إبقاء السجين في قيوده والبريء يتشحط في دمه   واللاجئين المطرودين يهلكون ، ماذا نصنع إذا رأينا إهانة من يعتنق الإسلام والضن عليه ، ما لم ينحرف عن شرائعه ، ويتنكر لتعاليمه ، وماذا مع السياسة التي ترهب الشعوب وتراودها عن عقائدها وشرفها ، سياسة صنعتها جهاتٌ لاجتياح الإسلام  سياسة لم تنتج إلا البلاء للإسلام وأهله ، الذين يبادون تارة ، ويطردون من مدنهم وقراهم تارة أخرى ، سياسة تسترق العباد وتستغل البلاد   سياسة تعمل على تمزيق أوصال المسلمين ، وإفساد ضمائرهم ، وتقديم حقوقهم هدايا للطامعين .

وهنا نقول : ما جدوى التساؤل المفجوع هنا والبكاء الضارع هناك إذا علمنا أن ثورات الضغينة على الإسلام ومعتنقيه تكمن وراء حقل هذه السياسة , التي يحاول أصحابها توهين أمرنا   وخذلان جانبنا ، تمشياً مع مشاعر الحقد الديني علينا    

 أليس من حق المسلمين الثورة من أجل التغيير ومواجهة الظلم والانحراف، والدخول مع الظالمين في معركة تتجاوز حدود الوعظ والإرشاد، ولا تنسحب أمام التهديد والتخويف ، وتستعد لبذل الدماء من أجل تطبيق منهج الله في الأرض ، ثورة تحتاج لقراءة موضوعية وعقلانية ، بعيدة عن العواطف والانفعالات، لأن الآتي من الإحداث هو الأهم والأصعب، مع وجود مؤشرات لمحاولة جهاتٍ خارجية ، ركوب موجة الثورة وتوجيه الأمور لما يخدم سياساتها ، بقبول ضمني من الغرب ، ولم يكن في الحسبان ، أن يرافق هذه الثورات الكثير من الفتن والتعارك والتقاتل ، مما يشعرنا أن وراء الأكمة ما وراءها ، ولعل هذه الثورات، وما يلحق بها من تدافعات على شكل حروب بين أطراف متعددة    لعله يخرج من بين هذا الركام الإسلام النموذج الذي يُراد لنوره وعدله أن يشمل البشرية جميعا ، وقد تكون وسيلة دفع إنسانية طيبة ، بوضع حد - ولو مؤقتا - لكل الطغاة والظلمة والمستبدين ، كما أنها تعتبر مقدمة لأجل الإصلاح والعودة بالأمور إلى طبيعتها المفطورة في الإنسان .  

لا شك أن زوال طاغية محارب لدين الله ، أمرٌ يفرح به المؤمنون ، لاسيما إذا لم يُتيقن مجيء من هو أسوأ منه، لأن الفرح إنما يكون بزواله ، ولا أحدَ يعلم الغيب، ولا بمن سيأتي بعده. وقديماً فرح المسلمون بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقلت لنا كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز شكراً لله على موته، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بُشِّر طاووس بموته فرح وتلا قول الله تعالى: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ وما كانوا يدرون من يحكمهم بعده. وفي عالمنا المعاصر فرح المسلمون والعلماء بزوال الاستعمار، وحُقَّ لهم ذلك، بل شارك بعض العلماء في الثورات التي أخرجته من بلدان المسلمين ، رغم أنه خَلَفَهم بعد ذلك من هو أسوأ   فهذا الفرح والدعاء بزوال كل محارب للدين ، هو أقل ما يجب على العبد المسلم ، المعظِّم لشرع الله؛ إذْ رفعُ الظلم وإقامةُ العدل مقصودٌ لذاته في الشريعة الإسلامية، وفي الفِطَر السوية، والعقول السليمة.

والثورة هذه الأيام لم تستطع بعد ، ردم الهوة الكبيرة ما بعد إزالة حكامها، حيث نجد ظاهرة عدم وجود الأمن ، بالإضافة إلى الفوضى الكبيرة ، التي انقلبت على الشرعية ، بعد أن كانت تسلط العصا البوليسية على الرؤوس، التي عاشت حالة من الأمن المستتب في ظل حكامها ، الذين استباحوا البلدان التي يحكموها ، وأرادوا توريثها إلى أبنائهم، مع العلم أن أنظمة الحكم فيها لا تجيز التوريث ، وكانت تقوم على الادعاء الديمقراطي ، الذي ذاب في ظل الديكتاتورية ، التي أنهت كل عوامل الحياة والرأي والرأي الآخر.

فرح الناس بثورات التغيير ، واستبشروا خيراً ، فجاء الواقع عكس ذلك تماماً، حتى فضَّلت المعارضة في بعض البلدان ، إلى معارضة الحاكم المنتخب وتنحيته ، ونتج عن ذلك ، وجود حالات من التمرد والغضب عليه، لأن الحالة أصبحت أكثر بؤساً وفقراً وبطالة مما كانت عليه في السابق، كما يدعون   فاستيقظت روح التمرد ، وقررت أن تكسر قيودها   وتنقلب على الشرعية مهما كان الثمن ، وما هي في الحقيقة إلا صياغة للأوضاع السياسية الجديدة ، من أجل تجميد النشاط الإسلامي ، لأنهم يكرهون الإسلام وأهله ، ويحبون أنفسهم ومنافعهم فقط .

إن اقتران الثورة بمشاعر إسلامية ، ليس شيئاً يُعاب ولماذا يُعاب الناس إذا تمسكوا بدينهم ، ليكون ظهيراً لهم لرد العدوان إذا شنه البغاة ، وسياجاً لحفظ الحقوق ، إذا امتدت إليها أيدي الطامعين ، ولماذا يُطلب منا أن نعلن براءتنا من الإسلام عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة .      

إن كل من يؤمن بالله ، ليشعر بالحزن والألم لما يجري  أوضاع تعكس حالة الانقسام والكراهية، والشعوب تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ، ولقمة عيش أطفالها ، والنخب السياسية سقطت في فخ التحريض، والنزاعات الثأرية، والتدخلات الخارجية  وهي لا تدري، في غمرة سيادة الأحقاد، أنها تدمر نفسها قبل أن تدمر بلادها .

فهل من أجل هذا ثارت الشعوب ، وقدمت الشهداء من أبنائها ؟ أم أنها ثارت لتلبي استغاثات التوجُّع، والتفجُّع ، التي انطلقت من أفواه المقهورين والمظلومين في كل مكان، فخفت للنجدة، وهبت للإنقاذ؛ امتثالاً لأمر الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ التوبة 41 .

 

 

 

 

 

 

 

    

الحقد الدفين على الإسلام

قال تعالى﴿ ود كثيراً من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كُفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ 109 البقره , وقال تعالى ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) 71 أل عمران ، تعرض المسلمون عبر التاريخ  لحملات معادية حاقدة  من الغرب والشرق   للسيطرة على الإنسان والثروة ومصادر القوة قي العالم الإسلامي ، لأنه يعرف أن المسلم إن التزم بمنهج الله فإنه سيتخلص من ظلمه وجبروته ، وقد بلغت هذه الأحقاد هذه الأيام أبشع صورها  وازدادت شراسة وجبروتاً في محاربة أمة الإسلام   كي لا تقوم لها قائمة ، وحتى تبقى مُسخرة لخدمة مصالحه وأهدافه ، يقول أحد المبشرين:" إن القوة الكامنة في الإسلام هي التي وقفت سداً منيعاً في وجه انتشار المسيحية، وهي التي أخضعت البلاد التي كانت خاضعة للنصرانية " ويرى قادة إسرائيل أن بقاء إسرائيل مرهون بإزالة المتمسكين بالإسلام : يقول إيرل بوغر في كتابه العهد والسيف :" إن المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن العرب لابد أن يبادروا ذات يوم إلى التعاون معها  ولكي يصبح هذا التعاون ممكناً فيجب القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم العربي، وهي عناصر رجعية تتمثل في رجال الدين والمشايخ". فهم إذن لا يرون أن الإسلام يقف في وجه مطامعهم فقط، بل يعتقدون أنه الخطر الوحيد الذي يهدد بلادهم ، لقدرته على التوسع والإخضاع ، يقول ألبر مشادور: " من يدري؟! ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين" ويقول :" لست متنبئاً، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة ، ولن تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها ، إن استيقظ المسلم ، وأخذ يصرخ، ها أنذا، إنني لم أمت، ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداة تسيرها العواصم الكبرى ومخابراتها " لهذا يحاربون الإسلام، ويعملون للحيلولة دون وحدة المسلمين التي تؤدي إلى قوتهم، لأن قوة المسلمين تقترن مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره.

 ولذلك تركزت مهمة المبشرين لإخراج المسلم من الإسلام، والعمل على أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير ، والعمل على تشكيك المسلمين بدينهم ، ولتنفيذ هذه المهمة  وضع المستشرقون كتباً ، لا تجد فيها ، إلا الطعن والدس في الإسلام، والتشكيك في مبادئه والغمز بالنبي صلى الله عليه وسلم ، كما اتخذ المستشرقون العلم وسيلة للتشويش على الدعوة الإسلامية ، وتستروا وراء البحث العلمي ، فراحوا يلفّقون الأباطيل، ويلقون بها في ساحة الشريعة الإسلامية، ويحاولون تضليل شباب المسلمين الذين يتتلمذون عليهم، وإقناعهم بآرائهم الفاسدة الخبيثة ليشركوهم معهم في الإساءة إلى الإسلام دون وعي.

وما كتبه المستشرقون عن رسالة الإسلام ، ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم , يفضح عن الحقد الدفين الكامن في قلوبهم ، ولا تكف سياسة الحقد هذه ، عن النيل من ديننا ، والعداء لرسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ، والقتل والتشريد لأتباعه ، سياسة لا تقرّ بحق الحياة للإسلام ، إلا عن عجز ، وتعمل جاهدة للقضاء الإسلام ومحوه من الوجود ، مما يدل على التعصب الأعمى الذي ملاْ عليهم أقطار أنفسهم ، وأغلق منافذ أفكارهم ، لأنهم لا يعقلون إلا شيئاً واحدا ، أن يحرموا الإسلام حق الحياة , إنها سياسة الحروب الحاقدة التي يتعرض لها المسلمون ، وهي حلقة من سلسلة قديمة متصلة الحلقات من ثمانية قرون ، يوم أن جمع الغرب جموعه   تحت راية الصليب لغزو بلادنا ، إلى يوم أن تقرر تهويد فلسطين وطرد أهلها وتشريدهم من بلادهم   وهم ماضون في شن الحروب على بلادنا لاستعبادنا تحت مسمى ضمان سيادتنا ، كما يصفوا سرقة حقوقنا بأنها رعاية للعدالة ، وقد قال القائل يصف هذا المنطق المعوج :

  ما كان في ماضي الزمان محرّماً  للناس في هذا الزمان مباح 

صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم     فتعذّر التمييز والإصلاح

فالفتك فنٌ والخداع سياسة    وغنى اللصوص براعة ونجاح

والعرى ظرف والفساد تمدن  والكذب لطف والرياء صلاح

إنهم يعملون على التكتل أمام دعوة الإسلام   متخذين من كفرهم مذهباً للحياة ، يطوع لهم البغي ويزين لهم الفساد في الأرض ، ويثير شهيتهم لأكل الشعوب المستضعفة ، ناسين أن الإسلام سيبقى متمكناً في القلوب ، مهما حاولوا العمل على طمسه والصد عنه والنيل منه ، وأن الله سبحانه وضع للناس من معالم الهدى ما يريح بالهم ، ويؤمن في الحياة سيرهم ، علماً بأن الدنيا لم تخل في القديم   ولن تخلو في الجديد من أفاكين يؤثرون الكذب على الصدق ، والجور على العدل ، ولا يبالون من رمي العالم بأوزارهم وكي المستضعفين بنيرانهم .

إننا نرى الأقوياء في عالم اليوم ، يغريهم ما لديهم من عدة وعدد ، يشعلون الحروب وينشرون الفوضى في الأرض ، وكلما استقامت أمة من الأمم تآمروا عليها لأنهم كما قال تعالى : ﴿ ويبغونها عوجا ﴾ ، وإذا ثارت أمة تبغي حريتها ، أخمدوها بالحديد والنار   فلا ترى إلا ما يهين الدين ، ويمنع إثبات معالمه وشعائره في المجتمع والدولة ، بمسانده المرتدين على أعقابهم ، لطعن الإسلام وتقويض أركانه ، وتناول الإسلام بالهمز واللمز ، أو الطعن والتجريح في سياسة تهدف إلى تهوين التراث الإسلامي   وصرف المسلمين عن إعزازه والأخذ به ، ومحاربة القرآن على نحو لا يدعو للمقاومة ، لتبق للقرآن قداسته الإسمية   ولتهجر تعاليمه وتشاريعه ، حتى لا تكون له صلة ما بين ثقافة الأمة وسياستها وشئونها الاجتماعية ، وقد حولت هذه الجهود القرآن إلى كتاب يستمع إليه في أحفال الموتى ، ولا يلتفت إليه في أحوال الأحياء   ورضي الله عن الإمام على بن أبي طالب إذ يقول في بعض خطبه : " يا عجباً كل العجب   عجباً يميت كل القلب ، ويشغل الفهم ويكثر الأحزان ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم ، حتى أصبحتم غرضاً تُرمَون ولا تَرمُون ، ويُغار عليكم ولا تُغيرون " .

وقد حذرنا الله من حقدهم وبغضهم فلم نحذر ولم نتعظ فقال تعالى : ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم اكبر ﴾ .            

 

 

 

 

القتل والسلام

إن المسلمين والإسلام والاستظلال بعقائده وشرائعه مطارد في أغلب بقاع الأرض ، فكيف تستريح نفس المؤمن لهذا ؟ بل كيف للمؤمن أن يهادن قوى الشر   إذا كان لا بد له أن يحيا بإيمانه أو يموت دونه ، وماذا يصنع المؤمن إذا استحر القتل في المدافعين عن أوطانهم وعقائدهم واعتبروا مجرمين ، وما المطلوب منا حين يتبجح القتلة ، ويلبسون شارات العدالة ؟ وماذا نصنع بمن يعمل على إبعاد الإسلام وإهانة معتنقيه ، وتضييق الخناق عليهم ما لم ينحرفوا عن شرائعه ويتنكروا لتعاليمه ، وماذا نقول عندما نرى ساسة الغرب ومن يعمل معهم أو لصالحهم لا يرضون بإذلال المسلمين ، بل يريدون أن يقاتلوا تحت لوائهم ، ويسوغوا مظالمهم .

إن القتلة لا يستكثر عليهم الكذب ، ولصوص السياسة لا يستبعد منهم الافتراء والتزوير ، ولا يستغرب منهم أن يجادلوا بالبطل ليدحضوا به الحق   وأن يتعاونوا على استغلالنا واستذلالنا ودعم كل عمل يطرد الإيمان من قلوبنا ، ويشيع المنكر والفحشاء في بلادنا ، بل إنهم يباركون القتل الذي ندفع مغارمه الفادحة من آلاف القتلى وعشرات المدن والقرى المدمرة ، يشهدون ذلك وهم يضحكون ، لأن قتل المسلمين والخلاص من دينهم هو أمنيتهم التي يسعون لتحقيقها ، دعا الكاتب والمحلل العسكري أليكس فيشمان في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الحكومة الإسرائيلية إلى ترك العرب يتقاتلون، ليقتل الواحد منهم الآخر؛ لأن أي تدخل "إسـرائيلي" قد يعيد التفاف العرب مع بعضهم على عدوهم التاريخي، أيْ دولة الاحتلال الإسرائيلي ، وأوضح (فيشمان) أنه "في كل يوم يُقتل في الدول حولنا 400 إنسـان إلى 500، ويُقتل في سـوريا في كل يوم 80 شـخصاً، وتابع: ولا يُرى لدى الفلسطينيين حل للانقسام بين  حماس والسلطة الفلسطينية، ومصر في فوضى اقتصادية دستورية وفي الشوارع اضطراب عارم، وقلق مصر أن أثيوبيا تُنشيء سدّاً على النيل الأزرق الذي يمد مصر بـ 80 في المائة من الماء ، وأردف الكاتب: في ليبيا تذبح القبائل والعصابات المسـلحـة بعضها بعضاً ولم يعودوا يعدون الجثث هناك، وتدخل المدن الكبرى في تونـس في حظر تجوال كل مسـاء ويُقتل جنود تونسـيون في حربهم للسـلفيين على حدود الجزائر، وأصبح العراق مقسـوماً إلى ثلاثـة أقسـام، وتتجدد الحرب الأهليـة هناك بكامل قوتها. مضيفاً: "ولم نتحدث بعد عما يحدث في الصومال وتشاد والسودان وعدن والبحرين، إن العالم العربي يحترق منذ سـنتين ويفني نفسـه دون تدخل خارجي، وهذا أمر قد يسـتمر سـنين طويلـة بعد"، من هنا، ختم (فيشـمان) إلى القول: "لماذا يجب علينا نحن الإسـرائيليون ، بسـبب عدد من الضباط الكبار الذين لا يهدأون ورئيـس حكومة يُسـارع إلى الحرب، منح العرب سـبباً للاتحاد حول القاسـم المشـترك الوحيد بينهم وهو كراهية  إسـرائيل ، دعوهم يقتلوا أنفسـهم بهدوء؟ . نعم ها نحن نشهد قتلاً يصلى المسلمون ناره ، فما تنقلهم الأحداث الرهيبة من ميدان إلا ليدخلوا ميداناً آخر ، فرحوا بالكيماوي الذي حصد جماهير النسوة والأطفال ممن لا شأن لهم بالحرب ، في وسط الضجيج العالي لحضارة الغرب   وها هي صيحات الهول تخترق أذان العالمين ، ممن يطلبون النجدة ، وها هي دماء المسلمين لا تطفئ نار الوحش الظامئ إلى المزيد ، يشتطون في أخذ المسلمين بالعنف كي يردوهم عن دينهم ، فلا يبالون في سبيل ذلك بسفك الدم مهما غزر ، وإتلاف النفوس مهما كثرت ، لأنهم يكرهون الإسلام وأهله   فالخير ما عاد عليهم بالنفع وإن كسر قلوب الآخرين   يستبد بهم جنون القتل كلما كان المسلمون هم ضحاياه ن وكلما كانت بلادهم هي هدفه ، فلا غرو إذا أحس المسلم وهو يسلم روحه تحت ردم   أن الدنيا تآمرت عليه وشاركت في قتله .

بعد كل هذا القتل والتدمير والتشريد بقولون : لا حل إلا بالتفاوض السلمي ، والسؤال هنا هل التفاوض السلمي يعني ترك الإجرام من غير نكد   وترك المعتدين من غير عقوبة ؟ وترك المظلومين دون نصير ، يصون دمائهم وأموالهم وأعراضهم ؟

إذا كان هذا معنى السلام ، فليس الإسلام دين السلام ، بل هو دين خصام وقصاص ، لذا لا ينبغي تشويه حقيقة السلام ، لنرضى بالهوان وقبول الدنية ن فالقرآن وهو يحذر من سفك الدم ، يعطي المسلمين إذناً بالدفاع عن أنفسهم فيقول : ﴿ أذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ الحج 39 ، والقرآن حين يُذَكِر المستضعفين بآلامهم ، وما لاقوا من تشريد ، فإن ذلك يكون دافعاً لخوض المعارك وتأديب الطغاة قال تعالى : ﴿ قاتلوهم يُعَذِبهم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينصركم عليهم ﴾ التوبة 14 ، وهذا يقتضي البحث عن سلاح ، يدفعوا به الصائل الغشوم ، الذي شرّد إخواننا ونهب أموالهم واستباح حقوقهم ، ورفض أي سَلامٍ ، يراد به تمكين الغاصب   وإسكات الشاكي ، وتطمين المعتدي ، وتوهين الباكي ، وعدم القبول بأي منطق لا يريد إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، إذ لا قيمة لقوة تجانب الحق   ولا قيمة لانتصار يجافي العدالة ، ولا مكان لسلام يفرضه الظلمة بعدما سلبوا الآمنين وآذوا المؤمنين  لذا لا بد من حمل السلاح والقتال حتى يقتنع الظلمة بالتخلي عن نتائج سطوهم وغزوهم .

إن المسلمين في دفاعهم عن حياتهم ودينهم ، قتل منهم الآلاف ، في مظاهرة تثور طالبة العدالة والحرية   ومنادية بحقها في الكرامة ، ممن لم تشهد الدنيا نظيراً لهم في الفتك بالأبرياء ، والإطاحة بالحقوق    حضارةٌ خلّفت وراءها الألوف المؤلفة من الأرامل واليتامى ، والضائعين والضائعات . 

والسؤال هنا : ما العمل إذا استمدوا من كفرهم مذهبا للحياة ؟ يطوع لهم البغي ، ويزين لهم الفساد في الأرض ، إذا علمنا أن الإسلام لا يحارب الكفر ولكنه يحارب العدوان ، فليكفر من شاء ، فليس الإسلام مسئولاً عنه ، لكنه ينتصب مقاتلاً يوم يتحول الكفر إلى جور يلتهم البلاد والعباد ، عندها لابد من إزالة الظلم وكف الظالمين ، وحتى لو بغى المسلمون ، لوجب قتالهم حتى ينحسم بغيهم ويفيئوا إلى أمر الله ، أما الدعوى إلى عدم الإعداد والقوة فتلك دعوى لتجريد المسلمين من أسباب القوة ، حتى تتسلط عليه وتنفذ إلى صميمه .

وقد أمرنا الإسلام أن نجاهد المعتدين ، وأن نبذل المال والدم والروح عسى الله أن يكف بأسهم   وعندما يعلن النفير العام ، يجب على الأمة أن تتعاون   كلها على كسب معركتها ، وعلى النيل من عدوها بكل وسيلة على نحو ما قال الله تعالى : ﴿ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ التوبة ، إننا نشهد في العالم الآن القوى التي تتطاحن لامتلاك أمره   وتتنافس في أخذ زمامه ، والانفراد بتسييره ، ولا يمكننا تجاهل الصراع بين هذه القوى ، والذي يهمنا موقف تلك القوى من الإسلام ، أما القوى الشرقية فهي تنكر الإسلام ، وأما القوى الغربية فهي تجحد رسالة نبينا r وتكذب بدينه ، وتحرص على اعتبار الإسلام خرافة ينبغي التخلص منها ، وإن كلتا الجبهتين لا تريد للإسلام خيرا ، فكيف نرجو منهم حلاً لمشاكلنا ، وقد أُمرنا ألا نواليهم قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ .      

 

 

 

 

المنقلبون على إرادة الشعوب

المنقلبون أناسٌ يلوكون بألسنتهم ما يريده الطغـاة المؤتمرون بأمر طغاة الغرب ، ويردّدون صَدى ما يُقرر في دوائرهم ، التي تعكس جرائمهم مع كل ثورة ، فما تنقلهم الأحداث من ميدان إلا ليدخلوا ميداناً آخر ، قد تنقل وسائل الإعلام استنكارهم   إلا أن ما يخفى من قرارات ، يؤيد ما يلاقيه المسلمون من الفوضى والاضطراب ، فسبحان الذي جعل عاليها سافلهـا ، بين عشية وضحـاها    وعملائهم عن مكر الله بهـم غافلـون ، فقلبـت الشعوب المعادلة ، وأنزلتهم من أبراجهم المشيـَّدة ، إلى سجون يُحاكمون فيها ، أو منفى يعيشون فيه ، أو القتل الذي يريح الشعوب من بطشهم وظلمهم  ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ، فأتى الله بنيانهم من القواعد ، فخر عليهـم السقف من فوقهـم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعـرون ﴾ ثارت الشعـوب على سدنة الظلم والطغيان   ولما انتصرت على الطغـاة ، وقعت في التنافر والتباغض والاختلاف ، الذي ساد  بقوة السلطة الطاغية ، وبأمـر استخباراتها الباغيـة ، فتباغضوا حتى جار بعضُهم على بعض ، وبغـوْا وتحاسدوا حتى تقاتلـوا ، متناسين الأهداف التي قامت الثورات من أجلها ، وهي : التحرُّر ، والتغيير   والتضحية ، وتحقيق العدالة ، وإسقاط الطغاة   ومحاربة الظلم ، فداس الناس بأقدامهم عناوين الذلّ   والتلبيس التي يسوِّق لها أصحاب الفكر الإرجائـي : أطيعوا ولاة أموركم مهما أجرموا   ! من عصاهم   فقد عصى الله ، لكن الشعوب أيقنت أن لا حـلّ لهذه الأنظمـة ، إلاّ أن تُخـلع وتحُاكـم على جرائمها ، وإلاَّ فلـن يُشـرق على الأمـّة فجـرٌ جديد ، فقامت هذه الثورات التي اقترنت بمشاعر إسلامية ، لتحرير الشعوب من الطغاة ، واستعادة الكرامة ، والإطاحة بكلّ صور الظلم واغتصاب حقوق الشعـوب ، فعاب العلمانيون اقتران الثورات بهذه المشاعر ، علماً بأن ذلك ليس شيئاً يُعاب ، ولماذا تعاب الشعوب إذا آمنت بالله ورسوله   ولماذا تعاب إذا أقامت حياتها على تعاليم الإيمان بالله  الذي يعتبر ظهيراُ لرد العدوان الذي يشنه البغاة  وسياجاً لحفظ الحقوق ، إذا امتدت إليها أيدي الطامعين ، ما العيب في هذا ؟ ولماذا يطلب منا أن نتخلى عن صلتنا بالله ، وهي صلةٌ لا عوج فيها  ولماذا يطلب منا التخلي عن مبادئنا عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة ، لكنها السياسة الجائرة التي ترى الفتك دينا ، وترى وجود غيرها إلى جوارها منكرا ، ولماذا نلام إذا أصررنا على ديننا وتشبثنا بالبقاء عليه ؟ ولماذا يستغرب منا أن نستمد من ديننا روح الجهاد ، حتى إذا مات منا مجاهد ، قلنا للآخر، أد واجبك كما أداه أخوك ، فديننا أمر بهذا   كما أمرنا أن نكون متراحميـن ، وأذلـةً علـى المؤمنيـن ، أعـزةً على الكافرين ، بينما سياستهم تبقي على الظلم بدل أن تنادي بإنصاف المغلوبين على أمرهم ، سياسة لا تبالي بسفك الدم مهما غزر وإتلاف النفوس مهما كثرت ﴿ فنسوا حظـَّا مما ذكـروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ﴾ سياسة لا ينقصها الخبث ، كي تواجه الثورات بالتفاف ماكر ، فتجتهد في محاربة الدين ، وفي سلب أنصاره كل طريق إلى السلطة ، واعتبار أنصارها وحدهم موضع الثقة ، وهم وحدهم بيئة الحكم ومصدر التشريع ، سياسة لا تسمح للأمم أن تفكر كما تحب   ولا أن تعتنق ما تهوى ، ولا أن تتبع ما تعتقد   سياسة تحرص عند تغير شكل الحكم أن يبقى موضوعه ، لأنهم يكرهون الإسلام وأهله ، ويحبون أنفسهم ومنافعهم فقط ، فالخير ما عاد عليهم بالنفع وإن كسر قلوب الآخرين ، والعدل ما سوغ حيفهم وإن شاه وجه الحق ، سياسة يستبد بها جنون القتل  متى كان المسلمون ضحاياها ، ومتى كانت بلادهم هدفها ، لهذا كله تداعت الشعوب بالثورات على الطغاة ، الذين ينتهجون تلك السياسات  فكانت المواجهة قاسية ، وكلَّما زادت القسوة بسفك الدماء ، زادها إصرارا على طريقها ، لأنه أعطى الشعوب اليقين ، بأن طريق التراجع أشد دمويـة ، من المضيِّ قُدُماً ، في مواجهه المستبد الذي إن تركها تتظاهر مجتمعةً عليه ، زحفت عليه فخلعته   وإنْ واجهها بالعنف ، زادت إصرارا وعزمـا !!  ولعمري .. إنه بأس الله تعالى الذي لايردُّ عن القوم الظالمـين  ، وما أرى الشعوب إلاّ ستطبـِق بثوراتها على النظم المستبدة ، وتطيح بها بإذن الله   وستكون أعظـم بركة ، بانتصـارها على طغيان النظم الفاسدة ، وتآمـر المتآمرين على أمـّة الإسلام ، الذي يجنح إلى كلما وجد إلى ذلك سبيلا 

وكلما وجد مجالاً للصلح سار فيه ، حتى إذا لم يبق من الحرب بد خاض غمارها ، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تتمنوا لقاء العدو ، وإذا لقيتم فاثبتوا ) وما يجوز لمؤمن أن يفرّط في ذرة من حقه خوفاً من عدوان ، فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة الكفاح الدامي ، للمحافظة على الحقيقة والحقوق   جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله : أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : لا تعطه ،، قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ، قال أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد ) فليس أعدل من حرب يخوضها المسلم وقد أكره عليها ، يرجو نصر الله ويرد كيد أعداء الله ، لأن معركتنا معهم معركة حياة أو موت ، وقد أمرنا الله أن نجاهد عوامل الشر قال تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فين لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ﴾ العنكبوت . وقد أمرنا الله أن نصلح أنفسنا وندعو غيرنا ، فإن نجحنا فذاك ، وإلا فحسبنا أن نكون قد بلغنا الرسالة ، وأدينا الأمانة ، وأردنا الخير للناس ، ولا يصح أن نحتقر أنفسنا   فحسب الذين يحملون الرسالات ، ويقومون بالدعوات ، من عوامل النجاح ، أن يكونوا بها مؤمنين ، وفي سبيلها مجاهدين ، فبذلك ينالوا رضى رب العالمين .  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جذور المؤامرة على الإسلام

المؤامرة على الإسلام قديمة قدم الحق والباطل، فهي عداوة أزلية كونية ، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وهي مستمرة أبدية بين الحق وبين الباطل  وكلما قويت شوكة الحق؛ كلما كانت عداوة أهل الباطل أكثر، وتعاونهم لإبادته أعظم

وأعظم ظهور للحق كان على يد رسول الله  صلى الله عليه وسلم الذي أظهر الله  به الدين، وقد واجهت طوائف النفاق وأهل الباطل الرسول والدين الذي جاء به   فإذا ظهر الدين وقوي خف أمرهم، وإذا ضعف ظهروا وأظهروا تعاونهم مع أعداء الله تبارك وتعالى وحاربوه أشد الحرب ، وآذوه واتهموه بأشنع التهم ، ولم يتخلوا عن وسيلة يستطيعون أن يؤثروا بها عليه إلا استخدموها لطمس النور الذي جاء به صلى الله عليه وسلم . ولم تتوقف الجهود لردع الحاقدين على الإسلام  الذين خططوا لاغتيال حملة لوائه ، ظناً منهم أن الدين مرتبط بشخصهم ، فإذا ذهبوا ذهب الدين   ناسين أن الأمر أمر الله عز وجل ، والدين دينه    فقد تكفل الله بحفظه ، وأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فكان مقتل عمر بمؤامرة مجوسية نصرانية ، وكان مقتل عثمان بن عفان بتآمر عبد الله بن سبأ مع رءوس الشر، الذين جاءوا من مصر والكوفة واليمن ، وابن سبأ كان وراء نشر عقيدة التشيّع لآل البيت ، لا حباً وتعظيماً لـهم   ولكن لغرض هدم الإسلام، ودخل الإسلام هو واليهود الذين معه ، وأدخلوا معهم أمة التشيّع الحاقده ، إلا من اهتدى منهم ، ومنذ ذلك الحين ابتدأت الأمة الإسلامية في حرب لا هوادة فيها مع هؤلاء المجوس المتسترين ، وكانت المؤامرة تحت شعار أن الحكم من حق آل البيت، وقد كانوا من وراء انتشار الزندقة ، في عهد الخلافة العباسية ، وكان من أخطر ما أوجدته الزندقة ، وضع الحديث؛ فكانوا يضعون على النبي صلى الله عليه وسلم المئات والألوف من الأحاديث، ولذلك كان الخلفاء العباسيين يلاحقونهم ويقتلوهم  ، وكان للبرامكة وهم طائفة من المجوس  دوراً في التآمر ، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كشف نواياهم وخباياهم، حتى قال فيهم الشاعر:

إذا ذكر الشرك في مجلس   أضاءت وجوه بني برمك

وإن تليت عندهم آية      أتوا بالأحاديث عن مزدك

ومزدك هذا -المجوسي- هو الذي نشر الشيوعية في أيام الدولة الفارسية القديمة ، ولما افتضح أمرهم في عهد هارون الرشيد ، قضى عليهم وأبادهم، وكفى الله تعالى شرهم.

وفي عهد المأمون ، كانت الفتنة من نوع آخر  حيث ابتلي المأمون بفتنة الاعتزال والتفلسف، ونتيجة لذلك كان العذاب الشديد على الأمة، وكان من آثار ذلك على المأمون أنه أعلن الخلافة لـعلي الرضا -وهو من أئمة الرافضة الاثنى عشر كما يزعمون- فأراد أن ينقل الخلافة النهائية من بيت بني العباس إلى ذلك الرجل الذي يتستر أولئك القوم وراء الدعوة له وإلى خلافته، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أحبط كيدهم، وكان في تدبيرهم تدميراً لهم، وجاء النصر للسنة ، وظهر أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على يد المتوكل ، الذي قضي على تلك الفئة ، وبعد ذلك    ظهرت في أطراف الكوفة ، الباطنية ، وظهر القرامطة الأولون، ولم ينتصف القرن الرابع حتى ملأ الرفض الدنيا شرقاً وغرباً، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله ، فكانت الخلافة العبيدية الفاطمية تحكم بلاد المغرب ومصر ، كما كان القرامطة يحكمون شمال الجزيرة العربية وشرقها ، ويقطعون الطريق على الحجاج، وكان بنو بويه في بغداد وشرقي العالم الإسلامي وهم -أيضاً- من الرافضة .

ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ،لم يجعل على أيديهم طمس هذا الدين، ولن يكون ذلك، وإنما استمرت الحرب سجالاً بينهم وبين المسلمين، على جميع المستويات الحربية والعلمية، حتى جاء أواخر القرن الخامس وجاء الصليبيون ، الذين تركزت   أهدافهم وأطماعهم حول بيت القدس ، لتنطلق منه   خططهم لهدم الإسلام والقضاء عليه.

وقد تعاون الرافضة والباطنية ، الذين كانوا يحكمون بلاد مصر والشام مع الصليبيين، فسهلوا لهم دخول بيت القدس ، ولم يكن بينهم أي حرب، وإنما دخلوه وانتهكوا حرمته، وقتلوا سبعين ألفاً من المسلمين حتى غاصت خيولهم في دماء المسلمين إلى الركب  واحتلوا القدس ، وانتشروا في بلاد الشام ، وكما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية والذهبي وابن كثير وكل المؤرخين الثقات وعلماء الإسلام: كان التعاون الشديد والقوي بين هذه الطوائف: الباطنية والمجوسية وبين الصليبيين على أوضح وأجلى ما يكون. وها هو التاريخ يعيد نفسه بتعاون الرافضة والنصيرية والشيوعية على الشعب السوري ، والله نرجوا أن يمكن منهم ، كما مكن للمسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي  ، الذي فهم من أين يبدأ الحل  فقد جمع أهل السنة على العقيدة الصحيحة  ، واهتم بتطهير الصف الداخلي ، قبل الانطلاق لمحاربة الأعداء في الخارج ، ولهذا ترك صلاح الدين الإمارات الصليبية في الشام وفلسطين ، وذهب إلى بلاد مصر فقضى على الفاطميين -وهم في الأصل عبيديون- ، وقضى على رفضهم وتشيعهم  وأحل السنة محلها، ووحد الله به أكبر قوتين في العالم الإسلامي في ذلك الزمن ، وهي قوة الشام شرقاً ومصر وغرباً، فتوحدت الأمة الإسلامية على السنة ثم انطلقت بعد ذلك لقتال الصليبيين ، فكان النصر المبين بفضل الله تعالى على الصليبيين.

في ذلك الوقت كان الخليفة في بغداد ، هو المستعصم بالله ، وكان وزيره من الروافض وهو المشهور بابن العلقمي ، الذي اتفق مع هولاكوا على أن يدخل بغداد بالقوة، وزين له ذلك ، فتردد هولاكوا ، فتآمر على جيوش الخليفة المستعصم ،بفتح السدود والأنهار على جيوشه ، فأغرقوهم بعد أن سرّحوا أكبر قدر منهم، وذهب في نفس الليلة إلى هولاكو   وقال له: إن ذلك الرجل قد ضعف، وإن ملكه قد ذهب، وإن جنوده قد غرقوا، وهذه من كراماتك  فادخل إلى بغداد ، وأعمل فيها بالسيف  وكان الروافض يظنون بذلك أن هولاكوا  سيقضي على ملك أهل السنة ، ثم يولِّيهم الحكم 

وتردد هولاكو في دخول بغداد وقال: بلغنا أن من أراق قطرة من دم أحد من آل محمد ، فإن ملكه يتمزق وينتثر ، فقالوا : نحن نأتيك بالفتوى؛ تقتل الخليفة دون أن تراق قطرة واحدة من دمه  قالوا: نلفه في الخيش ونضربه بالهراوات حتى يموت  فوافقهم هولاكو ، ودخل إلى بغداد فجأة، وقبض على بني العباس  حتى ذكر المؤرخون -كما في البداية والنهاية وغيره- أنه أخذ من بيت الخلافة ألف عذراء، أخذها أولئك الأنجاس المشركون الوثنيون  واغتصبوهن!! وكثير منهن من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من بني العباس، وقتلوا الخليفة على الصفة وعلى الفتوى التي أفتاهم بها أولئك الروافض.

فقد انتهكوا حرمة بغداد ، وحصلت مذبحة عظيمة جدا،ً حتى أن أقل الأرقام التي قيلت في الذين قتلوا قرابة المليون ، ودخل الناس كما يقول المؤرخون ومنهم ابن الأثير وابن كثير ، في الكنف في (المجاري تحت الأرض)، ليهربوا من سيف التتار فكان الوباء العظيم، حتى بعد أن انتهت المجزرة خرجوا ، ولكن نتن الجيف والوباء الذي قضى على البقية، فكانت مذبحة على مذبحة ومصيبة على مصيبة، وكان الله لهم بالمرصاد ، فإنّ التتار أذلوا ابن العلقمي وأهانوه ولم يقدروا له فعله ، بل اعتبروه خائناً، وكانت نهايته الموت قهرا .

وقد قيض الله للأمة من يهزم التتار ، ففي تلك الفترة ولد شَيْخ الإِسْلامِ أحمد بن تيمية فأظهر الله تعالى به الدين، وكان أكبر الملوك -ومنهم الناصر قلاوون وأمثاله- ممن وقفوا معه في كثير من الأمور  وهو الذي حرك العلماء وحرك الأمة  فحاربت التتار وهزمتهم ، وحاربت الصليبيين وتحقق لهم النصر وكان ذلك بعثاً جديد للإسلام بفضل الله سُبْحَانَهُ .

وفي عهد الخلافة العثمانية ، فقد تغلبوا على روسيا وفتحوا معظم بلاد جنوب شرق أوروبا ، بل وشرق أوروبا ، حتى إنهم عجزوا عن مقاومتها ، فاستعانوا بتلك الطائفة الحاقدة -وتكونت المؤامرة من جديد- حيث كان في شرق العالم الإسلامي في بلاد الفرس الدولة الصفوية ، فكلما تقدمت الدولة العثمانية في أوروبا تقدم الصفويون في داخل البلاد العثمانية  فاحتلوا العراق ودخلوا إلى بلاد تركيا نفسها   وهكذا كانوا كلما زحف الإسلام في أوروبا ، يأتون فيطعنونه بخنجرهم المسموم من الخلف، فتضطر الدولة العثمانية أن تسحب جيوشها من أوروبا   لتقضي على الصفويين في المشرق.

وقد ذكر صاحب كتاب مائة مشروع لتقسيم تركيا  أن أوروبا بالتعاون مع الصفويين المجوس أعدت مائة مشروع لتقسيم العالم الإسلامي -الذي كانت تحكمه تركيا ، ويفشل المشروع تلو المشروع  حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فتحقق نجاح تلك المشاريع، وقضي على وهدمت الخلافة العثمانية  وفي اتفاقية (سايكس بيكو) قسموا العالم الإسلامي  وأخضعوه لسيطرتهم . أما آن لنا أن نعرف أعداءنا وأن نجتهد مثلما يجتهدون ﴿ وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ﴾النساء104 .

 

 

 

 

 

 

تطاول الأعداء على المسلمين  

قال تعالى : ﴿ ودُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ النساء89 يتمنون لو ننكر ما آمنا به  ولهذا يعملون جاهدين في محاولة مستميتة لطمس الهويه الذاتية للعالم الإسلامي، وجره إلى تقليد الأنماط الغربية في جميع النواحي الحياتية، العقدية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها قال تعالى : ﴿ وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ آل عمران69 ، إنهم يودون ذلك ، ويسعون إلى تحصيله وتحقيقه ، بكل ما يستطيعون ، قال تعالى : ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ البقرة217 ، حقد دفين   وخوف رهيب ، يملآن صدور أهل الكفر والإلحاد ، ويدفعانهم إلى محاربة الإسلام ، ومحاولة القضاء عليه ، وعلى أهله قال تعالى : ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴾ الصف8 . ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، يقول أحدهم : " متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية ، بعيداً عن محمدٍ وكتابه " ، هذا مكرهم وأكبر من ذلك ، قال تعالى : ﴿ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ آل عمران118 ، لقد جنّدوا كل ما وصلوا إليه من اختراع ، لحرب الإٍسلام وأهله   وغزو بلاد المسلمين عقدياً وفكرياً ، ليحكموا القبضة عليها ، ويستولوا على مقومات الحياة فيها   ولسان حالهم قول قائلهم : " كأس وغانية تفعلان بالأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع   فأغرقوها في حب المادة والشهوات ، حاصروا البلاد الإسلامية ، بثورة إعلامية ، وتقنية اتصال عالمية ، وهاجموها بقنوات فضائية ، شهوانية شيطانية ، سم زعاف ، يقضي على الكرامة والعفاف ، وريح عاصف ، ومكر قاصف   وهجمة شرسة مستعرة ، تتعرض لها أجيالنا الحاضرة ، تُفجّر غرائزهم ، وتدمر أخلاقهم   وتشيع الرذيلة في صفوفهم ، وتجعلهم هائمين على وجوههم ، يبحثون عن سبيل مشروع أو غير مشروع ، لتصريف ما أثير من شهواتهم   فأغرقت أسواق المسلمين ، بكثير من المحرمات والمنكرات ، ولم تسلم المرأة المسلمة من تلك الهجمة الحاقدة ،  فعملوا على إغوائها وإغرائها بما تصنعه دور أزيائها الخليعة ، ودعوها إلى الاختلاط ، وأهانوها ودنسوها.

إننا نعيش هذا الواقع الأليم ، إذ أوثقوا منا الأيدي والأقدام ، وكمموا الأفواه ، وسفهوا الأحلام  واخذوا بالتلابيب والأكمام ، يبثون إلينا ما يريدون ، ويرسلون ما يرغبون ، أثقلونا بالشائعات ، ودعموا الاختلافات ، والأكاذيب والافتراءات ، أفسدوا العقول ، وقادوا الشباب للمجهول ، قلدوا وما دروا ما قلدوا ، قصّات الشعر ، والقلائد حول الأعناق ، ناهيك عن الجينز الضيق ، الذي يكسّم ويجسّم ،  مناظر الشباب والفتيات ، تميت القلوب وتغصها بالحسرات ، على شباب أخذوا من الغرب كل ما من شأنه أن يسيء للعقيدة والدين ،  قلدوهم في لباسهم وعاداتهم ، وتركوا أفضل اختراعاتهم   وأحسن صناعاتهم ، يرسلون إلينا من يدرب جيوشنا ، ومهندسينا ، وأطبائنا ، واقتصاديينا   ويأخذون مقابل ذلك ، الأموال الطائلة ، التي يمكن أن تغيث الملهوفين ، وتسد جوعة الجائعين   من المسلمين ، ونحن نرسل لهم شباباً يستقون دينهم الفاسد ، ومعتقدهم البائد ، يغسلون الأطباق في المطاعم ، ويُسْتَذلون للنواعم يعيشون محناً متتابعة، وعقائد خاطئة، وأفكاراً زائفة، وأخلاقاً ساكنة، وحروباً طاحنة، وأحزاباً متناحرة، وفُرْقةً متأصلة، وبلاداً مغصوبة، وحقوقاً مسلوبة، ودماء مسفوكة .

إننا نعيش زمن الأعداء المتطاولين، والمسلمين المستضعفين ، والأشقاء المتناحرين  ، حتى أصبحت بلادنا ، مسرحاً لكل مشكلة  ومأوى لكل معضلة، في كل يومٍ نسمع عن أحداثٍ مذهلة ، تتفطر منها الأكباد، وتدمى لها القلوب ، وتبكي منها العيون، ومما يزيد الهموم   أن أصبحت أمراً مألوفاً عند الكثير الذين لا يسعون للتغيير، ولا يجدّون في إصلاحً ولا تعمير فقدوا الإحساس بالواجب ، فأصبحنا نشكوا من الارتجالية وفقدان الروح الجماعية ، وغلبة الروح الفردية ، فكثرت المعاصي وكثر ألعصاه   وكثرت الانحرافات والمظالم ، وغفلوا عن معنى قوله تعالى : ﴿ فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾الأنعام 44 . فأصبح هذا الواقع يتطلب العلاج الناجع .

فما العلاج ؟ العلاج يكمن في إقامة شريعة الله في الأرض ، والحكم بما أنزل الله ، وإقامة العدل الرباني في الأرض كما أراده الله أن يكون    وحمل الأمة للأمانة الكبرى قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداْ بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ المائدة 8 . فإقامة العدل على هذه الصورة جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة     وإقامة الحياة كلها على قاعدة تقوى الله وخشيته   فالسياسة قائمة على حكم ولي الأمر بشربعة الله   والسمع والطاعة من الأمة لولي الأمر فيما يأمر به موافقاً لشريعة الله ، والنصح لله ورسوله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى ، وعدم التعاون على الإثم والعدوان  وإقامة الأمر على الشورى التي أمر الله بها ، وأن يكون الاقتصاد قائم على الالتزام بما أحله الله   وتحريم ما حرّم الله ، من ربا واحتكار وغش وسلب ونهب ، وسرقة وغصب  وأكل أموال الناس بالباطل ، وأن يكون الاقتصاد قائم على تطهير المال بأداء الزكاة ، والإنفاق في سبيل الله   وعدم الإنفاق على ترف أو سرف أو معصية   وأن تكون العلاقات بين الناس قائمة على التواد والتحاب والتكافل ، والتعاون على البر والتقوى   وحرمة الدم والعرض والمال  وكظم الغيظ والعفو عن الناس ، والكف عن الغمز واللمز والغيبة والنميمة ، والتجسس والاطلاع على العورات  إن إقامة الحياة على هذا الأساس جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة .   

إن الإسلام لا يقبل الترف من الأمة ، ولا يكون تقويمه بالانصراف عن عمارة الأرض ، فكلاهما من أسباب الضعف ، الذي أغرى أعداء الأمة الإسلامية ، من الشرق والغرب للقضاء على دين الله ،وكما نرى فإن العالم الإسلامي ينحدر كل يوم ، وأعداؤه يتقوون على حسابه ، ويقتطعون كل يوم قطعة منه ، يستذلونها ويستعبدونها ويحاولون القضاء على الإسلام فيها ، وما ذلك إلا لعدم فهم مفهوم لا إله إلا الله ، الذي أصاب مفهوم العبادة السلبية المتواكلة المريضة   والانصراف عن وسائل القوة ، التي أمر الله بإعدادها لأعداء الله في قوله تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ ويوم تصحح المفاهيم بالفعل ، وتتربى الأمة على المفاهيم الصحيحة   التي تمارس الإسلام في عالم الواقع ، يتحقق الوعد الذي وعده الله لرسوله r : تكون خلافة على منهاج النبوة ، في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان ، تكون النبوة فيكم ما  شاء الله ، عندها تتحقق للإسلام جولة جديدة   يخرج فيها الناس من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا ، إلى سعة الدنيا والآخرة ﴿ ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ الروم 4 .   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مطامح الدول الكبرى  

  ترى الدول الكبرى أن تبسط سيطرتها على أكبر رقعة من الأرض ، وتكون لها مستعمرات في قارات مختلفة ، والسيطرة على شعوبها ، وكثيراً ما تنشب الحرب بينها وبين تلك الشعوب ، وما كانت جمعية الأمم ، التي تنشب الحروب على مسامعها ، وعلى مرأى من خليفتها الأمم المتحدة   إلا كما قال الأمير شكيب أرسلان : " ما وجدت إلا لتلبس الاعتداء حلة قانونية ، وتسوغ الفتوحات بتغيير الأسماء ، لا يطيعها سوى ضعيف عاجز ، ولا تستطيع أن تحكم على قوي متجاوز " وقال جود الإنجليزي : " إن حرباً تُشْهَرُ تحت إشراف عصبة الأمم ، ليست للعدل بين الأمم ، ليقوم بها شرطة العالم ، للأخذ على يد الظالم ، وعقاب المعتدي ، ليست هذه الحرب إلا كفاحاً بين الطوائف المتنافسة في القوة . الواحدة منها حريصة على المحافظة على القسط الأكبر من ثروة العالم وموارده ، والأخرى متهالكة على تحصيلها ، أما التذرع بأن هذه الحروب، إنما هي للدفاع عن الديمقراطية وعن عصبة الأمم وضد الفاشية والاعتداء ، فلا يغير من الموقف شيئاً " وهنا يمكن القول : كيف تدافع عن الديموقراطية ؟ وهي تهد ف إلى السيطرة على منطقة الشرق الأوسط ، من أفغانستان مروراً بباكستان وحتى العراق وسوريا   على أن تكون هذه السيطرة ، عسكرية ومباشرة   إنها لا تختلف عن السيطرة الاستعمارية ، التي سادت في بداية القرن الماضي ، لأن القصد من هذه السيطرة ، الاستيلاء على ثروة المنطقة النفطية  وخاصةً ثروة العراق، حيث النفط الرخيص  لاستغلاله في تركيع الدول ، التي بدأت تتطلع للعبِ دورٍ منافسٍ للاقتصاد الأمريكي، خصوصاً الصين واليابان والاتحاد الأوروبي ، وبهدف إعادة صياغة الجغرافية السياسية ، على نحوٍ يخلق وضعاً يمكّن الولاياتِ المتحدة وقواتِها العسكرية ، من البقاء في هذه المنطقة  وجاء غزو العراق واحتلالُـه ، في سياقٍ دولي يعكس عودة الصراع على الموارد بين الدول الكبرى ، يقول الكاتب الأمريكي والمؤرخ للحروب الأمريكية المعاصرة  مايكل كلير في كتابه حرب الموارد : " إن الولايات المتحدة بوصفها المستهلك الرئيسي للنفط والغاز في العالم ، يجب أن تحتفظَ بحرية الوصول إلى الإمدادات فيما وراء البحار ، وإلا واجه اقتصادُها برمّته الانهيار ، وإن الازدهار في الداخل ، يعتمد على الاستقرار في المناطق الرئيسية التي نتاجر معها ، أو نستورد منها السلع الحيوية ، مثل النفط والغاز الطبيعي " ، كما قال الرئيس السابق كلينتون :"وتحتل الحرب الاقتصادية المنزلـة نفسَها ، التي احتلتها الحرب الإيديولوجية في الحرب الباردة " وقد أعلن وزير الخارجية كريستوفر في عهده : " لن نخجل من ربط دبلوماسيتِنا الرفيعة ، بأهدافنا الاقتصادية   وأشار إلى أن العالم قد دخل حقبةً ، تتفوق فيها المنافسة الاقتصادية ، على التنافس الإيديولوجي   وأكد أن الإدارة الأمريكية ، سوف تدفع الأمن الاقتصادي لأمريكا ، بنفس القوة اللتي كرستها لشن الحرب الباردة ". ولكن ضدَّ مَن هذه المرة؟ بكل تأكيد ، ضدَّ الشركاء السابقين للولايات المتحدة ، في التحالف ضدَّ الاتحاد السوفييتي، أي ضدَّ فرنسا وألمانيا، والصين ، ويؤكد كلير: " من الواضح أنه من غير الممكن ، تفسير القوى المحركة لشؤون الأمن العالمي ، بدون الاعتراف بالأهمية المحورية للمنافسة على الموارد ، بالنسبة لكل بلد تقريباً في العالم، وأصبح السعي وراء الموارد الأساسية أو حمايتِها سمةً كبرى في تخطيط الأمن القومي " ويضرب كلير مثلاً ، يفسر جزءاً كبيراً من الإستراتيجية الأمريكية، وخصوصاً احتلالها لأفغانستان، فيقول : "قدِّرَت قيمة النفط غير المستخرَج من حوض بحر قزوين مثلاً، من قبل وزارة الخارجية الأمريكية في عام 1997 بأنها تساوي حوالي 4 تريليون دولار، ولذلك يُنظَر إلى امتلاكه على نطاق واسع ، على أنه يستحق الاقتتال عليه ".

إن الهيمنة على اقتصاديات الدول النامية الضعيفة  من خلال تصفية موارد هذه الدول ، بإثقالها بديون تصب في النهاية ، لصالح شركات  الدول المهيمنة ، التي تعطي القروض ، وتفرض شركاتها على الدول النامية ، لتقوم بتنفيذ مشاريعها في تلك الدول، ثم تغرقها في ديون مركبة، لا تستطيع منها فكاكاً ، لتملي عليها بعدها قراراتها ومطالباتها ، بالموافقة على سياساتها بل وتنفيذها .

لقد عملوا جاهدين لتركيع وإذلال شعوبنا  وإنهاك اقتصادنا ، معتمدين على رجالاتهم الذين يتعاونوا معهم ، ويرضوا بالحلول السريعة على حساب مستقبل الأمة ، فوضعوا الخطط التي تمكنهم من تدمير المجتمعات الإسلامية ، والحضارة العربية الإسلامية، بحجة محاربة التطرف والإرهاب  وتبرير احتلال البلاد الإسلامية ، بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل ، أو محاربة الإرهاب وفرضت هيمنتها عليها في إطار حريات مقموعة وديمقراطية غائبة، ومشاركة سياسية ملغاة، بل إن بعض الساسة حوّل نفسه إلى أداة قمع تحركها هذه الإدارة ضد شعوبها ، فزاد هذا الواقع المرير   اليأس والقنوط والإحباط واللامبالاة عندنا ، لأن الفساد متربع على معظم نواحي الحياة السياسية   والاقتصادية والاجتماعية .

والسؤال الذي يطرح نفسه : كيف الخلاص ؟ 

إن خير بداية للتخلص من الهيمنة الأمريكية تكون بالعودة إلى الله وتطبيق منهج الله ، وإعداد الأمة للجهاد ، حتى نتخلص من هذه الهيمنة ، وليس ذلك ببعيد ، أذكر لذلك مثلا من التاريخ ، قبل الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام والعراق وبلاد فارس ، كان العرب الغساسنة تحت نفوذ دولة الروم ، وعرب المناذرة تحت نفوذ دولة الفرس  وفي ظل هذين النفوذين ، كان العرب عبارة عن أتباع ليس لهم لا حول ولا قوة   ويُستَخْدَموا كوقودٍ لصراع فارس مع الروم ، وعندما هُزمت فارس والروم ، استقل العرب ، وتخلصوا من التبعية ، وأصبحوا في ظل الإسلام ، أمة ذات حضارة ، لها قوتها وعزتها ومكانتها ، واحترامها بين الأمم ، وللأسف بعد انهيار الخلافة الإسلامية   وإبعاد حكم الإسلام عن شؤون الحياة ، عادت الأمة لنموذج التبعية للآخرين ، وهي ناتج طبيعي لفعل عدم تحكيم منهج الله ، لان الله عز وجل قال : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنة : " كنا أذلاء، فأعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله" نعم هي خير امة وعزيزة ، حين يكون الإسلام منهجها في جميع شؤون الحياة   وليس في العبادات فقط ، وعندما ضعف منهج الإسلام في نفوس ألأمة ، وأصبحت تابعة للغرب في قوانينه وأحكامه وتقاليده وعاداته ، سهل عليها تنفيذ مشاريعهم التي تستهدف هوية الأمة وعقيدتها ، بكل سهولة ويسر ، فأصيبت بمرض التبعية للآخرين ، فوجدت أحزاب لا يعنيها مصلحة الأمة الإسلامية ، لا من قريب ولا من بعيد ، ورضيت بفعل المال السياسي والتقارب الفكري ، أن تكون أدوات طيعة لتنفيذ مشاريع خارجية ، منها علمانية وأخرى يسارية ، وإبرام المعاهدات التي تكرس التبعية لأميركا وأوروبا  ومن هنا كان لزاماً على الأمة الإسلامية، وخاصة  أصحاب القرار فيها ، والإصلاحيين وأصحاب النخوة الوطنية الصادقة ، الدعوة للوقوف أمام هذا الخطر الداهم ، الذي يهدد أمن الأمة الإسلامية بكاملها .  

اقتضت حكمة الله أن يكون هناك حق وباطل  وخير وشر، وإصلاح وفساد، ولا بد من قوة لدى أهل الخير والإصلاح ، تكون غايتها سعادة البشرية وفلاحها، وبسط الحق والعدل فيها، فكل توجه أو هدف غير هذا، لا اعتبار له في الإسلام 

لأن الإسلام وإن كان دين رحمة وعدل وسلام  فإنه في الوقت نفسه، دين قوة وإباء ، لأنه دين عملي يأخذ الحياة من واقعها، ويعامل الخلائق من طبائعها، وفي الحياة والطبائع ميل إلى المشاحنات  وتوجه نحو المنازعات , ودخول في المنافسات   من أجل ذلك ، أمر بإعداد القوة التي تحمي الحق  وتبسط العدل، وتزرع الخير وتنشر السلام، بل إن القوة العادلة، أقوى ضمان لتحقيق السلام، وحذر من أن يفهم الناس أن السلام معناه القعود عن الاستعداد ، مادام في الدنيا أقوام لا تعرف قيمة السلام، ولا تحترم حرية غيرها في أن تعيش آمنة مطمئنة في بلادها، ومن أجل ذلك كان  الأمر   بإعداد القوة، وأخذ الأهبة، وقبل ذلك وبعده  قوة الإيمان، لأن الأمة القوية والدولة القوية   تُحْفظ مهابتُها ، ما دامت صفة القوة ملازمة لها  وهي سنة إلهية ،  إذ لا خير في حق لا نفاذ له  ولا يقوم حق ما لم تحط به قوة تحفظه وتسنده  استعداد ليكون سبباً في منع الحرب ، قبل أن يكون استعداداً عند نشوبها وإشعالها ، وإن ترك الاستعداد يغري بالعدوان ويسرع بالاستسلام    والقوي المستعد للمقاومة قلما يُعتدي عليه، وإن اعتدي عليه ، قلما يظفر به عدوه أو ينال منه أو يهيمن عليه ، وهذه هي الغاية من إعداد القوة في قوله تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم ﴾ . 

 

 

 

 

 

التآمر على الإسلام

 إن العالم كله متآمر على الإسلام وأهله  فالاجتماعات الدولية، والقِمَم العالمية، غالب أعمالها عن الإسلام والمسلمين، مَكْرٌ وثورةٌ على مبادئ وأفكار الإسلام ، وفرضٌ للعلْمَنة    وتشويهٌ للدِّين، واتِّهامٌ للدعاة والجماعات والجمعيات، واتهامٌ بوجود أسلحة الدمار الشامل  وتحجُّجٌ وتبجُّحٌ بالحرب على الإرهاب.

إنهم لا يكادون يصدقون ، هيمنة هذا الدين وسلطانه على النفوس والعقول، وسرعة انتشاره  وإقبال الناس عليه، في وقت كانوا يظنون أن حروبهم الطويلة على مر التاريخ واستعمارهم  وحضارتهم ونظرياتهم ومؤامراتهم ، قد أثرت في الدين وأفسدت المسلمين، فإذا بهم يفاجؤون بما لم يكن في حسباتهم أو يخطر في أذهانهم, إقبال هذه   الأمة على دينها, وتعلقها به, ومطالبتها بحكمه  وتأييدها لكل حزب أو جماعة تتخذ من الإسلام شعاراً لها. ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾الصف 8 .

 لهذا تتعرض الأمة الإسلامية في هذه الأيام لهجَمَاتٍ مسعورةٍ من جميع أعداء الإسلام    وتزداد هذه الهجمات شراسةً كلما ظهرت صحوة إسلامية ، فتوجه الضرَبات العنيفة لها في كل مكان ، أما لماذا خُصَّتْ بلاد الإسلام بالمؤامرات والدسائس؟ ولماذا تثار الشبهات حول الإسلام ومبادئه ومناهجه، وعقائده وأحكامه؟  ولماذا هذه الحملات التي تشنها صحافة الغرب والشرق على الإسلام ودعاته؟  

إن ما يدفعهم إلى ذلك كله هو الحقد المرير الممتزج بالخوف الرهيب من الإسلام، فقد اتجهت العداوة الصليبية الصهيونية المشتركة بكل قوتها  إلى الإسلام؛ لاقتلاعه من جذوره ، بكل أوتوا من قوة، بالحروب الطاحنة ، تارة بالتبشير وتارة   بتشويه صورة الإسلام ، في نفوس المسلمين   وإفساد أخلاقهم ، وتربية جيل من النافرين من الإسلام ، تسلمه مقاليد الأمور في البلاد ليقوموا بدلا عنها بالقضاء على الإسلام ، وهذا تصديق ما أخبر الله به من شدة العداوة والحقد من الكفار للمؤمنين، ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ البقرة217، وقوله تعالى ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ البقرة 120، يقول أحد المستشرقين المعاصرين أن الغرب يوجه كل أسلحته الحربية والعلمية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لحرب الإسلام

وقد استغل اليهود صليبية الغرب، فقبل حرب الـ 1967م وضعت صناديق للتبرعات لليهود في فرنسا كتبت عليها كلمتان فقط: "قاتلوا المسلمين" فالتهب الحماس الصليبي الغربي، وتبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط ، وكان الجندي في حروبهم الاستعمارية   ينادي بأعلى صوته حينما يلبس لباس العرب بهذا النشيد: أماه.. أتمي صلاتك.. لا تبكي.. بل اضحكي، سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، سأحارب الديانة الإسلامية، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن. فقد بثوا في قلبه ووجدانه أن الأمة المسلمة هي أمة الخطر والموت والضلال  وأن قتالها وحربها ، شرف كبير لكل صليبي.

إن المتأمل لهؤلاء القوم يجد أنهم يخافون الإسلام ويرهبونه، ويقُضُّ انتشاره وانتصاره مضاجعهم  فما هي أسباب هذا الخوف؟. يخافونه لأنهم يرون أنه الجدار الوحيد أمام الاستعمار وأمام سيطرتهم على العالم، يقول لورنس بروان: إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي ، ويحول دون انتشار المسيحية، يقول أحدهم: إن القوة الكامنة في الإسلام هي التي وقفت سدا منيعا في وجه انتشار المسيحية ، ولأنه يصنع أمة واحدة تكون مؤهلة للقيادة، ويربي أتباعه على الحب والود والألفة والتكاتف والاعتصام بحبل الله جميعا، والوقوف صفا واحدا كالبنيان المرصوص، والتضحية والفداء وحب الشهادة.

ولأنه يقيم حُكْم الخلافة الربانية، المتحررة من أي تبعية، تطبق كتاب الله ، وتتمثل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترفع راية الجهاد، لقتال الكفار ، وتربية رجال من المجاهدين يؤمنوا بأن الجنة تحت ظلال السيوف ، أمنيتهم الوحيدة هي نيل الشهادة في سبيل الله، والاستماتة لرفع راية لا إله إلا الله.  يخافون من هذا الدين لأنه يرفض الظلم والجور والطغيان والاستبداد والفحش والعهر والدعارة فيزكي النفوس، ويرتقي بالأرواح، ويسمو بالهمم   ويشكل الخطر الوحيد عليهم، فقد أيقنوا بقوة  الدين الإسلامي ، وبعظيم أثره، وشدة جذبه  وأنه متى ما تسرب إلى النفوس، وتزينت به القلوب، وتعطرت به الأرواح، فسوف ينهض بأتباعه، ويرتقي بأشياعه، فيسمو بهم إلى قيادة العالم، ويعود بهم إلى ذروة المجد، محطما كل عدو، ممزقا كل حقود، مبدِّدَاً كُلَّ ضلال وظلام  فأسهروا لياليهم، وأعملوا أذهانهم، وشحذوا هممهم؛ ليبدؤوا رحلة جديدة من المكر، وحملة عارمة من الخبث، وسلسلة حديثة من العداء  ليقمعوا تفوقه، ويُرْهِبوا أتباعه، ويخيفوا أنصاره  ويطمسوا معالمه، ويشوهوا مآثره، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾الأنفال 30 .

إن من أوجب الواجبات على كل مسلم أن ينصر ربه وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن يجاهد لحماية الدين  ويعمل لرفعة المسلمين، ويجتهد لعزة المؤمنين .

إن الأمة في خطر! وأجيالنا في خطر! ومقدساتنا في خطر! وديننا في خطر! فكيف يرضى مسلم يؤمن بالله وكتابه ونبيه أن يتخاذل عن العطاء  ويتقاعس عن العمل؟ بل الأدهى من كل ذلك   أن يكون سببا من أسباب الضعف ، وعنصرا من عناصر الهزيمة، بارتكاب الذنوب ، والإعراض عن الدين، والعزوف عن العبادة  ،والانهماك في المعاصي، مما يضعف القوى  ويفكك العرى، ويوهن النفوس، ويغضب الله .

إن الاعتصام بالدين، هو الركن الركين، والأساس المتين، الذي منه ترتفع أعلام النصر، وتغرِّد بلابل الحق، وتنطلق بوارق النصر: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾محمد 7 .

 

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم الدولة المدنية

نشهد في هذه الأيام معركة الأفكار، أو معركة كسب العقول والقلوب ، وهي ليست كالمعارك العسكرية التي يجري فيها القتل ، لأن معارك الأفكار  يجري فيها توجيه سلوك الأمم والأفراد ، وهي الأخطر ، فهي التي أطاحت بدولة الخلافة الإسلامية، وقد هوجمت من خلالها أحكام الإسلام   وانتشرت هذه الفكرة ، حتى ان بعض الدعاة في مقابلاته مع المحطات الفضائية ، يظن أن فكرة الدولة المدنية ،لا تعارض الإسلام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة مدنية في المدينة المنورة  وتناسوا أن الدولة المدنية هي  التي تفصل الدين عن الحياة  تنحّيه وتنبذ أحكامه، ولا تسمح أن تبنى العلاقات بين الناس على أساسه ، علماً بأن الدولة المدنية الحديثة ، دولة علمانية  والعلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، وعدم الالتزام بالعقيدة الدينية ، وليس للدين دخل في شئون الحياة السياسية والاقتصادية ، والاجتماعية والأخلاقية، ومعالجة  شئون الناس المختلفة ، على أسس مادية بحتة ، ووفق مصالحهم ووجهات نظرهم وميولهم، وهذه النظرة المادية للدولة المدنية  الغربية ، إنما نشأت نتيجة رفض أوروبا لسيطرة الكنيسة اللاهوتية واستبدادها في القرون الوسطى     فكان لابد من إقصائها ، ومعاداة الدين، وقد تميزت الأنظمة العلمانية ، التي حكمت بلاد المسلمين  بالبطش  والحيلولة دون الناس وبين خيارهم الحقيقي، الذي يرفض فصل الدين عن الحياة ، فبرز بفعل التضليل الثقافي في المنطقة فكرة الدولة المدنية، وتأثر بها كثيرون من أبناء المسلمين ، وتقبلوها باعتبارها بديلاً عن حكم الطواغيت ، لتعبيرها عن إرادة المجتمع، وقد لوحظ أن دول الغرب تشن حملة فكرية  لترسيخ ما تسميه الإسلام المعتدل ، الذي يقبل بما يسمى بـالدولة المدنية أي الإسلام الديموقراطي المدني الذي صاغته تلك الدول ، على أن يكون هو دين أهل المنطقة الجديد  ، ومن أبرز أفكار هذا الدين الجديد، القبول بفكرة الديموقراطية، وقد تلقفها بعض الدعاة ، على انها من صميم الإسلام وجوهره ، وأنها فكرة إسلامية! والدعوة لها لا تخالف الإسلام بل توافقه! ، وقد تبنتها الدولة المدنية الحديثة في الحكم ليكون الحكم ، بمقتضى مصالح كل شعب ورغباته ، بخلاف    الإسلام الذي يجعل الهداية في شرع الله تعالى ، ويستمد قوانين الأمة منه، في ظل ثوابت عقائدية وأخلاقية وتعبدية ، لا تتغير ولا تتبدل، لأن منهج الإسلام يجمع  بين القواعد العامة ، وبعض التفصيلات التي تراعى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان  وإقرار نظام للعقوبة رادع  يضمن للأمة الأمن والأمان والتكافل الذي يؤهل المجتمع للتماسك ، والتواد والتواصل  ولذلك فإن الدولة العلمانية مرفوضة ، لأنه لا يكون للدين شأن فيها، كالدولة في الإسلام   فإن الدين له فيها مكان قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ﴾الحج 41    بل إن الإسلام أساس وجودها   وأساس كل شيء فيها ، وليس في الإسلام دولة دينية ، لأنها تعني الدولة الإلهية المقدسة ، التي تستمِد سلطتها من الله ، ولا يجوز لأحد محاسبتها ، أما الدولة الإسلامية : فإنها ليست إلهية   ولا مقدسة ، وتستمد سلطتها من الأمّة؛ لأن السيادة وإن كانت للشرع ، ولكن الحكم والسلطان للأمّة تنيب عنها الدولة بالحكم ، والدولة الإسلامية: ليست دولة مدنية  يُفصل فيها الإسلام عن الحياة كما أنها ليست دولة دينية بالمعنى الروحي بالمفهوم الغربي    وليست سلطة روحية ، ولا سلطة زمنية ، قائمة لترجيح كفة الجسد على الروح، وإنما هي دولة للحكم ، قائمة على عقيدة ثابتة ، وقيادة فكرية تنبثق عنها أنظمة الحياة ، التي تنفذها الدولة وتقوم بتشريع أحكامها التفصيلية باجتهاد صحيح ، حسب نصوصها  وقواعدها العامة ، ولها حضارة معينة ، هي طريقتها في الحياة، ولها عمل وُجدت من أجله ، وهو تطبيق الإسلام  وحمل الدعوة الإسلامية الى العالم ، لإخراجه من ظلمات الكفر الى نور الإسلام ، هذه هي العناصر الأساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وهي المقومات الحقيقية للدولة، وهي مفقودة في الدولة الدينية ، ومستكملة الوجود في الدولة الإسلامية .

لقد طُلب من الأنظمة الحاكمة في المنطقة ، قبل طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير ، طُلب منها ما أسمي بالإصلاحات  للوصول إلى الدولة المدنية، وكان فحوى تلك الإصلاحات ، رفع قبضة الأنظمة القائمة عن أنفاس الناس، وتمكين شعوب المنطقة من المشاركة في حكم أنفسهم وإجراء التعديلات على الدساتير والقوانين، وتعديل مناهج التعليم، وتمكين المرأة من نيل مكانة أكبر في الحياة العامة وإجراء إصلاحات في سياسة الاقتصاد، ومكافحة الفساد المالي والإداري ، والمتأمل فيما طُلب   يتصور أن الأنظمة تقف إلى جانب الشعوب ، وتناصرها لنيل ما يتصور أنه حق لهذه الشعوب. والحقيقة أنها إنما طلبت ما تسميه بالإصلاحات ، لتتمكن من كسب رضا الشعوب ، لتحمل   هذه الأفكار ، ولم يكن ذلك إلا ما فيه تأمين لمصالح جهات أجنبية ، وخدمة أهدافها  وذلك لا يخدم مصالح الأمة ، لأن مصلحة الأمة ، تكمن في إنهاء الأساس العلماني ، واستبدال العقيدة الإسلامية به ، لتكون أساس الدولة ، باعتبارها عقيدة الأمة ، التي لن تنهض إلا على أساسها ، ولذلك فإن الدعوة إلى تعديل الدساتير ، أو إلغاء واستبدال بعض القوانين ، لا تخدم الأمة ،كتعديل مناهج التعليم ، إذ بنيت معظم السياسات التعليمية ، لتخدم الفكر الغربي ، ووضعت المناهج لتحقق هذا الغرض بالذات وبخاصة في المواد الثقافية ، أما محاربة الفساد المالي والإداري  فإنه يكون بتغيير التربة التي تُنبت الفساد، ويتربى عليها المفسدون أي بتغيير الأساس الذي تقوم عليه الحياة في المجتمع ، ولا يقبل غير ذلك لأن الله تعالى : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ﴾ .

 

 

 

 

أهداف الحرب على داعش

  يمكن القول بأنها حرب الدفاع عن النظام العالمي الجديد ، لأن المدة الزمنية التي أعلنت للقضاء عليها وهي ثلاث سنوات ، توحي بأن هدف المعركة الحقيقي ، هو إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية وحدودها ، بما يشبه "سايكس بيكو" جديدة ، وبما يضمن استقرار سيطرة أميركا ، وحلفائها على المنطقة  ويضمن أمن مصالحها ، واستقرار وأمن إسرائيل ، وهذا يذكرني بما حصل في العالم العربي والإسلامي ، يوم سقوط الدولة العثمانية ، وسيطرة فرنسا وبريطانيا على المنطقة باسم ، الانتداب ، وتقسيم المنطقة   إلى دويلات وكيانات ، من خلال اتفاقية "سايكس - بيكو" ومن ثم إطلاق وعد بلفور لليهود ، بإقامة دولة لهم في فلسطين ، ولم يحصل العرب والمسلمون ، إلا على الفتات من الدويلات ، وها هي دولهم لا تزال محكومة بالسيطرة الغربية .

والسؤال : هل هذه الحرب تتطلب كل هذا الحشد العالمي وكأنها حرب عالمية جديدة؟  وهل يتطلب تنظيم كهذا مثل هذا الحشد؟  وكيف ظهر هذا التنظيم ؟ ومن هي الجهات المتضررة منه ؟ إن التحركات في العالم العربي والإسلامي تجاه الغرب في هذا العصر، بدأت  تسير في الاتجاهات المتطرفة  ، نتيجة السياسات العدوانية للغرب ، وكان من الطبيعي ، أن تطلق أوصاف الإرهاب والتطرف ، على حركات التحرر العربية   التي ثارت على الظلم والقهر ، وها هي أمريكا تعتمد سياسة الكراهية ، التي جاءت بها الحروب الصليبية ، فغزت بلاد العرب والمسلمين ، وارتكبت أشد أنواع القتل والتعذيب والظلم ، ونتيجة  ممارسة الظلم   كان طبيعيا أن يحتقن المشهد السياسي والأمني   وأن تطفو على السطح ، حركات متطرفة   تفرض خياراتها على الشارع ، الذي عانى من الظلم والقتل ، والتهجير على الهوية، من تنظيم الدولة ، الذي احتل الموصل ، وبدأ بالتمدد ، فجاءت الدعوى إلى التحالف   الذي يتمثل في عمل سياسي عسكري   هدفهُ المعلن ، القضاء على الإرهاب ، المتمثل بتنظيم الدولة ، الذي ما كان له أن يقوى   لولا التمويل من جهات معروفة ، بالمال والرجال ، وغض الطرف الأمريكي ، وأما الهدف الغير معلن ، من هذا التحالف ، فهو القضاء على أنظمة دول ، وأحزاب وجماعات   مما يدل على أنه تنظيم ابْتُدِع ، لنشر الفتن الطائفية ، والإجهاز على الأقليات ، وتشويه الإسلام ، بدليل ما قاله رئيس المخابرات الأميركي ، بعد هزيمة إسرائيل في جنوب لبنان قال : " علينا أن نصنع لهم إسلاماً يناسبنا ، ليقتتلوا به وحوله" فكان إسلام داعش ، هو الإسلام الأميركي المنشود ، وبه أضحت داعش ، مصدر خطر شديد على المنطقة ، وساهمت الحرب النفسية والإعلام ، في تضخيم التنظيم ، بوصفه بالجيش الذي لا يقهر  .

إن أميركا ، تؤكد بأنها لن تكون في حرب ضد داعش ، للقضاء عليه ، وإن مواجهتها له   وحصره في الميدان ، الذي تستهدفه أمريكا بعدوانها ، يتطلب إستراتيجية طويلة المدى   وهو ما عبر عنه أوباما عندما قال : " أن ليس لأمريكا استراتيجيه الآن ، لمحاربة  داعش   وإن حربها بحاجة لاستراتيجيه طويلة المدى   يجب البحث عنها مع الحلفاء " وكأنه     يقول : اتركوا أمر داعش لنا ، ونحن نتدبره   وفقاً لمصالحنا، بدليل ما قاله كيري : بأن جل ما تريده أميركا الآن ، منع تمدد داعش إلى دول أخرى ، وكأنه قبول أميركي ، بإرهاب داعش حيث هي، ورفض دخولها ، إلى مناطق قد تهدد المصالح الأميركية .

إن هذه التصريحات ، تدل على أنهم من أوجد داعش ودعمها ، بكل الأشكال السياسية والعسكرية والتمويلية ، حتى خرجت عن السيطرة ، وإن المسلمين هم من تضرر ودفع الثمن ، من دمائهم وأموالهم ، وتشردهم ودمار أوطانهم ، وسيدفع أهل المنطقة الآن ثمن الحرب الجديدة ، وبنفس الخسائر، فهم أداة المواجهة المباشرة ، وهم الممول، وعلى أرضهم  تدور رحاها ، أما دول التحالف فسيقتصر دورها العسكري ، بالمشاركة على التحليق في الجو ، وقد وافق النظام العربي     على ذلك ، دون أية مطالب ، وكان يمكنه ربط موافقته ، بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية ، وإنهاء الاحتلال الصهيوني .

إن ظهور داعش في العراق ، ليس إلا مقدمة لأمر أكبر ، من ما يُروَج له ، في الإعلام الغربي ، فقد نشرت مجلة التايمز الأمريكية   مخططاً لتقسيم العراق ، تحت عنوان نهاية العراق ، والتي في الغالب ، ما تعبر عن وجهة نظر الإدارة الأمريكية ، هذا المخطط المطروح قبل ظهور داعش في العراق ، بل إن هذا المشروع  طٌرح سنة 1973 على لسان كسنجر   الذي أوضح ، أن العراق يجب أن يفرز طائفياً وعرقياً  ويجب تقسيمه إلى ثلاث أقاليم متناحرة .   

والسؤال هنا : هل داعش هي الهدف لهذا التحالف ؟ أم أن هناك أهدافاً أخرى ؟ 

ليس الهدف من دخول أمريكا للعراق محاربة داعش ، ونشر السلام ,  لأن الرئيس الأمريكي ، قد حصل مؤخراً ، على الضوء الأخضر ، من مجلس الشيوخ الأمريكي   لتمويل وتدريب المعارضة السورية المعتدلة   بحسب تعبيره ، وإن هذا التجهيز ، سوف يتم  تنفيذه ، بعد محاربة داعش في العراق   ومحاصرة سوريا دولياً ، وسيتم الإيعاز لهذه المعارضة المدربة حديثاً ، والمجهزة بالمعدات العسكرية الأمريكية المتطورة ، بأخذ دور تنظيم الدولة في سوريا ، مما يدل على أن مشروع الشرق أوسط الجديد ، الذي سقط سهواً ، من فم رايس ، يجري على قدم وساق  فهدف أمريكا والغرب ، هو تقسيم الشرق الأوسط ، والهدف الرئيس ، هو كسر محور المقاومة ، الذي كان ومازال ، عصياً على الهيمنة الأمريكية والصهيونية , والقضاء على أي نواة قد تتشكل ، للوقوف في وجه الأهداف التمددية الصهيونية .

ليست هناك رغبة حقيقية لدى الغرب ، في القضاء على داعش ، لأن المخابرات المركزية الأمريكية ، هي من صنعت تنظيم القاعدة   الذي خرَّج جميع التنظيمات الإرهابية ،كما صنعت تنظيم الدولة الإسلامية ، وغيره من التنظيمات المتشددة ، وهذا يدل على عدم  وجود إرادة سياسية غربية ، للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وإعلان   الحرب على داعش ، ما هو إلا مجرد غطاء على الأهداف الحقيقية ، من وراء الدعوة إلى التحالف الدولي ، وهو فرض التقسيم   وتحويل العراق ، إلى مجموعة دويلات متصارعة متنافرة ، في الوقت الذي يتجه فيه العالم ، نحو نظام عالمي وإقليمي جديد ، وقد اتخذت أمريكا ، عنوان الحرب على داعش والإرهاب ، مظلة جديدة ، من أجل إعادة تشكيل الواقع الدولي والإقليمي .

إن إدانة كل ما تقوم به داعش ، من أعمال وحشية ، والعمل لمواجهته ، لا يدل على أن   الغرب يريد محاربة داعش ، فقد حاول الرئيس الفرنسي هولاند في هذا السياق أن يسبغ على داعش ، ما ليس في حقيقتها ويدّعي بأنها " ليست تنظيماً عادياً ، بل إنه كيان يملك كافة مقومات الدولة ، ولديه الأموال والثروات ، التي تمكنه من الاكتفاء الذاتي ،كما ولديه القاعدة الشعبية ، والبيئة الحاضنة ، التي تمكنه من النمو ، وإيجاد المقاتلين باستمرار ". ويؤازره رئيس الوزراء البريطاني في حملة التخويف والترويع هذه عندما يقول : " بأن داعش ستتمدد قريباً إلى لبنان والأردن وأن لديها القدرات لذلك " .‏

وخلاصة القول : إن داعش تنظيم مصطنع   وأداة تستخدمها أمريكا ، لتقسيم دول المنطقة  وفتح المجال ، لتدخلها في شؤون دولها الداخلية و تحركها بما يضمن مصالحها ، و مصالح الكيان الصهيوني ، وإن ما تطرحه أمريكا من شعار الحرب على الإرهاب ، كلمة حق يراد به باطل فهي الراعية والممولة ، والصانعة للإرهاب  وتستغله لتحقيق أهدافها ،  لضرب قوى التحرر في المنطقة ، وإعاقة تطورها واستقرارها .

 

 

 

 

 

النهي عن التعاون مع التحالفات الدولية  

قال تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ المائدة 2 في الآية دليل على مشروعية التعاون بين المسلمين ، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان مع أي طرف، وعلى وجوب تعاون المسلمين بعضهم مع بعض ، أما الدخول في التحالف الدولي ، واتخاذ داعش ، وما تقوم به من مخالفات ، ذريعة لحرب ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق والشام ، الذي حقق لأمريكا ، مبررات الانفراد بالقرار الأممي ، والحروب الاستباقية ، التي قادتها بعنوان "حماية الأمن القومي"، وقد جاء هذا التحالف ضد التنظيم ، لِتَوسُعه في التكفير   ولإسرافه في القتل ، ولجنايته على فقه الخلافة  بالتأويل والتهويل ، وإلى تقديمه أنموذج مشوه للمشروع الإسلاميّ ، وإن أقصى ما يمكن أن يوصف به جماعة التنظيم ، أنهم بغاة ، يُكّفرون ويقتلون ، ويمتطون ظهر الخلافة عن طريق التوسع في التأويل، وهذا يجعلهم طائفة منحرفة باغية   وأمثال هؤلاء إن استمروا في بغيهم ، وجب قتالهم ، حتى يفيئوا إلى أمر الله، عملاً بقول الله تعـالى : ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ الحجرات  ، أمّا الاستعانة بالكفار على قتالهم ، والدخول فيما يسمى بالتحالف الدولي لحربهم ، بغرض القضاء عليهم ، فهذا ما لا نجد له في دين الله مسوغاً  لاختلاف العلماء ، في مسألة الاستعانة بالمشركين في القتال ، فمنهم من قال بالجواز ، بشرط أن تكون الحاجة داعية إليه ، ومنهم من قال بعدم الجواز ، ولا مجال لبحثها ، فقد فصلها العلماء في كتب الفقه تحت عنوان «الاستعانة بالمشركين» وبحثوا اختلاف العلماء ، في استعانة المسلمين بالمشركين ، على حرب المشركين ، لا على حرب المسلمين، بينما نحن بصدد التحالف على حرب المسلمين ، والدول الغربية كأمريكا وبريطانيا ليسوا أهل ذمة؛ ومن ثم فإنه لا يصح أن نسحب حكم مسألة الاستعانة بأهل الذمة على أهل البغي- داعش- فجمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية ، على أنه لا يجوز أن يستعان بالكفار عليهم ، والذي دعا العلماء للتشدد في مسألة الاستعانة بأهل الشرك   على أهل البغي ، هو أن القصد من قتال أهل البغي ، هو كفهم ، أما قصد هذه التحالفات التي يدعى إليها ، فهو قتل المسلمين، لهذا يحرّم علينا الإسلام ، أن ننضم إلى قوى الطاغوت في الأرض   وأن نعاون على الإثم والعدوان : ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ وما من شك أن بواعث هذا التحالف وأهدافه ، ليست بحال من الأحوال في سبيل الله ، وإن الإسلام ليُحرِّم علينا ، أن نمد أيدينا إلى الذين يؤذون المسلمين ، ويخرجونهم من ديارهم ، ويظاهروا على إخراجهم ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ آل عمران ، وقد شاركت هذه الدول في إخراجنا من فلسطين ، ومقاتلتنا وإيذائنا وما يزالون ، وعليه فكل معاهدة وكل تعاون مع هذه الدول ، يحرمها الإسلام ، وقد ثبت ذلك في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي إجماع أئمة المسلمين ، قال تعالى:﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ آل عمران 28 ، وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾الممتحنة 1، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) ، وأجمع علماء المسلمين على حرمة تعاون المسلمين فيما بينهم على الإثم والعدوان ، ومن باب أولى ، فإن تعاون المسلمين مع أعدائهم ، ضد إخوانهم المسلمين ، على الإثم والعدوان أشد حرمة .  وعليه يحرم شرعاً التعاون مع التحالف الأميركي   سواء كان ذلك بالقتال إلى جانبها ، أو فتح الأجواء أو المطارات أو القواعد أو الموانئ لقواتها   من أجل تسهيل مهمتها ، بل إن ذلك من أكبر الكبائر ، وأفظع الجرائم عند الله ، وخيانة لله ورسوله والمؤمنين ، والأولى بالمسلمين جميعا ، أن يتعاضدوا ويتساندوا ، ضد أي خطر يهدد أمنهم لقوله تعالى : ﴿ وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ الأنفال 73   ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ) .  وأما التعاون بين المسلمين ، فيما فيه مصلحتهم  فهو واجب شرعي ، تحتّمه طبيعة الحياة، وتعاونهم فيما بينهم ضد أعدائهم ، واجب شرعي يوجبه الانتماء لهذا الدين، وتوجبه في زمننا هذا طبيعة الحياة المعاصرة ، التي تقوم على التكامل والاندماج بين القوى الإقليمية والعالمية، ومن المعلوم أن أمريكا عندما تريد استهداف جهة ما تسلط عليها كل وسائل الإعلام ، للتنبيه على خطورتها ، كي تبرر استهدافها. وقد رأينا كيف واجه الإعلام خطر داعش ، بسرعة البرق، بينما ظل ساكتاً على كل ما فعله النظام الصهيوني من ذبح وقتل ، وتشريد وتدمير في غزة ، وتجاهل لجرائم إسرائيل ، مما يدل على أن الإعلام الغربي  إذا سكت عن جهة معينة ، فإن ذلك يدل على أن السياسة الغربية تؤيدها، أو لا تعاديها، وإذا ما تحرك ضد جهة ما، فإن ذلك يدل على أن المواقف ضدها ، وقد رأينا الفرق بين رد الفعل الأمريكي ، على جرائم الاحتلال في غزة   وعلى ذبح الصحفيين الأمريكيين ، ففي الأولى كان نائماً  وفي الثانية صحي ضميره. إن حكم التحالفات ، يرتبط في الأصل ، بحال المسلمين قوةً وضعفاً، فإن استغنى المسلمون عنها بالكلية ، وصاروا من التمكن والقوة بحيث لا يحتاجون في إقامة الحق ، والدعوة إليه ، إلى من يعينهم، وأنهم من القوة والتمكن بحيث يوصلون كل خير وبر ، إلى مستحقيه من البشر ، ولا يجدون في ذلك مضايقة من أحد؛ فإنه لا ينبغي لهم التحالف ، أما إن كانوا في حالة ضعف ومواجهة مع المخالفين للإسلام، فإنهم يترخصون في هذا الباب ، بما لم يكن لهم حال القوة.

وقد فرق العلماء في الحكم ، في حال الضعف عنه في حال القوة، وفصلوا الحكم في التحالف والاستعانة بالمشرك في حال الحرب ، في كتب الفقهاء ، وكتب السياسة الشرعية ، والحديث هنا مقصور على التحالفات السياسية مع غير المسلمين ، فاعتبرت المصلحة ركن أساسي في فقه التحالف السياسي، فحيث توجد المصلحة المشـتركة يوجد التحالف بين الأحزاب والدول والمنظمات والقبائل .

وقد حرم الإسلام كل سياسة ظالمة ، تنقص من حقوق الإنسان ، وتصوغ الاعتداء عليه ، وأقرَ كل سياسة عادلة، منطلقة من العدل ، الذي جاء به الإسلام ، فـي شـريعته الربانيـة ، وأقر الإسلام من التحالفات السياسية وغيرها ، ما كان منها موجهاً ضد غيـر المسـلمين, ويحقق مصلحة شرعية لهم, ويخلو من الشروط الفاسدة  كما أن الإسلام يقر كل التحالفات ، التي تسـعى مـن خلالها البشرية ، لإحقاق الحقِ   وإنصاف المظلوم, ولو لم تكن للمسلمين مصلحة خاصة في ذلـك , كما يقر كل تحالف يعزز وحدة المسلمين ، ويصـون حقوقهم . و يحِّرم الإسلام السياسات التحالفية مع الأعداء ، التي تكون مدخلاً للهيمنة علـيهم, واسـتعمار بلادهم ، والاعتداء عليهم ، من دون وجه حق .  

إن الإسلام إذ يرفض الذل والهوان، ويرفض الظلم والعدوان، واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، فإنه في الوقت نفسه ، لا يتوانى عن الاستجابة لكل بادرة خير ، تلتقي فيها البشرية على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم .  وما أحوج المسلمين اليوم ، إلى تجميع قواهم  واستحضار عوامل الوحدة لديهم ، ليواجهوا قوى الشر ، المتحالفة المتآلفة ضدهم, لنهب خيراتهم ، والاستيلاء على أوطانهم ومقدراتهم .

  

 

 

 

 الخيانة سبب مصائبنا

  إن أمتنا الإسلامية تمرُّ بمحَنٍ عظيمة ونوازلَ شديدة ، ونكَبات ساهم فيها بشدة ، تعرّض الأمة لخيانات متعدّدة، تارة من أعدائها، وتارات من أبنائها ولقد أحسن القائل :

يُخادعني العدو فلا أبالي    وأبكي حين يخدعني الصديق

فالخيانة قاسية ومريرة ، ولكن الأقسى ، أن يخونك من تتوقّع منه العون، فبسلاح الغدر والخيانة ، تجرعت الأمة ، وتتجرع بسببه  المرارات ، ولهذا جاء التحذير من الخيانة، في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الأنفال 27. لأن الخيانة ، متى ظهرت في قوم ، أذنت عليهم بالخراب، فلا يأمن أحد أحدًا  ويحذر كلُ واحد من الآخر، وتنعدم الثقة ، والمودة الصادقة ، فيما بين الناس، جاء في الأثر: ( لا تقوم الساعة حتى لا يأمن المرء جليسه )  وينقطع المعروف فيما بين الناس ، مخافة الغدر والخيانة ، ومن قصص العرب : أن رجلاً كانت عنده فرس ، معروفه بأصالتها  سمع به رجل ، فأراد أن يسرقها منه، واحتال لذلك ، بأن أظهر نفسه ، بمظهر المنقطع في الطريق ، عند مرور صاحب الفرس ، فلما رآه  نزل إليه وسقاه ، ثم حمله ، وأركبه فرسه، فلما تمكن منه ، أناخ بها جانبًا وقال له: "الفرس فرسي   وقد نجحت خطتي وحيلتي"  فقال له صاحب الفرس: لي طلب عندك ، قال: وما هو؟ قال: إذا سألك أحد: كيف حصلت على الفرس؟ فلا تقل له: احتلت بحيلة كذا وكذا ، ولكن قل: صاحب الفرس أهداها لي، فقال الرجل: لماذا ؟ فقال صاحب الفرس: حتى لا ينقطع المعروف بين الناس، فإذا مرّ قوم برجل منقطع حقيقة   يقولون: لا تساعِدوه ، لأن فلانًا قد ساعد فلانًا فغدر به ، فنزل الرجل عن الفرس ، وسلمها لصاحبها ، واعتذر إليه ومضى.

والخيانة مذمومة حتى مع الكفار والخونة، قال تعالى : ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ ﴾ الأنفال 58 ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ أن يتَّخذ الخيانة وسيلة ، حتى في حقِّ كافر محارب لله ورسوله   فإذا كان النهي عن الخيانة ، في حق كافر محارب   فما مدى جرم أولئك ؟ الذين لا تكون خيانتهم إلا مع المسلمين؟! وكيف بالذين لا تكون خيانتهم إلا في حق مؤمنين موحدين، لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة؟!

إن ظاهرة الخيانات في العالم العربي ، تستحق الوقوف عندها ، والتعامل معها بجدية ، فهي ظاهرة متكررة ، تمتد إلى أبعاد تاريخية ، وترجع في مستوياتها السياسية ، إلى طابع الكثير من نظم الحكم المعاصرة ، التي قامت أصلا على الخيانات  من خلال انقلابات على أنظمة سبقتها ،  لتأتي بنظم لا تثق الشعوب في حكامها ، لأنهم يعرفون أن الحاكم الذي تأتي به هذه الانقلابات ، عندما ينظر في المرآة ، لا يرى سوى نفسه ، وأن كلامه عن مصالح شعبه ، واهتمامه بهم ، مجرد كلام   للاستهلاك المحلي ليس إلا ، قالوا في الحكايات : أن حاكماً عربياً ، وجد مصباح علاء الدين ، ولما خرج له العفريت ، قال له الحاكم: عاوزك ترجع لي أبويا ، اللي مات من عشر سنين ، فقال له العفريت : هذا صعب جداً ، فقال له الحاكم طيب أنا عاوز أكون حاكم محبوب ،كل الشعب يسبح بحمدي ، رد عليه العفريت ساخراً: لا   أجيب لك أبوك أسهل ".

وقد دلت الوقائع التاريخية على أن الخيانات السياسية  ،كانت من أشد الخيانات ، لأنها لا تؤثر فقط ، على مجموعة أفراد أو مجتمعات ولكنها قد تؤثر على مصير أمم بأكملها ، ونذكر هنا على سبيل المثال ، حوادث فاصلة في تاريخ أمتنا ، بدءً بابن العلقمي، ومروراً بالمعلم يعقوب ووصولاً إلى بعض الزعماء المعاصرين، وابن العلقمي، اسم يدل على الخيانة والغدر، فقد كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان هذا الوزير الرافضي ، يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، كاتب التتار  وأطمعهم في احتلال البلاد، وسهل عليهم ذلك   وحكا لهم حقيقة الحال ، وكشف لهم ضعف الرجال ، ونهى عن قتال التتار، وثبط الخليفة والناس ، وهكذا فتح هذا الخائن ، أبواب بغداد لجيوش هولاكو ، التي دمرت الحضارة العباسية وقتلت مليونين من المسلمين .

أما يعقوب النصراني فقد تواطأ مع الحملة الفرنسية ضد مصر، وكوّن كتيبة مقاتلة   انضمت إلى القوات الفرنسية، ليحارب المصريين المسلمين ، الذين نشأ بينهم ، وأكل من خير بلدهم   ولم يغفل التاريخ دور نفر من أصحاب القرار المعاصرين ، ونقلهم الأخبار الهامة والسرية للعدو الصهيوني ، فهو معروف ومتاح للجميع ويتحدث عنه القاصي والداني .  

إن قضية فلسطين ، قضية كل مسلم، وإن خيانة هذه القضية ، ليست جديدة ، فقد اطلعت على بعض الوثائق حول التاريخ الخياني ، والذي يدل على أن التاريخ يعيد نفسه في غزة ، قرأت رسالة   من أحد أصحاب القرار ، إلى الرئيس جونسون   وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، وهي من الوثائق المحفوظة في مركز الوثائق التابع للمكتبة البريطانية

هذه الوثيقة ، تكشف علاقة بلاده بالمخابرات الأمريكية بشكل عام ، باعتبارها من تسلم أمر بلاده ، من المخابرات البريطانية ، بعد الحرب العالمية الثانية ،وتكشف الوثيقة ، علاقات بلاده بإسرائيل ، بل إنه يطلب من الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل ، لضرب بعض البلاد العربية بسبب دعوتها لمنهج الوحدة العربية ، كما تبذل بلاده جل جهدها ، لتقويض أي عمل عربي مشترك ، ولتقويض فكرة الوحدة العربية التي كانت ناشطة في ذلك العصر (عصر الستينات والسبعينات) وجاء في الوثيقة دعوة إسرائيل للاستيلاء على الضفة الغربية ، كي لا يفسح المجال للفلسطينين ، بالمطالبة بحقوقهم.  أما الخيانات الفردية ، في ظل الاستضعاف العربي فهي بمثابة ذريعة ، لضرب شعوب بأكملها، تلك الشعوب العاجزة ، نتيجة القهر والاستبداد ، عن أن تفرق بين الحق والباطل، وبين العدو والصديق   هناك مقولة للسير ونستون تشرشل- عندما سئل عن رأيه بالشعوب- قال جملة تاريخية ، ولم يلتفت إليها احد ، إلا بعد ما يقارب قرن من الزمان قال : " إذا مات الانجليز تموت السياسة وإذا مات الروس ، يموت السلام ، وإذا مات الطليان ، يموت الإيمان ، وإذا مات الفرنسيون يموت الذوق ، وإذا مات الألمان ، تموت القوة وإذا مات العرب ، تموت الخيانة " ولا أدل على ذلك ، من عجز الجيش الذي دمر القدرات العسكرية المصرية في ستة أيام ، واحتل الضفة والجولان ، هذا الجيش أثبت عجزه عن النيل من القدرات العسكرية للمقاومة ، بعد قرابة شهر من القصف والتدمير ، وهي تتصدى للعدوان الصهيوني ، الذي جن جنون قادته ، وأصابهم الصرع ، من صمود المقاومة ، وقيامها بعمليات بطوليه نوعيه ،لم تكن في حساباتهم ، وحسابات من تآمر معهم ، من أصحاب المواقف المخجلة المتخاذلة ، والمتآمرة مع العدو الصهيوني وستبقى المقاومة الفلسطينية ، بما تسطره من بطولات ، هي من يحمل مصباح الكرامة ، لتنير به الطريق ، لمن أراد السير فيه ، وسيبقى أهل غزه عنوان العزة ، للعرب مادام للعزة بقيه ، وكما تأبى الخيانة أن تفارق أهلها ، فإن الكرامة تأبى  أن تفارق أهلها . وإننا لندعوا الله أن ينصر المقاومة في غزه ، وان يثبت أقدامهم ، وان يهزم اليهود ومن والاهم وأيدهم شر هزيمة .    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    

حرب التحالف حرب على الإسلام

 إن الأعداء يخططون للقضاء على الإسلام والمسلمين بكل وسيلة ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ التوبة 32، والحرب التي نشهدها اليوم  ليست حربا على الإرهاب ، ولا من أجل تحرير الشعوب الإسلامية ، من هيمنة المتطرفين الإسلاميين، على حد قولهم ، وإنما هي حرب هدفها الأول والأخير الإسلام   وفي هذا الصدد ، يقول الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك ، عندما تم غزو أفغانستان :"من كان يظن أننا خرجنا لأفغانستان   انتقاما لأحداث 11 سبتمبر ، فليصحح خطأه   نحن خرجنا لقضية ، اسمها الإسلام ، لا نريد أن يبقى الإسلام ، مشروعا حرا ، يقرر فيه المسلمون ، ما هو بالإسلام ، وما ليس بالإسلام ، نحن نقرر لهم ، ما هو الإسلام " .

إن حرب التحالف ، حرب على الإسلام   وما هذا التحالف ، إلا حلقة من حلقات الحقد الدفين ، على الإسلام والمسلمين   حرب تستهدف المسلمين ، تحت مسمى الحرب ضد الإرهاب , وذلك ليخدعوا المسلمين ، ويشتروا سكوتهم ، ولا ندري كيف تغيب حقيقة هذه الحرب ، باعتبارها حرباً صليبية صهيونية، وكيف تنطلي علينا   أكذوبة الحرب ، على الإرهاب والإرهابيين   من دول التآمر الصليبي الصهيوني ، على العرب والمسلمين ، الذين يعتبرون كل الحركات الجهادية الإسلامية ، في العالم الإسلامي إرهابية ، وعليه فإن الحملة التي يشنها الغرب ، على الإسلام والمسلمين بأشكالها المتعددة ، العسكرية والسياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية، تحت عنوان الحرب على الإرهاب ، تعبِّر عن الحقد المسيطر على قلوب هؤلاء الصليبيين الجدد  الذين يخفون نواياهم الغادرة ، ومخططاتهم السوداء ، ضد العرب والمسلمين .

إن الإدارة الأمريكية تعتبر ، حركات المقاومة في فلسطين ، ضد العدو الصهيوني، حركات إرهابية ، يجب تصفيتها ، مما يدل على أنها حرب صليبية صهيونية ، يريدون أن يأخذ كل منهم نصيبه منها ، وأن يستغلها لمصلحته الاستعمارية العدوانية، مدفوعين بروح الانتقام   التي كانت ولا تزال ، حرباً شاملة ، على جميع الجبهات ، وما نسمعه من حين لآخر في وسائل الإعلام ، من اعترافات الأمريكان والغرب ، تدل على أن هذه الحرب ، هي حرب ضدّ الإسلام والمسلمين ، وإن الناظر إلى جوهر الصراع ، وإلى ميدانه الواسع    يتأكد بأن أمريكا ، تحارب الإسلام ، من حيث هو إسلام ، إنها حرب صليبية ، تختفي وراء حرب الإرهاب! ضد الإسلام والمسلمين  وهم يعملون على تعمية الراية الصليبية ، في صُورة تحالفات دولية ، لتُحقِّق الصفة العَالمية لها ، حتى لا تنكشف ، وهذا ما أكده الكاتب بصحيفة ، واشنطن بوست  الأمريكية ديفيد أغناطيوس ، بأن أمريكا لن تذهب هذه المرة ، إلى حرب صليبية بمفردها  إنما ستكون مدعومة ، من قبل تحالف دوليّ  فيه دول عربية وإسلامية ، وحذّرت صحيفة بوست ، ومجلة ماذر جونز الأمريكية ، بأنها حرب صليبية ثانية ، يقودها الرئيس أوباما هذه المرة ، ضد تنظيم داعش ، بدعوى حماية الأقليات المسيحية ، في الشرق الأوسط  ومشيرة إلى أن الضربات الجوية وحدها ، لن تنهي قوة داعش، ويجب مساعدة كل من العراق وسوريا، لتوطيد مؤسساتها ، وتحسين اقتصادها ، وإلّا فإن الإرهاب ، سيعاود الظهور في المنطقة، فور تغيير أمريكا وجهة اهتمامها. ووصف الكاتب بالصحيفة ، قرار أوباما المتعلق بشن الحرب ، على تنظيم داعش بأنه إنقاذ لهيبته كرئيس، بعد الشكوك التي بدأت تنال من قدراته، داخل وخارج الولايات المتحدة .

ومن المؤسف أن يلجأ العالم الإسلامي إلى عدوه التاريخي ، لإصلاح خلله، وعلاج علله. فيزداد خراباً ومرضاَ ، وضعفاً وسوءاً ، هذا العدو ، الذي يحاول تدمير الإسلام، وإنهاء وجود شعوبه ، دون رحمة ، كما حاول قديماً تدمير الإسلام ، في الحروب الصليبية   ففشلت جيوشه ، التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين ، فعاد يخطط من جديد لينهض    ويعود إلينا ، بجيوش حديثة، وفكر جديد  بهدف تدمير الإسلام من جديد ، أمام أنظمة تساعد على بسط نفوذ الغرب ، في بلادها    وتحكم بغير ما أنزل الله ، وتنشئ أجيالها على ثقافة ، تجعلها تابعة لثقافة عدوها ، بل يقفون حائرين أمام جيوش عدوهم ، وهي تغزو بلادهم ، في فلسطين وجوارها ، وفي أفغانستان والعراق وغيرها ، وترتكب المجازر بإخوانهم ، وتهتك أعراضهم ، وتنتهك مقدساتهم ، ومن يتابع تاريخ الإسلام   وعلاقات الأمة الإسلامية الدولية ، يلحظ أن هذا العداء ، يعبر عن الإجرام الحقيقي في مواجهة أمة الإسلام ، ومن الطبيعي أن تتحول هذه التصورات العدائية ، إلى واقع عملي ، يمارس ضد الإسلام المسلمين ، من العالم الغربي ، وأمريكا وإسرائيل ، ذكر ولت روستو ، الذي شغل عدة مناصب في الحياة الأمريكية " أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط ، هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام إسرائيل ، هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمراراً للحروب الصليبية ".

والذي يبدو من تصريحات قادة الغرب ومفكريهم ، أنهم يشنون الحرب على الإسلام لعوامل أخرى ، إنهم يرونه الجدار الصلب    الذي يقف في وجه سيطرتهم على العالم  واستغلالهم له ، ويرونه الجدار الوحيد أمام الاستعمار، وإن إدراكَ هذا الواقعِ ، يقودُنا إلى اتخاذِ الإجراءِ الصحيحِ ، الذي يفرضُهُ علينا الإسلامُ ، ويبصّرُنا بمكمنِ الداءِ ، الذي جرأَ علينا الأعداءَ ، غيرَ عابئين بهذه الأمة ، وبما تقول ، شجباً وغضباً واستنكاراً ، وبذلك يتضحُ بشكلٍ جلي ، من ما يقوله مورو بيرجر في كتابه ، العالم العربي المعاصر : "إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية  ليس ناتجاً عن وجود البترول ، بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام ، الذي تجب محاربته ، للحيلولة دون وحدة العرب، التي تؤدي إلى قوتهم ؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام ، وعزته وانتشاره .  

إن المتابع لتصريحاتِ قادةِ الغربِ ، وسياساتِه تجاهَ المسلمين ، في البلادِ الغربية، وتجاه الأمة الإسلامية ، في بلاد المسلمين، لا يبقى لديه أدنى شك ، في أن هذه الإساءاتِ ، هي جزءٌ من حملةٍ غربيةٍ شرسةٍ ، تستهدف عقيدةَ الإسلامِ ، وأحكامِهِ وأنظمتِهِ ، على جميعِ المستويات: السياسيةِ والعسكريةِ والثقافيةِ والإعلاميةِ ، وقد سبق أن تهجّمَ الرئيسُ الأميركي بوش ، على الإسلامِ ونظامِ الخلافة   محذراً مما وصفه بـ " إنشاءِ نظامِ خلافةٍ راديكالي يمتدُ من إسبانيا غرباً إلى إندونيسيا شرقاً "، هذه الهجمة الغربية الشرسة ، على الإسلامِ ، وعقيدتِهِ وأحكامِهِ، ونظامِ الخلافةِ والشريعةِ والجهادِ، تستهدفُ القضاءُ على هُويةِ المسلمين في الغرب، وترويعِهم وإخضاعِهم ، لدمجِهم وتذويبِهم ، في حضارةِ الغربِ ، وقيمِهِ وطريقةِ عيشِهِ الفاسدة ،كما تستهدفُ تشويهَ صورةِ الإسلامِ ، والقرآن والنبيِ عليه السلام ، لتنفيرِ الشعوبِ الغربيةِ من الإسلام ، ومنعِ انتشارِه بالقوة ، وقد ساعد في ذلك ، تواطؤ بعض المسلمين ، مع دولِ الغربِ ، ضد قضايا الأمةِ ومصالحِها   وبعض الجهات ، التي تحاربُ الإسلامَ   وعودته للحكمِ والتطبيقِ ، والتخاذل عن نصرةِ الإسلامِ ، والدفاعِ عن قضايا المسلمين ومقدساتِهم ، واقتصار ردودَ فعلِ المسلمين   على التنديدِ والشجبِ والتظاهرِ ، الذي  يُطمِّعُ أعداءَ الإسلامِ ، بالتمادي في العدوانِ   على مقدساتِ المسلمين ، وأعراضِهم ودمائِهم   وصدق الله تعالى : ﴿ إِن يَثقَفُوكُم يَكُونُوا لَكُم أَعْدَآءً وَيَبسِطُوۤا إِلَيكُم أَيْدِيَهُم وأَلْسِنَتَهُم بالسُّوۤءِ وَوَدُّوا لَو تَكفُرُونَ ﴾ الممتحنة 2 .

وأخيراً ، فإن الحملة ، التي يشنها الغرب   على الإسلام والمسلمين ، تحت عنوان الحرب على الإرهاب ، هي حلقة من حلقات الحرب  على الإسلام وحضارته ، بمساعدة المتآمرين معهم ، على بسط نفوذ الغرب في البلاد   والحكم بغير ما أنزل الله تعالى ، وتنشئة أجيال   على ثقافة تمسخهم ، وتجعلهم تابعين لثقافة عدوهم ، بل يقفون حائرين أمام جيوش عدوهم ، وهي تغزو بلاد المسلمين   وترتكب المجازر ، وتهتك الأعراض ، وتنتهك المقدسات ، وقد غاب عن بال الغرب والمتآمرين معهم ، حقيقية لا شك فيها    وهي أنه ما من قوة ، على وجه الأرض   بالغة ما بلغت ، تستطيع أن تقضي على الإسلام ، ولو رافقتها كل أنواع المكر   وأساليب الزيف والخداع ، ومهما أعدت من الجيوش والأموال ، والتقنيات والخطط   حقيقة ذكرها الله تعالى بقوله : ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾الأنفال  36.  

 

أثر الحكم بغير ما أنزل الله

إن الحكم بغير ما أنزل الله، والسياسات الخاطئة ، أدت إلى زعزعة حاضر الأمة وتشويه ماضيها، مما أدى إلى الهزائم المتتالية التي تعاني منها الأمة الإسلامية حتى أصبح كيانها هزيلاً لا يُسمع له صوت، ولا تُحترم له كلمة، ولا يُصان له حق، وأصبحت هذه السياسات عوناً لأعداء الأمة في الخارج  مخالفةً تعاليم الإسلام ، الذي يحرِّم علينا أن نمد أيدينا إلى الذين يؤذون المسلمين ، وأن نستجيب لهدي ربنا ، الذي ينبه ويحذر من شر النفاق والمنافقين. قال تعالى: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾المنافقون4 . ويفضح خباياهم الخبيثة فقال: ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾آل عمران 118 .   

فالقوانين الوضعية ، لا تحرِّم موالاة الكفار   بل ترغِّب فيها ، وتتجاهل النصوص الشرعية التي تحّذر من موالاة الأعداء من اليهود والنصارى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾المائدة 49 . فإذا كان المنافقون الكارهون لشريعة الله يسارعون إلى الأعداء ، في حال استضعاف النفاق ، فكيف بهم إذا تولّوا أمور المسلمين    إنهم لن يقصروا في تقديم كل معونة ، لتسهيل خطط الأعداء ، التي عجزوا عن تنفيذها بأنفسهم ، قال صاحب الظلال : «أحسب والله أعلم، أن اليهود  الصهيونيون والنصارى الصليبيين كليهما، قد يئسوا من هذا الدين في المنطقة الإسلامية الواسعة، في  أفريقيا وآسيا وأوروبا، كذلك يئسوا أن يحوّلوا الناس فيها إلى الإلحاد عن طريق المذاهب المادية، كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى   عن طريق التبشير أو الاستعمار ، ذلك أن الفطرة البشرية ذاتها ، تنفر من الإلحاد وترفضه، حتى بين الوثنيين ، فضلاً عن المسلمين، وان الديانات الأخرى ، لا تجرؤ على اقتحام قلبٍ عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام. وأحسب -والله أعلم- أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدَل اليهود الصهيونيون ، والنصارى الصليبيون   عن مواجهة الإسلام جهرة ، عن طريق التبشير ، فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر ، لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في العقيدة، ولا تنكر الدين جملة... ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات ، التي أشارت بها مؤتمرات التبشير. وبروتوكولات صهيون  إن هذه الأنظمة والأوضاع ، ترفع راية الإسلام ، أو على الأقل ، تعلن احترامها للدين، بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله  وتقصي شريعة الله عن الحياة، وتحل ما حرم الله، وتنشر تصورات وقيماً مادية عن الحياة والأخلاق ، تدمر التصورات والقيم الإسلامية، وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام ، لتدمير القيم الإسلامية، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية، وتنفيذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونية». إن تحقيق أهداف الأعداء في بلاد المسلمين ، لن يجد مناخاً أنسب ، من المناخ الذي يسيطر على مقدرات الأمة ، مَن لا يحكمون بشريعة الله ، وما من مرة فرطت الأمة في رسالتها ، وانحرفت عن شريعتها على مدار التاريخ ، إلا وسلط الله عليها غيرها.

وقد لُقن المسلمون هذا الدرس، فقد كانت مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أحُد درساً يُعطي للأمة المؤشر ، الذي يمكن أن تقيس به حالها، فقد هُزم المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدث هذا ليستقر في تصور المسلمين أن عقوبة المخالفة ، هي مصائب عاجلة تتناسب مع قدر المخالفة ، ومكانة المخالِف  وهذه الأمة المكلّفة بالقيام بأعظم رسالة  تؤخذ بما لا يؤاخذ به غيرها ، وقد تنَزَّل القرآن يبين سبب الهزيمة ، وعلة المصيبة فقال تعالى : ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾آل عمران 165. إنها سنة الله ، فما يصيب المسلمين من مصائب ، لا يكون من قِبَل قوة الأعداء ، ولا بسبب خذلان الأصدقاء، إنما الذي يؤتى المسلمون من قِبَله ، هو نفوسهم ذاتها:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾الأنفال 53

إن هذا الدرس الذي تلقاه المسلمون الأوائل  ظل على مدى التاريخ الإسلامي ، هو الدرس نفسه، فالصليبيون تسلطوا على المسلمين في أواخر القرن الخامس الهجري ، في وقت كان بيت المقدس محاطاً بالعديد من الإمارات المتهالكة على السيطرة، المتنافسة في معترك الأهواء، وفي الوقت الذي شغلت العباسيين   شواغل أخرى ، عن الإعداد للصليبية المتربصة التي حاربت المسلمين ، في زحف لا ينقطع مد ة قرنين من الزمان ، فقد كانت الأهواء متغلغلة في جسد الأمة ، حتى وصلت عناصر من المبتدعة الضالين ، إلى سدة الحكم في كثير من الديار الإسلامية ، فاستولى العبيديون- الفاطميون الإسماعيليون وهم الرافضة - على مصر ومناطق من الشام ، والمغرب العربي ، لعقود طويلة، ومن سوء الحظ أنهم كانوا في بيت المقدس ، وقت أن دهمها الصليبيون، وكذلك سُلط النصارى على المسلمين في الأندلس  لأن الأمراء الذين بدأوا ، فكانوا لله خلائف  انتهى الأمر بهم ، إلى أن أصبحوا ملوك طوائف ، يبحثون عن اللذات ، ويقدمون الأهواء على الشرائع في الحكم ، فقد مرحوا في بلادهم دهراً ، وهم آمنون من مكر الله   ثم صحوا وقيود الهوان ، تغل أيديهم وأرجلهم   كانوا يقتتلون ويتواطئون مع المستعمرين   ليطمئنوا على بقاء الملك في بيوتهم الرفيعة   ولو ضاعت في سبيل ذلك شعوبهم ، وجاء التتار ، فاجتاحوا بلاد المسلمين ، حتى لم تنج منهم عاصمة الخلافة نفسها، ولم يفلت من بأسهم ، حتى خليفة المسلمين، فهل كان هذا من فراغ؟ لقد استمر عهد العباسيين خمسة قرون ، وضعفت دولتهم في آخرها ، فقامت دول على أساسها ، ولم يكن داع لقيامها لولا العصبية التي حملتها ، واللغة التي أحيتها من جديد. فظهرت الدولة السامانية- سلالة إيرانية حكمت أجزاء من فارس وأفغانستان- والغزنوية- سلالة تركية حكمت في أفغانستان، خراسان وشمال الهند - والخوارزمية - سلالة تركية مسلمة سنية حكمت أجزاء كبيرة من آسيا وغرب إيران- ولا شك أن الطموح السياسي كان أساساً في نشأتها ، وأعلنت عن قيام خلافة مستقلة فيها، وكانت الخلافة الأموية في الأندلس   والفاطمية في مصر وأجزاء من أفريقيا، ولم تكن هذه الدول على تفاهم فيما بينها، بل كانت معادية بعضها لبعض، وكل منها على صلة بأعداء الأخرى ، فالعباسيون في بغداد يصادقون حكام الفرنجة ، خصوم أمويِّي الأندلس ، وهذا يدل على ضعف الروح الإسلامية ، لدى المسلمين في ذلك العهد   وفي العصور المتأخرة، وعندما دب الفساد في أجهزة الحكم العثماني ، تراجع العثمانيون وهزموا في معارك عديدة أمام  الأعداء   وتقهقر المماليك أمام (نابليون) فكان ذلك مؤشراً على الحال التي وصلت إليها الأمة    حتى ولت الأدبار ، أمام زحف الكفار ، ومن سنن الله تعالى ، أنه إذا عُصِيَ الله تعالى ممن يعرفونه، سلَّطَ عليهم من لا يعرفونه.

وفي العصور الحديثة استولت أوروبا النصرانية   على أغلب بلاد المسلمين، حتى كادت تستولي على الحرمين الشريفين بعد الحرب العالمية الثانية ، التي قسمت بلاد المسلمين بمقتضى معاهدة (سايكس بيكو) ، وانتهى الأمر بإسقاط دولة الخلافة العثمانية ، على يد يهود الدونمة ، بالتعاون مع النصارى . ومن يومها والمصائب تتوالى على المسلمين ، الذين استسلموا لأنظمة حاكمة ، بغير ما أنزل الله  ولم يعد الأمر، أمر دروس أو عبر، بل صار أقرب إلى الانتقام الإلهي ، منه إلى التذكير. لأن الشقة قد بعدت بين المسلمين ، وبين حكم الإسلام، حتى لم يعد الظالمون    يكتفون بإقصاء الشريعة وإبعادها عن الحكم، بل صار ديدنهم محاربتها ، وإدانة من يطالب بها ، ولهذا سُلط الأعداء، وأطلقت الأيادي  لتنال بلاد المسلمين ، وعظمت المصيبة بتسليط الأعداء  على الأمة ، التي كانت عزيزة بالإسلام ، فذاقت ألواناً من المهانة والذل ، في ميادين القتال   وساحات المعارك ، وما هذه الهزائم ، إلا أثراً من آثار الانحراف عن الشريعة ، الذي غرقت فيه الأمة إلى القاع، وتغلغل فيها حتى النخاع قال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 الأوضاع التي تعاني منها الأمة

لقد ساءت أوضاع الأمة الإسلامية ، يوم قام الغرب بالتآمر لإسقاط الدولة الإسلامية  وإلغاء نظام الخلافة، وتقسيم دولة الإسلام إلى دول ، ورحم الله الأمير الحسن بن علي آل عائض أمير عسير ، حينما خاطب أحد عملاء بريطانيا بقوله عنها ".. واستطاعت بعبوديتكم لها أن تمزق شمل الأمة ، وجعلت كل عبد لها على رقعة من الأرض ، أسمتها وطنا   وأحاطتها بسور، أطلقت عليه حدودا رسمتها هي ، وألزمت كل صنيعة لها أن يحمي سوره من جواره، وهي المهيمنة على الجميع، وما من رقعة إلا وهي سجن لأهلها ، فلا يخرج منها ولا يدخلها أحد ، إلا بعلمها ، حتى تضع أنوف أهلها في التراب". وهاهي الأمة اليوم تدفع ثمن ما ضاع منها ، وما سكتت عليه من أوضاع أوجدها، وهي لا تدفع ثمنا لذلك مالا   كما هو الحال مع كل من ألمانيا واليابان ، بعد الحرب العالمية الثانية ، وانتصار الحلفاء، وإنما تدفع أنفسا تزهق، ودماء تراق، وثروات تستنزف، وكرامة تهدر، وذلا ما بعده ذل والسؤال هنا : هل الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم قدر لا يرد؟ وما السبيل إلى نهضة هذه الأمة ؟ لا يمكن للأمة أن تنهض ، إلاّ إذا أقيم الحكم والسلطان على المنهج الذي  أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم والسلطان عليه    

إن الاوضاع السيئة ، التي تعاني منها الأمة غير قابلة للبقاء والاستمرار ، لأنها مخالفة لطبائع الأشياء , ولا تحمل ما يهيئ لها فرص البقاء   لأنها مخالفة لروح الحضارة الإنسانية ، بكل معنى من معانيها , ومخالفة لروح الدين ، ولروح العصر ، بل ومخالفة لأبسط مبادئ النمو الاقتصادي الاجتماعي والإنساني ، مما أدى إلى شل قوى الأمة عن العمل والإنتاج , وعن النمو والتقدم ، في أوضاع  تهدر فيها الكرامة الإنسانية , وتفسد الأخلاق ، ويقضي فيها على كل معاني العدالة , حتى فقدت الثقة بين المجتمع والدولة ، وسيطر على الأمة من لا يهتمون بالصلاح ، أو من الطغاة ، الذين لا يريدون للعدالة أن تجري مجراها ، لأنها تحرمهم أسباب السلطان ، الذي لا يقوم على أساس  يؤيدهم  من رجال الدين ، من باعوا أنفسهم بثمن بخس ، دراهم معدودات ، يلقون بأيديهم إلى التهلكة ، ويا ليتهم يهلكون وحدهم   حين يهلكون ، ولكنهم سيهلكون ، ومعهم الشعوب المنكوبة ، وما لم تصح هذه الشعوب  فسيحق عليها النذير الرباني  ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا  ﴾ . إن الاوضاع التي تعاني منها الأمة ، لا تعالج بالخطب الوعظية ، ولا بتكميم الأفواه ، الذي يمارسه الطغاة المستغلين ، ضد دعاة الإصلاح  ، إذ يحاربوهم بكل الوسائل الجهنمية , التي يملكوها   فيزجوا بهم في المعتقلات والسجون , ويحاربوهم في أرزاقهم وأقواتهم ، واسكات كل صوت ينكر عليهم طغيانهم ، فسُفكت الدماء البريئة وهُتكت الأعراض المصونة، وحصل السلب والنهب، والخوف والاضطراب، بعد أن كانوا معافين في أهليهم وأبدانهم، فحلَّ بهم ما حلَّ  من الطغاة ، الذين جثموا على صدور شعوبهم   دون ان يحاسبوا على افعالهم ، لانهم محصنون من الملاحقات القضائيه ، لأن القوانين صيغت   وفق مقاساتهم وامزجتهم ، لاوفق حقوق الشعوب ومصلحتها ، فهم من يشرعوا القوانين   ويعدلوها او يلغوها ، فيما تمارس اجهزتهم القمعيه ، افعالها الوحشيه ، ومن يعارض سلطتهم يعد ارهابيا ، ومن يكتب مقالا ينتقد فيه السلطة يعد محرضا ، إنهم لا يحتكمون الى القضاء ، لان اوامرهم فوق القوانين والتشريعات   وإذا مارسوا الظلم ، فإن العالم يقف من ظلمهم موقف المتفرج ، ولاترقى الادانات الى مستوى انتهاكاتهم ، وكأن حقوق الانسان مصانه عندهم   صدق فيهم  من قال :

يا أيُّها الظَّالمُ في فعلِه   فالظُّلمُ مردودٌ على من ظلمْ

إلى متى أنت وحتَّى متى  تسلو المصيباتِ وتنسى النَّقمْ

نعم نسوا او تناسوا ، أن الشعوب تخوض حرب بقائها ، وتبتكر على مر التاريخ أدوات تحريرها ، وأنها مهما بدت ضعيفة أمام القمع فهي بالنهاية ، تنتصر على الطغاة والجلادين   وكلما سالت الدماء  ،كان الثبات على المطالب ، حتى تحقيق الأهداف ، فقد تعلمت الشعوب أن الحقوق لا تعطى ولا تمنح   ولكنها تسلب سلبا ، وتعلمت أن الدماء دافع لاستمرار الثورات ، وليست سببا فى انتكاستها   ولكن الأنظمة لم تتعلم هذا ، فقد وصلت إلى الحد الأقصى ، فى تعاملها مع الشعوب، فماذا بعد إطلاق النار على الرجال والنساء والأطفال؟! ما الذى يستطيعوا فعله بعد هذا؟! هل هناك شئ يخيف الناس أكثر من إطلاق النار عليهم ، وقتلهم أو إصابتهم بعاهات مستديمة؟ لقد أوصل الطغاة شعوبهم ، إلى المرحلة التى لا يستطيعون التراجع عنها، فالثمن الذى سيدفعونه فى حالة الإستمرار فى معارضتهم ، أقل بكثير مما سيدفعونه فى حالة التراجع ، فقد أدركوا أن الذى يطلق النار على شعبه وهم ثائرون عليه ، لن يتوانى فى قتلهم بعد أن يسكتوا ، بل سيكون القتل أرحم مما سيفعله بهم ، من سجن واعتقال ، وتعذيب غير مسبوق، ولم يعد لدى الشعوب جهل بتلك الأساليب والأدوات ، التي يمتهنها الطغاة   لقهر الشعوب وإذلالها ، لقد أدركت الشعوب أخيرا ، أن ما يدعيه الطغاة من امن واستقرار في بلدانهم ، ليس إلا أكذوبة كبيرة ، حيث لا أمن ، إلا ما يكفل للطاغية وبطانته ، سرقة الثروات وقهر الإرادات ، وتمكين غير الأكفاء   من مراكز القيادة ، على حساب الأكفاء  وأدركت الشعوب المستبد بها ، أن الطاغية لايستجيب لمطالبها ، بل من يطلب حقا   فإنه يستحق العقاب ، وغاب عن ذهنهم أن دعوة  المظلوم ، ليس بينها وبين الله حجاب   ولقد أحسن المتنبي :

وما من يدٍ إلا يد الله فوقها .. وما من ظالمٍ إلا سيبلى بأظلم

 لم لا يكن السلف لهم قدوة ، فمنهم من قال :" عجبت لمن يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه" ومن قال :"إذا أخطأت قوّموني" مقولتان تعودان لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما  حينما تولّى كل منهما الخلافة، فقد كان الشعور بحجم المسؤولية الملقاة علىيهم ، مما جعلهم شديدي الحرص ، على إيفاء الرعية حقوقها ، محاولين إرضاء ربهم ، خشية ظلم أي أحد ، أما الذين يترأسون الشعوب الإسلامية ، فقد ضربوا بعرض الحائط هذا النهج الإسلامي ، في إدارة شؤون الرعية   واتخذوا من الاستبداد ، وقهر الشعوب وظلمها نهجاً له ، بدل أن يكون حريصين على مصالح شعوبهم  ، يدافعون عنها ، برفع مكانتها وإعطائها الهيبة ، فيسعى للارتقاء بكل الصناعات ، وتوفير كل الحاجيات ، ذلك أن هذا الحاكم أمين ، على مقدرات هذه الأمة والأصل أن يحفظ هذه الأمانة، ويصونها على أتمّ وجه، ومن هنا فإن من قام بدوره هذا فإن شعبه ورعيته ، سيحبه وسيكون قريباً منه ويدعو له بالبقاء ، ويعينونه على ذلك كما فعلت الشعوب الإسلامية مع الخلفاء العادلين  أما إذا انحرفوا  عن دورهم ، وتخلوا عن مسئولياتهم ، وخانوا أمانتهم، فظلموا شعوبهم وفرطوا في حقوقهم ومقدراتهم ، سواء لحسابهم أو لحساب الأعداء   فإنهم يعتبرون في هذه الحالة مفرطين وعلى الشعب ألا يقف ولا يستسلم لهذا التفريط ، وفي هذا الصدد فلابد من ذكر ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر ) . فكم هي الحاجة ماسة إلى كتائب مؤمنة تصدق مع الله   وتمضي في سبيل إعزاز دينه ، ورفع كلمته ونشر العدل في الأرض ، وإذا علم الله تبارك وتعالى صدق النية، ومضاء العزيمة، وخلوص القصد فإنه ينصرهم على عدوهم ، ويمكن لهم في الأرض ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .

 

المعاناة من الطغيان والتطرف

إن دول الكفر تخطط لمحاربة الإسلام ، وإطفاء صحوته الجديدة ، وتجتهد في إبراز الجماعات المتطرفة ،  والتغاضي عن نشاطها ، لأنها وجه ذميم للإسلام ، ودعاية حقيقية ضده ، وهدمٌ للوحدة ، وتسجيلٌ للفرقة ، من أجل ذلك يحاربون الإسلام الصحيح ، ويطاردون أتباعه   على حين يغضون الطرف عن الجماعات المتطرفة ، التي تشعل الحروب ، وتعيث في الأرض فسادا ، فنرى أغلب الدول بتحالفها التقليدي تدور في فلك الغرب ، وقد كثّفت من عطائها وخضوعها له  خوفاً على عروشها ، وكراسي حكمها ، ولا غرابة في هذا ، وإلا فكيف ضاعت فلسطين؟ وما زال التآمر واقعاً ، في صورة توقيع معاهدات مذلة مع الكيان الصهيوني الغاصب ، والالتفاف على الثورات ، وإجهاضها لنشر الفوضى الخلاقة ، لمسخ هذه الثورات ، التي جاءت نتاج الحكم الديكتاتوري ، الذي استمرأ التنكيل والقمع والقتل ، وبعد نجاح تآمرها   بدأ مسلسل إعلامي ، يؤجج الصراعات ، ويغذي الفوضى الخلاقة ، بدأ بإطلاق مصطلح ، الأصوليين الإسلاميين ، إلى  الإرهاب الإسلامي ، متجاهلين أن الإسلام دين ، يدعوا إلى تحرير الإنسان ، من العبودية والخضوع لغير الله ، في الوقت الذي نرى  من يدعوا الناس باسم الإسلام ، للخضوع والتخاذل ، والاستسلام للطغاة ، مهما حرفوا وبدلوا ، وساعدوا على شيوع الظلم والفساد فتسلطت عصابات الإجرام  وفي الوقت نفسه ، نرى من يدعو ، لترسيخ هذا الواقع البائس المتخاذل ، أخرج الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( َيُؤْتَى بِعَبْدٍ مُحْسِنٍ فِي نَفْسِهِ لا يَرَى لَهُ سَيِّئَةً فَقَالَ لَهُ : هَلْ كُنْتَ تَتَوَلَّى أَوْلِيَائِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، كُنْتُ مِنَ النَّاسِ سَلَمًا . قَالَ : فَهَلْ كُنْتَ تُعَادِي أَعْدَائِي ؟ قَالَ : رَبِّ لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ شَيْئًا . قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي لا يَنَالُ رَحْمَتِي مَنْ لَمْ يُوَالِ أَوْلِيَائِي وَيُعَادِ أَعْدَائِي ) وفي القرآن آيات كثيرة عالجت المشاكل الإنسانية ، ونظمت شؤون الحياة تنظيما متكاملاً ، ليقف المسلم الموقف الحق   لأنه مكلف بتطبيق الأحكام الشرعية في كل تصرف ، وفي كل فعل ، فلا يحق لأحد أخذ المبادئ من غير الإسلام ، أو مخالفته في أي شيء ، ولا يجوز له الوقوف على الحياد والصمت على ما يجري  من حوله ، ويقول أنا على الحياد  إذ لا حيادية في الإسلام ، والساكت عن الحق شيطان أخرس ، لأن الدعوة إلى الحيادية ، تخالف كل الأدلة الحاثة على العمل ، والالتزام بالشريعة الإسلامية قال تعالى : ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله أولياء ثم لا تنصرون ﴾ . والحياد هو ما يريده الكفار   لتقرير مصير الأمة الإسلامية كما يشاءون  ويخططون ، لذا لا يحق للمسلم أن يقف على الحياد أو أن يعزل نفسه ، عن مقاومة الفساد ، أو الدعوة لإقامة سلطان الإسلام ، والعمل على مصارعة الطغاة ، وكشف مخططاتهم   وفضح الذين يدعموهم ويتلاعبوا بمصائر الدول والشعوب .  إنه لم تمر علينا فترة ، تمكن فيها الظالمون بباطلهم ، أشد من هذه الفترة التي نعيش ، فقد مارس الطغاة فيها التدمير والتخريب وإشاعة الظلم والقهر والفوضى، وجعلت من جبروت القوة ، وسيلة للابتزاز والإذلال  وارتكاب ما يحلو لهم من الانتهاكات والجرائم بحق الإنسانية ، وأصبحت القوة هي الأمر الذي يحتكم إليه طغاة العصر، فضاعت القيم الإنسانية ، والأخلاق السوية ، التي من المفترض أن تتحكم بالنفس البشرية، لتتصدى للمهمة ، التي أوكلها الله إليها ، من عمارة الأرض وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل، ونشر العدل والقسط بين الناس ، فقد اعتنق الطغاة عقيدة القوة الباغية، بعد أن امتلكوا عواملها ومفاتيحها ، فاجتمع جنون النفس البشرية وتجردها من كل خلق إنساني سوي ، مع القوة المارقة الشريرة، فكانت النتيجة بطشا وظلما وجبروتا وطغيانا ، وتدميرا واستعبادا   ونزفا للدم في كل مكان .

إن هذه الهجمة موجهة ، نحو الإسلام دينا وعقيدة ومنهج حياة، ونحو العالم الإسلامي والمسلمين ، فجاءت الدعوة لمقاومة الظلم والعبودية لغير الله عز وجل ، في الوقت الذي سقطت فيه مزاعم تحقيق الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية  واحترام استقلال الدول وما يسمى بالشرعية الدولية ، فظهر الطغاة على حقيقتهم ، وتبين أنهم من السفاحين ، الساعين إلى ابتزاز الشعوب المستضعفة  واحتلال أوطانها واستغلالها   وانتهاك حرماتها ، وإذلالها وقهرها، والضحية هم المسلمون والعالم الإسلامي ، الذي يتعرض للتجزئة والتشتت ، واستبداد بعض الأنظمة المتواطئة له ، وفي مقابل احتفاظها بكراسيها وعروشها ، تمارس عمليات  التسلط والاستبداد والاستعباد بحق شعوبها المسلمة، فتمنعها من السير نحو الحياة العزيزة الكريمة ، ولعل هذه المحنة هي الخطوة الأولى لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة الإنسانية إلى إنسانيتها، وإعادة العالم إلى طبيعته ، وإعادة الحقيقة الربانية الخالدة للأمة المسلمة المؤمنة إلى سابق عهدها ، بعد أن جربت البشرية خلال عقود ضياعها، كل المناهج الممكنة لتحقيق العدل والمساواة والسعادة والرفاهية  من أقصى يسار الاشتراكية والشيوعية، إلى أقصى يمين الرأسمالية ، فكانت النتيجة مزيدا من الجور والشقاء والعبودية لغير الله!.  ولعله لم يبق لخروج البشرية من مأزقها الخطير الحالي ، بعد سقوط المناهج الوضعية، إلا الإسلام، ومنهجه الصالح لكل زمان ومكان فقد كان منقذا في أول الأمر، ثم ناظما لحياة البشر  وحاكما لهما ، بمنهج الله ، حيث  العدل والسعادة والرفاهية والأمن، واحترام إنسانية الإنسان وحقوقه، وإحياء الروح الإنسانية الحقة، رغم ظهور الباطل وسطوته وقوته الهائلة، ورغم غياب الحق وضعفه وقوته المغيبة! لأن أساليب القهر والظلم والمكر  والاستفزاز المتواصل للعالم العربي والإسلامي  وللإنسان المسلم ، ستكون عاملا حاسما في إيقاظه من غفوته، والبحث بجد عن نفسه ودعوته وهويته وإسلامه، وتفجير عوامل قوته الهائلة المخزونة المعطلة ، ومن يبحث عن أمر فيه نجاته وتحرره ، وتحقيق كرامته وعزته   فسيجده ، ومن جد وجد ، وعندها يأتي بالإسلام منهجا شاملا لحياة الناس، بعد أن يتهاوى الباطل ، وجنوده ومنهجه ، في كل مكان، وليعلم الجميع ، أن الإسلام حتى مع انتقاض عروة الحكم فهو مستمر ، وسيستمر   حتى تعود هذه العروة المنقوضة ، وأن بناء الأمة المؤمنة وظهور الحق ، ونجاحه وثباته ، هو المقدمة لزوال الباطل, لأن إظهار الحق ونجاحه لا يتوقف مسبقا على ذهاب الباطل وزواله قال الله تعالى : ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ الإسراء 78 .

 

 

 

 

 

بغاة العصر في ميزان الإسلام!

إن بغاة العصر ، يمارسون القتل والتدمير   ومن خالفهم فهو عدوهم ، فكانت إنجازاتهم الأعداد الهائلة ، من القتلى والأرامل والمسجونين، والدمار في كل مكان يحلّون فيه، وما علموا أن من بغَى وتجبّر واستطال    سينقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة  لقوله تعالى:﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾   وقد جاء ظهورهم ، في مرحلة من أخطر المراحل ، وأشدها حرجاً وحساسية في تاريخ الأمة ، كيف لا والأمة اليوم ، تمتحن بأيدي بعض من ينتسبون لها، ممن يمارسون صوراً متعددة من عمليات الفساد ، والقتل الجماعي  تلك الصور ، التي هزت وجدان المسلمين وضمائرهم ، في كل بقاع الأرض، وألصقت التهم ، وشوهت معاني الدين ، وحرّفت معاني الرحمة والسلام ، إلى صور من الدمار  وسفك الدماء ، دون فهم لنصوص الشريعة ودلالاتها، ومقاصدها التي حاربت الفساد والإفساد ، سواء في الاعتقاد ، أو العمل   المتمثل في نتائج ذلك الانحراف ، من تفجير وتدمير ، وسفك لدماء الأبرياء ، الذي نهى الله عنه ، قال تعالى : ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ وخص الفساد بعد الصلاح ، مع أن الفساد كله مذموم ، لأنه أشنع وأقبح ، وأعظم جرماً عند الله عز وجل  ويكون أشنع وأقبح ، وأغلظ في النكير ، إذا وقع من أبناء الأمة ، الذين نهاهم الله عنه في قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من ضئضئ-أي نسله- هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام ، مروق السهم من الرمية  يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان   لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) أخرجه البخاري ومسلم   قال القرطبي : وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، حيث أخبر بما وقع ، قبل أن يقع  وذلك أن الخوارج ، لما حكموا بكفر من خالفهم ، استباحوا دماءهم ، وتركوا أهل الذمة ، وقالوا نفي لهم بعهدهم ،  وتركوا قتال المشركين ، واشتغلوا بقتال المسلمين   وها نحن نرى أحزابا وجماعات ، ما إن ينقضي شر إحداها ، حتى يخرج علينا ، من هو أكثر سوءا ، وأشدُّ مجانبة للمنهج السليم   والطريق القويم ، وما إن خبت نار جماعة التكفير والهجرة ، ومن بعدها تنظيم القاعدة  حتى نشأ تنظيم داعش ، المسمى تنظيم الدولة الإسلامية، فأوغلوا في قتل أهل الإيمان ، وترك   إسرائيل التي احتلت الأوطان ، فكان خطرها  على دين الإسلام ، وبلاد المسلمين ، أخطر وأشد تأثيراً من الخطر الذي يأتي من أعداء الأمة ، لأن خطرها لا يقتصر على القتل والتدمير، بل يمتد إلى الدين والعقيدة، وتشويه صورة الإسلام ، ووقوع التجاوزات ، التي نسمع ونرى من عناصر البغاة , واتهاماتهم المسلمين بالضلال ، في المنهج والعقيدة   يكفرون المسلمين دون تثبُّت ، بل قد يتهمون المسلمين بالكفر والردة ، بمجرّد مخالفتهم لهم  ويشهرون السلاح على المسلمين ، لأدنى الأسباب ، وأتفه الأمور ، لفرض سيطرتهم والرهبة منهم.  إنهم يرمون من خالفهم بالعمالة ، والانشغال عن مجاهدة العدو ، فلا يرون البيعة إلا لهم  ولا يرون الإمارة إلا فيهم ، واعتقدوا أن قائدهم هو أمير المؤمنين ، وأن له السمع والطاعة ، ومن ليس تحت إمرته فهو خارج عنه ، قأقاموا دولة الإسلام ، التي تقيم الحدود وتنصّب الأمراء على البلدان ، وأن لها التصرف في الأموال العامة ، وأن يخضعوا غيرهم لهم بالقوة ، وأن يوقفوا من شاءوا  وأن لهم تنصيب المحاكم الشرعية والقضاة    وما علموا أنه لا تجوز طاعة أميرٍ ، في قتل مسلم معصوم ، ومن أمر بحرام ، فلا تجوز طاعته ولا بيعته ، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم ، حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ ، وإن جهل سأل من يعلم، حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام ، فيُفسد آخرته .

إن الغلو والبغي الذي تمارسه ، يجهض الجهاد ويسيء إليه ، وأن المبادرة بالإنكار لهذا الغلو وبيان مخاطره، واجب على كل مسلم لتحصين المجاهدين ، وتوعية من يذهب إليهم  ، لقد فاقت هذه الفئة بأفعالها ، الخوارج الغلاة  في كثير من الأفعال والصفات ، فجمعوا بين الغلو، والبغي والعدوان، وسفك الدم الحرام .

ولا عذر لمن انضم إلى صفوفها ، ولا يحل لأتباعها البقاء في تنظيمها ،وأن الاقتتال الحاصل من تلك الفئة ، هو قتال بغي ، لأنهم يعتدون على المسلمين، ويستحلون الدماء  تحت مسمى الجهاد ، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم (يقتلون أهل الإسلام) وتلك هي أفعال الخوارج كما قال ابن تيمية في الفتاوى : "الْخَوَارِج دِينُهُمْ الْمُعَظَّمُ: مُفَارَقَةُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ". وقال ابن عبد البر في "الاستذكار": "وَهُمْ قَوْمٌ اسْتَحَلُّوا بِمَا تَأَوَّلُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَكَفَّرُوهُمْ بِالذُّنُوبِ ". وتسميتهم بـ "الخوارج" إنما هي لخروجهم عن أحكام الدين ومفارقتهم جماعة المسلمين  كما قال صلى الله عليه وسلم : (سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ  فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متفق عليه.   والفئة الباغية وقعت في العديد من المخالفات ، وهي منشورة من أقوالها ومتواترة من أفعالها ، كالحكم على بلاد المسلمين بأنها بلاد كفرٍ وردة ، وإيجاب الهجرة منها إلى مناطق سيطرتها ونفوذها ،  ورمي من خالفها بالخيانة ، واستحلال قتالهم  فأعملت في المسلمين خطفًا وسجنًا، وقتلًا   وتعذيبًا ، وقاتلت المسلمين ، بما لم تقاتل به الأعداء ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ) متفق عليه. فغالبية أفرادها من صغار السنِّ ، الذين تغلب عليهم الخِفَّة ، والاستعجال والحماس، وقصر النظر والإدراك، مع ضيق الأفق وعدم البصيرة، فهم كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم : (حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ  سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) وقد زعموا أنهم وحدهم المجاهدون في سبيل الله، والعارفون لسنن الله في الجهاد؛ لذا فإنهم يُكثرون من التفاخر بما قدموه وما فعلوه ، قال صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ  وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) رواه أحمد.

وهذا الغرور ، هو الذي دفع هذه الفئة للتطاول على أهل العلم والحكمة، وعدم الأخذ بكلامهم، فادعى أفرادها العلم والفهم  وواجهوا الأحداث الجسام، بلا تجربة ولا رَوية، فاجتمع في تنظيمهم من الشر ، ما لم يجتمع في غيرهم من قبل، من الاجتماع على الباطل، والامتناع من الانقياد للحق والمحاكم الشرعية ، والغدر والخيانة، ونقض العهود   حتى فاقوا من سبقهم ، شرًا وسوءًا وانحرافًا.  أما قتال من ظهر ظلمهم وبغيهم وعدوانهم  على النفس والمال، فهو قتال مشروع؛ لكفِّ شرهم ودفع أذاهم ، نقل القرطبي في التفسير  عن الطبري : "لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبَ مِنْهُ وَلُزُومَ الْمَنَازِلِ ، لَمَا أُقِيمَ حَقٌّ، وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ  وقال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري : "فأما إذا ظهر البغي في إحدى الطائفتين، لم يحلّ لمسلم أن يتخلف عن قتال الفئة الباغية ، لقوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} ﴾ ولو أمسكَ المسلمون عن قتالِ أهلِ البغي لَبَطُلَت فريضة الله تعالى". فمنذ ظهور هذه الفئة ، والمصائب تتوالى ، من جراء أعمالها وتصرفاتها . حيث يتصرَّف أمراؤها وقادتها في البلاد على أنَّهم الدولة الحاكمة المسيطرة ، التي يجب على الجميع الخضوع لحكمها وقراراتها. وانشغلوا باحتلال المناطق المحررة ، وأظهروا الغلو في التكفير ، وأشاعوا التخوين ، لمن يخالف منهجهم أولا يقبل بدولتهم!. فكفَّروا الكتائب المجاهدة  وسفكوا الدم الحرام، واستحلوا أخذ أموال المسلمين   بحجة قتال الجماعات المنحرفة   وأشاعوا الخوف وعدم الاستقرار. وقدّموا  للعالم صورةً قاتمة عن الإسلام وأهله، فلا للإسلام نصَروا، ولا للكفر كسَروا .

 

 

 

 

 

مخالفات تنظيم الدولة – داعش-

إن إطلاق وصف ، الدولة الإسلامية ، على داعش خطأ فادح، لمخالفة هذا التنظيم القيم الإسلامية والإنسانية ، ومقاصد الشريعة     الإسلامية ، ولأنه يشكّل خطراً على الإسلام   ويشوّه صورته ، ويعطي أعداء الإسلام الفرصة ، لتدمير المسلمين ، والتدخل في شؤونهم ، بدعوى الحرب على الإرهاب وإعلان التنظيم للخلافة ، هو لغو لا مضمون له ، إذ لا يمكن أن يكون لدولة الخلافة وجود     بدون سلطان حقيقي على الأرض ، والواجب على من يريد إعلان الخلافة في منطقة ما ، أن يتبع طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومنها أن يكون له سلطان ظاهر في تلك المنطقة ، يحفظ فيه أمنه في الداخل والخارج، وأن يكون فيها مقومات الدولة في المنطقة ، التي تعلن فيها الخلافة ، ومن منا لا يتمنى رجوع الخلافة وكسر الحدود ، ورفع رايات التوحيد وتنكيس رايات التنديد .  

إن الفظائع التي يرتكبها التنظيم ، تذكرنا بما فعله التتار والمغول ، حين دخلوا المدن الإسلامية ، وما هذه الفظائع التي ترتكب   إلا لإشباع رغبة القائمين على تنظيم داعش   إذ أصبحت رؤية الرؤوس المقطوعة ، عامل نشوة لهم ، كمدمني المخدرات، ومن ثم التأثير على الناس ، حتى يأتمروا بأمرهم ، وينضووا تحت سلطانهم ، بالإضافة إلى رفع معنويات المقاتلين في صفوفهم ، وإيصال رسالة لأعداء التنظيم ، بأن جزاء من يعاديهم ويحاربهم      قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث ، فضلاً عن شن حرب الأعصاب ، باستخدام وسائل الإعلام المختلفة ، حتى تصل أخبارهم لجميع أنحاء العالم .

إن تنظيم داعش قد ارتكب جرمًا كبيرًا   باستدلاله بشطر من الحديث النبوي الذي رواه الإمام أحمد وغيره  وفيه: ( اسْتَمِعوا يا مَعْشَرَ قُريشٍ، أما والَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِه لقد جِئْتُكم بالذَّبْحِ ) . فذهبوا في فهمها مذهبًا غريبًا لا أساس له ، إذ زعم هذا التنظيم الإرهابي ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل الذبح والقتل شعارًا لهذا الدين، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من هذا الفهم المنحرف، الذي سوغوا به لأنفسهم قطع الرقاب، وذبح الآدميين بصورة بشعة ، لا يرضاه الله ولا يقره دين ، بل إن الشرع ينكره أشد الإنكار ، إذ لم يرد نص شرعي صحيح صريح يدل على جواز ذبح العدو حياً، فضلاً عن أن يكون سنة نبوية متَّبعة! بل إن النصوص ، وردت بالتفريق بين القتل والذبح، وجعلت الذبح خاصًّا بالبهائم والطيور للتذكية ، لا في كيفية قتل معارضيه  الذي لا يمتُّ للإسلام بأدنى صلة، لقد وضع الإسلام قواعد للقتال، وأخرى لطريقة التعامل مع الأسير والجريح والمدني والمحارب، كما نهى عن التمثيل بالقتلى. وما يفعله هذا التنظيم  يندرج تحت قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ إنهم يجاهرون العداء لله ورسوله، من خلال عمليات القتل بغير الحق، والتمثيل بالجثث، والإفساد في الأرض .

إن أفعالهم هذه تكشف عن نفوس مريضةٍ مجرمة ، وقلوبٍ قاسيةٍ متحجرةٍ، اتخذت الغلو والوحشية ، مطية لها في تنفيذ مآربها، وبلوغ مقاصدها ، وقد توعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) قال :   قتل عاد ، أي قتلاً عاماً مستأصلاً كما فسرها الإمام النووي ، فقد وعد الله لمن قتلهم أو قتلوه: طوبى! وأجر شهيدين.

والحقيقة أن الأمر يتجاوز مسألة الانتقام وردود الأفعال , فحرق البيوت وقتل الرجال وسبي النساء وتدمير المساجد ونسفها    ترتكب تحت الراية التي تحمل اسم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، علماً بأن الجرائم البشعة والقتل الذي يمارسونه ، هو من أهم الأهداف التي وضعها كيسنجر ، لقتل أكبر عدد من العرب والمسلمين ، فأسسوا القاعدة وداعش   ليكونوا أمضى سلاح ، لقتل وتشريد المسلمين من أوطانهم ، ولإعطاء الشرعية للتدخل في بلدانهم ، والأهم هو تشويه الإسلام ، بكل الطرق للحد من اعتناق الإسلام في أوروبا وأمريكا ، والذي يشكل أكبر خطر يهدد خططهم ومشاريعهم للسيطرة على العالم .

إنهم يقتلون ويسفكون دماء الأبرياء باسم الدين ، وما أفعالهم إلا خير دليل على براءة الإسلام منهم ، بل إن أفعالهم تتنافى مع العقل   وتتصادم مع العواطف، فمن يريد نشر الإسلام لا يشوه صورته ، ويغتال حقيقته  قال تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون* وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ البقرة . فداعش ليس دولة، وإذا كان دولة، فهي ليست إسلامية، لأن الإسلام ، لا يعرف في مقاصده العليا، ولا في أصوله الأولى، قتلا ولا عنفا، ولا يحرض على ذلك بالنسبة لأي إنسان ، مهما كانت ديانته   فالدين الإسلامي دين رحمة ، وسلام وأمن   ولا يتصور أي عارف ، ولو معرفة سطحية بالإسلام ، أنه يقر هذه الأفعال الإجرامية فضلًا عن أن يأمر بها ، وما يقوم به التنظيم     يثبت بما لا يدع للشك ، أنهم التتار الجدد الذي يستلهمون أفعال وأرواح المغول الأولين   من تدميرٍ لبلاد الإسلام والمسلمين ، إنهم   أدواتٍ في أيدي أعدائنا للقضاء على الحضارة الإسلامية والعربية  الممتدة عبر القرون .

ولا يفوتنا أن نذكّر بأن الذين يظهرون الإخلاص من عصابة داعش ، ليسوا هم من يملك القرار ، والمخلصين منهم ، يحترقون لأجل قرار غير المخلصين ، الذين ذبحوا الآمال واعتقدوا أن بأيديهم الآجال، فساءت منهم الأقوال والأفعال ، التي تنهد لها رواسي الجبال   فساقوا الأوطان ، إلى مذابح الشيطان   واحتكروا لأنفسهم الدين ،واحتقروا عامة المسلمين ، فما تنفعهم شفاعة الشافعين   فأعملوا في صفوف الناس التكفير، وجعلوا من أنفسهم مطية للتفجير ، زاعمين أنها ثورات للتغيير ،فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حُمل إليه رأس كافر بعد قطعه، ولا أنه أمر بحزِّ الرؤوس، بل إن النصوص الشرعية لم تؤسس لمثل هذه العقيدة ، التي ينتهجها التنظيم في القتل والذبح والتمثيل ، ويوم فتح مكة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذبح وإنما قال : ( ما تظنون أني فاعل بكم ، قالوا أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ، قال : (اذهبوا فانتم الطلقاء )  

 

 

 

 

 السلام والاستسلام

السلام يعني الاستعداد واتخاذ كل الوسائل المادية والمعنوية التي ترهب العدو ، وتمنعه من الاعتداء والمحاربة والقتال ، الذي يهدد النفس والعقيدة والأوطان ، ومبادئ الإسلام ترحب بالسلام ، الذي يعطى كل ذي حق حقه  ويرد الظالم عن ظلمه ، ولا يرحب بالسلام الذي تُملى فيه علينا تصرفاتنا ، وتُعطى الأوامر ، بحيث نطأطأ رؤوسنا ، ونوافق عليها مجبرين ، دون القدرة على التغيير أو التبديل   وعندما تُفرض علينا شروط السلام فرضا  بالتهديد والوعيد لمن يخالفها ، فهذا ليس سلاما ، وإنما هو استسلام ، لأن السلام ، لا يمكن أن يتحقق ، إلا ونحن في كامل القوة   والقدرة على التفاوض ، لأن السلم الذي تُفْرَضُ شروطه فرضاًَ ، سلم رخيص حذرنا الله منه فقال: ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ﴾ محمد 35 ، فكل سلام يهدف إلى رفع معنويات شعوب   وتحطيم شعوب أخرى ، ليس سلاما ، وإنما هو استسلام ، لا تقره مبادئ الإسلام ، التي تفرض على المسلمين الدفاع ، عما أحتل من الأرض ، ويكون الجهاد فرض عين ، والنفير العام ، فرض على كل مسلم ، حتى تستعاد أرض المسلمين ، لأن مبادئ الإسلام ، لا تقر القعود عن الجهاد ، لنصرة المبادئ ، وإنقاذ البلاد ، ولهذا تنظر دول الكفر إلى الإسلام   نظرة عداء ، ويعتبرونه العدو الوحيد ، أضف إلى ذلك ، أنه مهدد من أهله ، ومحارب من داخله ، فكيف يتأتى له أن يُخشى بأسه   وإسرائيل تطبق قبضتها على أرض المسلمين ؟ كيف والدول الإسلامية تغرق بأوحال الحروب الداخلية ، والتمويل الأمريكي بالملاين وبالسلاح ، لجميع الفرق المتحاربة  ليقتل بعضها بعضا ؟  

إن المصائب التي تمر بالأمة ، مصائب توقظ النيام ، ولكنها كالمنافقين قديماً ، الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرّة أو مرّتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون ﴾ التوبة 126 . إننا لا ننتصر ، ما دمنا بعيدين عن الإسلام ،وما دام الإسلام مبعداً عن التشريع والتثقيف ، وما دامت الأمة لا تفكر بالجهاد ، فإن الله ، لا ولن يتولى عنها ضرب اليهود ، أو دول الكفر ، التي تتآمر على المسلمين ، ولن يكون هناك نصر من الله   وإن صلينا له ، ودعوناه ورجوناه ، ولن تكون هناك عزّة ، إلا يوم أن يكون دستورنا كتاب الله ، وقدوتنا رسول الله ، وألا نستجيب لدعاة الإرجاف والانهزام ، الذين يروجون للاستسلام الذليل للعدو الإسرائيلي   الذي قام منذ يومه الأول ، على الدماء والأشلاء  واغتصاب الأراضي ، وهتك الأعراض ، كيف لنا أن ننسى ذلك ، ونضع أيدينا في يده الملوثة ؟ كيف ننسى عشرات المذابح ، عبر تاريخه الدموي الأسود ؟  وما يزال يتحين الفرص للقضاء علينا : فهم ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ التوبة10.

وهل نتعامى عن هذا تحت دعوى الواقعية؟ مع أن الواقعية ، هي التي تفرض علينا أن نقرأ تاريخهم الأسود ، وأن نقاوم أحلامهم ، وأن نعرف ماذا يريدون بنا ، وليس من الواقعية  أن نضفي الشرعية ، على اغتصابهم لفلسطين  باسم دفع مسيرة السلام! وليس من الواقعية استقبال ممثليهم بحفاوة، أو الجلوس معهم في المؤتمرات والندوات واللقاءات ، لأنهم يستغلون ذلك أسوأ استغلال   حين يعلنون  أن لهم أنصارا وأصدقاء منا ، يؤيدون اعتدائهم ، بل الواقعية أن نقوي روح المقاومة  ونرفض الاستسلام ، وحتى يتحقق ذلك   لابد للإسلام من نظام ، ولا بد له من قوة   حتى تكون له هيبته وصولته ، في نفوس أعدائه ، وفي الدفاع عن معتنقيه ، وتوفير الأمن والحماية لهم ، وفي هذا الصدد يقول على بن طالب رضي الله عنه : " أما بعد فإن الجهاد ، بابٌ من أبواب الجنة ، فتحة الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجُنتّه الوثيقة   فمن تركة رغبة عنه ، ألبسة الله ثوب الذُل   وشَمْلةَ البلاء " .

إن الواقع الفاسد ، الذي تعيشه مجتمعاتنا هذه الأيام ، يؤلمنا بعد أن أصبحنا لا نقوى على دفع القضاء وردِّ البلاء ، والذود عن كرامتنا ومستقبل أمتنا ، حيث يبني أعداؤنا ونهدم  ويدنسون مقدساتنا ، ويحتلون أرضنا  ويشردون ويضايقون أهلنا ، بالمطاردة والتجويع والسجن والقتل ، ولا حيلة لنا أمام صلفهم وكبريائهم ، إلا أن نلقاهم بالشعارات والمهاترات ، ونزيف الدم العربي بالأيدي العربية ، حتى أصبحنا نَلمْسُ بأن أبناء ديننا  يقومون بوظيفة أعدائنا ، في الملاحقة والاعتقال والسجن ، إرضاءً لرغبة عدونا وخدمته ، إن أعداءنا يخططون لعشراتٍ من السنين القادمة   ونحن نجترُّ مآسينا ، فلا عمل ولا تخطيط ، حتى أصبحت أُمتنا ضائعةً  مشلولة مفككة الأوصال ، لأنها تنكرت لماضيها ، وأنكرت حاضرها ، ولعنت مستقبلها ، لدرجة أن الكوارث والأزمات   أصبحت لا تحرك همةً ، ولا تثير عزيمة ، لقهر العدوّ الجاثم على أرضنا ، وهنا نتساءل : لماذا لا نجمعُ قوانا ، ونعبئ طاقاتنا ، ونوحِدُ صُفُوفَنا   ونعلن الجهاد في سبيل الله   ونستعلي على مُتَع الدنيا ، ونستخِفُ بوعيد العدو لوعيد الله ، قيل لأعرابي : أيما أحبُ إليك ، أن تلقى الله ظالما أو مظلوما ؟ قال : ظالما ، قيل له ويحك ولم ؟ قال ما عذري إذا قال لي خلفتك قوياً ثم جئت تستعدي؟ " فالإسلام لا يعادي أحدا ، وإنما يعادي الجور والفساد والفحشاء ، وإن وجد مظلوم ، فمن الواجب أن يُنْتصر له ، وتُسْتَرد حقوقه المغصوبة ، التي استبد بها الطغاةُ بغياً وعدواناً   وبهذا نطق القرآن : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ النساء 75 .

إن الإسلام يوجب على الجماعة المسلمة ، أن تدفع بالقوة ، من يتعرض لها بالأذى ، ضماناً لحرية العقيدة ، وإقراراً لمنهج الله في الحياة   وتحطيماً للقوى التي تعترض طريق الدعوة  وفي حدود هذه المبادئ  ،كان الجهاد في الإسلام  يأمر به ويُقِره ويُثيبُ عليه ، ويعتبرُ الذين يقتلون فيه شهداء ، كان الواحد من السلف يخرج وحده للقاء جيش بكامله  فيخشى علية صَحْبُه من هلاكٍ مؤكد  فيجيئونه بابنه ، عسى أن يراه فيحن إليه  فيُثنيه عن عزمه ، أتدرون ماذا كان يقول ؟

هل يتخاذل أو يتقاعس ؟ أم يختلق لنفسه المعاذير؟ وهل يتخلف عما يراه جهاداً في سبيل الله ؟ لا إنه ليس بهذا ولا ذاك ، بل كان يقول لمن جاءوه بابنه ، رجاء أن يُثنوه عن حلمه الذي يعيش من أجله ، ويموت من أجله "والله يا قوم إني إلى طعنةٍ نافذةٍ ، أتقلب فيها على كعوب الرماح   أحبُّ إليَّ من ابني "وها هي المقاومة ، تخرِّج لنا من أمثال هؤلاء   الذين رفضوا الذلة لإسرائيل ، والموافقة على شروطها الجائرة ، غير مبالين بدعوات المثبطين   ولا بالقرارات والإدانات ، الصادرة من هنا وهناك   لصالح إسرائيل ، التي لا تفكر إلا بما يمليه عليها معتقدها ، الذي لا يؤمن إلا بالسلام ، الذي يتناسب مع مصالحها وأهدافها ، بعيدا عن معنى السلام  فجميع المعاهدات المبرمة بين إسرائيل وجيرانها ، ما كانت إلا لتحقيق حلمها ، بأي وسيلة كانت  سواء بالعمل الحربي ، أو بسلام صوري ، لأن مبدأ السلام ، غير موجود بالعقيدة الصهيونية منذ تأسيسها ، والمتتبع لمعاهدات السلام مع إسرائيل ، يلاحظ أن هدفها الرئيسي ، حماية إسرائيل ، وتكريس الاحتلال ، والمحافظة على أمنها ، وأمن مواطنيها    على حساب أمن دول الجوار ، مما يدل على أن معاهدات السلام ، لم تكن من أجل مفهوم السلام   بقدر ما هي صورة إسرائيلية ، لنموذج استسلام وهزيمة ، بأقل التكاليف ، ومطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة .

إن إسرائيل لا تريد سلاما ، ولا تريد استسلام ، ولا تريد التنازل عن أي شيء   لأنها تريد كل شيء   وهي تمارس حرب إبادة واستنزاف ، للشعب الفلسطيني , رغم وجود المقاومة , التي لو تخلى عنها  الفلسطينيون لرمي بهم بالبحر ، وسلام هذا واقعه ، يتنافى مع طبيعة السلام في الإسلام ، الذي لا يكون بترك القتال ، على حساب المبادئ التي أرادها الله في الأرض لبني الإنسان ، وهذا ما حذَّرنا الله منه فقال :﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون والله معكم ﴾ محمد 35 . قال الأعلون ، لأن المسلمين يمثلون الصورة العليا للحياة ، والتي لا بد لها من النصر ، حين يؤمنون بها ، تحقيقاً لوعد الله ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ .

إن دعاة الإسلام في جهاد دائم ، لا ينقطع أبدا  لتحقيق كلمة الله في الأرض ، وهم مكلفون ألا يهادنوا قوى الطاغوت ، على وجه هذه الأرض ، وألا يفتروا عن مجاهدتها  ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا   وألا يعاونوها  ويقفوا في صفها بحال من الأحوال ، قال تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الاستبداد رأس المصائب

 لقد عانت الأمة من فترات الاستبداد، التي تمسك فيها المستبدون ، بالحكم بيد من حديد  فاستبدوا بأهوائهم وآرائهم ، سئل مروانُ بنُ محمد آخرُ ملوك بني أمية: " ما الذي أضعف مُلْكَك بعد قوة السلطان وثبات الأركان؟ فقال: الاستبدادُ برأيي ". فحين يفرض الحاكم المستبدُّ على الأمةِ ألَّا تسمعَ إلا له ، وألَّا تسيرَ إلا خلفه ، ويمنعُها أن تبديَ آراءَها ، ويسلبُها حريَّتَها وكرامتَها، وحين يبيع قضاياها الكبرى رخيصةً لعدوها، وحين يفرض عليها ما يريد  ولا يسمح لها أن تُبْدِيَ رأيَها؛ عندها تسقط الأمةُ وتنهار، ولا تصمدَ أمام أعدئها .  

هناك فارق كبير ، بين شعبٍ يُحكَم بمنهج الله حيث الشورى والعدل، وبين شعبٍ يُحكَم بالبطش والاستبداد ، ولا مجال للمقارنة ، بين دولةٍ أساسُ الحكم فيها الترهيب والسجنُ والتعذيب ، ودولةٍ يقول حاكمُها لوُلاته - عمر بن الخطاب- :" يَا أَيُّها النَّاسُ ! إنَّ اللهَ عَظَّم حَقَّه فوقَ حقِّ خلقِه فقَالَ  : ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ آل عمران80 ، أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْكُمْ أُمَرَاءَ وَلَا جَبَّارِينَ ، ولكِنْ بَعَثْتُكُمْ أَئِمَّةَ الهُدَي، يُهْتَدَي بِكُمْ ، أدِرُّوا على المسلمين حقوقَهم، ولاَ تَضْرِبُوهم فَتُذِلُّوهُمْ، وَلاَ تُجَمِّرُوهُمْ -أي لا تحبسوهم بغير حق- فَتَفْتِنُوهُمْ، ولا تُغْلِقُوا الأَبْوَابَ دونَهم ، فَيَأْكُلَ قَوِيُّهم ضَعِيفَهم، ولا تَسْتَأْثِرُوا عليهم فتَظْلِمُوهُم، ولا تَجْهَلُوا عليهم ". وما أروعَ قولَه : " أَيُّهَا الرُّعَاءُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْمٍ ، أَحَبَّ إِلَى اللهِ ، وَلَا أَعَمَّ نَفْعاً ، مِنْ حِلْمِ إِمَامٍ وَرِفْقِهِ، وَلَيْسَ مِنْ جَهْلٍ أَبْغَضَ إِلَى اللهِ ، وَأَعَمَّ ضَرَراً ، مِنْ جَهْلِ إِمَامٍ وَفَرَقَهِ(يعني شدته) وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذْ بِالْعَافِيَةِ فِيمَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ ، يُعْطَ العَافِيَةَ مِنْ فَوْقِه ". عملاً بقوله صلي الله عليه وسلم : ( إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِم الحُلَمَاءَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي السُّمَحَاءِ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ بَلَاءً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِم السُّفَهَاءَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي البُخَلَاءِ. أَلَا مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ ، رَفَقَ اللهُ بِهِ يَوْمَ حَاجَتِهِ، وَمَن احْتَجَبَ عَنْهُمْ دُونَ حَوَائِجِهِمْ احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ ، دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ ) . وقال صلي الله عليه وسلم : ( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا . وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا" ، إن الأمةً التي تخالف هذه المبادئَ الإنسانيةَ العاليةَ ، وهذه القيمَ الربانية الرفيعة  لن يكون لها شأنٌ أو كيانٌ يستحق الاحترام  وهل يمكنُ لظالمٍ متجبِّرٍ مستبِدٍّ ، ومظلومٍ محرومٍ  أُشرب قلبُه الذُّلَّ ، وسكنَ إلى الأوضاعِ الفاسدةِ ، أن يقيما أمةً لها شأنٌ ، ودولةً لها كيان محترم!!ذلك حُلْمُ المغرورين وأمنيةُ البطَّالين، وما هو إلا ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يحسبُه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجدْه شيئاً ﴾ ولكنه وجد الضياع والانهيار. فهذا الإمامُ أبو يوسف القاضي ، يقول لهارونَ الرشيدَ : " ليس يلبث البنيانُ -إذا أُسِّس على غير التقوى- أنْ يأتِيَهُ اللهُ من القواعِدِ فيهدمَه على مَنْ بَنَاهُ وأعانَ عليه، فلا تُضَيِّعنَّ ما قلَّدك الله من أمر هذه الأمة والرعية، فإنَّ القوةَ في العمل بإذن الله " . توجيهات ونصائح ، تنهى عن الاستبدادَ ، الذي يُعَجِّل بانهيار الأمم وسقوط المجتمعات ، لأنه أصلٌ لكلّ فسادٍ، لأن المستبدّ يضغطُ على العقول فيفسدُها، ويتلاعبُ بالدّين فيفسدُه ، ويحاربُ العلمَ فيفسدُه ، فترى المستبدين ، يسعون لإطفاء نور العلم  ويطاردون رجالَه ، وينكّلون بهم ، ولا يسمح للدعاة ، أن يأمروا إلا بالمعروف الذي لا ينال من إطلاق يدهم ، ولا ينهى عن منكر ينال من أخطائهم ، وأن يقتصرَ نشاط الدعاة   كما هو حال البعض ، على الشعائرِ التعبديةِ  والفضائلِ الفرديةِ ، الخاويةِ من الروح ، وإقناع الناس ، على أنها هي الدينُ كله ، مما أدى إلى التعلُّق بالغيبيات ، والحديث عن النبوءات واقبل البعض على قراءة المستقبلِ ، من خلال النصوصِ ، التي تتحدث عما يكون من فتنٍ وأحداث؛ فِرارًا من الحديث عمَّا كان ، وعمَّا هو كائنٌ ، من فسادٍ وانحراف، يصاحبُ ذلك إهمالُ المظهر الاجتماعي ، الذي يُسوِّي بين جميع أفراد الأمة ، وما يصاحبه من تَرْكُ الانشغال بالقضايا التي تقرر مصيرَ الأمة.

 مما أدى إلى سقوط أسباب خيرية الأمة التي حدَّدها الله في قوله تعالى : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ آل عمران 110 . كما أدى إلى تبدل سلّم القيم ، لتصبح القوةُ فوق الفكر   فيُسْتَبعدُ أهلُ الفكر، وتُنفِذ المؤسساتِ القانونيةِ إرادة السلطةِ المستبدة؛ بدلاً من تطبيق منهج الله والحدودِ الشرعية، لتحقيق مصالح الأمة ولتصبح وظيفة المؤسسات الأمنية ، ملاحقة معارضي الاستبداد ، والتنكيل بخصومه ، بدلاً من ملاحقة المفسدين ، ومتابعة عصابات المجرمين ، يساندهم المنافقون ، الذين يستخدمون علمهم في تبرير الفساد ، والتماس الأعذار لذلك ، كما عمل المستبدون ، على قطع صلات النصح ، بين أولي العلم ، وأولي الأمر ، فاهتزت مكانةُ العدل في الأمة  وفقدت قِيَمُ الشريعة فاعليتَها وتأثيرها وأصبحت مجردَ تراثٍ يأخذ منه الظالمون ، ما يبرر ظلمهم واستبدادَهم .

وفي ظل الاستبداد نرى بعضاً من أهل العلم ينتقي من نصوص الشريعه وأدلتها ، ما يبرِّر تصرفاتِ المستبدِّين الضالَّةَ ، وأوضاعَهم المنحرفةَ، فيبررون جوْرَهم وقسوتَهم على الأمة    ويبررون تفريطَهم وتخاذُلَهم أمام عدوِّهم ، على أنه من باب السياسة الشرعية، ويكون الصوت العالي للفتاوى التي تتناول حقوقَ الحاكم ووجوبَ السمع والطاعة له ، وتَحَمُّل الإمامِ المستبد ؛ خوفًا من فتنةٍ تدوم، كما تُسْتَخْرَج النصوصُ التي تُكَرِّسُ الخنوعَ للذلِّ، وتبرِّرُ الخضوعَ للظلمة. وتُغَيَّبُ النصوص والوقائع التي تدعو إلى مواجهةدالظلم، ونصح الظالم وتُكَرِّس مواجهةَ السلطانِ الجائرِ بالحقِّ   باعتبارهِ أعظمَ الجهاد ، وتنهى عن الطاعة في غير المعروف أو الطاعة في معصية الله  ويصفون المعارضةَ السياسية لهم، بالخروج والبغي، وينعتون النصيحةَ الشرعية لهم بالتمرد  ويستحق المعارض الناصح  الموتَ ، وبهذا يتحول رجالُ الفكر ، إلى التعلق بالرسوم والأشكال في الدين ، وتصبح مهمة أهل العلم تبرير المستبد وتصديقه، وهو ما حذَّر منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ورواه عدة من أصحابه     منهم كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رضي الله عنه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يَا كَعْبُ بن عُجْرَةَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ ، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟، قَالَ: أُمَرَاءُ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ  فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ، بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ  وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ ) . ترهيبٌ غليظ ، للمستبد ولمن يزينون له استبداده، ويروِّجون مظالمه، كما دلت النصوص الشرعية على إنكار أساليب العسف  التي يلجأ إليها المستبدون ، لاستدامة حكمهم  واستتباب الأمر لهم ، وتحرم أن يُضْرب إنسان أو يسفك دمه ظلماً ، وركزت على كل ما يصون الكرامات، ويقدس الدماء والأموال والأعراض ، حتى تسود الطمأنينة في بلاد الإسلام ، ورحم الله الكواكبي الذي صور الاستبداد بأنه أعظم بلاء، يتعجَّل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتَّى يتوبوا . إنه أعظم بلاء؛ لأنَّه وباء دائم بالفتن ، وجَدْبٌ مستمرٌّ بتعطيل الأعمال وحريقٌ متواصلٌ ، بالسَّلب والغصْب، وسيْلٌ جارفٌ للعمران ، وخوفٌ يقطع القلوب  وظلامٌ يعمي الأبصار ، وألمٌ لا يفتر، وصائلٌ لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي. وإذا سأل سائلٌ: لماذا يبتلي الله عبادَه بالمستبدِّين؟ فأبلغُ جواب مُسْكِت هو: إنَّ الله عادلٌ لا يظلم أحداً، فلا يُولَّى المستبدّ إلا على المستبدِّين. ولو نظر السّائل نظرة الحكيم المدقِّق ، لوجد كُلَّ فرد من أفراد الاستبداد ، مُستبدّاً في نفسه، لو يستطيع لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كُلَّهم ، تابعين لرأيه وأمره. ومن المسلمات فإن المستبدُّين يتولاهم المستبدّ، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح لمعنى قول القائل :"كما تكونوا يُولَّى عليكم ".

 

 

خطر الحضارة الغربية وأفكارها

إن الفقر والتفرق والتقهقر وعدم الاستفادة من العقول ، ومن الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين جعل الحضارة الغربية ، تلتف على العالم الإسلامي ، فاستحوذت على كل ما يتطلع إليه من الأمور ، التي تجعله يرضخ لهم طوعاً أو كرها للحصول على ما يريدون ، وقد صرح ساستهم في أكثر من مناسبة ، بأن عدو حضارة الغرب هم المسلمون والإسلام ، الذي يجب تطويره   كشرط لمسايرة الحضارة الغربية ، ومن هنا وقع الكثير من الكتاب المسلمين ، بدعوى مسايرة أحكام الشريعة الإسلامية ، للأحكام الوضعية الغربية ، فخُدِعُوا وخَدَعوا غيرهم ، يوم أوقفوا أنفسهم ، للاعتذار عن الإسلام ، أمام كل قضية يخالف فيها الإسلام ، ما نادت به الحضارة الغربية   فقالوا باشتراكية الإسلام ، يوم ظهرت الاشتراكية   وقالوا الإسلام ديمقراطي ، عندما ظهرت الديمقراطية ، وتكلموا  عن الإسلام ، بما لم يحيطوا بعلمه ، فمنهم الماكر المخادع ، ومنهم من كان عن حسن قصد ، كي يدفع عن الإسلام تهمة عدم التطور ، وصفة الرجعية ، التي وصفوا بها الإسلام ، دفاع المتقهقر غير الواثق بدينه ، لا دفاع المتيقن الثابت.

وقد بذل الكثير من المسلمين ، كل جهد من أجل مواكبة الحضارة الغربية ، فكانت العاقبة ما نراه   من تفشي الأوضاع الفاسدة , وانتشار الرذائل الغربية ، في أكثر الأقطار الإسلامية ، والمصيبة الكبرى في إقصاء الشريعة الإسلامية، والاحتيال لتمييع أحكامها عمدا ، أو تحت مبررات شخصية 

إننا نعاني من ظاهرة الانبهار ، بما عند أعداء الإسلام، كما نعاني من تكالب أعداء الإسلام     ومن جهل أبنائه ، وكيد أعدائه ، وحلول الكوارث والهزائم ، على أيدي اليهود والنصارى   والملاحدة ، فتداعت علينا الأمم ، كما تداعى الأكلة على قصعتها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم    وصارت كثرة المسلمين ، غثاءاً كغثاء السيل     يستمدون من الشرق والغرب ، قوانين معيشتهم ويطبقون أفكارهم الضالة ، ويحكّمون دساتيرهم الوضعية ، فصار حالهم كحال العيس التي أخبر عنها الشاعر بقوله:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ   والماء فوق ظهورها محمول

فلا هم بقوا على دينهم يعتزون به ، ويفتخرون بالانتماء إليه، ولا هم وصلوا إلى ما وصل إليه أعداؤهم ، من التقدم المادي، فكانت النتيجة أنهم خسروا دينهم ودنياهم ،  وبدل أن يرجعوا إلى دينهم مصدر عزهم ومجدهم ، إذا هم يحمّلون الإسلام تبعة فشلهم ، يحكُمون على الإسلام  وهم لا يحكّمونه، ويتهجّمون عليه ، وهم لا يعرفونه ، ولم يجربوه في حياتهم اليومية،  بل إن أعداء الإسلام ، يطالبونهم بإقصائه ، وإحلال مذاهبهم المختلفة محله، زاعمين أن تطبيق الشريعة الإسلامية تأخر ورجعية ، ونبذها تقدم وتطور  وصدّق ذلك الجاهلون ، فإذا بهم يصيحون إلى جانب سفاكي دمائهم بمثل صيحاتهم ، متناسين أن الشريعة الإسلامية ، كاملة لا ينقصها شيء  وقد شهد الله لها بذلك قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾المائدة 3 ، أكمل الله بالإسلام الدين ، وأتم به النعمة ، ورضيه لعباده .      

فكان هدي الإسلام في العقيدة ، وفي الأحكام والعقوبات ، واضح ورادع، في كل شأن من شئون الحياة ، فلماذا لم يطبقوه ، ليعيشوا الحياة السعيدة الخالية من الشقاء والحرمان ، والذل والتبعية ، ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ألم يعلم المنهزمون من المسلمين ، أن أهل الحضارات القديمة قد تركوا حضاراتهم ، حينما عرفوا الحضارة الإسلامية ، وترك أهل الديانات دياناتهم   وصاروا جنودا لحماية الإسلام والدفاع عنه ، ألم يعلموا أن الله أعز أسلافهم بالدين حينما حكّموه   

أما آن للمسلمين أن يفيقوا من غفلتهم ، وأن يعلموا أن عزهم ومجدهم ، ودوام حكمهم ، هو في تطبيق منهج الله ، ألم يعلموا أن في قتل القاتل حياة لبقية الناس، وفي قطع يد السارق أمان للأموال ، لتبقى محفوظة لأهلها ، دون تعد عليها  وأن في تحريم الربا والغش ، مفخرة للإسلام ، وفي تحريم الخمر، حفظ للعقول، وفي رجم الزاني   حفظ للأعراض ، وصيانة للأنساب   وبُعدٍ عن الأمراض ، أما علموا أن في تطبيق منهج الله   الخير والسعادة ، والخلاص من الظلم الصارخ   والغش المبين ، وإذا علموا فلماذا  أقصيت الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين ، ومنع الدعاة ورجال الفكر ، من طرق الجوانب التي تمس معالجة الإسلام ، للقوانين المدنية المستوردة  ومنعوا كذلك ، من توضيح خطورة المذاهب الفكرية الضالة، وحددت فيها العقوبات الصارمة بحجة أن طرقها ، يفضي إلى التدخل في السياسة العامة للدولة، أو هو خروج عليها، ومن خرج على الدولة ، فقد أخل بالأمن ، وناصب الشعب العداء ، وقد سمعنا عن القرارات العاجلة التي تصدر بمعاقبة كل من يجرؤ على مخالفة النظام العام للدولة ، مما يدل على أن حرية الكلمة التي يتشدقون بأنها مضمونة لكل أفراد الشعب ، ما هي إلا حيل وتضليل، والشعب بريء من تلك الحيل الإجرامية ، لعملاء أعداء الإسلام من العلمانيين وغيرهم ، الذين لم يكفوا عن تشويه صورة الإسلام الناصعة، عندما ربطوا كل صورة من صور التأخر ، والتخلف الحضاري والمدني   بالتمسك بالإسلام ، وترك مذاهبهم التي هي حبل النجاة بزعمهم، فربطوا كل صورة من صور التقدم والنهوض ، والعيش الرغيد ، بالتمسك بمذاهبهم وأفكارهم .

قرأت عن بعض الاحتفالات ، ببعض الذكريات الخرافية ، أنهم يأتون بكلام عن الحضارة الغربية وتفوقها، ثم تأتي طائرات تهز الأرض ، ثم يخلفها رجل عربي  يركب حمارا، وأحيانا يركب جملا   وعليه أغراضه، ثم تتكرر مناظر كثيرة ، كأنها تقول : انظروا إلى ما عندنا أيها المسلمون    وانظروا إلى ما عندكم، وإذا جاز لنا أن نعذرهم لأنهم لم يقرأوا قوله تعالى:﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ الأنفال60 وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)    مسلم ، وغير ذلك من النصوص التي يجهلونها، وإذا جاز لنا أن نعذرهم، فبأي وجه نعذر من يدعي الإسلام ، ويقرأ تلك النصوص ، ثم يرجع باللائمة على الإسلام وتعاليمه ، وكأنه يقول : لن نكون أمة صناعية ، إلا أن نتخلى عن ديننا لنصبح أمة صناعية؟ ، ولن نكون أمة متحضّرة إلا عن الأخلاق الفاضلة  ، والسلوك الحسن   وضياع القيم ، يأتي الجواب تلقائيا ، لأنهم يعرفون أن في فساد الأخلاق ، وضياع القيم تفتيت للروابط الاجتماعية كلها ، فتنتشر الرذائل التي تعجّل بهدم كيان المجتمع ، الذي تنتشر فيه  حيث ينتشر الكذب والغش ، وقطع صلة الأرحام والعداوة والبغضاء ، وعدم الثقة بين الناس واختفاء الأمانة ، وانتشار الدعارة والفجور والمساوئ الكثيرة ، وانتشار الرشوة بكل مظاهرها سرا وجهرا ، بين أصحاب النفوس الضعيفة ، فضاعت الحقوق ، واختلت موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالما ، وصاحب الحق يصبح معتديا ، وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ، ناهيك عن اختلاس الأموال العامة ، بمجرد الحصول عليها بأي سبيل ، إذ لا رادع يردعه عن ذلك ، فنشأ عن ذلك ، الاحتكارات المحرمة شرعا ، والإثراء عن طريقها ، وكذا تهريب المخدرات ، للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق ، هو فساد الفضائل  قال شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

 

 

 

خطر طوائف التشيع الإيراني

إننا نعاني من المذاهب والطوائف ، التي تحارب الإسلام وأهله، بهدف القضاء على الإسلام  أو الحد من انتشاره ، ولذلك فإن الحفاظ على استقرار المجتمع المسلم بأشكاله  القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، أصل شرعي  أوجبته الكثير من النصوص ، وأسست له الكثير من القواعد ، ولذلك لم تختلف المذاهب الإسلامية في أصول الدين وأركانه وقواعده العامة، وإنما كان الخلاف في مسائل فرعية ، اختلف فيها الصحابة ، حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  ومع ذلك كانوا أمة واحدة ، تنشر الإسلام، وتهدي العباد، وتفتح البلاد ، وفي ظل الصراعات والخلافات التي نعيش ، يطلب من المسلمين  أن يعيدوا النظر في مواقفهم ، بسبب دخول إيران على خط الصراعات ، التي تتخذ اتجاها مذهبيا وطائفيا وعرقيا ، بالشكل الذى بات يهدد بتفتيت دول المنطقة إلى دويلات    وهناك تصريحات لمسؤولين إيرانيين ، يؤكدون فكرة الصراع المذهبي الشيعي السنى فقد نقلت وكالات الأنباء تصريحات على يونسي مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية والأقليات ، أمام منتدى «الهوية الإيرانية» بطهران ، قوله: إيران اليوم أصبحت إمبراطورية  كما كانت عبر التاريخ ، وعاصمتها بغداد حاليا معتبرا أن «كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية»،  فإيران تدفع إلى صراع طائفي في المنطقة ، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين تصب في هذا الاتجاه ، فقد اعتبر مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني على رضا زاكاني المقرب من المرشد الإيراني على خامنئي ، بعد اجتياح الحوثيين لصنعاء أن العاصمة اليمنية صنعاء ، أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران، بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد، مبيناً أن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية .

وايران في تكوينها وهويتها الحالية ، هي صنيعة الميراث الصفوي ، ذا النزعة التوسعية، وان كان الالتزام الاسلامي للجمهورية الاسلامية يعزز عوامل الاخوة والتضامن مع دول وشعوب العالم الاسلامي، إلا أن البعد القومي لايران   هو بعد توسعي. فايران تسعى الى ان تكون شريكا فعليا ، في اقتصاديات الخليج ، ومن الاقتصاد ستعمل مستقبلا ، على ان تملك حق الفيتو على سياسات دول الخليج العربية ، هذا الطموح التوسعي ، يقودنا لخطر آخر ينبع من "النزعة التبشيرية المذهبية" للنظام الايراني   الذي يقوم على فكرة الامامية الاثنى عشرية  لذا فإن لإيران جهودا تبشيرية حثيثة في كثير من الدول العربية والاسلامية والافريقية، سواء في سورية ولبنان ومصر واليمن والمغرب العربي وفي شرق وغرب افريقيا ، هناك فرق تبشيرية نشطة ، ومراكز ثقافية وفكرية ، تبذل المال والاعطيات ، في سبيل نشر التشيع ، في قلب المجتمعات السنية. وقد اثمرت هذه الجهود   فهناك قرى سورية كاملة في الشمال والشرق منها ، تتحول الى قرى شيعية، واصبحت الحسينيات ، مشهداً مألوفا في هذه المناطق  كما نجحت ايران  في استدراج التشيع واستنباته ، في غفلة من أهل السنة ، بمخطط مدروس استمر 15 سنة ، والآن يُشْتَمُ الصحابة علنا يوم الجمعة في أربع ولايات نيجيرية ،  عدد سكانها يتجاوز 25 مليون إنسان من مجموع سكان نيجيريا 175 مليون هم مجموع سكان نيجيريا ، وفي عام 2001 م قامت خطتهم على قبول 5000 طالب للدراسة بقم سنويا ، مع ثلاث  تذاكر ذهاباً وإيابا ، وسكن ومكافاءة شهرية .. وتزويج من يرغب منهم ببنات ايرانيات ، من المعروفات بالزينيات ، وهن بنات زنى ، ومجهولات الأبوين  يتم تربيتهن في الحوزات الدينية ، كداعيات للمذهب ، ثم يتم تعيين الخريجين ، في معاهد آل البيت بنيجيريا ، التي يبلغ عددها 25 معهداً ثانويا ، كل معهد يستوعب عشرة آلاف طالب وطالبة ، والتدريس فيها باللغة المحلية ، وىالانجليزية مجانا ، مع التغذية وملابس وكتب ، ويشترطون النجاح في مقررات الفقه الجعفري ، والحديث الاثنى عشري الرافضي إجباريا ، أو يعيد السنة الدراسية ، وبعد خمس سنوات دراسية ، يدخل خريج المعهد الجامعة . والآن يوجد خمس جامعات ايرانية في نيجيريا منها : جامعة آل البيت 189 الف طالب وطالبة ، وجامعة جعفر الصادق 80 الف طالب وطالبة ، وجامعة الإمام الحسين 160 الف طالب وطالبة ، ولا يشترطون التشيع  ولا يمنعون أهل السنة ، بل يشيعونهم بهدؤ ونفَس طويل بالتعليم ، وإن لم يتنبه أهل السنة لهذا الخطر ، فنيجيريا قد تتحول لإيران أخري تطعن خاصرة العالم الإسلامي . رغم أن الإيرانيين الشيعة ، يصرخون دوماً بمعاداة أمريكا وإسرائيل ، ويصرون على التظاهر حتى في مكة المكرمة ضد أمريكا وإسرائيل ، إلا أنهم حافظوا على علاقة تعاون بينهم وبين إسرائيل، منذ بداية ثورة الخميني، فثورة الخميني بقيت تسير على نفس منهج الشاه، الساعي نحو النفوذ والهيمنة في المنطقة ، باستخدام كل الوسائل المتاحة ، ولو كانت تتعارض مع المبادئ المعلنة، فالمصلحة الإيرانية تتقدم على كل شيء حتى على الإسلام!! ومن أفضل ما يساعد على فهم ذلك: كتاب "التحالف الغادر: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة الأمريكية" للكاتب "تريتا بارسي" أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "جون هوبكينز" ، إن المتأمل لكل من إسرائيل وإيران يجد أن عدائهما ، لا يتعدى ظاهرة التصريحات الإعلامية، وأن كلتيهما تلتقي في نقاط عديدة أهمها الهيمنة على المنطقة، وهزيمة العرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا، واستغلال ثرواتهم.

إن المسلمين في مرحلة تستوجب عليهم أن يعيدوا النظر في كثير من المعلومات ، التي تتردد على مسامعهم ، دون أن تستوقفهم للتفكير فيها، فأصبحت العقول كالوعاء ، الذي يستقبل كل شيء ، دون أن يبدي اعتراضًا وتلك الكارثة الكبرى التي أصيب بها المسلمون   فمنذ ثلاثين عاما ، وأمريكا وإسرائيل تهددان إيران ، لكنها تضرب العرب ، لماذا ؟ لأن أكثرمن 30 مليار دولار حجم الإستثمارات الإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية ، رغم الإعلان الرسمي عن عداوات متبادلة . كما ذكرت صحيفة "يدعوت أحرنوت" وأن 200 شركة إسرائيلية على الأقل ، تقيم علاقات تجارية مع إيران ، وأغلبها شركات نفطية تستثمر في مجال الطاقة داخل إيران ، وأن عدد يهود إيران في إسرائيل يتجاوز 200000 يهودي ، يتلقون تعليماتهم من مرجعهم في إيران ، الحاخام الأكبر يديديا شوفط ، المقرب من حكام إيران ، ولهم نفوذ واسع في التجارة والأعمال والمقاولات العامة والسياسة ، ونفوذ أكبر في قيادة جيش اليهود وقد تجاوز عدد كنائس اليهود في طهران وحدها ال 200 معبد يهودي ، بينما أهل السنة في طهران عددهم مليون ونصف ، لا يسمح لهم بالصلاة في مساجدهم ، وليس لهم مسجد في العاصمة طهران ، وأن حلقة الوصل بين إيران وبين حاخامات اليهود ، داخل إسرائيل وأمريكا   هو حاخام إيران ، ويدعى أوريل داويدي سال  ويوجد من بين يهود كندا وبريطانيا وفرنسا   17000 يهودي إيراني ، يملكون شركات نفطية كبرى ، وشركات الأسهم ، ومنهم أعضاء في مجلس العموم "اللوردات" ، وفي  أمريكا تستفيد إيران من يهودها ، عبر اللوبي اليهودي بالضغط على الإدارة الأمريكية لمنع ضرب إيران ، مقابل تعاون مشترك تقدمه إيران لشركات يهودية ، وتبلغ نسبة اليهود الايرانيين 12,000يهودي ، من يهود أمريكا في الولايات المتحدة ، ويشكلون رأس الحربة في اللوبي اليهودي ، ومنهم أعضاء كثر في الكونجرس ومجلس الشيوخ ، وتوجد ليهود إيران إذاعات تبث من داخل إسرائيل ، ومنها إذاعة "راديس" التي تعتبر إذاعة إيرانية متكاملة    كما توجد لديهم إذاعات على نفقة ايران  وتعتبر إيران أكبر دولة تضم تجمعات كبيرة لليهود خارج دولة إسرائيل ، وعددهم يقرب من 30000 يهودي ،لم يقطعوا تواصلهم بأقاربهم في إسرائيل ، وإن كبار حاخامات اليهود في إسرائيل ، هم إيرانيون من أصفهان  ولهم نفوذ واسع داخل المؤسسات الدينية والعسكرية ، ويرتبطون بإيران عبر حاخام معبد أصفهان ، وأن زيرالدفاع الإسرائيلي "شاؤول موفاز" إيراني من يهود أصفهان ، وهو من أشد المعارضين داخل الجيش الإسرائيلي لتوجيه ضربات جوية لمفاعلات إيران النووية ، كما أن الرئيس الإسرائيلي "موشيه كاتساف" إيراني من يهود أصفهان ، وتربطه علاقات ودية وحميمية  مع نجاد والخامنئي ، وقادة الحرس الثوري  لكونه من يهود إيران ، وقد فاق حب اليهود الإسرائيليين لإيران ، أكثر من حبهم لمدينة القدس ، لأن فيها جثمان "بنيامين" شقيق نبي الله يوسف عليه السلام ، يحج إليه يهود العالم     الذين يقدسون إيران أكثرمن فلسطين ، لأنها دولة "شوشندخت" الزوجة اليهودية الوفية للملك "يزدجرد" الأول ، ولها مقام مقدس يحج اليها اليهود من كل العالم ، وإيران بالنسبة لليهود ، هي أرض كورش مخلِّصهم ، وفيها ضريح "استرومردخاي" المقدس ، وفيها توفي ودفن النبي "دانيال" والنبي "حبقوق" وكلهم أنبياء مقدسون عند اليهود . لقد إستطاعت إيران أن تخادع العرب بعداوتها لإسرائيل  وشركات إسرائيل لها الأفضلية في الإستثمارات داخل إيران ، عبر أكثرمن 200 شركة إسرائيلية !! وأن ثلثي الجيش الإسرائيلي هم من يهود إيران ، وأن أكبر المستوطنات فيها يهود إيران  وتعتبرهم إيران مواطنين مهاجرين .

تذكر الروايات التاريخية ، أن مؤسس المذهب الشيعي ، يهودي من أهل اليمن ، إدّعى الإسلام وإسمه "إبن سبأ" ليزرع بذور الفتنة والتفرقة بين المسلمين ، روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ ألْفاً عَلَيْهِم الطَّيَالِسَةُ ﴾. 

 

  

بلادنا فريسة صانعي الإرهاب

نسأل الله أن يهدينا كعرب و مسلمين، أن نعرف طريقنا ونعرف من هم أعدائنا، وأن نعرف أصدقائنا، وأن نعرف من معنا، ومن يقف بجانب عدونا ويعاونه علي تحقيق مآربه التي خطط لها منذ عشرات بل ومئات السنيين ، في الوقت الذي تلاحقت فيه الأحداث سريعة لتكشف لنا بما لا يدع مجالاً للشك ، أن ما نعاني هو من صنع أعداء الله ، وليس هذا فحسب فقد تمكنت الصهيونية والصهاينة في أوربا وأمريكا، من إتقان صناعة وزراعة عملائهم وأدواتهم في بلاد العرب والمسلمين ليحكموها، وينفذوا ما يطلب منهم، لخدمة الصهيونية والصهاينة، فأوكلوا للماسونية بتفريخ جماعات وحركات وأحزاب ، وتنظيمات ونقابات و جمعيات ، لها أول وليس لها آخر  وما فعله اليهود ومنظماتهم الصهيونية، وأعوانهم في فلسطين وما ارتكبوه بحق الفلسطينين  وما زالوا ، ما يؤكد أنهم يسيرون علي خريطة أعدوها بإحكام ليحتلوا العراق ، ويقسموا السودان ،وينتهكوا حرمة ليبيا واليمن وسوريا، ويحيِّدوا مصر وجيشها ، ليحققوا ما قاله ديفيد بن جوريون لوزرائه: إن قوتنا ليست في سلاحنا النووي، بل في تدمير وتفتيت ثلاث دول كبري حولنا، العراق وسوريا ومصر  إلي دويلات متناحرة ، علي أسس دينية وطائفية ، ونجاحنا لا يعتمد علي ذكائنا ، بقدر ما يعتمد علي غباء الطرف الآخر.  وبالنظر لما رأيناه وما نراه رأي العين ، من استثارة الصهيونية وأمريكا ،والعالم بأسره ضدنا كعرب ومسلمين ، ما يدل على أن أمريكا، تعتبر لعبة في أيدي الصهيونية العالمية، وقد يكون من المفيد أن أذكر ما قاله هربرت سبنسرعضو الكونجرس المسيحي  قال :" ان اليهود في بلادنا يسيطرون على كل ما يسيطر على المعدة والعقل الغرائز ،ولم يعد باقيا لدينا في هذا البلد ، إلا أن نغير اسم نيويوك إلى  جيويورك" وبالمناسبة فإن تعــداد نيويــورك يصــل إلى 8 مليون ، منهم 5 مليـون يهودي على الأقل

وهذا يعنى باختصار شديد أن اليهود والصهيونية، هما اللذان يحكمان في الولايات المتحدة الأمريكية ، وها هي إسرائيل تتحكم بالسياسة الخارجية الأمريكية ، من خلال مجموعة من المنظمات ،ومجموعات الضغط المؤثرة على الجهازين التشريعي والتنفيذي من جهة ومن خلال تحكمها بمفردات الحوار السياسي المتعلق بإسرائيل عبر وسائل الإعلام الرئيسية  ومن خلال تحالفها مع الأصوليين المسيحيين المتصهينين الذين ينعمون بدورهم ، بوزنٍ وتأثير سياسي كبير في الحياة الأمريكية.  ولذلك فإن بنيامين فرانكلن لما أدخل اليهود  اولادهم في جهاز المحامين قال: إن خراب امريكا سيكون على أيدي اليهود " وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي السابق بوش لتدمير العراق   وأتى من بعده أوباما ، ليدمر سوريا، وسعى جاهــداً لتدمير مصــر . والسؤال ما هو المطلوب منا حتى نسترد كرامتنا التي أهدرها المنافقون والمتواطئون من أبناء هذه الامة، وما هو المطلوب فعله كي ننال احترام الامم ، ونرفع عنا التسمية المهينة التي أطلقتها علينا غولدا مائير، بأننا أمة نائمة  عندما حرق الصهاينة سنة 1969 المسجد الاقصى قالت يومها : "لم أنم ليلتها وانا اتخيل العرب سيدخلون اسرائيل افواجاً من كل صوب، لكني عندما طلع الصباح ، ولم يحدث شيء ادركت ان باستطاعتنا فعل ما نشاء ، فهذه امة نائمة"، إن علينا أن نطبق منهج الله ، ونعد العدة ونجاهد أعداء الله ، إذا علمنا بأن كل ما يحصل على أرضنا العربية  وعلى شعبنا العربي، هو بفعلٍ وتخطيطٍ من اميركا واسرائيل  كي نبقى في سباتٍ عميق. وما يجري حاليًا في  وطننا العربي الجريح، هو تخطيط مسبق لأجهزة المخابرات الغربية التي تسعى لأن تعيد خارطة الشرق الأوسط من جديد ، من خلال بناء دويلات عدة في المنطقة على أسس مذهبية وطائفية ودينية  بعد تدمير الجيوش العربية واحدًا بعد آخر، ورأينا كيف تم احتلال العراق، وتدمير بنيته العسكرية والمدنية، وكيف تم الانتقال إلى الهدف الثاني بإنهاء الجيش  السوري، وتفكيك بنية الدولة والمجتمع السوري ، لتصل للجيش المصري الذي ينشغل حالياً بالحرب على الجماعات الإسلامية ، وبالتالي تحقيق ما قاله ديفيد بن غوريون: إن قوتنا ليست في سلاحنا النووي؛ قوتنا في تفتيت ثلاث دول كبيرة من حولنا، العراق وسورية ومصر   وقديما قالوا على الرغم من اللعن والطرد :" نحن جديري بوعد الله بإرث هذه الأرض ، وتمكنوا أخيراً بحيل من النصارى لكي يعيدوا القول ويعودوا للعمل لتحقيق ذلك ، وانطلاقا من هذه العبارة، لاحظنا هذا المشروع التسلطي الذي بدأ من فلسطين حتى وصل الى الحال الراهنة التي استبيحت فيها العراق وسوريا  هذا الحال الذي حصل هو شرح عملي لأقوال وتصريحات صدرت منذ قرن مضى والعرب والمسلمون نائمين أو متناومين

في سنة 1937 قال زئيف جابتسكي الذي جاء من روسيا قال: " تريدون إنشاء وطن قومي  إذن عليكم أن تلبسوا الأحذية الثقيلة -أي الجيش – واصنعوا التاريخ ، فكلكم يجب أن يكون جيشاً ، ولا تهتمون من العرب   ستواجهون الاحتجاجات والشجب والاستنكار، وحرق العلم ، دعوهم يسلّون أنفسهم  لكن عليكم شيئاً واحداً ، خذوا الأرض ودعوا لهم الباقي " إذن ما يحدث في بلادنا هو جزء من خطة أبعد  فقد صرّح بيجن يوماً " أن ارض اسرائيل الكاملة هدف لا يقبل المساومة ، وقال: بأن اسرائيل بوضعها الحالي لا تمثّل الا خمس ما يجب أن تكون عليه أرض الآباء والاجداد    ومن ثم يجب العمل على تحرير الأخماس الأربعة الباقية ، وقد كتب في مذكراته:" لن يكون سلام لشعب اسرائيل ولا لأرض اسرائيل حتى ولا للعرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأجمعه ، حتى لو وقّعنا معاهدات صلح ". وقد نقلت الصحف قبل حرب الخليج الاولى تصريحاً للقِس الصهيوني الامريكي جيري فالويل قال:" أُفضل أن يستولي الإسرائيليون على اجزاء من العراق وسوريا وتركيا والسعودية ومصر والسودان وكل لبنان والكويت " وها هي الحرب الدائرة تؤكد أن التحالف اليهودي النصراني لا يلعب، ولا يضّيع وقتاً، فقد دخلت قواتهم قاصدة الفرات وعينها على النيل في مرحلة قادمة، فقد سمعنا كثيراً مقولة:" وطنك يا اسرائيل من الفرات الى النيل " ، كنا ننظر الى هذا القول التاريخي الخطر باستغراب ،ولم نعلم أننا سنشهد تحقق الشطر الأول من هذه المقولة ، فهل نعي أبعاد مسلسل السيطرة المتحقق بانتظام على أرض الواقع العربي الاسلامي ؟ أم يزيد الانتظار حتى تكمل بقية المراحل ، وصولاً الى النيل؟ وهل ندرك خطورة الوضع الذي وصلت اليه أمتنا، والذي يمكن أن تصل اليه في ظل هواننا وذلّنا؟ وهل من المنطق أن نخلد الى التنبؤات التي تتعلق بالمهدي والمسيح المنتظر آخر الزمان ونهمل آيات اعداد العدّة والجهاد

الذي به نستطيع أن نقف في وجه هذه الحملة الظالمة ، وأن نتمسك بعقيدتنا سر قوّتنا، وسر الخوارق التي صنعها المسلمون على مدار التاريخ ، فقد كانت الزاد الحقيقي الذي دفع اسلافنا الى الجهاد والتضحية ، وقد كانت العقيدة عندهم هي الراية التي يجاهد المؤمنون تحت لوائها وينتصرون من أجلها وبها. وحتى ننتصر لا بد من اتخاذ الاسباب بإعداد القوى الروحية والمادية واخذ الحيطة من امرٍ هام جداً، وهو الأمن من مكر الله بترك الدعوة الى الله ، وعدم العمل على تربية الناس على الايمان، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد، وعدم اقامة الحجة على الناس حكّاماً ومحكومين، وترك تحذيرهم من مناصرة الكافرين  قال تعالى: ﴿ وما كان ربّك يهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون ﴾ هود 117،وقال تعالى: ﴿ وأتقو فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الانفال 25. وأخيراً اللجوء الى الله بالدعاء والتضرّع برفع اليأس واستنزال النصر ، قال تعالى:﴿ فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ﴾ الأنعام 43. ثم الإقبال على كثرة العبادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في العبادة، وقت انشغال الناس في الفتنة  قال صلى الله عليه وسلم:(العبادة في الفتنة كالهجرة اليّ ) رواه احمد    

تشويه الأعداء لمعالم الدين

إن كيد أعداء الإسلام ليس غريبا ، ولكن الغريب ، هو جهل أبناء الإسلام بإسلامهم  الذي أدى دوره ، في بناء القيم الإنسانية   وجهل دور المسلمين ، في بناء الحضارة الإنسانية على مر التاريخ، ولقد كان الأعداء وما زالوا ، يعملون على تشويه مفاهيم الإسلام ومبادئه ، ولولا بقية من إيمان ما زالت في القلوب ، لهلكت الأمة   وضاعت قيمها ، وطمست معالم الدين فيها  من الأعداء ، ومن فاقدي البصر والبصيرة  الذين يسيئون إلى الإسلام ، بالأقوال والأفعال ويقدمون للأعداء الخدمة للطعن في الإسلام ، كما يعاني المسلمون من التشويه والتطرف وتهم الإرهاب ، التي لم تعد قاصرة على المضامين الإعلامية ، وإنما تشمل المضامين الإعلانية ، التي يتم استخدامها فى الترويج للسلع ، وفى السخرية من المسلمين ومعتقداتهم ، فقد نشرت مجلة لايف الأمريكية إعلاناً ، تضمن صورة رجل مسلم ساجد أمام زجاجة كوكولا ، رسمت على هيئة الكعبة المشرفة  وكتب تحت الصورة عبارة ، توقف للانتعاش   تشويه واضح ، وكره صرّح به زعماؤهم   فقد ذكر الرئيس نيكسون ، في كتابه انتهاز الفرصة : " ليس لأية أمة ، ولا حتى للصين  صورة سلبية في الضمير الأمريكي ، مثل صورة العالم الإسلامي " وقال نيكولاس هوفمان بجريدة واشنطن بوست :" لم تشوه سمعة جماعة دينية أو ثقافية أو قومية ، ويحط من قدرها ، بشكل منظم ، كما حدث للعرب والمسلمين " كما أن لوسائل الإعلام الغربية ، دور كبير ، في تشويه صورة الإسلام ، وتقديم مفاهيم مغلوطة عنه  وغرس الكراهية في عقول الغربيين ، نحو كل ما هو إسلامي  ومما يؤسف له ، أن يسيء إليه بعض أبناء المسلمين ، بالأقوال والأفعال  ويساعدون الأعداء ، على الطعن فيه قال تعالى :﴿ ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ ، وقد استغل الأعداء الفئات المتطرفة، فصوروا الإسلام عدواً لهم وتمادوا في تشويه صورته وشكله ، المتمثل بالتعدي على الحياة الإنسانية ، بقتل الأبرياء ، وترويع الآمنين المسالمين قال تعالى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ فهم يشوهون الإسلام باسم الإسلام ، في سبيل الوصول إلى هدف ، ذهب ضحيته الكثيرٌ من المغرر بهم من المسلمين ، الذين يرتمون في أحضان أعدائنا ، التماساً لحل مشكلاتنا، كالمستجير من الرمضاء بالنار فأعداؤنا أصل محنتنا، ومن سار في فلكهم  إنما يسير في طريق نهايته الدمار في الدنيا والشقاء الأبدي في الآخرة  بسبب التفريط في الدين ، والتقصير في أحكامه ، ويظهر هذا واضحاً في حياة المسلمين ، الذين لا   يطبقون منهج لله كاملا ، ويؤدون واجباً  ويتغافلون عن توابعه ، مما يُنفِر الناس منهم  ومن تدينهم ، ويعتبرونهم وصمة عار، للدين والتدين ، ويؤخذون حجة على فساد الدين    ويظهر هذا التشويه للدين  والفساد والإفساد فيه ، عندما يقوم الحكام بتطبيق جانب من الدين ، ويقتطعون منه جانبا آخر ، ليطبقوه في مجتمع ، ينقصه الإيمان الصحيح ، ويحاولون ترقيع الأنظمة القانونية المستوردة ، ببعض الأحكام الشرعية   فيظلمون الدين  ويشوهون سمعته   وينتزعون الحياة ، من أحكامه وشرائعه   وكأنهم يهدفون ، إلى تأكيد عدم صلاحية الشريعة ، وانتهاء وظيفة الدين في الحياة  وإحباط الدعوة الصحيحة ، للعودة إلى منهج الله ، وقد يستعينون على تنفيذ مآربهم بفتاوى   من أدعياء في الفقه ، والتخصص الشرعي ، ومن لا يعرفون من الدين إلا اسمه  ولا من الفقه إلا رسمه ، فنرى مسلمين ، ولا نرى إسلاما ، لأن الكثيرين يعرفون الإسلام نظريا ، ولا نجد مسلمين في الحياة والتطبيق   ورغم هذا الواقع المؤلم  ينبغي ألا نيأس   ولا نقنط ، لأن الله حفظ هذا الدين من التحريف ، والتبديل والتغيير ، وطلب منا أن نعتصم بكتابه ، ونتأسى برسوله  ونتمسك بسنته  لكسب رضاه ، والفوز بجنته ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ، وجلت منها القلوب  وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله  كأنها موعظة مودع ، فأوصنا  قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة   وإن تأمر عليكم عبد ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا  فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين  عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي  وقال حديث حسن صحيح . إن الإسلام فوق استهداف المستهدفين  وكيد الكائدين  مهما واجه المنتمين إليه من الفتن ، لأن كفة الخير، مرجحة على كفة الشر ، والتفاؤل مقدم على التشاؤم، بوصف الدين الإسلامي خاتم الأديان ، ومحكوم له بالظهور على غيره ، والبقاء على ظهر الأرض ، ما بقيت صالحة للحياة، إلا أن هذا لا يبرر تخاذل الأمة الإسلامية ، أمام الغزو الذي يتعرض له الإسلام ، والكيد الذي يتربص بالمسلمين، بغية إضعاف هذا الدين ، في نفوس المنتمين إليه، كما يظهر ذلك من خلال الربط بينه ، وبين ظاهرة الإرهاب ، بهدف الإساءة إلى الإسلام والنيل من المنتسبين إليه.

إن الظلم الذي يقع على الدين الإسلامي والتشويه المنظم والمتعمد لصورته والإساءة إليه في هذه الأيام ، من قبل جهات تستخدم بعض من يدّعون الإسلام بالهوية والإسلام منهم براء ، لأنهم يقوموا بتشويه صورة هذا الدين ، بأفعال إرهابية خطط  لها الصهاينة ، والمحافظين الجدد ، والموالون لهم ، بدافع من عقيدتهم المحرفة ، التي تدعوهم لمحاربة الإسلام والمسلمين .

لذا ينبغي على المسلم العاقل ، ألا يوالي من يتخذ مظاهر الإسلام سخرية واستهزاءً، بل يلتزم  بما أمره الله به، ولا يكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) مسلم ، وأن يتعاون على الخير والبر والتقوى؛ كما أمر الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ المائدة 2.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فقه الطاعة للحاكم

هناك من يحرم الخروج على الحاكم ، ويوجب طاعته  ويؤكد أنه لا فرق في هذه الطاعة بين الحاكم العادل و الحاكم الظالم، وليس للرعية وسيلة لمواجهة الظلم والاستبداد إلا الصبر ، بأدلة وجوب طاعة أولي الأمر  علماً بأنه لا يجوز الاقتصار على عرض الأحاديث دون غيرها من أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يد الظالم ، وإقامة الحق والعدل  حتى لا يُفهم أن ذلك دعوة لإقرار الظالم على ظلمه  أو قبول مخالفاته باسم إيجاب الشريعة لطاعة أولي الأمر ، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظاماً لهذه القاعدة  وجعل القيام عليها ، من معالم التقوى ، لأنه لا يستقر حكم ولا تصان دولة ، إلا إذا سادها النظام والطاعة فقال صلى الله عليه وسلم: ( من أطاعني فقد أطاع الله   ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني ) وقال الله تعالى : ﴿ أطيعوا الله ﴾ أي اتبعوا كتابه : ﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ أي خذوا بسنته ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ أي فيما كلفوكم به من أمور تخدم الكتاب وسنته .  وعندما شرع قانون السمع والطاعة ، لم يفترض في الأطراف التي تمثله ، إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة  وتصدع بالحق وتأمر بالخير ، ثم جنودٌ يلبون النداء  أما الطاعة العمياء ، لا لشيء إلا لأن القائد أمر فذلك أمر لا يقره شرع ولا عقل لما روى أحمد في مسنده قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار ، فلما خرجوا وجد عليهم الرجل في شيء فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني ؟ فاجمعوا إلي حطبا ، ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها ، فقال شاب منهم : إنما فررتم إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم   فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها ، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبروه فقال لهم : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ، إنما الطاعة في المعروف ) . هذا الترهيب الغليظ يستأصل جذور الطاعة العمياء من نفوس الأتباع جميعا  ويجعلهم يفكرون فيما يصدر إليهم من أوامر ، فلا يكونون عبيدا إلا لله ، ولا جثياً إلا للحق ، ولو أنهم عندما أصدروا أوامر يمليها الغرور وتنكرها الحكمة ، وجدوا من يردها عليهم ويناقشهم ، لتريثوا قبل أن يأمروا بباطل     

فلبست إذن الشريعة مع من يعتبر القائد مطلق التصرف ، حتى يأمر فيطاع ، أو من يتخطى من هم أكفأ منه ، وليست شريعة الله مع من يزن الأمور بمدى رضا القائد ، ومدى الولاء له ، لذا نعى القرآن الكريم على قوم أغلقوا عقولهم على رأي فلم يفهموا غيره ، ولم يفكروا فيما عداه ، زاعمين أن الخير فيه وحده ، فقال فيهم : ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا  وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ .

إن المسلم الصادق ، هو الذي يعرف الرجال بالحق   أما من يثق في أي كلام وافق الحق أم لم يوافقه ، فهم آخر من يقدم للإسلام خيراً ، ورحم انس بن مالك عندما قال : " كل أمريء يؤخذ منه ويرد عليه ، إلا صاحب هذا المقام – يعني رسول  الله عليه وسلم . ثم كيف يصور البعض الخضوع للقائد إيمان ، والانحراف عنه خسران ، قال عمر بن الخطاب لرجل قتل أخاه في إحدى الحروب ، والله لا أحبك ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ! أيمنعني ذلك حقاً لي ؟ قال عمر : لا ، فقال الرجل : لا شيء إذن ، إنما يأسى على الحب النساء .  ولا يخفى أن كل أحاديث طاعة الحاكم مشروطة بأداء واجباته كحاكم ، وعدم خروجه على الشريعة  فقد روى البخاري ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) وما روى مسلم ( لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف )  كما جاء في كتب السنن أحاديث منها : ( من أعان ظالما ليدحض بباطله حقا، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله ) وحديث ( سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون ، و ينكرون عليكم ما تعرفون ، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل ) السيوطي  ، وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص : "هذا ابن عمك معاوية ، يأمرنا أن نفعل ونفعل قال : أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله " .  ولا بد من الإشارة ، إلى أن الأمر بالصبر على الحكام الوارد في الأحاديث الشريفة لا يعني الرضا بظلمهم  وانتظار الفرج دون سعي لتغييره ، ولا يعني السكوت على ذلك ، لأن الصبر المأمور به ليس صبراً على أن ترى المنكر الذي يسيئك رؤيته فتسكت ، وإنما هو الصبر على الأذى الذي يصيبك من  الحاكم جراء مجاهرتك بإنكار المنكر أو الأمر بالمعروف ، بل إن الصبر في هذه الحال من أعظم الجهاد ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وقال : ( من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله ، فلم يغير بقولٍ ولا فعل كان على الله حقاً أن يدخله مدخله ) وولاة الأمر في أفضل حالاتهم ليسوا أكثر من وكلاء عن الأمة ، في إقامة شرع الله وتنظيم أداء فرائضه  فإن قصروا في هذا التعاقد  فيجب على أهل الحل والعقد من الأمة ، النظر فيما يستوجبه هذا التقصير من مساءلة تبدأ بالنصح والتوجيه ،  ويمكن أن تمتد لأكثر من ذلك ، ومن المعلوم أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تعاقدية  تعرف في الفقه الإسلامي باسم البيعة بالتزام متبادل  كما أعلن ذلك أبو بكر الخليفة الأول في خطبة الخلافة قال :" أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " .

 والبيعة في دلالتها اللغوية ، مصدرٌ يُفيد معنى المبايعة وتعطي معنى المعاقدة والمعاهدة، فالخليفة يعاقد ويعاهد الأمة ، على أن يحكم بالحق والعدل، وأن يرعى أحكام الشريعة، ويصون مبادئ الدين  وأن يوفر للمواطن ، كل ما أقرته مبادئ الشريعة للمواطن من حقوق إنسانية وحريات، ويقوم المواطن نيابةً عن ذاته ، بمنح الحاكم توكيلاً أو تفويضاً بإدارة شئون البلاد ، على ما اتفقا عليه ، ويقدم له مع ذلك الطاعة  ويتعهد بنصرته ، في كل ما من شأنه أن يحمي مصالح الأمة ، ويدافع عن حقوقها وكرامتها.

أما مطلق النهي عن مراجعة الظالم ونقده ، ففيه غلو وتجاوز، بما يخالف تعاليم الإسلام الراشدة في هذا الشأن  لقوله تعالى : ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النار ﴾  وتذكر لنا كتب التاريخ عشرات من مواقف العلماء بل وعامة المسلمين من مراجعة الحكام وولاة الأمر ، ومنها حين قال عمر اسمعوا وأطيعوا ، فقال أحد الحاضرين لا سمع ولا طاعة فقال عمر : " لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها "  وحين راجعته امرأة في قراره بتخفيض المهور قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وتوجيه النصح للحكام لا يشترط أن يكون من عالم أو أن يكون سراً ، طالما أن المنكر الواجب إنكاره هو مخالف للشرع ، بما لا محل فيه للتأويل مثل المجاهرة بشرب الخمور أو التحريض على الفجور أو التمكين لأعداء الله في بلاد المسلمين

وقد تضمن القرآن الكريم أحكاما وتوجيهات تتعلق بواجبات الحاكم كقوله تعالى : ﴿ إنَّ اللَّهَ يأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ النساء 58 .  وقد ذكر العلماء في تفسير هذه الآية ، أن الخطاب فيها موجه إلى ولاة الأمر ، بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل بين الناس، وأن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة ورد المظالم ، وأن اللَّه أمرهم بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل عليهم ، وإذا حاد الحكام عن العمل بأحكام الشرع فإنه لا طاعة لهم ، لأن الحاكم في أدائه لواجباته ، مسئول عن أخطائه وإهماله وتقصيره وسوء استعماله للسلطة الممنوحة له ، فضلاً عما يتعمده من خروج على حدود السلطة ، وما يرتكبه من جور أو تعسف أو ظلم ، وهو في هذا كله خاضع للنصوص العامة ؛ لأن الإسلام لا يفرق بين فرد وفرد، ولا بين حاكم ومحكوم، بل الكل سواء يسري على هذا ، ما يسري على ذاك ، دون تمييز بينهما، فلا يعفي الإسلام الحاكم من أخطائه، ولا يخفف من مسئوليته، ولا يميزه عن أي شخص آخر لذلك كان الخلفاء والأئمة أشخاصًا لا قداسة لهم ولا يتميزون عن غيرهم ، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها ، كما يعاقب أي شخص آخر يرتكبها  سواء تعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله ولم تكن الشريعة الإسلامية في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم أمام الأمة ، إلا متمشية مع منطق الأشياء ، فقد بينت للحاكم حقوقه وواجباته وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية ، لأن من لا يقوم بالتزاماته أو يخرج عن حدود الشريعة   فليس له أن ينتظر من الأمة السمع والطاعة، وعليه أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم  في حدود ما أنزل اللَّه ، فإن لم يتنح مختارًا ، نحاه أهل الحل والعقد مكرهًا، واختاروا غيره ليتولى تصريف شئون الأمة ، وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الإسلامية الصريح ، الذي جاء به القرآن الكريم ، وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل به الخلفاء الراشدون رضي اللَّه عنهم ، من طاعة الحاكم ضمن حدود الشرع ، لا لشخصه وإنما لما يتمثل فيه من تطبيق لأحكام الشريعة ، واحترام قواعدها ، وتنفيذ حدودها وتحقيق أهدافها .

 

 الحرب على الإسلام

ونحن نعيش في هذا العالَم، هناك مجالات موجَّهة في الحياة من الذين يسيرون على غير نورٍ من الله، بِطانة لا تحبُّ الطُّهْر في الاعتقاد بأنَّ الله واحدٌ أحدٌ، فردٌ صَمَدٌ، خَلَق الْخَلْق لعبادته، وأوْجَد البشر لتوحيده، ولا تحبُّ الطُّهر في الحياة الاجتماعية، فنَحَرَتِ الحياء والعِفَّة بسكين الفنِّ العميل والحرية المغشوشة، وطَعَنَتِ السعادة والرِّيَادة بِخِنْجر الغَلاء والثراء، وضربتِ العِزَّة والكَرَامة بمدْفَع الذُّلِّ والاستبداد! ولا تحبُّ الطُّهْر الاقتصادي، فطَحَنَت الشعوب والأمم بِرَحى الرِّبا والاحتكار! ولا تحبُّ الطُّهْر السياسي، فأقصتْ شَرْعَ الله، وحَارَبَتْ عباد الله، وحَرَمَتِ الشعوب من عَدَالة الإسلام تحت ستار الإرهاب والكباب!!

إلى المؤمنين في أرض الله، وإلى دُعاتهم العاملين لنُصرة دين الله: لا تَهِنوا ولا تحزنوا إذا ما اتَّقيتُم وصَبَرتُم وأبشروا؛ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]، ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]. أنتم الأعلون فلا تحزنوا، وأنتم الأعلون فلا تَهِنوا، أنتم الأعلون فلا تخافوا إذا حقَّقتُم شَرْط الإيمان، ولن يجعلَ الله للكافرين على المؤمنين - الذين حقَّقوا شرْطَ الإيمان - سبيلاً. وهل ضاعت الأمة وفقدت ريادتها وصدارتها، وعزتها وقوتها إلا لما صار لهؤلاء المنحرفين رأي وقول، وسُلِّموا منابر الإعلام، ومصادر صنع القرار؛ فكان من أمر المسلمين ما كان من الذلة والهزيمة، والتقليد والتبعية. فهم ما أرادوا إيمان الناس الذي ارتضاه الله تعالى لهم، واعتبروه إيمان السفهاء؛ فكان لهم إيمان آخر، وهو إيمانهم المطلق بالأعداء ولو ظلموهم وأهانوهم وأذلّوهم، وسلبوهم حقوقهم، ومنعوهم مما هو لهم ولأمتهم! وإيمانهم المطلق بالأعداء هو الذي ضيع فِلَسطين، وضيع غيرها من بلاد المسلمين؛ إذ استخدمهم الصهاينة والصليبيون والملاحدة، دعايةً إعلامية لمشاريعهم الاستعمارية في المنطقة الإسلامية، فإذا ما قضوا غرضهم منهم تنكروا لهم، وتخلوا عنهم، هناك من يُظهرون النصح للأمة في أثواب قومية، أو شعارات وطنية، فلما كان الجدّ والمواجهة وجدناهم أول من تخلى عن الأوطان، وباعها بثمن بخس للأعداء؛ وهم في هذا كله يخدعون الذين آمنوا، ويظهرون أنهم معهم وهم مع الكفر والطغيان على أهل الإيمان والإسلام ، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ البقرة: 14. وشياطينهم هم

كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان ، ولخيانتهم العظمى للأمة ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾البقرة: 15. والله يملي لهم، فيحققون بعض ما يريدون من السوء والشر؛ حتى يستدرجهم بذلك، فيرديهم ويهلكهم. هناك وسائلَ للشَّرِّ قد تكاثرَت وتعدَّدت وتنوَّعَت الأساليب، وكلُّها تهدِف إلى زعزعةِ عقيدةِ المسلم  ، وإضعافِ الإيمان في قلبه، تشكيكه في دينه، والبُعد به عن الفَضائلِ وتهوين الرذائل، والسَّعي في مَسخ القِيَم والأخلاقِ الكريمة. إنَّ العالَمَ يشاهِد اليومَ نهضة إعلاميّة عظيمة، تمثَّلت في قنواتٍ فضائيّة متعدِّدة مختلِفة الاتِّجاهات، وقنواتٍ أخذت على عاتِقِها حَربَ العقيدة، وتَشكِيك المسلم فيها، وتدميرَ قِيَم الأمة وأخلاقها، ومحاولَة إيجاد البغضاء بين الشعوبِ الإسلاميّة.

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم السياسة في الإسلام

السياسة مشتقة من ساس الأمر أي دبَّره وحكم فيه ، بعد أن يكون المرء قد خبره ووعاه وتعني بالنسبة للأمة ، رعاية شؤونها في مختلف الميادين وعلى جميع المستويات ، فإن كانت ذات علاقة بالمال فهي سياسة المال أو الاقتصاد ، وإن كانت مرتبطة بعلاقة الدولة بغيرها من الدول فهي السياسة الخارجية ، وإن كانت مرتبطة بتدبير شؤون الناس في الداخل فهي السياسة الداخلية وإن تناولت مناهج التعليم وشؤونه فهي سياسة التعليم وهكذا …وكل ذلك خاضع للدين مستمدٌ من العقيدة قائم على حكم الشرع  ورحم الله إبن تيمية الذي وضع كتاباً ربط فيه بحثاً وعنواناً بين السياسة والشريعة " سماه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية " . بخلاف مفهومها الملوث والشائن عند الغرب فهي ألاعيب اتخذوها حرفةً بلا تقوى ، وارتقوها سلّماً بلا خلق ، وجعلوها وسيلة وصولٍ إلى منفعة أو بلوغ غرضٍ دنيوي هزيل ، وإن أدى ذلك إلى الكذب والدجل والنفاق. 

من المسلمين من يحسنون النصح ويحترفون الكتابة أو الخطابة لكنهم يحصرون نشاطهم الديني في التركيز على الوعد والوعيد ، وبعض العبادات وفضائل الأخلاق والتحدث عن الدار الآخرة  وما دروا أن الاقتصار على ذلك يعني تغليب جرءٍ من الرسالة على الجزء الآخر ، الأمر الذي يتنافى مع طبيعة الرسالة التي تقترن فيها العقائد بالعبادات وسياسة المال والحكم ، ويشتبك فيها الكلام عن حقوق الله بالإرشاد إلى حقوق عباد الله جميعا ، والكلام عن الدار الآخرة بالكلام عن الدنيا ، فكان لا يمكن بحال من الأحوال شطر هذا الدين بالعمل ببعض تعاليمه وإهمال الآخر  فكما أن الإنسان يتكون من لحم ودمٍ وعظم وعروق ، ولا يمكن أن تكون له حياة بأي واحد من هذه المكونات على حده ، فكذلك الإسلام كلُّ بالعقيدة والقانون والخلق والاقتصاد والنصح والمعاملة لا يقبل التجزئة .

من الناس إذا ما طلبت منه أن ينكر على ولاة الأمر مخالفتهم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقول : هذه سياسة لا نتدخل فيها ، ينشدون الراحة في ظل الحكم مهما ظلم وبغي ، في الوقت الذي نسمع فيه عن أناس ما زالت بقاياهم في ظلمات السجون ، ومن أفرج عنهم مطاردين في رزقهم  ومن شق طريقه في الحياة ، فإن قوانين الحكم الصارمة تقف عائقاً أمام مسيرته الدعوية .

 إن حامل الدعوة لا يداهن ولا يداجي من بيدهم الأمر ولا يجاملهم ، وعلية أن يوضِّح المواقف المخالفة للإسلام ، وأن يُبَيِّن زيفها وعلاج الإسلام لها باعتبارها أحكاماً شرعية ، وأن لا يخاف من الجهر بكلمة الحق .

وقف بلال الحبشي يوماً موقفاً عنيفاً يخالف فيه رأياً لأمير المؤمنين عمر حول مصير أرض سواد العراق المفتوحة … بلال يرى أن تُقَسَّم الأرض على الجيش الفاتح صاحب الحق في اقتسام الغنائم  وعمر لا يرى ذلك خشية انصراف المجاهدين إلى زراعة الأرض والتمتع بخيراتها والتخلي عن حمل الدعوة إلى الناس ، ثم يتوارثها الأبناء بعد الآباء فلا يبقى للجيش ولا للخزينة موردٍ من مال … فلم يوقع عمر الأذى ببلال … وعمر معه القوة والنفوذ والسلطان ، ولكنه ظل يقول في أعقاب كلِّ صلاة : اللهم اكفني بلالاً إلى أن اهتدى إلى قوله تعالى: ﴿ كي لا يكون دولَةَ بين الأغنياء منكم ﴾ 7 الحشر .  فدعَّم بها رأيه وقوَّى بها حجَّته .. وانتصر على بلال بالآية لا بالنفوذ . 

إن المسلمين لم يتخلَّفوا عن ركب العالم لتمسكهم بدينهم ، وإنما بدا تخلفهم يوم تسرب الخوف إلى قلوبهم فتركوا هذا التمسك وتساهلوا فيه وأساءوا تطبيق أحكامه .

ومن أستعرض التاريخ يجد أن رجال الفكر وتقاعُسِ العلماء عن أداء مهمتهم ، ساهم بنصب وافر في التفريط بالأندلس بعد تمانيه قرون من الحكم الإسلامي فأين كان الساسة ؟ وأين كان العلماء ؟ وأين كان المصلحون والمجاهدون ؟ بل أين كان الشعب المسلم كله ؟ لم رضوا بالتفرق والتطاحن ؟ .. ولم سكتوا على موالاة أهل الكفر؟  .. ولم لم يستنفروا الأمة للجهاد ؟

ثم نعود ونسأل نفس الأسئلة عندما نقرأ عن سقوط بغداد على أيدي التتار وإلى أي حدٍ ذلَّ المسلمون رغم وجود العلماء والمصلحين . وعند سقوط الدولة العثمانية أين كان دورهم عندما سقط اللواء وانتقلوا من مركز القيادة إلى مركز التبعية ، وأين هم يومئذٍ من مقاومة الإنجليز والألمان والهولنديين والإيطاليين وهم يستولون على أرض المسلمين ، أنا لا أنكر أن آلافاً ممن عاصروا تلك الأزمات كانوا منكرين في صمت  وكارهين في سكوت ، ورغم ذلك فقد أخذت المأساة طريقها وأصاب الأمة ما أصابها ، واليوم تجتمع مآسي الأمة وتزداد وتتنوع .

فهل يا ترى نرضى بما رضي به الأولون ؟

هذا ما يريده أعداء الدين الذين يبذلون كل جهد لأن يحال بين الإسلام والحكم ، يساعدهم في تنفيذ ذلك أعوانهم في بلاد الإسلام الذين يعملون على ترسيخ مفهوم جديد في عقول المسلمين ، لإسلام لا يهتم بالسياسة ، ولا يعنى بشؤون المسلمين في أكثر من ميدان المسجد وأروقة المحاكم الشرعية ، ومن قال بغير ذلك كان موضع سخط الحاكم وغضب المتآمرين

إن العدو ماهر في إرسال مفاهيمه عندما لم يحمل الناس حملاً على هجر الإسلام ، لئلا يقوم بين الناس مزيد من التمسك بدينهم والحرص عليه ، وخشية أن تقع ردة فعل عنيفة تدعوهم لرفض فكرتهم فأرسلوا أفكارهم الهدامة وفي ركابها الذين أعدّوهم لتسلم القيادة من أبناء المسلمين ، ليبطشوا بحملة الإسلام والدعاة إلى الله ، الذين يصرّون على تطبيق الإسلام في واقع الحياة ، عقيدةً ونظاماً ومنهاج حياة ، حتى ينطلقوا من منطلق عقيدة لم تعرف البشرية أروع منها ، مؤمنين بأن نظام الحكم والعمل السياسي ، جزءاً من الإسلام ، معتمدين في ذلك على مصادر التشريع الإسلامي .

إن الدعوة إلى الابتعاد بالدين عن السياسة غباء ليس بعده غباء ، وإلا كيف يعقل أن يفهم الإسلام  بلا سياسة والقرآن بلا حكم ، إلا إذا طمسنا من القرآن آيات ، وحذفنا من الإسلام تشاريع عرفها المسلمون ووعوها ، وطبقوها عبر قرون من الزمان ، كانوا فيها أعزةً بالإيمان والعلم والعمل ، وكان أعداؤهم أذلةً بالجهاد .

إن الحيلولة بين الإسلام والحكم والدعوة في ديار الإسلام هدف يلتقي عليه كل أعداء الإسلام ، على ما بينهم من تنافر ونزاع ، والذي يحزُّ في النفس أن يزعم من يحسبون أنفسهم على درجة من الفطنة والذكاء ، أنهم بهذا الفصل يسيرون في الطريق الذي رسمه الله وارتضاه ، تعسون بائسون أولئك ، لأن الفصل بين الإسلام والحكم معناه الفصل بين الدين والحياة ، فلا يستمد منه خلق أو مثل أو عادات أو قيم ، بمعنى فصل الدين عن الحياة في كل مرافقها وعندها هيهات أن يبقى معنى من معاني الفضيلة أو حقيقة من حقائق الخلق أو قيمة من قيم الإنسانية ، لأن القوانين التي تطبق والحكم الذي يسيطر ، لا يسأل الدين راية في عقيدة أو معاملات أو سلوك أو عادات ، وتلك خطيئة كبرى يخالف صاحبها أمر الله ويتنكر لتعاليم الرسالة المحمدية ، لأن الأمر بتحكيم كتاب الله ورد في أكثر من موقع في القرآن الكريم قال تعالى :﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴾ المائدة 48 . كما حذَّر الله من الإصغاء لأصحاب الهوى في الآية التي بعدها فقال: ﴿ وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ﴾ المائدة 49 .

وقد ورد النهي عن ترك بعض ما أنزل الله فكيف بمن ترك الكل ؟ ثم إن المناداة ببعض الإسلام وترك البعض الآخر ، يضع المسلمين أمام تساؤل رهيب يدفع القلوب بالزيغ والهوان فقال تعالى : ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ﴾ البقرة 85 .

إن المتتبع لتفاصيل السيرة النبوية ووقائعها يرى أن رسول الله  صلىالله عليه وسلم كان ينبع من معنى نبوته معانٍ لا سبيل إلى إنكارها ، جعلته إماماً في المحراب ،، وقاضياً يحكم بين الناس ، وقائداً عسكرياً يخوض المعارك ، وكان صلى الله عليه وسلم سياسياً يدير شؤون الأمة الداخلية والخارجية على أحسن وجه وأروع صورة .

لقد فهم المسلمون الأوائل الإسلام حق الفهم ، وأدركوا أن السياسة والقيادة جزء من الإسلام ، لأن الإسلام في نظرهم ليس مجرد ركعات أو أدعية ، إنما هو نظام شامل ، يعالج شؤون الحياة جميعاً ، يركِّز على التجمع على العقيدة واحترام العمل الصالح ، سواء كان ذا صبغةٍ دينية كالعبادات ، أو دنيويةٍ كطلب الرزق أو الدعوة إلى الخير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الجهاد في سبيل الله ، أو تثبيت الفضائل الخلقية ، كالعدل والإحسان واحترام النظام  ، وقد كان العلماء العاملين الجريئين في الحق المحبين للخير الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ، المحاسبين للحكام الناصحين لهم ، والمتحملين كلَّ أذىً ومشقة في هذا السبيل ، لا يخشون إلا الله ولا يخافون لومة لائم ، روي أن أبا جعفر المنصور استدعى ابن طاووس أحد علماء عصره فلما دخل عليه قال له : حدثني عن أبيك فقال له طاووس حدَّثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجلٌ أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله ) . ثم قال له عظني يا ابن طاووس : قال نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول : ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد .. حتى انتهى الى قوله تعالى :: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ . ثم قال له ناولني هذه الدواة ، فأمسك عنه ، فقال : ما يمنعك أن تناولنيها ؟ قال ابن طاووس : أخشى أن تكتب بها معصيةً لله فأكون شريكك فيها " .   

 بمثل هذه النصائح القيمة التي خرجت من قلوب مؤمنة متفقهة ، ونطقتها ألسنٌ عالمة جريئة صريحة  لم تعرف النفاق والمداراة وسمعتها أذنٌ واعية عاهدت الله تعالى على رعاية الأمة على أساس شرع الله ، وإقامة حكم القرآن ، فكانوا نعم العلماء ونعم الحكام . كانوا يعرفون الرجال بالحق ، أما الذين يعرفون الحق بالرجال ويثقون في أي كلام لأنه صادر من فلان ، فهم أبعد الناس من فهم الإسلام ، بل هم آخر من يقدم للإسلام خيرا أو يحرز له نصرا ، لقد كانت أعمالهم ترجماناً لتعاليم الإسلام والسنة ، وهل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف ، إلا نصيحةً وموعظةً حسنة ، وكانوا لا يكتمون حكماً شرعيا في قضيةٍ تتعلق بشؤون الأمة لأنه آمنوا بقول الله تعالى:﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ آل عمران 187 . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 حاجاتنا إلى السياسة الشرعية

السياسة الشرعية باب من أبواب العلم والفقه في الدين، وفي قيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية الدنيوية، جليل القدر عظيم النفع، أفرده جماعة من العلماء بالتصنيف في القديم والحديث، وانتشرت كثير من مباحثه أو مسائلة في بطون كتب التفسير والفقه والتاريخ وشروح الحديث، وهذا الباب خطره عظيم ينتج عن الغلط فيه وعدم الفهم له شر مستطير، والخطأ في التفريط فيه كالخطأ في الإفراط؛ إذ كلاهما يقود إلى نتائج غير مقبولة، وقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن القيم فقال: وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها .. وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه

 

 

  

الاشتغال بالسياسة فرض على المسلمين

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا ما صلوا» وقال: «أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر، أو أمير جائر» وقال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» وعن عبادة بن الصامت قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» . وقال تعالى: ﴿ألم . غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون﴾ .

 

 

 

فهذه الأحاديث والآية الكريمة دليل على أن الاشتغال بالسياسة فرض. وذلك أن السياسية في اللغة هي (رعاية الشؤون) . والاهتمام بالمسلمين إنما هو الاهتمام بشؤونهم، والاهتمام بشؤونهم يعني رعايتها، ومعرفة ما يسوس به الحاكم الناس. والإنكار على الحاكم هو اشتغال بالسياسة، واهتمام بأمر المسلمين، وأمر الإمام الجائز ونهيه هو اهتمام بأمر المسلمين ورعاية شؤونهم، ومنازعة وليّ الأمر إنما هو اهتمام بأمر المسلمين ورعاية شؤونهم.

فالأحاديث كلها تدل على الطلب الجازم، أي على أن الله طلب من المسلمين طلباً جازماً بأن يهتموا بالمسلمين، أي أن يشتغلوا بالسياسة. ومن هنا كان الاشتغال بالسياسة فرضاً على المسلمين.

والاشتغال بالسياسة، أي الاهتمام بأمر المسلمين إنما هو دفع الأذى عنهم من الحاكم، ودفع الأذى عنهم من العدو. لذلك لم تقتصر الأحاديث على دفع الأذى عنهم من الحاكم، بل شملت الاثنين. والحديث المروي عن جرير بن عبد الله أنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام، فشرط عليّ النصح لكل مسلم» جاء فيه لفظ النصح عاماً فيدخل فيه النصح له بدفع أذى الحاكم عنه، والنصح له بدفع أذى العدو عنه.

وهذا يعني الاشتغال بالسياسة الداخلية في معرفة ما عليه الحكام من سياسة الرعية من أجل محاسبتهم على أعمالهم، ويعني أيضاً الاشتغال بالسياسة الخارجية في معرفة ما تبيته الدول الكافرة من مكائد للمسلمين لكشفها لهم، والعمل على اتقائها، ودفع أذاها. فيكون الفرض ليس الاشتغال بالسياسة الداخلية فحسب، بل هو أيضاً الاشتغال بالسياسة الخارجية، إذ الفرض هو الاشتغال بالسياسة مطلقاً، سواء أكانت سياسة داخلية أم خارجية. على أن آية ﴿ألم . غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ تدل دلالة واضحة على مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بالسياسة الخارجية، وتتبعهم للأخبار العالمية. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب فقال: بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة قبل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فيقولون: الروم يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فيكف غلب المجوس الروم؟ وهم أهل كتاب، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم: فأنزل الله ﴿ألم . غلبت الروم﴾ وهذا يدل على أن المسلمين في مكة حتى قبل إقامة الدولة الإسلامية كانوا يجادلون الكفار في أخبار الدول، وأنباء العلاقات الدولية. ويروى أن أبا بكر راهن المشركين على أن الروم سيغلبون، وأخبر الرسول بذلك فأقره الرسول على هذا، وطلب منه أن يمدد الأجل، وهو شريكه في الرهان. مما يدل على أن العلم بحال دول العصر، وما بينها من علاقات أمر قد فعله المسلمون، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم .

وإذا أضيف إلى ذلك أن الأمة تحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، ولا يتيسر لها حمل الدعوة إلى العالم إلاّ إذا كانت عارفة لسياسية حكومات الدول الأخرى، وهذا معناه أن معرفة سياسة العالم بشكل عام، وسياسة كل دولة تريد حمل الدعوة إلى شعبها، أو رد كيدها عنا، فرض كفاية على المسلمين، لأن حمل الدعوة فرض، ودفع كيد الأعداء عن الأمة فرض، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلاّ بمعرفة سياسة العالم، وسياسة الدول التي نعنى بعلاقاتها لدعوة شعبها، أو رد كيدها. والقاعدة الشرعية تقول: (ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب) لذلك كان الاشتغال بالسياسة الدولية فرض كفاية على المسلمين.

ولما كانت الأمة الإسلامية مكلفة شرعاً بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة كان فرضاً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً لأحواله، مدركاً لمشاكله، عالماً بدوافع دوله وشعوبه، متتبعاً الأعمال السياسية التي تجري في العالم، ملاحظاً الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي كيفية علاقة بعضها ببعض، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدول

 

السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.

هذا هو تعريف السياسة، وهو وصف لواقع السياسة من حيث هي، وهو معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في المحيط “وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها” وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي، وأيضا فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحكام، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقد روى مسلم عن أبي حازم قال : قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وأنه لا نبي بعدي ، وستكون خلفاء فتكثر ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : اوفوا ببيعة الأول فالأول ، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» رواه مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما من عبد يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة» رواه مسلم، وقوله عليه السلام : «ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة» رواه البخاري ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم إلا من رضي وتابع» رواه مسلم والترمذي، وقوله صلى الله عليه وسلم : «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم» رواه الحاكم، وعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» متفق عليه، فهذه الأحاديث كلها سواء ما يتعلق بالحاكم في تولية الحكم، أو ما يتعلق بالأمة التي تحاسب الحاكم، أو ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بمصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة بأنها رعاية شؤون الأمة فيكون تعريف السياسة المتقدم تعريفاً شرعيا مستنبطاً من الأدلة الشرعية.

ومنذ أن هدمت الخلافة وطبقت أنظمة الكفر السياسية في البلاد الإسلامية، انتهى الإسلام من كونه سياسياً، وحل محله الفكر السياسي الغربي المنبثق عن عقيدة المبدأ الرأسمالي، عقيدة فصل الدين عن الحياة. ومما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية، أن رعاية شؤونها بالإسلام لا تكون إلاّ بدولة على منهاج النبوة ، وأن فصل الإسلام السياسي عن الحياة وعن الدين، هو وأد للإسلام وأنظمته وأحكامه، وسحق للأمة وقيمها وحضارتها ورسالتها.

والدول الرأسمالية تتبنى عقيدة فصل الدين عن الحياة وعن السياسية، وتعمل على نشرها وتطبيق أحكامها على الأمة الإسلامية، وتعمل على تضليل الأمة وتصور لها بأن السياسة والدين لا يجتمعان، وأن السياسة إنما تعني الواقعية والرضى بالأمر الواقع مع استحالة تغييره، حتى تبقى الأمة رازحة تحت نير دول الكفر، دول الظلم والطغيان، وحتى لا تترسم الأمة بحال سبيلاً للنهضة. بالإضافة إلى تنفير المسلمين من الحركات الإسلامية السياسية، ومن الاشتغال بالسياسة. لأن دول الكفر تعلم أنه لا يمكن ضرب أفكارها وأحكامها السياسية إلاّ بعمل سياسي، والاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام. ويصل تنفير الأمة الإسلامية من السياسة والسياسيين إلى حد تصوير السياسة أنها تتناقض مع سمو الإسلام وروحانيته. ولذلك كان لا بد من أن تدرك الأمة السر وراء محاربة الدول الكافرة، والحكام العملاء للحركات الإسلامية وهي تعمل لإنهاض المسلمين بإقامة دولة الخلافة وتضرب أفكار الكفر، وتعيد مجد الإسلام.

 

وعليه لا بد من أن تعي الأمة الإسلامية معنى السياسة لغة وشرعاً، وأن الإسلام السياسي لا يوجد إلاّ بدولة الخلافة، والتي بدونها يغيض الإسلام من كونه سياسياً، ولا يعتبر حياً إلاّ بهذه الدولة، باعتبارها كياناً سياسياً تنفيذياً لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وهي الطريقة الشرعية التي تنفذ بها أحكام الإسلام وأنظمته في الحياة العامة، وأن الله قد أوجب على الأمة تطبيق هذه الأحكام، وحرم الاحتكام لأنظمة الكفر، لمخالفتها للإسلام ولأنها من وضع البشر.

 

ولذلك كان لا بد من أن تثقف الأمة الثقافة الإسلامية، ودوام سقيها بالأفكار والأحكام السياسية، وبيان انبثاق هذه الأفكار وهذه الأحكام عن العقيدة الإسلامية باعتبارها فكرة سياسية، والتركيز على ذلك من الناحية الروحية التي فيها، باعتبار أنها أوامر ونواه من الله لا بأي وصف آخر. وهذا الوصف هو الذي يكفل تمكن أفكار وأحكام الإسلام في النفوس، ويكشف للأمة معنى السياسة والفكر السياسي، ويجعلها تدرك المسؤولية الملقاة على عاتقها لإيجاد أفكار الإسلام وأحكامه في حياتها العملية، وأهمية الرسالة العالمية التي أوجب الله حملها للناس كافة، خاصة وهي ترى مدى ما وصل إليه حالها في هذا العصر لغياب دولة الإسلام وأفكار وأحكام الإسلام من حياتها، ومدى ما وصل إليه العالم من شرٍ وشقاء واستعباد للناس. وهذا التثقيف السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية فإنه يوجد الوعي السياسي، ويجعل الأمة تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية ألا وهي حمل الدعوة الإسلامية إلى الشعوب والأمم الأخرى.

 

اهتمام علماء المسلمين بالسياسة

تأتي السياسة في مقدمة الأمور التي اهتم بها العلماء المسلمون حتى جعلوا باب الإمامة من أبواب العقيدة.

إن الغزو الفكري الذي ابتليت به الأمة في القرون الأخيرة قد أدخل في فكر المسلمين الانفصال بين الدين والسياسة حتى أصبحت السياسة حكراً على طبقة من السياسيين المحترفين، وفهمت السياسة على أنها فن الخداع والمكر، وأن العلماء لا يصلحون للحديث في السياسة بله العمل فيها. وللتأكد من أن الإسلام لم يفرق بين السياسة والدين فليرجع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليرى كيف أنه عليه الصلاة والسلام قد مارس جميع الأعمال السياسية، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون.

 

 

 

وأما الفصل بين العلماء والعمل السياسي فقد كان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين علماء بالإسلام -بل أعلم الناس به- وعرف التاريخ الإسلامي كثيراً من الحكام الذين كانوا على درجة عالية من العلم بالإسلام.

 

 

وإن كانت الإدارة جزء من السياسة، لكن بينهما فصل مهم حيث إن الإدارة أخص من السياسة، وتأتي أهمية الإدارة في أن الأمم تتسابق في تعداد منجزاتها الإدارية حتى أصبحت اليابان تفخر على الغرب بتفوقها الإداري، وعلينا لكي نستعيد مكانتها في العالم أن ندرك أن الأمة الإسلامية عرفت الإدارة في أرقى صورها وأكثرها تطوراً، ويجب أن نعرف أن الإدارة جزء من معرفة الإسلام أو النظام الإسلامي. ولو لم يكن النظام الإداري الإسلامي فعّالا لما استطاع المسلمون حكم البلاد الواسعة التي أصبحت جزءاً من دولتهم.

 

ولما استطاعوا أن ينشئوا المصانع والمعامل ويبنوا حضارة جعلت الأمة الإسلامية هي العالم الأول لعدة قرون. وبالنسبة لاتساع دولة الإسلام فقد بلغت رقعتها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر، وازدادت رقعتها حتى ضمت شمال أفريقيا كله وبلاد فارس والهند وغيرها في عهود لاحقة.

 

 

السياسة جزء من الدين

 نتكلم عن ضرورة ارتباط السياسة بالمبادئ والأخلاق لأن السياسة جزء من الدين، ونبه إلى ضرورة تجنب المبالغة في الاهتمام بها على حساب الدين.

 "السياسة والاستبداد وسؤال الأخلاق"، إن السياسة جزء من الدين، وخطًّأ مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين".

إن الإصلاح السياسي يبدأ من أسفل، بتعليم الشعب وتطهيره من الرذائل، فإن شر ما يبتلى به الناس هو الحكم الاستبدادي، فهو يفسد الدين والاقتصاد والاجتماع، وكل شيء.

إن الإسلام في جوهره رسالة أخلاقية، يريد من الإنسان أن يكون أخلاقيا، بمعنى أن يتحلى بالفضائل ويتخلص من الرذائل، لافتا إلى قوله صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومشددا على فضيلة "الصدق" كمطلب أساسي لكل سياسي.

حيث وقف الإمام محمد عبده  ضد الاستبداد، وطلب السياسة العادلة التي جاء بها

والسنة، والتي تقوم على الكتاب الميزان "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..." (الحديد:25)

 

 

 ماذا نعنى بالوعى السياسى؟

نعنى بالوعى السياسى هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، قائمة على عقيدة ومبادئ واضحة، وأن يعرف المسلم ما يدور حوله من أحداث ومجريات، ويَنْظر لها من منظار التاريخ، والسُّنن الكونية، ويُخْضِعها للعقيدة التى يؤمن بها، ويستنتج مدى تأثيرها على كيان أمته، ويتفاعل معها بحيث يصل الوعى إلى مساحة الشعور.

ويمكن إجمال هذا المعنى بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يَهْتَم بِأَمْرِ المسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم"، والاهتمام هو التدبُّر لرعاية شئونهم، ورعاية الشئون هى السياسة، والاهتمام هو الوعى والإدراك المركَّز الذى يصل إلى الشعور.

أهمية الوعى السياسى وحاجة الأمة الإسلامية إليه:

أصبحت السياسة تشكِّل فى هذا العصر عاملا كبيرا فى مصائر الدول والشعوب، وأصبح تأثيرها على الإعلام والاقتصاد والحروب، حتى أصبحت الدول والأحزاب والشركات الكبرى تحرص على أن يكون لها أجهزة سياسية تجمع الأخبار وتُحلِّلها وتُقدِّمها إلى المسئولين؛ للاستعانة بها فى رسم السياسات وبناء العلاقات وتحديد المواقف.

والحركة الإسلامية مطالبة بأن تُوجِد الوعى السياسى لدى أبنائها ودعاتها للأسباب التالية:

1- الضرورة الشرعية التى تُحتِّم على المسلم أن يجاهد نفسه ويجاهد غيره؛ لإقامة شرع الله على هذه الأرض، وطالما أن الأهداف التى يسعى لها العاملون للإسلام هى تطبيق شرع الله عز وجل، وطالما أن شرع الله له الأحكام المقرَّرة على جميع الأصعدة والقضايا السياسية، فإن العمل لإعادة شرع الله هو صميم العمل السياسى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دعوته يقوم ببناء العقيدة إلى جانب بناء الدولة، ويقول حسن البنَّا -رحمه الله- فى رسائله "وأيّما جماعة أو جمعية لا تجعل ضمن عملها الاهتمام بالسياسة، فإنها بحاجة لأن تُعِيد فهمها للإسلام".

2- اهتمام الحركة الإسلامية بالتوعية السياسية لا يعنى المساومة على أخلاقيات الإسلام، أو إهمال العمل التربوى، وإنما الالتزام بالعمل التربوى الصحيح هو المبرر لهذا الاهتمام، والسياسة هى المؤشر العملى لاستئناف الحياة الإسلامية فى أبعادها المتكاملة.

3- التوعية السياسية مطلوبة حتى نَفْقَه مخطَّطات الخصوم، ولا نُؤْتَى على حين غرَّة، فإن عالم السياسة هو كعالم التجارة، فهى بحاجة إلى الوعى بالبضاعة والمشترى وبالقانون التجارى وبحركة السوق، كما أنها كالغابة فيها الأُسُود والنُّمُور، كما فيها القرود، وفيها أُسُود حقيقية وأُسُود من ورق، كما أنها كالمسرح فيها البطل وفيها الكومبارس وفيها المؤلف وفيها المخرج، ولا بد لنا أن نفقه كل هذه الأدوار.

4- طالما أن الدولة أصبح مجالها كل القضايا، وما تفعله إما أن يكون مخالفا أو موافقا للإسلام، فينبغى للمسلم أن يتخذ موقفًا إما سلبيًّا أو إيجابيًّا، وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كان على وعى عظيم، فهو إذن غير مُخيَّر فى أن يتخذ موقفًا سياسيًّا أو لا يتخذ، بل الشريعة تفرض عليه ذلك؛ ولذلك فإن العمل السياسى ضرورة فى كل الأحوال فى حالة وجود الحكم الإسلامى أو عدمه.

5- فى الأمة أحزاب أرضية تسعى للوصول إلى الحكم، ولديها الوعى والتخطيط السياسى، فلا بد من مواجهتها بوعى أوسع وتخطيط أدقّ؛ كى لا تُبْتَلى الأمة بوصول هؤلاء إلى الحكم أو تَحُول دون استمرارهم فى حالة وصولهم.

6- الجماهير اليوم لن تكتفى منا بنداءات الإغاثة إنما هى تريد من يأخذ بزمامها ويمضى بها نحو الغايات العظام، فالجماهير لن تُسْتَثار لمن يدعوها إلى الصلاة وهى قد اعتادت التَّهجُّد وقيام الليل.

7- كلما ارتفع وعى الإنسان سياسيًّا دفعه ذلك إلى المزيد من العمل والتحرك.

8- يواجه المسلم المعاصر فى حال عزمه على التمسك بدينه عدة مشاكل تؤثر على اندماجه السياسى فى المجتمع الذى يعيش فيه.

والمسلم المعاصر فى مساره الاجتماعى ينبغى أن يتزوَّد بالوعى السياسى، فعن طريقه يستطيع أن يفهم أنه إضافة إيجابية لمجتمعه، وأن بإمكانه أن يُقدِّم إسهامًا كبيرًا لمحيطه الاجتماعى، وأن أمامه طريقًا طويلا يحتاج إلى نفسٍ طويل.. وعن طريق الوعى السياسى يفهم ما يدور حوله من قضايا، ومن ثم يطرح لها البديل الإسلامى، ويبدأ يُفكِّر ويخطط فى المجال الذى يبرع فيه، فهناك الجانب الاقتصادى والاجتماعى والسياسى.

إن العمل العسكرى لا يتطلَّب من البعض إلا أشهرًا من التدريب والمران، لكن إعداد شخصٍ مُتمرِّس بالسياسة والفكر فهنا يحتاج إلى إعداد طويل وسنوات طويلة، وهذه النوعية هى التى تلزم لقطف ثمار الجهاد العسكرى وحمايته، وهى التى تنفع فى بناء أسس الدولة والحفاظ عليها "مثال: أفغانستان".

قواعد الوعى السياسى:

1- الوعى السياسى إنما ينشأ ويتعزَّز فى خضمِّ الصراعات لا فى المجتمعات الراكدة والجامدة، فكل مجتمع يعيش صراعًا مع أعدائه ومناوئيه هو أقرب إلى الوعى السياسى من غيره لحاجته الماسة إليه.

2- المعرفة السياسية بنظرة عمومية هى معرفة ناقصة تحتاج إلى معرفة التفاصيل التى تدور فى الساحة.

3- عندما ننظر إلى المواقف والأحداث السياسية يجب أن نُبْعِدها عن التجريد والشمول، وأن نربط كل موقف بالظروف المحيطة به والملابسات التى تكتنفه، فلا يوجد أخطر على العمل السياسى من المنطق والقياس.

4- الحذر من تسلُّط الميول والرغبات على الآراء والأنباء، فرغبات النفس قد تؤثر فى تفسير الرأى والنبأ، وتُضْفِى عليه صفة الصدق وهو كذب أو وصف الكذب وهو صدق.

5- الحذر دائمًا من أن يكون الذِّهْن فريسة للدعايات والإعلانات الزائفة التى تبعده عن الغاية التى يعمل لها أو ينشغل بالأمور الثانوية عن الرئيسة.

6 - الواعى سياسيًّا لا يكفى أن يدرك ما حوله، إنما يجب أن يدرك الأشياء ويعلنها للناس حتى يعمل على إيجاد الوعى عند الأمة فى مجموعها.

طريق تكوين الوعى السياسى:

يمكن أن نضع برنامجًا مختصرًا يساعد الفرد على تكوين الوعى السياسى الذى يساعده على أن يكون عنصرًا إيجابيًّا فى دعوته وفى مجتمعه، غير انعزالى ولا هو بالمُتَهوِّر الثائر على غير هدى، وكذلك يساعده على التحصُّن من إيحاءات أجهزة الإعلام وتضليلها.

1 - دراسة الدين والتاريخ الإسلامى والتاريخ الحديث:

إن المسلم الواعى سياسيًّا هو الشخص الذى يلتزم فى ثقافته ومواقفه السياسية مع وجهة نظر الإسلام، والإسلام له نظرية كاملة وفريدة من نوعها حول الشئون السياسية والأحداث ينبغى للمسلم أن يتخذها قاعدة فى معالجته الأمور والقضايا السياسية وتحليله الأخبار وفى عمله السياسى؛ فالعمل السياسى ينقسم إلى ثلاث مراحل:

- الوعى السياسى.

- التحليل السياسى.

- ممارسة العمل السياسى.

فالقرآن والأحاديث النبويَّة والسيرة المطهَّرة تبرز ملامح الأمة القويَّة والمنهارة وعوامل انهيارها، وصفات التجمعات المعادية للإسلام، ورسمت صورة واضحة عن الحاكم المُسْتَبِد والقائد العادل، وحذَّرت من اليهود والنصارى وبيَّنت حدود التعامل معهم، أما دراسة التاريخ الإسلامى فهى تقدِّم قاعدة فى معرفة الواقع السياسى للأمة الإسلامية، كيف نشأت، وما مقوماتها وكيف انتكست، ومن هم أعداؤها، وكيف ظهرت نهضة التحرُّر من الاستعمار، وأين وصلت، وكيف كان الوضع بعد الاستعمار.

كما أن دراسة التاريخ المعاصر أمر مهم فى معرفة التيارات السياسية المعاصرة، والأطروحات التى تطرحها على الساحة السياسية حتى تتمكن من الرد عليها.

2- المتابعة السياسية والتحليل:

كما أن البعد عن الأحداث ومسبِّباتها وظروفها التى لا تتحقق إلا بالمتابعة يؤدِّى بالفرد إلى اتخاذ مواقف خطأ، قد تجرُّه تلك المواقف إلى الهاوية "مثال: أزمة الخليج".

وهناك ثلاثة أنواع فى التفكير السياسى:

- التفكير السياسى فى الأنظمة السياسية: كالنظام السياسى الإسلامى، والنظام السياسى الديمقراطى.

- التفكير السياسى فى الدولة وأجهزتها التى تتناول أساليب رفع كفاءة إدارة الدولة والجماهير.

- التفكير السياسى فى نصوص أخبار الوقائع والأحداث.

وكل هذه الأنواع تُنمِّى الوعى السياسى، إلا أن أكثرها تنميةً واستحداثًا للوعى السياسى هو التفكير السياسى فى نصوص الأخبار والوقائع والأحداث وربطها.

ولمعرفة كيفية انتزاع الحقيقة لنصوص الأخبار يمكن أن نتبع الخطوات التالية:

-      ينبغى التعرف على اتجاهات الصحف والإذاعات والكتاب والمحررين؛ إذ لِكُلٍّ منهم اتجاهات وأفكار، يمزجون هذه الأفكار وميولهم واتجاهاتهم فى النص الخبرى.

- إن متابعة الأحداث والتطورات وقراءة الدراسات السياسية تعطى للإنسان خلفية سياسية، ولكنها لا تجعله بالضرورة واعيًا سياسيًّا وإنما مثقفًا سياسيًّا، وللحصول على الفائدة من المتابعة والقراءة ينبغى إعمال الفكر والربط بين الأحداث وتحليلها واكتشاف أسرارها.

- معرفة المعادلة السياسية الراهنة للحدث السياسى وللخبر المنقول.

- معرفة وفهم المصطلحات التى يبثُّها أعداء الإسلام والكارهون له من خلال وسائلهم المسموعة والمقروءة.

كما يمكن تنمية القدرة على المتابعة السياسية والتحليل السياسى بالطرق التالية:

- الأرشيف السياسى أو الصحفى، ويُقسَّم على حسب القضايا أو المناطق الجغرافية.

- محاولة التدريب على كتابة التحليلات السياسية لقضايا ساخنة.

- عقد حلقات النقاش والندوات التى يُطرح فيها موضوع أو قضية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، ويفتح الباب للنقاش بحيث يتم التحضير مسبقًا للموضوع محلّ النقاش.

3- ممارسة العمل السياسى:

إن النقاط السابقة التى ذكرناها تُعْطِى بعدًا واحدًا فى الوعى السياسى وهو البُعْد النظرى، وهو وحده يعنى نقصا فى الوعى يتطلب من صاحبه أن يدعمه بالبُعْد الآخر وهو البعد التجريبى والعملى، وهذا لا يتم بطبيعة الحال إلا إذا انخرط الإنسان فى ممارسة العمل السياسى؛ ليصل إلى درجة النضوج فى الوعى السياسى.. إن من ينخرط فى العمل السياسى يتمكن أكثر من غيره فى الحصول على المعلومات والأخبار الصحيحة.

إن من ينخرط فى العمل السياسى، وهو جزء من الإسلام، يجب عليه أن يراعى هذه المساحة، فلا تتسع على حساب جوانب الشريعة الإسلامية المختلفة، فالتوازن مطلوب، والمساحة لكل جانب محدَّدة لا يبغِى بعضها على بعض، وهذا أمر مهم يجب الانتباه إليه.

 

 

الزعم أن الإسلام دين لا علاقة له بالسياسة (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المغالطين أن الإسلام شريعة روحية تعبدية، ولا يعدو أن يكون دعوة دينية مقصورة على مجرد الاعتقاد وإقامة الصلات الروحية بين العبد وربه؛ فلا تعلق لهذا الدين بالشئون المادية في الحياة، كالسياسة والحرب والمال... إلخ.

وتفصيل مزاعمهم: أنه لا علاقة لهذا الدين بشئون الدنيا وسياسة أمور العباد، أو ما يعبر عنه بقولهم: "لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة"، وأن الدين يجب أن ينزوى[1] بين جدران المساجد - بوصفها مجالا للتعبد - وأن يدع شئون الدنيا وساحة السياسة لمذاهب البشر الوضعية وفلسفاتهم الإنسانية، طبقا لمبدأ "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". وقد ارتبطت بهذه الفرية الرئيسة شبهات فرعية، مثل:

·        القول بأن ما أنزل الله تكليف فردي.

·   عدم وجود دولة موحدة بالمدينة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حاكما ورجل دولة؛ بل كان رجل دين فقط، ولا علاقة لدينه بالدولة ونظامها.

·        الخلافة دنيوية لا دينية، والشورى لا تفترق عن الديمقراطية[2].

·        الخلافة قد قامت بمبادرة انقلابية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ونالها الأقوى لا الأحق بها.

·   الدعوة للخلافة عبثية وضد أي دستور حضاري، وليست في الإسلام نصوص توضح كيفية تأسيسها، وهي في تطبيقاتها التاريخية كانت متخلفة.

وينتهي هؤلاء المفترون إلى القول بأن المطالبة بتطبيق الشريعة لا معنى لها، وأن الزمن قد تجاوزها، ويدعون إلى حصار الدين في المساجد والموالد. وهم يخلصون من هذا كله إلى أن النظام الإلهي لا يمكن تطبيقه، وأن العمل بالشريعة يؤدي إلى اختلال النظام وسفك الدماء في زعمهم.

وجوه إبطال الشبهة:

1) أصل مقولة "الفصل بين الإسلام والدولة" يرجع إلى ثورة كمال أتاتورك وما تبعها من حركات وكتابات مشبوهة، كان من ثمراتها كتاب "الإسلام وأصول الحكم".

2)   معطيات القرآن والسنة في شئون الحكم والسياسة تكفل إقامة نظام قوي ناجح.

3)   التاريخ الواقعي للدولة الإسلامية يتضح فيه الاهتمام بشئون الدين والدولة معا.

4)   ثمة شهادات تاريخية لغير المسلمين تؤكد أن الإسلام دين ودولة.

التفصيل:

أولا. أصل مقولة الفصل بين الدين الإسلامي والدولة:

 ظل المسلمون منذ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - واستخلاف الصديق - رضي الله عنه - يفهمون الإسلام فهما شموليا، معتقدين توفيقه بين أمور الدين والدنيا، أو الدنيا والآخرة، أو الدين والدولة، أو السياسة والدين، وأن الله لم يفرط في كتابه - القرآن - من شيء. ظلوا على هذا الفهم حتى جاء النظام التركي القومي الجديد بقيادة " مصطفى كمال أتاتورك"، فألغى نهائيا نظام الخلافة الإسلامية - الذي بدأ منذ استخلاف الصديق في السقيفة[3] - بإنهائه الخلافة العثمانية، فخلا العالم الإسلامي - للمرة الأولى في تاريخه - ممن يحمل لقب خليفة، ومحا بالفعل من الأرض الخلافة محوا.

وقد تطلعت لاستئناف نظام الخلافة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي دوائر عديدة بدوافع متعددة؛ فثمة فريق رأى أن الخلافة واجهة يقف خلفها المسلمون في تصديهم لزحف الغرب الاستعماري على بلادهم، وفريق ثان اعتبرها تراثا، وفريق ثالث اعتقد أن إقامتها واجب ديني وأصل من أصول الإسلام. كما تطلعت لملء هذا الفراغ في هذا المنصب المهيب عروش وملوك كان في مقدمتهم الملك أحمد فؤاد، ومن هنا لم يكن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بحثا أكاديميا في مجال الفكر السياسي بقدر ما كان إسهاما فكريا في معركة سياسية حامية، وتحديا لملك رغب في نيل منصب الخلافة، فجاء الكتاب ليهدم فكرة الخلافة من أساسها، ويبرز عدم الحاجة إليها شرعيا وواقعيا.

جوهر مضمون كتاب "الإسلام وأصول الحكم":

تدور فكرة الكتاب الرئيسة حول القول بأن الخلافة دخيلة على الإسلام، وهي مصدر قهر واستبداد، وقد كانت نكبة على الإسلام والمسلمين عبر تاريخها، وأن الإسلام دين خالص وعلاقة بين العبد وربه، ولا صلة له بشئون السياسة وأمور الدولة، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - رسول دعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وولايته ولاية دينية روحية وليس في القرآن والسنة ما يعطي طابعا سياسيا دنيويا لهذا الدين، وإقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يمكن أن يتم في ظل أي نوع من الحكومات، مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية،[4] استبدادية أو دستورية،[5] شورية ديمقراطية أو اشتراكية[6] وبلشفية[7] [8]! وما يزال الناس بعد "على عبد الرازق" بين مؤيد لآرائه متعصب لها ومعارض لمزاعمه مفند لشبهاته[9].

السياسة جزء من النظام الإسلامي الشامل:

 والحق أن من ينكرون صلة الإسلام بالسياسة ينطلقون من مقولة باطلة أساسا، وهي أن الإسلام مجموعة من العبادات بالمفهوم الضيق لهذه الكلمة، أي مجموعة من الطقوس والشعائر التعبدية تؤدى وكفى.

وهذا قول يجانب الحقيقة تماما؛ فمن بدهيات الفكر الإسلامي - أن الإسلام نظام شامل للحياة، والسياسة من أهم شئونها ومجالاتها، فلا يتصور أن يدع الإسلام هذا الجانب المهم - السياسة - ويهمله دون أن يرسم له الإطار العريض وينص على المبادئ التوجيهية العامة فيه، ثم يترك التفاصيل والجزئيات للناس يتصرفون فيها بما يناسب ظروف زمانهم ومكانهم دون أن ينفلتوا من توجيهات هذا الإطار العام وتلك الأصول الكلية، أي دون أن ينصرفوا عن جوهر هذا الدين وروحه وهديه.

ولا شك أن علاقة الإسلام بالسياسة ثابتة في المرجعية الإسلامية - القرآن والسنة - نظريا، وفي واقع تاريخ المسلمين عمليا، فمن الإشارات التي تضمنتها آيات القرآن الكريم قوله تعالى: )وأمرهم شورى بينهم( (الشورى:38)، وقوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59)( (النساء)، فأولى الأمر هنا - وإن انصرفت إلى كل من يحمل مسئولية - تنصرف إلى الولاية العظمى في الإسلام، وهي ولاية أمر المسلمين أو رئاسة الدولة الإسلامية، فلولي أمر المسلمين حق الطاعة على رعيته، شريطة أن يكون ملتزما بمبادئ الإسلام وتوجيهاته، أي مطيعا لله ولرسوله كما يكلف بذلك صدر الآية.

بالإضافة إلى هذا فإن القرآن حافل بالنصوص التي تعلي من شأن العدل باعتباره أساس الحكم الصالح والإدارة السليمة، ومن ذلك قوله عز وجل: )إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل( (النساء:58)، وقوله عز وجل: )ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى( (المائدة:8)[10].

ومن المعاني الأخرى التي حرص القرآن على ترسيخها بين المسلمين وفي نفوسهم الإخاء والمساواة - وجعل معيار التفاضل هو التقوى لا الدم والعنصر والحسب والنسب - مما يعني أن أفراد الأمة وجماعاتها كأعضاء الأسرة متآخون متحابون، أو هذا ما يجب أن يكونوا عليه في واقعهم العملي.

ومما يشير إلى هذه المعاني من الآيات قوله تعالى: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم( (الحجرات:13)، ويطول الحديث بمن يقصد استقصاء الآيات التي تعالج شئون المجتمع الإسلامي وتبلور نظمه، وأسلوب حياته - من بيع وشراء، وحرب وسلم، وتوارث، وحدود وقصاص... إلخ. وكلها نظم وقواعد وضعها الإسلام ليلتزمها المسلمون، ويشرف على تنفيذها ولي أمرهم، ولأجل هذا ورد قوله تعالى: )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47)( (المائدة).

ثانيا. معطيات القرآن والسنة تكفل إقامة نظام سياسي قوي:

لقد حفلت السنة النبوية بالنصوص التي تتعلق بالسياسة وشئونها، وهي تؤكد ما ورد في القرآن بهذا الشأن وتبينه، ومن ذلك ما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته...». [11] فإذا كانت هذه واجبات الحاكم؛ فمن حقه على الرعية الطاعة في غير معصية، وإلى هذا المعنى يشير قوله صلى الله عليه وسلم: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».[12] وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف»[13].

وقد رفع - صلى الله عليه وسلم - من شأن العدل والإنصاف في الحكم، وأخبر بأن الإمام العادل أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله[14].

وقد حرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على جمع الكلمة ووحدة الصف بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». [15] فلا شك إذن أن القرآن والسنة قد قوما - ولم يغفلا كما زعم المغرضون - جانب السياسة في حياة المجتمع الإسلامي، ووضعا المبادئ الهادية الموجهة وتركا التفصيلات يحددها أهل كل عصر حسب ظروف زمانهم ومكانهم، مسترشدين بهذه الأصول العامة[16].

وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - العملية تؤكد سنته القولية في هذا الشأن، فلئن كانت المرحلة المكية من سيرته قد انصرفت لتثبيت العقيدة؛ فقد تفرغ في الفترة المدنية لتكوين الأمة، وبناء صرح الدولة، وتشييد نظامها، وتوطيد أركانها، وكإرهاصات للفترة الثانية هذه ولطبيعتها المشار إليها مثلت بيعة العقبة الثانية اللبنة الأولى في بناء الأمة ككيان سياسي، فلم تكن اتفاقا على الالتزام بخط أخلاقي فحسب كالبيعة الأولى؛ بل كانت ميثاقا ذا طابع سياسي، ففيها خاطب أبو الهيثم بن التيهان - أحد الأنصار - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلا:

«إن بيننا وبين الرجال - أي الناس - حبالا، أي - عهودا واتفاقات ومواثيق - وإنا قاطعوها، - أي بالتزامنا معك الذي يجب[17]غيره من الالتزامات التي لا تتفق وطبيعته - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»[18].

والذي أراد ابن التـيهان - رضي الله عنه - قوله في هذا المقام هو أنهم بدخولهم - أي جماعة الأنصار - في الإسلام، وبعقدهم الميثاق مع الله ورسوله، سوف يقطعون المواثيق والعهود مع اليهود وغيرهم، ولذا فهم يودون أن يطمئنوا إن فعلوا ذلك وتم لنبي الله النصر ألا يتركهم ويعود إلى قومه؛ فأكد لهم الرسول التزامه بالعهد والميثاق.

يقول المولى عز وجل: )واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103)( (آل عمران)، وهو تأكيد لمعنى كلام ابن التيهان ورد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه، فقد قطع القوم حبالهم مع الناس واعتصموا بحبل الله جميعا،أي دخلوا في عهده وميثاقه، واجتمعوا على الإيمان به، وتحابوا في سبيله وأصبحوا إخوانا متآلفي القلوب بنعمة الله، وتلك هي الرابطة الأساسية بين أفراد أمة الإسلام، قال تعالى: )إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)( (الحجرات).

ثالثا. التاريخ الواقعي للدولة الإسلامية يبرز فيه الاهتمام بشئون الدين والدولة معا:

عندما أذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، تصرف منذ وطئت قدماه قباء بضواحي يثرب كأنه يسير على خطة محكمة وضعها من قبل، وحانت فرصة تنفيذها الآن، فسار في هذا المضمار قدما كل خطوة تعقبها أخرى، والخطوات تتلاحق وتتكامل، وبناء الأمة يشاد بترتيب وإحكام وتوقيت دقيق.

ابتدأ ببناء المسجد الذي أصبح رمزا لوجود الأمة المادي، بالإضافة إلى وجودها المعنوي، فلم يكن المسجد موضعا للصلاة فحسب؛ بل كان موضع اجتماع المسلمين للاستماع إلى خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتلاوة القرآن و الائتناس ببعضهم وسماع الأخبار، وبجواره يقيم قائد الأمة، ومن هنا تدبر شئونها.

ثم آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار لتتشكل جماعة المؤمنين على أسس متينة، لكن مجتمع المدينة لم يقتصر على المسلمين؛ بل ضم من بقوا على حالهم ولم يدخلوا في الإسلام من العرب واليهود، فوضع الرسول الدستور المنظم للعلاقات بين هذه الجماعات، وحدد لكل حقوقه وواجباته فيما عرف بالصحيفة.

ويحق لنا أن نصف هذه الصحيفة النبوية بأنها نص دستوري توافرت له أبعاد ثورية قانونية نظرية، ورؤية منهجية بعيدة المدى، فضلا عن تفرده التاريخي في باب العلاقات بين طوائف الدولة وفئاتها[19].

إذن بهذه المعطيات قامت الدولة التي اشتملت على الأمة التي سكنت أرضا ذات معالم، وقادها الرسول - صلى الله عليه وسلم - واهتدت بمعالم الدستور النبوي، وقد مارس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإضافة إلى التوجيه الديني مسئوليات القيادة النبوية، مستندا إلى قواعد الدين؛ فنظم شئون الحرب والسلم، وعقد المعاهدات، وجبي[20] الأموال وأنفقها في وجوهها، وعين الولاة والقضاة، وبالجملة فقد أدار شئون هذا المجتمع الجديد الذي أخذ شكل دولة ناشئة. وما الدولة في المفهوم المعاصر إلا أرض وشعب وقيادة وحكومة؟!

وقد توافرت كل هذه المقومات لدولة المسلمين في المدينة، وما انضاف إليها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الواقع التاريخي المبني على هذه الأصول الشرعية - خصوصا في العصر الراشدي - يشهد بإجماع الصحابة ومعهم الأمة على إقامة الإمامة (الخلافة أو الدولة الإسلامية)، وهذا الإجماع يعد البرهان الأول لدى القائلين بوجوب الخلافة وهم الأغلبية من أهل الفرق وعلماء المسلمين، ويستشهدون على ذلك بأن الصحابة بمجرد أن بلغهم نبأ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بادروا إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة وتركوا أمر تجهيز النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل بيته، وتداولوا أمر خلافته لإدراكهم مدى أهمية هذا الأمر، وهم وإن اختلفوا في شخص الخليفة المختار والصفات الواجب توافرها فيه؛ فإنهم أجمعوا على وجوب نصب إمام وتعيين خليفة، ولم يقل أحد أبدا بأنه لا حاجة بهم إلى ذلك، وقد وافق بقية الصحابة - ممن لم يحضروا اجتماع السقيفة - على ما أقره هذا الاجتماع من اختيار أبي بكر - رضي الله عنه - في البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي.

وكان الصديق قد خطب في اجتماع السقيفة فقال: «أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: )وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144)( (آل عمران)، واستمر إلى أن قال: إن محمدا قد مضى بسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به فانظروا، وهاتوا آراءكم، فناداه الناس من كل جانب: صدقت يا أبا بكر». [21]وهكذا أمن الناس على كلامه بضرورة إقامة رأس للأمر قائم ولم يستنكروه[22].

وكان ضروريا أن يجتهدوا في هذا الأمر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن وضع في هذا الشأن الأصول والقواعد العامة كما سبق أن أوضحنا؛ فإنه لم يبين تفاصيل كيفية إقامة الخلافة أو الإمامة، وهو لم يعين ولم يعهد ولم يوص لأحد - إلا عند الشيعة الذين قالوا: إنه أوصى بالإمامة بعده لعلي ونسله من فاطمة - بل ترك الأمر شورى؛ لتختار الأمة لنفسها حسب ظروفها مسترشدة بالهدي النبوي، أو على حد تعبير د. حسين مؤنس: "وترك الأمة لتختار لنفسها الطريق لكي تسير نفسها في طريق النصر والإيمان والعزة والكرامة والخير، والأمة بعد ذلك حرة في أن تصنع لنفسها الشكل الذي تحكم نفسها به؛ فهي أساسا أمة حرة أو اتحاد شعوب حرة، وكل فرد من أفراد هذه الشعوب إنسان حر كريم له مثله الأعلى النابع من القرآن والحديث، فكما أن أمة الإسلام تضمن لمواطنيها الحرية والكرامة والعزة وسلامة الضمير؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسم لأمته الطريق وتركها تسير فيه على النحو الذي تريد، فهي إسلامية أولا، وشورية ثانيا، وحرة وضميرها حي أولا وأخيرا... تختار من يسيرون أمورها بحرية وبوحي من ضميرها، يستوي أن يكون خليفة أو ملكا أو سلطانا أو أميرا أو رئيسا أو هيئة تحكم معا.

فكل هذا سواء ما دامت تسير في هدي الإسلام وتسعى لتحقيق مثله العليا في ضوء السراج المنير: )يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47)( (الأحزاب) [23].

وفي مرض الصديق الأخير تشاور الصحابة في الأمر حتى استقر الأمر على عمر رضي الله عنه، وطمأن الصديق بعض من خافوا شدة عمر بأنها شدة في الحق، وأنه يشتد حين يرى الصديق يلين، فتم الأمر، وكانت هذه صورة ثانية للشورى غير الصورة التي اختير عليها الصديق من قبل.

وحين طعن الفاروق جعل الخلافة في ستة الباقين من العشرة المبشرين بالجنة، ومعهم ابنه عبد الله مستشارا يستأنسون برأيه، وليس له من الأمر شيء، فكانت صورة ثالثة توافق جوهر القضية، وهي مبدأ الشورى والاختيار الحر.

ثم لما استشهد عثمان - رضي الله عنه - اختارت بقية أهل الحل والعقد الموجودة بالمدينة عليا فكانت رابعة، وحين استشهد علي - رضي الله عنه - صرفت بقية هذه الجماعة الأمر لابنه الحسن الذي آثر حقن الدماء وصالح معاوية الذي عهد بها قبل وفاته لابنه يزيد بعد استشارة أهل الأمصار.

وطيلة هذه الفترة وفي أثناء هذا كله لم يدر بخلد أحد من الصحابة جواز خلو الأرض من إمام، فدل هذا الإجماع على قطعية وجوب الإمامة[24].

على أن فترة الانسجام بين المبادئ الشرعية السامية في شأن الولاية والحكم والإمارة من شورى وحرية اختيار، وبين التطبيق العملي على الأرض لم تدم طويلا، بل سرعان ما تنكر بعض الناس لهذه المبادئ مع بداية العصر الأموي.

ولا غرابة في هذا، فالعهود المثالية عادة قصيرة الأمد يعرف ذلك كل من درس تواريخ الأمم ولا سيما حركات الإصلاح والثورات في مختلف العصور، ينطبق هذا على المجتمع المسلم خلال العهدين النبوي والراشدي إلى منتصف خلافة عثمان - رضي الله عنه - قبل أن تشب الفتنة الكبرى.

 

ويعلل قصر آماد هذه العهود المثالية في إيجاز بليغ دقيق د. محمد ضياء الدين الريس بقوله: " ومن أسباب ذلك أن الجيل الأول الذي ينهض حاملا أعباء دعوة جديدة مستمسكا بالمثل العليا مجاهدا في سبيل تحقيقها، لا يلبث بعد مضي مدة من الوقت تكفي لأن ينشأ امرؤ من دور الطفولة إلى دور الكهولة أن يخلفه جيل جديد، لا تتوافر له نفس العناصر التي توافرت للجيل السابق، فلا يكون له - في مجموعه - مثل قوة إيمانه ولا عمق فهمه للمبادئ، ولا درجة حماسه لها؛ إذ إن الأفكار والمشاعر قلما يورثها جيل لآخر بنفس القوة سليمة كما هي، دون أن يعتورها نقص أو تبديل.

ثم إن المستوى العالي الذي ترتفع إليه النفس الإنسانية في أثناء تلك العهود الاستثنائية يصعب على الطبيعة البشرية أن تحتفظ ببقائها فيه، وقد ركبت فيها غرائز وميول وأهواء تنزع بها إلى الهبوط إلى مستويات أدنى، كما أودعت فيها العواطف التي تدفع بها إلى السمو.

وفوق ذلك فإن الظروف والأحوال تختلف، فإن أمثال هذه الحركات الإصلاحية والدعوات والثورات إنما تظهر نتيجة لتجمع أسباب معينة: اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية، ثم بعد أن تنتهي الدعوات أو الحركات إلى نجاح وتتمكن من تحقيق أهدافها كلها أو بعضها، لا تكون تلك الأسباب قد بقيت كما هي، بل يكون قد زال بعضها، وتحولت طبيعة بعضها الآخر.

كما أنه يترتب على الوضع الناشئ الذي يكون قد أدى إليه النجاح أن تتغير البيئة، وتوجد عوامل وتبدو ظواهر لم تكن معروفة من قبل، وما دامت الأسباب والمقدمات تتغير فلا بد أن تتغير النتائج تبعا لها.

أضف إلى ذلك أن بقاء مجتمع ما في مستوى رفيع - إذا قيست حاله بمقاييس الأخلاق أو السياسة - إنما يرجع إلى جانب الأسباب الأخرى من استعداد المجتمع نفسه وطبيعة الظروف المحيطة به إلى نوع من القيادة.

القيادة الممتازة التي توجهه وتلهمه، وهي متمتعة بصفات فائقة غير شائعة الوجود، من حكمة وكياسة وسعة أفق وبعد نظر ونزاهة مقصد، والطبيعة لا تجود بالعبقريات كثيرا، فإذا خلا مكان القيادة لم يجد المجتمع من يملؤه ممن يضارع[25] الموجه الأول في كفاءته أو تكتمل له كل هذه الصفات، وتكون النتيجة التي لا مفر منها أن ينزل المجتمع من مكانته، وتتعثر خطاه، وتتزاحم عليه المشاكل، وتظهر لذلك كله آثار غير مستحبة، يكون مغزاها أن عهدا قد انقضى وبدأ عهد آخر" [26].

وهكذا وضح لنا من خلال استقراء المرجعية الإسلامية - نظرية وتطبيقا - أن شئون السياسة ليست غريبة على الإسلام، بل هي جزء من إطاره العام؛ فقد قدم القرآن والسنة المبادئ الأساسية والأصول الكلية في هذا المجال ثم استرشد التطبيق العملي بهذه الأصول عند التجريب على أرض الواقع؛ فتعددت الصور وبقي الجوهر واحدا زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والراشدين رضي الله عنهم؛ ليبرهن هذا على أن السياسة لم تنفك عن الإسلام نظرا وتطبيقا.

رابعا. شهادات تاريخية لغير المسلمين تؤكد أن الإسلام دين ودولة:

لقد أدرك هذه الطبيعة الشمولية في الإسلام، واهتمامه بأمر الدنيا ومن ثم بشأن السياسة وعدم اقتصاره على الجانب الروحاني التعبدي كثيرون حتى من المستشرقين، وهذه طائفة من شهاداتهم بهذا الشأن:

·   يقول د. فتزجرالد: " ليس الإسلام دينا فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضا. وعلى الرغم من أنه قد ظهر في العهد الأخير بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنهم عصريون، يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين؛ فإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان، لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر".

·        ويقول نللينو: " لقد أسس محمد في وقت واحد دينا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته".

·   ويؤكد د. شاخت أن الإسلام يعني أكثر من دين؛ إنه يمثل أيضا نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول: إنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معا".

·   ويقول ستروثمان: " الإسلام ظاهرة دينية سياسية؛ إذ إن مؤسسه كان نبيا، وكان حاكما مثاليا خبيرا بأساليب الحكم".

·        ويقول أرنولد: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفس الوقت رئيسا للدين ورئيسا للدولة".

·   ويقول جب: " الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية؛ وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعين في الحكم، وله قوانينه وأنظمته الخاصة به".[27]

أفبعد كل هذا الدفع وهذه البراهين من الأصول الشرعية والتطبيقات التاريخية والأقوال المنصفة حتى من قبل المستشرقين، يسوغ القول بأن هذا الدين لا علاقة له بالدنيا ولا شأن له بالسياسة؟!

وإذا كان ذلك كذلك وأنه حقا لا يعنى بشئون الدنيا، فلم كانت كل هذه التشريعات التي نظم بها جانب المعاملات في حياة البشر، والتي تغطي مساحة هائلة من كتب الفقه الإسلامي؟! أليست الدنيا مزرعة الآخرة؟! حقا:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

ولعل هذا الرمد الذي حجب عن عين الشيخ علي عبد الرازق، وأمثاله ممن يرون رأيه رؤية الحقيقة يرجع إلى سبب معقول واضح، عبر عنه د. عبد الله جمال الدين بقوله: " والحقيقة أن الشيخ علي عبد الرازق كتب مؤلفه لأغراض سياسية بحتة، فقد ألغيت الخلافة التي تعد رمزا للوحدة الإسلامية - برغم ما شابها من معايب - وخشيت أوربا والصهيونية والاستعمار من أن يعود هذا الرمز من جديد فيقف عقبة كئودا [28] في سبيل تحقيق أغراضهم، ووجدوا من المصلحة أن يضللوا المسلمين، وأن يظهروا أن الخلافة ليست من الضرورات الدينية، فالإسلام لا شأن له بالحكم ومسائله، خاصة وقد سمعت أصوات قوية تنادي بعودة الخلافة في مصر أو في الجزيرة العربية، فلنقم بوأد هذه الدعوة في مهدها، ولا بأس أن يقوم بإصدار هذه الفتوى أحد رجال القضاء الشرعيين ممن ينسبون إلى الشريعة وإلى العلم بها؛ لأن هذا سيكون له أثر فعال في القضاء على الفكرة التي تطالب بتجديد الخلافة"[29].

ومن علل صدود المنكرين لوجود صلة بين الدين وبين الدنيا والسياسة أنهم خلطوا بين الخلافة كرمز للنظام السياسي في الإسلام على المستوى الفكري وبين تطبيقاتها التاريخية في العصور المختلفة راشدها وزائغها.

يعبر عن هذا قول د. محمد عمارة عن كتاب" الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق: " والصورة التي تناثرت في أغلب صفحات الكتاب عن الخليفة والإمام في الإسلام والتي تحدثت عن سلطاته المطلقة المستمدة من الله، وصلاحياته التي لا تعد ولا ترد، هي صورة غريبة عن روح الإسلام، جاءت إلى الحياة السياسية الإسلامية التطبيقية، إما عن طريق الفكر الشيعي عن الإمامة، وهو فكر يعد امتدادا لنظريات الفرس الإقطاعية في هذا المجال أو عن طريق الحكم الأموي - وما تلاه في الواقع - الذي طبع بطابع الوراثة"[30].

وهذا الخلط هو ما أدى إلى أن تجيء الصورة لدى هؤلاء منفرة سوداوية صادة للنفس عن مثل هذا النموذج الذي صورته وعبرت عنه.

والحق أن هذه العلاقة ثابتة بالنصوص القرآنية؛ فقد تضمنت آيات كثيرة ألفاظا مثل: الشورى والحكم والعدل..... إلخ، وكلها من مفردات السياسة، كما تحدثت الآثار النبوية الشريفة عن الحاكم العادل والجائر، وعن الجهاد والولاية والقضاء.

ثم إن الواقع التطبيقي في العهد النبوي وعهد الراشدين ومن بعدهم قد أيد هذا الفهم؛ فقد ولوا الولاة، وعينوا القضاة، وبعثوا الجيوش، ودونوا الدواوين، وعقدوا المعاهدات، وأبرموا الاتفاقيات.... ومارسوا شئون الحكم والسلطة والسياسة.

الخلاصة:

·   عناية الإسلام منذ بداياته الأولى بشئون الحكم والسياسة ثابتة مستقرة لا يمكن تجاهلها، أو إنكارها أو التشكيك فيها.

·   الدعوة إلى "الفصل بين الدين والدولة" ترويج للفكر العلماني في العالم الإسلامي، ومحاولة للقضاء على فكرة الأمة في أذهان المسلمين، كما أن كتاب" الإسلام وأصول الحكم" جاء ليهدم فكرة الأمة من أساسها، ويبرز عدم الحاجة إليها شرعيا وواقعيا.

·   اشتمال القرآن والسنة على كثير من الآيات والأحاديث التي تؤكد اهتمام الإسلام بشئون الحكم والسياسة وإيراده طائفة كبيرة من مفرداتها يدحض دعوى عدم وجود علاقة بين الدين والسياسة.

·   التطبيق العملي لمبادئ الدولة الإسلامية يؤكد عناية الإسلام بشئون الحكم والسياسة، وإن قل هذا التطبيق الصحيح لمبادئ الإسلام على مدار التاريخ، بل لقد أساء بعض الحكام المسلمين التطبيق العملي لهذه المبادئ.

·   سجل التاريخ شهادات لغير المسلمين (مستشرقين وعلماء غربيين) تؤكد حقيقة أن الإسلام دين ودولة، وأنه لم يقتصر على الجانب الروحاني التعبدي فقط.

 

 

 

(*) المفترون: خطاب التطرف العلماني في الميزان، د. فهمي هويدي، دار الشروق، القاهرة، 1416هـ/1996م. الرد على شبهات أحمد الكاتب حول إمامة أهل البيت ووجود المهدي المنتظر، سامي البدري ، مطبعة قسم شريعت، إيران، ط2، 1417هـ. تهافت العلمانية في الصحافة العربية، سالم البهنساوي، دار الوفاء، القاهرة، ط2، 1413هـ/ 1992م. المستشرقون والإسلام، محمد قطب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1420هـ/ 1999م. الإسلام وأوربا: تعايش أم مجابهة، إنجي كارلسون، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2003م. الهجمات المغرضة على التاريخ الإسلامي، محمد ياسين مظهر صديقي ، ترجمة: سمير عبد الحميد إبراهيم، هجر للطباعة، القاهرة، ط1، 1408هـ/ 1988م. أوهام العلمانية حول الرسالة والمنهج، توفيق يوسف الواعي ، دار الوفاء، القاهرة، 1992م. القدس مدينة واحدة وعقائد ثلاث، كارين أرمسترونج، ترجمة: فاطمة نصر، محمد عناني ، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1998م. الإسلام والغرب، روم لاندور، ترجمة: منير البعلبكي ، دار العلم للملايين، بيروت، 1962م. بلاد العرب، ديفيد جورج هوجارت، ترجمة: صبري محمد حسن، دار الأهرام، القاهرة. الإسلام والغزو الفكري، محمد عبد المنعم خفاجي ، عبد العزيز شرف، دار الجيل، بيروت، ط1، 1411هـ/ 1991م. صورة الإسلام في الإعلام الغربي ، محمد بشارى، دار الفكر، 2004م. موجز دائرة المعارف الإسلامية، فريق من المستشرقين، مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1418هـ/ 1998م. حضارة الإسلام، جوستاف لوبون، ترجمة: عبد العزيز جاويش، عبد الحميد العبادي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م. التبشير العالمي ضد الإسلام، عبد العظيم المطعني ، مكتبة النور، القاهرة، 1992م. مائة سؤال عن الإسلام، محمد الغزالي، نهضة مصر، القاهرة، ط2، 2004م.

[1]. زوى الشيء يزويه فانزوى: نحاه فتنحى، وانزوى القوم بعضهم إلى بعض: إذا تدانوا وتضاموا.

[2]. الديمقراطية: إحدى صور الحكم تكون السيادة فيها للشعب، وتمارس إما مباشرة أو عن طريق نواب عن الشعب. أو هي إسلوب في الحياة يقوم على المساواة وحرية الرأي والتفكير وسيادة الشعب. والديمقراطية الاجتماعية: هي نظرية سياسية تؤيد استخدام الرسائل الديمقراطية لتتحرك تدريجيا من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

[3]. السقيفة: جمع سقائف، وهي المكان المسقوف أو العريش الذي يستظل به، والمقصود هنا سقيفة بني ساعدة ـ قوم من الخزرج ـ التي اجتمع فيها الصحابة لبحث أمر الخلافة بعد وفاة رسول الله.

[4]. الجمهورية: دولة يرأسها حاكم منتخب من الشعب أو من ممثليه، وتكون رياسته لمدة محددة ينص عليها دستور البلاد.

[5]. الدستورية: شرعية القوانيين والأحكام وتوافقها مع دستور الدولة أو قانونها الدستوري .

واليمن الدستورية: هي القسم الذي يتعهد فيه رئيس الجمهورية قبيل تسلمه الحكم بالمحافظة على الدستور.

[6]. الاشتراكية: مذهب سياسي واقتصادي يقوم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج وعدالة التوزيع والتخطيط الشامل.

[7]. البلشفية: مذهب يدعو إلى تطبيق الشيوعية على المجتعات الرأسمالية بعد المرور بمرحلة الجماعية.

[8]. انظر: دراسات في النظام السياسي والمالي في الإسلام، د. عبد الرحمن سالم، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2000م، ص17: 28. نظام الدولة في الإسلام، د. عبد الله جمال الدين، طبعة خاصة، 1998م، ص21 وما بعدها.

[9]. الإسلام كبديل، د. مراد هوفمان، مؤسسة بافاريا، الترجمة العربية، مجلة النور الكويتية، ط1، 1993م، ص137 وما بعدها.

[10]. لا يجرمنكم شنآن قوم: لا يحملنكم ولا يكسبنكم بغض قوم على ألا تعدلوا بينهم.

[11]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (853)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية (4828) بنحوه.

[12]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (4882).

[13]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التمني ، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم (6830)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (4871) واللفظ له.

[14]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين (1357)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (2427).

[15]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب نصر المظلوم (2314)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (6750).

[16]. دراسات في النظام السياسي والمالي في الإسلام، د. عبد الرحمن سالم، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2000م، ص11 وما بعدها.

[17]. يجب:أي يقطع ويمحو، ومنه الحديث: "إن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها"،أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب.

[18]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكيين، حديث كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه (15836)، والطبراني في المعجم الكبير، باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري عقبي يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن (174)، وصححه الألباني في فقه السيرة (1/ 146).

[19]. الإسلام كبديل، د. مراد هوفمان، مؤسسة بافاريا، الترجمة العربية، مجلة النور الكويتية، ط1، 1993م، ص143.

[20]. جبى الخراج جباية: جمعه.

[21]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا" (3467) بنحوه، وفي مواضع أخرى.

[22]. النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الريس، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط7، 1976م، ص180.

[23]. دستور أمة الإسلام، د. حسين مؤنس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م، ص159، 160.

[24]. النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الريس، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط7، 1976م، ص110، 111 بتصرف.

[25]. يضارع: يشابه ويماثل.

[26]. النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الريس، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط7، 1976م، ص47، 48.

[27]. نظام الدولة في الإسلام، د. عبد الله جمال الدين، طبعة خاصة، 1998م، ص34 وما بعدها.

[28]. كئود: عقبة كئودأي شاقة المصعد.

[29]. نظام الدولة في الإسلام، د. عبد الله جمال الدين، طبعة خاصة، 1998م، ص39.

[30]. الإسلام وأصول الحكم، د. علي عبد الرازق، تحقيق ودراسة: د. محمد عمارة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص49، 50.

 

 

 

حقد الأعداء على الإسلام

قال تعالى : ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ البقرة 217 . هذا إعلام من الله عن الحقد الذي يحمله الأعداء في قلوبهم للإسلام ، إنه حقد دائم ضد الإسلام ، وإن مجرد وجود الإسلام في الأرض كافٍ لتحريك ضغائنهم وباعث لهم على التحرك ضد المسلمين ليردوهم عن دينهم إن استطاعوا

كما أن حقدهم موجه لكل مؤمن بل للإيمان ذاته كما هو معهود من أعداء الدين على مدار التاريخ  قال تعالى : ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ﴾ .  إن قصة الاعتداء أصيلة فيهم ، تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ، وصدودهم عنه وتنتهي بالوقوف في وجهه ، وتربصهم بالمؤمنين ، وإن المسلمين يواجهون أعداءً يتربصون بهم ولا يقعدهم عن الفتك بهم بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك  وإن حقيقة المعركة الطويلة بين الإسلام وأعدائه تصوره هذه الآية القرآنية الكريمة : ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمة ﴾ التوبة 8 . يوماً بعد آخر ، يتبين للعالم أجمع ، مدى الحقد الغربي عموماً ، على كل ما يمت إلى الإسلام ، عقيدةً ، وثقافةً ، وأرضاً ، وتاريخاً   ولقد نال العرب  من هذا الحقد الصليبي الأعمى ، النصيب الأوفى .! ولقد ظهر هذا الحقد على أوجه في الثمانين سنة الماضية  وبالتحديد منذ سقوط الخلافة الإسلامية  كما أخذ أشكال مختلفة ، ومظاهر متنوّعة   ابتداءً من الاحتلال العسكري لبلاد العرب والمسلمين ، وكان اقتطاع الغرب لفلسطين قلب العروبة والإسلام ، وتسليمها لليهود  ليعيثوا فيها قتلاً وتشريداً وتخريباً، واحداً من أهم مظاهر ذلك الحقد الصليبي الأسود ، ثم مروراً بالغزو الثقافي والفكري ، ومحاولاتهم المستميتة لطمس هوية الأمة الحضارية ، وتسويق أنماطهم الأخلاقية المنحطّة إلى بيوت العرب والمسلمين عبر وسائلهم الإعلامية الخبيثة ، التي تديرها أخطر عصابات المافيا في العالم ،  وذلك تحت شعارات لم تعد تنطلي على أحد ، من أمثال : العولمة   والحريّة ، والتحضّر ، ولعل من أبرز مظاهر ذلك الحقد الصليبي أيضاً ، ما مارسه الغرب من سرقات مفضوحة لنتاج الشعوب العربية والإسلامية   وذلك إبان الاحتلال الصليبي الغادر لبلاد تلك الشعوب المظلومة ، ولا نتعدّى الحقيقة إذا قلنا : بأن أساس مدنية الغرب ورفاه شعوبه ، إنما قام على حسابنا ، فلقد سرقوا منا أصول البحث العلمي ، ومناهج التفكير التجريبي ، التي هي من أهم مفاخر العرب والمسلمين ، كما سرقوا الأفكار والتجارب والمخطوطات والمكتبات  وسرقوا مرتكزات الاقتصاد العربي والإسلامي ، سواء الظاهرة على سطح الأرض  أو المدفونة في جوفها   كالنفط والمعادن والآثار وغيرها ، وما يحصل في العراق أكبر دليل على ذلك ، ومن أبشع مظاهر حقد الغربيين على العرب والمسلمين   ما مارسوه ويمارسونه يومياً من مظاهر الظلم والاعتداء على حريّة الفرد العربي المسلم وكرامته ، تلك الحرية التي كفلتها كل القوانين والشرائع الأرضية والسماوية  ولعل أبسطها ، حرية العيش الآمن على أرض الوطن بدون ضغوطات أو تهديدات خارجية  وحرية اختيار طريقة الحياة ونظام الحكم بما ينسجم مع العقيدة والدين الإسلامي وحرية الثقافة والكتابة والنقد وإبداء الرأي وتداول السلطة بصورة سلمية  بدون أية عقد أو تداعيات أو مؤامرات .

ومن العجيب أن يتسع مفهوم الحرية في الغرب ، حتى ليمنحونها للقطط والكلاب   بينما يستكثرونها على العرب والمسلمين   حتى ليحرمونهم من شرب الماء النقي واستنشاق الهواء الصافي ، وأخيراً وليس آخراً   تفجّر حقدهم الأسود على شكل حروب مهووسة طالت الكثير من البلاد العربية والإسلامية ، ابتداءً من فلسطين الحبيبة  فالصومال ، فالسودان ، فأفغانستان ، ثم استداروا على العراق ، فاحتلوا أرضه  وذبحوا شعبه ، ودمروا مرتكزاته  وسرقوا ثرواته وها هي جرائمهم المؤلمة في المدن العراقية تدلل على مدى حقدهم واستهتارهم ووحشيتهم  ولا يزال تهديدهم للأمة مستمراً ، ولا تزال القائمة مفتوحة  والله وحده هو العالم ، على من سترسو ماكنة الموت والدمار الصليبية في الأيام القادمة ، ولا أظنني بحاجة لكي أذكّر بأن الغرب الصليبي نفسه ، كان قد زحف على العراق الصابر ، بقضّه وقضيضه ، في حرب كونية  حاقدة ، ألقوا فيها كل ما تراكم لديهم عبر التاريخ من الحقد والشر والهمجية ، وتفتّقت عقولهم المريضة  ونفوسهم الشريرة ، عن كل وسائل الغدر والعدوان ، بما فيها الوسائل المحرّمة دولياً   وذات التدمير الشامل .

ولقد استهدفوا بحقدهم الأسود كل شواخص الأمة في العراق ورموزها ، ولم تسلم من غدرهم وحقدهم ، حتى المدارس والمساجد وملاعب الأطفال ، بل لقد وصل غدرهم وحقدهم وخسّتهم ، إلى الحقول المزروعة وقطعان الأغنام ، ولقد شهد العالم أجمع  على جرائمهم القذرة في أفغانستان المسلمة ، البلد الأفقر في العالم ، الذي يموت أبناؤه من المرض والبرد والجوع في الطرقات العامة وفي سوريا والعراق واليمن يتكرر المشهد  ، وبدلاً من أن يقدّموا  المساعدات الإنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح البريئة التي هدّها المرض وأنهكتها الحاجة ، إذا بهم يلقون آلاف الأطنان من المتفجرات الحاقدة  التي أتت على البقية الباقية من مفردات الحياة  في تلك البلدان ، وليعلم كل ذي عقيدة أن سنة الله توحي بعد هذه المظالم المريرة التي مرَّ ويمرُّ بها المسلمون بشيئين لا ثالث لهما : إما الهداية وإما الضلال . وإن الجاهليات تظلُّ تعيشُ بمقدار ما فيها من خير متناثر حتى يغلب ما فيها من شرٍّ طاغٍ فيختنق الخير ، ولا يكاد يستطيع أن يتنفس  وحين تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء تتدخل إرادة الله لتحدث التغيير ، وذلك يكون من خلال سعي البشر وحركتهم قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ الرعد 11 . فإذا لم يتم التغيير تتدخل إرادة الله تدخلاً حاسماً ، لتخسف الأرض بالطغيان كله ، أو تهدي الناس إلى الله ، ونحن على أبواب تدخلٍ من تدخلات الإرادة الإلهية الحاسمة  لأن الطاغوت الحاكم في الأرض وصل إلى حدٍ لا يطاق ، ولن يخلص الناس من ضلال الكفار واضطرابهم إلا الإسلام ، الذي يعطي الوضع الصحيح لكل انحراف في التصور والسلوك والسياسة والاقتصاد والأخلاق ، وكل شيءٍ في حياة الإنسان ، ومهما يكن أمر المسلمين اليوم ، فالإسلام ليس مقيداً بهم ولا متوقفاً عليهم لأنه نورُ الله لكل البشرية قال تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيرا ﴾ سبأ 28 .                

وأخيراً لا ننسى بأننا على ثقة تامة من عدل الله ، وأن الله  يمهل ولا يهمل ، وأنه للظالمين بالمرصاد ، فهو يملي لهم لحكمة يعلمها هو -  ولعل من حكمته سبحانه تمحيص الأمة  وفرز عناصرها ، ومعرفة الصادقين من الكاذبين فيها -  ولكنّه إذا أخذهم في النهاية فلن يفلتهم ، وإن أخذه أليم شديد ، وسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه يد القدر الجبارة لملايين المظلومين من أمتنا الذين حرمهم الظلم الصليبي من أبسط مقوّمات الحياة : ﴿ ويسألونك متى هو ؟ قل : عسى أن يكون قريبا ﴾  .

 

 

 

أساليب الأعداء في الحرب الإسلام

العداوة في هذه الحياة سنة قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وليست هذه العداوة بالضرورة مبنية على خطأ ممن نُصبت له العداوة ، ولا على ظلم ولا على اعتداء ، بل إن الله تعالى المتفضل على عباده بكل خير ، له من خلقه أعداء ، كما قال الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ 98 سورة البقرة .

والرسل عليهم الصلاة والسلام لهم أعداء ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾ 31 سورة الفرقان وحتى الأنبياء الذين لم يكن لهم تابع فقد كان لهم أعداء يحاربونهم ، قال الله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ 112 سورة الأنعام. وهذا يُبين سبب خلق النار، وما فيها من السعير والعذاب لأن النار أعدت لهؤلاء الذين فسدت فطرهم ، وخربت عقولهم  وتحجرت قلوبهم ، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ 179 سورة الأعراف . فهذه قاعدة لابد من فهمها وبيانها ، فمهما حاولت وجادلت  وتحريت وتلطفت  واستخدمت من الأساليب والطرق ؛ فلن تعدم عدواً  ولن يعدم المؤمن أحداً يؤذيه حتى ولو كان على قمة جبل:

ولستُ بناجٍ من مقالة شانئٍ    ولو كنت في رأسٍ على جبل وعر

ولكننا نجد عداوة الأعداء مهما وجد بينهم من التباغض  والتناقض والتباعد  فإنهم إذا ما واجهوا الإسلام والمسلمين وحدوا صفوفهم في مواجهتهم ،  وينسون العداوات فيما بينهم   ألا ترون تحالف القوى العظمى ضد الإسلام وقد اتفقوا على إظهار العداوة لهذا الدين قال تعالى : ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ 118 سورة آل عمران .

وإذا نظرنا اليوم إلى عدونا، وقد تسلل إلى بلاد الإسلام كلها   فعلينا أن نلوم أنفسنا ، وأن ندرك أنه ما كان هذا ليحدث لولا أننا تخلينا عن كتاب ربنا ومنهج نبينا .  فحين نقرأ عن خطط أعداء الإسلام ودراساتهم واحتياطاتهم نحس بعمق الكيد، وخبثه، ودهائه ، وأنهم يحسبون لكل شيء حساباً ، ويدبرون أدق التدبير وأعظمه ، فلهم حيل وأساليب خفية لا يدركها أكثر الناس وهنا نتذكر قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ 46 سورة إبراهيم . يعني : هو مكر دقيق لو بلغ أثره وتحقق مقصده؛ لزالت الجبال لسببه ، لكننا نجد أن الجبال باقية في مكانها، إذاً مكرهم دقيق وبعيد ، ولكن آثاره أقل مما يدبرون ويمكرون ويتصورون . وإذا نظرنا في المقابل إلى الآيات الأخرى التي تتكلم عن ضعف كيدهم الذي قال الله عنه الله تعالى : ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ 76 سورة النساء .وجدت مصداق ذلك هذه الأيام في أعمال كثيرة ، ظنوا أنها بأيديهم ، فإذا بالأمر يكون خلاف ما يتوقعون ، ونكتشف ضعف كيدهم ووهنه ، وكثرة ثغراته في أمور ورد ذكرها في تقرير  راند 2007 وقد تجلى في تقديم رؤية ثقافية في حلحلة المعضلة "الإسلامية" التي تقض مضاجع الأمريكيين إثر استراتيجية عسكرية بحتة أخفقت في العراق وأفغانستان ، وقد أظهرت من خلال الواقع أن نشر الأمركة عبر طائرات الشبح وقاذفات بي 52، ليست ذات جدوى حقيقية في كسر شوكة هذه الأمة المسلمة ، وأنه بعد أربع  سنوات من الإخفاق ، لابد من تقديم حلول جديدة تستبصر طريقها عبر المعطيات الجديدة ، التي أوجدتها الحروب على الأرض ، كما أوجدها الإخفاق في سياسة اقترحها تقرير راند 2004 وتتمثل في استهداف من أسماهم بالمتطرفين الإسلاميين  والتشجيع "الظاهري" للدول العربية على نشر "الديمقراطية" فيما عرف بـ" الشرق الأوسط الجديد" عبر "معتدلين"، ومن ثم ؛ فإن روح التقرير تهدف إلى التغلغل لتغيير بنية المسلمين الثقافية بدلاً من الاقتصار على حقل كانت تسعى للعمل داخله في الماضي ، وهو كسر شوكة "المتطرفين" وحدهم ، وهذه الروح إذن تحمل معنى "المراجعة" وتنادي به وإن لم تذكر ذلك صراحة لسياسة لم يكتب لها النجاح من قبل خلال سنوات قليلة لا تزيد عن أربع سنوات . ومؤسسة راند هذه أكبر مركز فكري في العالم ، مقرها الرئيسي في ولاية كاليفورنيا الأميركية   تقوم هذه المؤسسة بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ومن ثم تحليلها ، وإعداد التقارير والأبحاث التي تركز على قضايا الأمن القومي الأميركي في الداخل والخارج  .

إن مما لاشك فيه أن الغفلة عن ألوان الخداع التي يمارسها الأعداء للإسلام الذين يملكون الإعلام، والاقتصاد ، والتصنيع والإدارة ، والغفلة عن خططه التي تؤدي إلى الوقوع في شراكه وحبائله ،  لا يمكن لنا أن نواجهها إلا إذا وصلنا إلى درجة من الوعي والإيمان والتوكل على الله تعالى ، والإدراك الواضح لأساليبهم وأهدافهم ، التي تتركز على الفصل بين المسلمين وبين حقيقة دينهم ؛ بالفصل بينهم وبين القرآن، والفصل بينهم وبين المسجد ، والفصل بينهم وبين العلماء والدعاة المخلصين مما يسهل عليهم خداع العامة، وترويج الأقاويل الباطلة عليهم  ويسهل صرف الناس عن دينهم والتلبيس عليهم ،  مع العلم بأن المشاعر الإسلامية تثور وتتحرك لأي شيءٍ يمس عقيدتها  وقد اثبتت التجربة أن العدو أدرك أن الشعوب قابلة لأن تتحرك وتثور إذا مُسّت عقيدتها مساً مباشراً ، فإحراق المصحف- مثلاً- أو هدم المساجد ، أو شتم الرسول صلى الله عليه وسلم   أو سب الله تعالى ؛ يثير المشاعر ، ويحرك حتى أكثر الناس بعداً عن الدين ، حتى المشاعر الخاملة تتحرك ، ولهذا فلا بأس عندهم من قدر من العناية بالمصحف، وقراءته في الإذاعة ، حتى في إذاعة إسرائيل ولندن ، وصوت أمريكا يفتتحون بالقرآن الكريم   ولا بأس أيضاً من تحلية المصحف بالذهب ، ولا بأس عند الضرورة من إنشاء معاهد تخصص للقرآن الكريم ، شريطة أن تقتصر على مجرد اللفظ ، وإتقان القراءة والتجويد . وأما تفسير القرآن.. والدعوة إليه ، فضلا عن المناداة بتحكيمه  والعمل بشرائعه  فهي جريمة عندهم ، وربما يصل عقابها إلى القتل ، أو ما يسمونه الإعدام ، لأن الذي ينادي بذلك خارج عن القانون   ويريد تحطيم مكتسباتهم ويريد العودة إلى عصور التخلف والرجعية.   فالناس يغضبون إذا هدم المسجد علانية ، أو أحرق المصحف ،  لكن إذا عطل في غرضه وهدفه وسبب وجوده  فإن الناس ربما يغفلون ولا يتحركون ، خاصةً إذا أحكم الكيد ونظم المكر.   إنهم يعملون للحيلولة بين الأمة وبين قرآنها وبينها وبين مسجدها، وبينها وبين علمائها بشتى الوسائل.  كما يعملون على تجفيف منابع التدين، وتطبيع العلاقات بين الأديان -كما يسمونها- الإسلام مع اليهودية ومع النصرانية وبالتالي تغيير المناهج الدراسية ، خاصة مناهج الدين والتاريخ  ولم يسلم من هذا التغيير أي بلد . كما نجد من يعمل على تفريق الجماعات الإسلامية  وضرب بعضها ببعض ، حتى يسلم العدو ويقف متفرجاً ، على حين يتشابك هؤلاء كما يتشابك الصبيان فيما بينهم .

إن الغريب قد لا يستطيع ما يستطيعه القريب ، فالقريب أبلغ في المحاربة . ولذلك يجب على دعاة الإسلام ورجاله وأهله وحملته   أن يكونوا فوق مستوى الخلافات الشخصية ، وألا يقبلوا أن يثار الخلاف إلا مع أعداء الإسلام ، أما الخلاف مع إخوانهم فيجب ألا يستجيبوا له ، وأن يكونوا فوق مستوى الخلافات التي هي للعدو وليست للصديق.  لذا اعتبر الشرع الاتفاق والتعاون أمران مطلوبان ، وأن كل ما أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين  ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من القواعد العظيمة التي هي جماع الدين : تأليف القلوب   واجتماع الكلمة ، وإصلاح ذات البين . وأهل هذا الأصل هم أهل السنة والجماعة ، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفُرقة " .  ونصوص القرآن والسنة كثيرة في هذا الباب ، فهي تحث عليه  كقوله تعالى: ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ . وإن عدم الشعور بإصلاح ذات البين هو نقص في إسلام المسلمين هذه الأيام  لأن الإسلام علم وعمل، وليس مجرد قولٍ وادِّعاء قال تعالى ) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ( .

 

 

 

 

 

 

 

نظرة قادة الغرب للإسلام

إنهم يحذّرون من عظمة الإسلام لا لأنهم يحبونه ، بل بقصد التشهير به لخوفهم منه ، لأنهم يعرفون بأنه لو طبق لساد وحكم العالم ، وعندما يتكلمون عن عظمة الإسلام فإن ذلك نابع من خوفهم وخشيتهم على عروشهم التي لو عاد الإسلام  لفتح عليهم بلادهم وداس على حضارتهم المادية ، وهم متأكدون إذا ما أتيحت الفرصة للمسلمين من تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة وإعداد العدة والرجوع إلى الله وتطبيق منهجه ، فإن الإسلام سيسود العالم  .

وجاء اختياري لهذا الموضوع ، لما لمسته من تفاؤل و استبشار لدى كثير من المسلمين والتعويل على بعض قادة الغرب لرفع المعاناة عن بلدان المسلمين ورفع الظلم عن أهلها ، بمعسول الكلام وبريق الشعارات ، علماً بأنه لا   يرجى خيراً ممن غزا جيشه بلاد المسلمين وقتلت طائراته ودباباته أطفالهم ونساءهم وأعلنها حرباً صليبية عليهم  ، مع أن هذه السياسة كان لها الفضل في اليقظة المباركة التي سرت بين أبناء المسلمين نحو عدوهم ومعرفته على حقيقته ، وارتفاع علم الجهاد في أكثر ميدان  وسقوط الأقنعة الكاذبة التي تروج لحقوق الإنسان ورفع الظلم وحماية الحريات حيث تهاوت هذه الدعاوى الكاذبة ، إلى جانب ظهور تداعيات انهيار نظامها الاقتصادي . لقد جاء زعيمهم بسياسته الماكرة وأظهر محبته للسلام ونقده الشديد للسياسة العدوانية, فانخدع بمعسول كلامه كثير من المسلمين ، وعلقوا على مجيئه الأمل في رفع المعاناة عن المسلمين وإزالة الظلم عنهم ، ناسين أن سياستهم  هي سياسة مؤسسية لها أهدافها ولها مراكزها ومخططوها ، ودور الرئيس عندهم هو تنفيذ هذه السياسة والسير على خطاها , فقد يتبنى بعضهم سياسة العجلة والتهور ، بينما يلجأ الآخر إلى سياسة المكر والمخادعة ومعسول الكلام ، لتنفيذ نفس الأهداف التي رسمت لسلفه, فهما وجهان لعملة واحدة .

يروي التاريخ بعد سبع حملات صليبية فاشلة في مائتي سنة، أن أوسر قائد الحملة الصليبية السابعة ملك فرنسا لويس التاسع في مصر على يد المماليك، ثم أطلق سراحه من سجن المنصورة بفدية مالية كبيرة، بعد أن أقسم  الأيمان المغلظة على ألا يعود لحرب المسلمين، وقد طلب من الصليبيين في وصيته قبل وفاته، أن يغيروا خططهم في غزو المسلمين، ويتحولوا من القتال العسكري إلى الغزو الفكري فكانت بداية الحركة الاستشراقية .

ولا يزال التاريخ يعيد نفسه ، عندما أعلنت  الحرب الصليبية على بلاد المسلمين ، فكان من أبرز ما أصدرته مؤسسة راند وهي مؤسسة فكرية بحثية تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وأهم مؤسسة فكرية مؤثرة على صناعة القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط ، جاء في تقرير لها بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) ، يهدف التقرير إلى تغيير الإسلام من خلال فهم طبيعة المنطقة  وتقسيم المسلمين إلى أربع فئات: مسلمين أصوليين أو متشددين، ومسلمين تقليديين، ومسلمين عصرانيين   ومسلمين علمانيين ، ويتحدث التقرير عن قضايا أخرى من منظور مشوه، مثل حقوق الإنسان، وتعدد الزوجات والقوانين الجنائية في الإسلام كقطع الأيدي ورجم الزناة  ولباس المرأة، وضرب الزوجات، واختتم التقرير بالتشكيك في جمع القرآن ونقله ، وفي تقرير آخر بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) الذي يدعو إلى أمركة مفهوم الاعتدال، وتفكيك وتفرقة الصف الإسلامي ، وخلاصة ما تدعو إليه هذه التقارير، هو معركة فكرية ضد الإسلام تنفذ بيد أناس من أبنائه، لهدم الإسلام باسم الإسلام، وتعطيل الشرعية باسم ضوابط الشريعة ، وصدق الله تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ وقال تعالى : ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ .

إنهم يعملون ويخططون، ويكيدون ويمكرون : ﴿ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ وقد تضمنت هذه التقارير اعترافاً بالفشل وتناقضاً وتخبطاً، يدل على أنهم فشلوا   بحمد الله في حربهم على الإسلام : ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون ﴾ . جاء قائدهم إلى بلاد المسلمين بخطاب ذكي كتب وألقي ببراعة ، فأشاد بحضارة الإسلام واستشهد بعدد من الآيات القرآنية . وقديماً جاء نابليون بونبرت الذي احتل مصر وخرب الأزهر الشريف ، واتخذ من أروقته اسطبلاً لخيوله، وعندما دخل مصر جمع العلماء والمشايخ وألقى فيهم خطابًا تاريخيًا استفتحه بالبسملة واستشهد فيه بالآيات القرآنية قائلاً: " بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه.. أيها المشايخ والأئمة، قولوا لأمّتكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمين ، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا ، الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام " ، وقد علق الجبرتي على ذلك بقوله: "تمويهات على العقول بفاسد التخيلات التي تنادي على بطلانها بديهة العقل فضلا عن النظر" ، إنه لا فائدة في استفتاح الكافر خطابه بالسّلام ليدغدغ المشاعر  فالسلام ليس مجرد تحية تُلقى، بل هو حياةٌ وأمن للبشر .

والله الذي لا إله غيره لو اجتمعت كلمة الحكام والشعوب على الدين واعتصموا بحبل الله المتين، لقويت شوكتهم، وعزت دولتهم، ومكن الله لهم في الأرض  .

: ﴿ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ﴾ .

إننا على ثقة بأن المستقبل لهذا الدين، أما النصوص الشرعية فكثيرة ، وأما الشواهد الواقعية فقد نقلت تقارير الغرب تخوفهم من انتشار الإسلام ، ومن شاهد الفيلم الوثائقي لإحدى المنظمات الكندية المعادية للإسلام واسمه (ذي وورد إز شانجينق) العالم يتغير، وهو موجود في مواقع الفيديو على النت، ذكروا فيه معدلات الإنجاب وهجرة المسلمين إلى أوربا وانتشار الإسلام في فرنسا  وأن عدد المساجد في بعض الأماكن فاق الكنائس كما في جنوب فرنسا، وأنه بحلول عام 2027م سيكون المسلمون خمس فرنسا، وبعد 39 سنة ستكون فرنسا مسلمة، ثم انتقل الفيلم بالأرقام إلى بريطانيا وهولندا وروسيا وبلجيكا وألمانيا التي حذرت حكومتها من تدني معدلات النمو السكاني ، وأن ألمانيا ستكون مسلمة بحلول عام 2050م، وذكر التقرير أن المسلمين في أوربا وهم 52 مليون مسلم قادرون على تحويلها كلها إلى قارة مسلمة  ثم عاد التقرير إلى مصدره كندا، حيث الإسلام الأسرع نمواً، ثم أمريكا التي بلغ المسلمون فيها التسعة مليون  ويختم الفيلم بالدعوة إلى الاستيقاظ للتبشير برسالة المسيح، والحذر من المد الإسلامي.

إن هذه التقارير والأرقام يجب أن لا تخدرنا أو تدفعنا للتواكل، بل يجب أن تزرع فينا الأمل، وتدفعنا إلى الدعوة والعمل ، وأن لا نغفل عن الجانب الأهم وهو الكيف والمنهج قبل الكم والعدد، لقد عرف الغرب أنه لا يمكن القضاء على الإسلام بالقطع والاجتثاث، بل بالمسخ والتغريب ليصبح ديناً باهتاً، مطية لكل راكب، لا يهش ولا ينش، باسم السماحة والاعتدال ، ومع أن أهل الإسلام كثير لكنهم غثاء كغثاء السيل، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم والمسؤولية علينا جميعاً في تقديم الصورة الجميلة للإسلام ، في سماحته ورحمته وحسن أخلاقه كما يريدها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا كما يريدها الغرب : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ .  

 

 

 

 موقف الغرب من الإسلام والمسلمين

 قال تعالى : ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ﴾ البقرة . إنهم يكرهون هذا الدين ويرجون ألا تقوم له قائمة ولا يرفع له ذكر إنهم يريدون تدميره بكل الوسائل والأساليب والحيل الماكرة مهما يكن الثمن لأن غايتهم  تحقيق الانتصار والغلبة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم  التي أصبحت اليوم غثاء كغثاء السيل يجرفها التيار كيف يشاء وحيث شاء كما أخبرنا بذلك  صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا أو من قلة نحن يا رسول الله قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) أي لا قيمة لكم .

هم يكرهون هذا الدين ولكنهم قد يقولون كلمة حق وينصفون هذا الدين الذي حاولوا   تمزيقه من مئات السنين وإلى الآن  ولكنهم إذا ما قالوا مقولتهم هذه إما يريدون بها حقا وتكون صادقة كما في بعض تصريحاتهم . أو يقولون صدقاً يريدون به باطلاً بقصد التنفير من هذه الأمة وزيادة روح الحقد والعداء على أبنائها وحملة لوائها ، وبذلك يحمل الغرب شحنة حقد وعداء  على الإسلام والمسلمين ، فهناك تصريحات اعترفت بعظمة دين الإسلام وبعظمة رسوله وصدقه وقيادته للبشرية  حيث إنهم صرحوا بأنه القائد الأوحد العظيم الذي لو بعث في هذا القرن ، قرن الظلم والفساد والطغيان والجور بكافة صوره والإستبداد والنظم الدكتاتورية والعلمانية . لو ظهر محمد صلوات الله وسلامه عليه لقاد البشرية وحل مشاكلها العويصة ووصل بالبشرية إلى بر الأمان . 

إنه لمن المدهش أن نرى كثيراً من كبار المفكرين من غير المسلمين قد وضعوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أعظم مكانة معترفين بأنه الأعظم . فهذا ميشيل هارت يقول عن سبب اعتبار محمد  صلى الله عليه وسلم من أعظم العظماء في التاريخ بأن الامتزاج بين الدين والدنيا الذي ليس له نظير هو الذي جعلني أؤمن بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثراً في التاريخ الإنساني كله .  وقال آني بيسانت ( إنه لمن المستحيل على أي واحد يدرس حياة الترف وأخلاق وسلوك نبي العرب العظيم ، ويعرف كيف عاش وكيف هي تعاليمه ، إلا أن يحترم ويبجل هذا النبي القدير كواحد من أرفع الرسل سموا وشأنا ، ومهما تحدثت عنه فلن أوفيه حقه إنني كلما أعدت قراءة مسيرته كلما ازددت إعجاباً وازددت توقيراً لهذا المعلم العربي القدير )  فعلماؤهم وقادتهم يحذّرون من عظمة الإسلام بقصد التشهير به لخوفهم منه فهم يعرفون بأنه لو طبق لساد وحكم جميع الخلائق .  وعندما يتكلمون عن عظمة الإسلام فإن ذلك نابع من خوفهم وخشيتهم على إمبراطورياتهم وعروشهم التي لو عاد الإسلام إلى القلوب لفتح عليهم بلادهم وداس على حضارتهم المادية ، وهم متأكدون إذا ما أتيحت الفرصة لأبناء الإسلام من تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة وإعداد العدة والرجوع إلى القرآن الكريم وتطبيقه فسيسود الإسلام العالم .

وتخوفهم من الإسلام نلمسه في كتاباتهم وتصريحاتهم ، يقول القس لورانس براون وهو يبدي تخوفه من الإسلام ( كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة لكننا لن نجد مبرراً لمثل تلك المخاوف ، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي والخطر الياباني الأصفر والخطر البلشفي الشيوعي لكنه تبين أن اليهود هم أصدقاؤنا والبلاشفة الشيعيون حلفاؤنا أما اليابانيون فإن دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم ، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام وفي قدراته على التوسع والإخضاع وفي حيويته   المذهلة ) .  نعم إن الإسلام إذا دخل القلوب جمع الشتات ووحد الصفوف وساد العالم وحتماً سيسود ، لأنه دين ودولة وهم يفهمون ذلك جيداً ويحذرون منه خشية أن يؤرق مضاجعهم ، وينغص عليهم نومهم ، ويبعث إليهم من جديد ، وتعود الأندلس الغائبة وتفتح روما والقسطنطينية وتبدد أحلام السلاطين والقياصرة .

إننا نجد أن كل قوى الشيطان والبغي والعدوان ، تجتمع لمقاومة هذا الدين في كل مكان حتى لا يسود العالم من جديد فهم وإن كانوا فيما بينهم أعداء ، لكنهم أصدقاء متكاتفين في مواجهة هذا الخطر عليهم الكامن في الإسلام والقرآن ، الذي إن طبقت حدوده وأقيمت دولته ، لتأثر الغرب الكافر وهزت عروشه  فقد قالوا قولتهم الشهيرة عن القرآن التي يستشف منها مدى الحقد الدفين على الإسلام . قال المستشرق جلاد ستون ( مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلا تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ) . هذا محور تفكيرهم اللهم إجعل كيدهم في نحورهم واجعل تخطيطهم تدميرهم . وقال رئيس البرلمان الانجليزي ( إذا أردتم أن تسودوا العالم فعليكم بهذا ( وهو يمسك المصحف بيده ) فثار الناس ظناً منهم أنه يقصد إتباعه فقال : يا أيها الحمقى لا أقول عليكم بهذا فاتبعوه ولكن عليكم بهذا فانزعوه من قلوب الرجال ) . وقد تآمروا على القرآن الكريم فابعدوا الناس عنه ، كما قال أحد المبشرين  بالحرف الواحد ( نحن لا نريد المسلمين أن يكونوا نصارى فإن في هذا عزاً لهم ، ولكن نريدهم أن يكونوا مذبذبين لا إلى هولاء  ولا إلى هولاء أي لا بالإسلام يدينون ولا إلى النصارى ينتمون ولكنهم أجساد بلا قلوب .

إن المبشرين الذين يجوبون في أنحاء العالم اليوم بما لديهم من إمكانيات مادية هائلة هدفهم تحويل المسلمين عن دينهم وزعزعة عقيدتهم وإثارة الشبهات والشكوك والدعوة إلى العقائد الباطلة التي  تفسد على المسلمين دينهم وعقائدهم

لقد أصبح من بين المسلمين فريقاً يتكلمون بألسنة هؤلاء المستشرقين لأنهم صُنِعوا على أيديهم وتتلمذوا عليهم ونهلوا من نهلهم الملئ بالحقد على القرآن والسنة ، ويلاحظ أن ما يصنعه هؤلاء الداعين إلى الضلال من بين المسلمين أخطر على المسلمين من المبشرين والنصارى لأن المبشرين النصارى معروفين ، أما الذين يتظاهرون بالإسلام والدفاع عنه  فلا يستطيع كشفهم وكشف زيفهم وضلالهم إلا ذوى الألباب والعقول السليمة وأرباب العلم من المسلمين ، وقد تابع كثير منهم النصارى ورضى بما أثاروه من شبهات حول الإسلام  ودخلوا وراءهم كل طريق انحراف وزيغ حتى أصبح الجميع في الهاوية فلا تخرج موضة في الغرب الكافر إلا وأصبحت صيحة في بلاد المسلمين وبدلاً من متابعتهم في العلم والتكنولوجيا لنكون مثلهم ، استوردنا الرذيلة والفساد والانحلال والخلاعة  وتركنا لهم العلم فهل نستيقظ ونفيق من الغفلة والسبات العميق ، إن جرائمهم في حق العرب والمسلمين لا تنتهي، وإن عدوانهم الذي نرى ونسمع ليدل على نزعتهم الإجرامية الشيطانية الشريرة التي لا ترتوي ولا تشبع من الدماء والدمار والأموال؟ ويحاول قادتهم خداع المسلمين والعرب بأنهم لا يكنان أية عداوة للإسلام   ويقولون بأن الإسلام دين سلام . يقصدون بذلك أن يصير الإسلام دينا مدجَّنا لا يرفع أبدا سلاحا ضدهم   في الوقت الذي يعملون على تدميره والقضاء عليه نصرًا للصهاينة حتى يعود المسيح (حسب عقيدتهم ) إلى الأرض فيحكم العالم لمدة ألف سنة سعيدة ثم تقوم القيامة . ومن أجل هذه الغاية يتحتم عليهم أن يسرّعوا من وتيرة الأحداث ليقضوا على العرب والمسلمين بالسلاح النووي أو ينصّروهم كي يتم وعد الله طبقا لما جاء في نبوءة دانيال ورؤيا يوحنا حسب فهمهم وتأويلهم ، والعمل على الوقيعة بين الجماعات الجهادية التي تقف في طريق المشروع الصهيوني المسيحي وبين سائر المسلمين ، متهمين تلك الجماعات بأنها خارجة عن الخط الإسلامي المعتدل . يقصدون المسلمين الساكتين الذين لا يسببون لهم أية متاعب ، لينفذوا خططهم في سلاسة وسهولة  لذا لا يتورعون عن ممارسة أي دور يتيح لهم إفناء الآخر كلما واتتهم الفرصة.     

يقول د. فيكتور سحّاب في عرضه لكتاب: "الأصولية الإنجيلية" للصحفي اللبناني المعروف محمد السماك: "في الولايات المتحدة الأمريكية كنائس إنجيلية مسيحية هي أقرب إلى الصهيونية ، وإن هذه الكنائس تمتلك محطات تلفزة تبشيرية  لبث تعاليمها وإن معظم زعماء هذه الكنائس التي اصْطُلِح على تسميتها بــ"المسيحية الصهيونية" يؤمنون ويبشّرون بفكرة "هَرْمَجِدّون"، وهي فكرةٌ مؤسَّسةٌ على نص لا مثيل له يرِدُ مرة واحدة في إنجيل يوحنا... وبناءً على تفسير هؤلاء فإن النص المذكور هو نبوءة تؤكد أن حربًا نوويةً ستقع على أرض فلسطين في سهل مجدّو جنوب شرق حيفا، وإن هذه الحرب النووية ستحرق مئات الملايين من جنود العرب والاتحاد السوفياتي وأوروبا الموحّدة  وستكون انتصارًا للمسيح العائد الذي سينقذ من بَقِيَ من يهود ومسيحيين متجدّدين ويقيم مملكةً على الأرض فيعمّ السلام ألف عام ".  يتضح من هذا أن معتقدات الكنائس المسيحية الصهيونية مؤسسة على هلوسات متطرفة  وأنها فقدت الكثير من وسائل إقناعها على أي حال حين زال الاتحاد السوفياتي ، وهو الذي كان في عقيدة هذه الكنائس مملكة الشيطان المتجسدة في هذا العالم .  وإذا اكتفينا من عناوين خطورة التيار المسيحي الصهيوني بأن هذا التيار يعمل الآن بدأبٍ وجِدٍٍّ لهدم المسجد الأقصى ، وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه ، فحسبُنا هذا لنُدرك أن الهلوسات إذا أُهمِلت يمكنها أن تصبح حقيقة واقعة بقوة المال والسلاح والتآمر... وقد صدف... أن الأوروبيين اكتشفوا القارة الجديدة "أمريكا" وأخذوا يستعمرونها، وكانوا بحاجة إلى عقيدة تضفي على هذا الاستعمار الصفة الشرعية، فكانت نظرية "أرض الميعاد" هي العقيدة المنشودة التي أباحت لجحافل الأنجلوساكسون والجرمانيين أن يستوطنوا أمريكا ويبيدوا الهنود الحمر تقريباً الذين هم شعبها وحضارتها ، وضميرهم مطمئن إلى صواب فعلتهم . فأي شرعية يمكن أن تسمو على شرعية وعد صريح من الله أن يهب شعبه المختار تلك الأرض الجديدة؟ ولقد لاحظ الدكتور سميح فرسون ، الباحث الفلسطيني في الجامعة الأمريكية في واشنطن بحصافةٍ ، أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي والمجتمع الأبيض في جنوبي أفريقيا ، استخدم ذريعة أرض الميعاد في إضفاء صفة شرعية على اغتصاب أرض الغير . ولم يكن غريبا إذن أن ألمانيا لُوثَر صعّدت مسارها المسيحي التوراتي إلى ذروة بلغت إلى التسبّب عمدًا أو عفوًا في تهجير اليهود الأوروبيين إلى فلسطين   ولم يكن غريبا أن تتسلّم الولايات المتحدة مهمة رعاية الدولة اليهودية بالمساعدات العسكرية والمالية السخية ، التي ما كان يمكن لإسرائيل أن تبقى لولاها ، ولم يكن غريبا ذلك التحالف "الإستراتيجي" بين بريتوريا وتل أبيب. ذلك أن يهْوَه في توراته أباح إبادة الكنعانيين لأخذ أرضهم ونسائهم وأبنائهم ، فلماذا يكون الهنود الحمر والزنوج والفلسطينيون أفضل مصيرا؟" وقد  تم تعريف "الصهيونية المسيحية" على أنها "الدعم المسيحي للصهيونية". وقد قيل أيضا إنها "حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين ، وسيادة اليهود على الأرض". ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم كمدافعين عن الشعب اليهودي، وخاصة "دولة اسرائيل". ويتضمن هذا الدعم معارضة كل من ينتقد أو يعادى "إسرائيل".  .   ولا بد أن أشير في هذا السياق إلى أن هذه الرُّؤَى والنبوءات وما صاحبها من تفسيرات ، لها تأثير كبير على السياسة الدولية ، وصارت هي المحرك الأساس لها باعتبارها المعتقد الخاص للشعب الأمريكي ، وهي بذلك ليست منفصلة عن الواقع السياسي في المنطقة وقضاياها. بل إن تأثير هذه التيارات الدينية وأفكارها الأصولية في العلاقة مع الغرب أمر لم يعد بالإمكان تجاهله  خاصة أن هذا التيار قد بدأ فعلاً في نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز الفعل والتنفيذ . تلك هي الأبعاد الحقيقية للمواجهات  والسياسات من أجل السيطرة على مواقع عديدة في العالم لتؤكد مدى سيطرة البعد الديني على خريطة الأحداث الدولية ، لقد قالوا وما زالوا بأن صراع الغرب بعد سقوط الشيوعية سيكون ضد الإسلام . وعبر السيناتور داني كويل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق عن ذلك بجلاء في الكلمة التي ألقاها كويل في مايو ١٩٩٠ أمام خريجي الأكاديمية العسكرية الأمريكية واعتبر فيها أن العدو الوحيد المتبقي في وجه الغرب هو الإسلام ، ثم صنف الإسلام علي أنه أيديولوجيا معادياً للغرب الليبرالي ويشكل التهديد نفسه الذي كانت تمثله النازية والشيوعية ، فقد قال: "  لقد أخذتنا الدهشة من هذا القرن المنصرم ببروز الشيوعية والنازية والأصولية الإسلامية".

إن هذه الصورة المنطبعة في الذهن الغربي عن العرب والإسلام ليست وليدة السنوات الأخيرة ، بل تضرب بجذورها في عمق تاريخي بعيد ، وإن هذا التصور العدائي والمتحامل لا يمكن رده إلى الأفراد بل إلي المنظومة الحضارية الغربية برُمّتها في جوانبها السياسية والاجتماعية والإعلامية ، والتي وجدت من سلوك بعض المتطرفين مبررا لمواصلة التمسك بهذه التصورات. ولكن الله لهم بالمرصاد ، وإن نصره لآت مهما طال الزمن ، ولن يطول على الأقل بحساب التاريخ! إنه قانون إلهى لا يتخلف والمهم أن ينبض في قلوب المظلومين عِرْق الكرامة والإباء وألا يأخذهم الخوف أطول من ذلك ، فقد أَمْلَوْا لأعدائهم في حبال الظلم بسكوتهم ، وآن لهذه الحبال أن تنفصم إلى غير رجعة  ويكذب من يوهم الناس أنهم قوةٌ لا تقهر ، وهل يمكن أن يأخذ الله الكريم الرحيم العادل جانب الأعداء في عدوانهم الهمجي على المستضعفين الذين لم يراعوا فيهم إلاًّ ولا ذمة في يوم من الأيام لا يعقل ذلك إن وجدت الطائفة المؤمنة وهو القائل : ﴿ وإن جندنا لهم الغالبون ﴾  .

 

 

 

 

 

 

الحقد الغربي على الإسلام

 قال تعالى : ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾  البقرة 217 .  هذا إعلام من الله عن الحقد الذي يحمله الأعداء في قلوبهم للإسلام ، إنه حقد دائم ضد الإسلام ، وإن مجرد وجود الإسلام في الأرض كافٍ لتحريك ضغائنهم وباعث لهم على التحرك ضد المسلمين ليردوهم عن دينهم إن استطاعوا . كما أن حقدهم موجه لكل مؤمن بل للإيمان ذاته كما هو معهود من أعداء الدين على مدار التاريخ  قال تعالى : ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ .  إن قصة الاعتداء أصيلة فيهم ، تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ، وصدودهم عنه وتنتهي بالوقوف في وجهه ، وتربصهم بالمؤمنين   وإن المسلمين يواجهون أعداءً يتربصون بهم ولا يقعدهم عن الفتك بهم بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك ، وإن حقيقة المعركة الطويلة بين الإسلام وأعدائه تصوره هذه الآية القرآنية الكريمة  : ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمة ﴾ التوبة 8 . يوماً بعد آخر ، يتبين للعالم أجمع ، مدى الحقد الغربي عموماً ، على كل ما يمت إلى الإسلام ، عقيدةً ، وثقافةً ، وأرضاً ، وتاريخاً   ولقد نال العرب  من هذا الحقد الصليبي الأعمى ، النصيب الأوفى .! ولقد ظهر هذا الحقد على أوجه في الثمانين سنة الماضية  وبالتحديد منذ سقوط الخلافة الإسلامية  كما أخذ أشكال مختلفة ، ومظاهر متنوّعة   ابتداءً من الاحتلال العسكري لبلاد العرب والمسلمين ، وكان اقتطاع الغرب لفلسطين قلب العروبة والإسلام ، وتسليمها لليهود  ليعيثوا فيها قتلاً وتشريداً وتخريباً، واحداً من أهم مظاهر ذلك الحقد الصليبي الأسود ، ثم مروراً بالغزو الثقافي والفكري ، ومحاولاتهم المستميتة لطمس هوية الأمة الحضارية وتسويق أنماطهم الأخلاقية المنحطّة إلى بيوت العرب والمسلمين عبر وسائلهم الإعلامية الخبيثة ، التي تديرها أخطر عصابات المافيا في العالم ،  وذلك تحت شعارات لم تعد تنطلي على أحد ، من أمثال : العولمة   والحريّة ، والتحضّر ، ولعل من أبرز مظاهر ذلك الحقد الصليبي أيضاً ، ما مارسه الغرب من سرقات مفضوحة لنتاج الشعوب العربية والإسلامية   وذلك إبان الاحتلال الصليبي الغادر لبلاد تلك الشعوب المظلومة ، ولا نتعدّى الحقيقة إذا قلنا : بأن أساس مدنية الغرب ورفاه شعوبه ، إنما قام على حسابنا ، فلقد سرقوا منا أصول البحث العلمي ، ومناهج التفكير التجريبي ، التي هي من أهم مفاخر العرب والمسلمين ، كما سرقوا الأفكار والتجارب والمخطوطات والمكتبات ، وسرقوا مرتكزات الاقتصاد العربي والإسلامي ، سواء الظاهرة على سطح الأرض ، أو المدفونة في جوفها   كالنفط والمعادن والآثار وغيرها ، وما يحصل في العراق أكبر دليل على ذلك ، ومن أبشع مظاهر حقد الغربيين على العرب والمسلمين   ما مارسوه ويمارسونه يومياً من مظاهر الظلم والاعتداء على حريّة الفرد العربي المسلم وكرامته ، تلك الحرية التي كفلتها كل القوانين والشرائع الأرضية والسماوية ، ولعل أبسطها ، حرية العيش الآمن على أرض الوطن بدون ضغوطات أو تهديدات خارجية  وحرية اختيار طريقة الحياة ونظام الحكم بما ينسجم مع العقيدة والدين الإسلامي وحرية الثقافة والكتابة والنقد وإبداء الرأي وتداول السلطة بصورة سلمية  بدون أية عقد أو تداعيات أو مؤامرات .

ومن العجيب أن يتسع مفهوم الحرية في الغرب ، حتى ليمنحونها للقطط والكلاب   بينما يستكثرونها على العرب والمسلمين حتى ليحرمونهم من شرب الماء النقي واستنشاق الهواء الصافي ، وأخيراً وليس آخراً  تفجّر حقدهم الأسود على شكل حروب مهووسة طالت الكثير من البلاد العربية والإسلامية ، ابتداءً من فلسطين الحبيبة  فالصومال ، فالسودان ، فأفغانستان ، ثم استداروا على العراق ، فاحتلوا أرضه  وذبحوا شعبه ، ودمروا مرتكزاته  وسرقوا ثرواته  وها هي جرائمهم المؤلمة في المدن العراقية تدلل على مدى حقدهم واستهتارهم ووحشيتهم  ولا يزال تهديدهم للأمة مستمراًً ، ولا تزال القائمة مفتوحة  والله وحده هو العالم ، على من سترسو ماكنة الموت والدمار الصليبية في الأيام القادمة ، ولا أظنني بحاجة لكي أذكّر بأن الغرب الصليبي نفسه ، كان قد زحف على العراق الصابر ، بقضّه وقضيضه ، في حرب كونية  حاقدة ، ألقوا فيها كل ما تراكم لديهم عبر التاريخ من الحقد والشر والهمجية ، وتفتّقت عقولهم المريضة  ونفوسهم الشريرة ، عن كل وسائل الغدر والعدوان ، بما فيها الوسائل المحرّمة دولياً   وذات التدمير الشامل .

ولقد استهدفوا بحقدهم الأسود كل شواخص الأمة في العراق ورموزها ، ولم تسلم من غدرهم وحقدهم ، حتى المدارس والمساجد وملاعب الأطفال ، بل لقد وصل غدرهم وحقدهم وخسّتهم ، إلى الحقول المزروعة وقطعان الأغنام ، ولقد شهد العالم أجمع قبل سنوات قليلة جرائمهم القذرة في أفغانستان المسلمة ، البلد الأفقر في العالم ، الذي يموت أبناؤه من المرض والبرد والجوع في الطرقات العامة ، وبدلاً من أن يقدّم له من يسمي نفسه بالعالم المتحضر المساعدات الإنسانية   لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح البريئة التي هدّها المرض وأنهكتها الحاجة ، إذا بهم يلقون عليه آلاف الأطنان من المتفجرات الحاقدة  التي أتت على البقية الباقية من مفردات الحياة لديه ، وليعلم كل ذي عقيدة أن سنة الله توحي بعد هذه المظالم المريرة التي مرَّ ويمرُّ بها المسلمون بشيئين لا ثالث لهما : إما الهداية وإما الضلال . وإن الجاهليات تظلُّ تعيشُ بمقدار ما فيها من خير متناثر حتى يغلب ما فيها من شرٍّ طاغٍ فيختنق الخير ، ولا يكاد يستطيع أن يتنفس  وحين تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء تتدخل إرادة الله لتحدث التغيير ، وذلك يكون من خلال سعي البشر وحركتهم قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ الرعد 11 . فإذا لم يتم التغيير تتدخل إرادة الله تدخلاً حاسماً ، لتخسف الأرض بالطغيان كله ، أو تهدي الناس إلى الله ، ونحن على أبواب تدخلٍ من تدخلات الإرادة الإلهية الحاسمة  لأن الطاغوت الحاكم في الأرض وصل إلى حدٍ لا يطاق ، ولن يخلص الناس من ضلال الكفار واضطرابهم إلا الإسلام ، الذي يعطي الوضع الصحيح لكل انحراف في التصور والسلوك والسياسة والاقتصاد والأخلاق ، وكل شيءٍ في حياة الإنسان ، ومهما يكن أمر المسلمين اليوم … فالإسلام ليس مقيداً بهم ولا متوقفاً عليهم لأنه نورُ الله لكل البشرية قال تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيرا  ﴾ سبأ 28 . وأخيراً لا ننسى بأننا على ثقة تامة من عدل الله ، وأن الله  يمهل ولا يهمل ، وأنه للظالمين بالمرصاد ، فهو يملي لهم لحكمة يعلمها هو -  ولعل من حكمته سبحانه تمحيص الأمة  وفرز عناصرها ، ومعرفة الصادقين من الكاذبين فيها -  ولكنّه إذا أخذهم في النهاية فلن يفلتهم ، وإن أخذه أليم شديد ، وسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه يد القدر الجبارة لملايين المظلومين من أمتنا الذين حرمهم الظلم الصليبي من أبسط مقوّمات الحياة : ﴿ ويسألونك متى هو .!؟ قل : عسى أن يكون قريبا ﴾  .

 

 

مؤامرات الأعداء ضد الإسلام

إن المتتبع لمسيرة التاريخ الإسلامي ، يجد أن الكثير من المؤامرات والمتآمرين ، قد وقفوا جميعاً ضد الإسلام ، وقد تعددت هذه المؤامرات ، من اليهود والمنافقين والصليبين والتتار والشيوعيين والعلمانيين  وغيرهم كثير ، ومن الملاحظ أن هذه المؤامرات ، رغم تعددها واختلاف القائمين عليها  وتباعد الأزمنةِ ، إلا أن الكل متفق ، على العمل ضد الإسلام والمسلمين ، والكل يحاول النيل من المسلمين باحتقارهم والاستهزاء بهم .   ومؤامرات اليهود ومكائدهم ، ترجع في بداياتها يوم أن تآمروا لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مستمرة حتى اليوم   لتقويض مبادئ الإسلام وأسسه في أهله  سواء كان ذلك بمحاولة التشكيك في العقيدة ، أو الوقيعةِ والدس بين المسلمين  ببث روح الفرقةِ والوقيعةِ بينهم .  والسؤال الذي يطرح نفسه ، ما هو موقف المسلمين من ممارسات الأعداء في أبشع صورها  بحق المسلمين ، وانتهاك حرماتهم ومقدساتهم ؟ إن ما يحصل ليس غريباً ،لأن العدو يمارس القتل والإرهاب بحق الأبرياء من أبناء المسلمين ، في العراق  والضفة الغربية وجنوب لبنان ، دون أن نرى دعوةً صادقةً لوقف هذه المآسي والنكبات التي حلت بإخواننا هنا وهناك .

إن العراق بلد إسلامي ، كما أن فلسطين بلد إسلامي ، فتحه الصحابة الكرام ، وارتوى ثراها بدمائهم الزكية الطاهرة ، وسيظل بلداً إسلامياً إلى أن تقوم الساعة ، ولا يمكن أن يغير مغيَّرُ حكم الله في وجوب إنقاذه من اليهود ، فذلك فرض عين على كل مسلم ، لاستئصال شأفة هؤلاء المعتدين الغاصبين ، وليعلم كل ذي علم  بأنه لا سبيل لوقف اعتداءات الأعداء ، واستعادة فلسطين ، وإنقاذ الأقصى من رجس الكفر واليهود ، إلا بالجهاد الذي تجاهله المسلمون اليوم ، إننا بحاجة ماسة لفتح باب الجهاد ، حيال توحد دول الكفر ، على عداوتنا ومقاومتنا ، ألا يكفي هذا دافعاً لنا للعمل صفاً واحداً للوقوف أمام هذه الأخطار ، والحيلولة دون تحقيق أغراض الكفر وأهدافه ، وإن الواجب من المسلمين أن يهبوا لنجدة إخوانهم ، الذين يعانون من ظلم الأعداء وبطشهم ، ولا يجوز لنا كمسلمين أن نقف موقف المتفرج لما يجري للمسلمين في كل مكان  ولا يجوز التخاذل أمام هذا الموقف ، إذ لا عذر لأي متخاذل يشاهد تكالب الكفر  بقضه وقضيضه ، للبطش بإخوانٍ لنا يعانون من الاحتلال . والأمة الإسلامية ومن حولها لا تلقي بالاً لما يحدث ، وكأن ما يجري يقع على سطح كوكب آخر  

إن الأمة هي نفسها الضحية ، وهي المتآمر عليها  وخيراتها هي موضع السلب والنهب ،ودماء أبنائها  هي التي تنزف ، وأبناؤها هم الذين يُقتلون ، ومقدساتها هي محل البحث . إن المؤامرة على عقيدتنا ، بدأت عند الدعوة للجمع بين المسلم واليهودي ، بإزالة العداوة بينهما  وإيجاد روح المودة بينهما ، فالكفر يعمل جاهداً ليجعل المسلم يأخذ من دينه ، الجانب الذي يتناسب مع أجواء الحياة والمودةِ مع أعداء الله والمؤمنين ، اليهود والذين أشركوا ، إقرار من فوق سبع سموات قال تعالى :      ﴿ لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ المائدة 82 .

 هذا النص القرآني الكريم ، يدفع كل مؤتمرات التعايش بين الأديان ، ووقوف الرهبان والأحبار مع المنحرفين من علماء المسلمين ، وتركيز مفهوم أن الإسلام دين السلام ، بشكل مغلوط وغير ذلك من المواقف الخبيثةِ الظاهرةِ والخفية  لإبعاد الأمةِ عن منهج عقيدتها ، وما هو لازم لهذه العقيدةِ ، من وحدانية الله وربوبيتة ، من الولاء لعباده والبراء من أعدائه قال تعالى: ﴿ إنما ينهاكم الله ن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ الممتحنة 9 . وقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ المائدة 51 . وقال ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ﴾ المجادلة 22 

إن الأمة بانتظار المخلصين الأوفياء للعمل لتخليص الأمة ، مما هي فيه لتنزع ثياب المذلةِ والمهانة والوضاعة ، بانتظار المخلصين ، في وقت ألمت بالأمة المحنُ من كل صوب ، وأحدقت بها الأخطار من كل ناحية ، ويلحقُ بها القتل والتشريد يوماً بعد يوم ، والكفار يسيطرون على بلاد المسلمين ، من خلال خنوع وخضوع الفئةِ المسلطةِ على رقابها ، كما وأنها ترزح تحت سيادة أنظمه الكفر ، وتعاني من الذلةِ والانكسار ، إن هذا الواقع يفرض علينا كمسلمين البحث عن الرؤيةِ الواضحةِ الصادقة ، التي يتلوها العمل الجاد والحازم لتغيير هذا الواقع ، ورد كيد الكافرين والمنافقين وأشياعهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها ، خير أمه أخرجت للناس . إن الحق لا يحق وان الباطل لا يبطل في المجتمع الإنساني ، بمجرد البيان النظري للحق  والباطل  و بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق وهذا باطل  بل إن الحق حق ، وينبغي أن يوجد في واقع الناس  وإن الباطل لا يزهق ويغيب من واقع الحياة ، إلا بتحطيم سلطان الباطل ، وإعلاء سلطان الإسلام  بجعل الحكم يطبق أحكام الإسلام ، ويضعها موضع التطبيق والتنفيذ ، لأن الإسلام ليس مجرد نظريه للمعرفة والجدل ، ولا ديناً كهنوتياً لا يحرك صاحبه لتغيير المنكر ، وقهر الباطل ، بل هو الذي يجعل القائم بالحق والمدافع عنه بحياته سيد الشهداء  استجابةً لقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ﴾ الصف 10 .

                                       

 

بداية النهاية لأمريكا

من أبرز معالم الحرب الأمريكية ، أنها صليبية بتوجيهات يهودية ، وأنها ضد الإسلام والمسلمين   باعتبارهم العدو الوحيد في العالم ، ولهذا فإنها لم تقيم وزناً لما يسمى بالشرعية الدولية ، فكانت حرباً ذرائعية تتصيد الفرص أو تصطنعها عندما لم تجدها ، غير مبالية لأي معارض لها مهما كان  وقد اعتمدت أسلوب الغدر والمباغتة غير مبالية بكرامة الدول وسيادتها ، واضعةً هدفاً تسعى لتحقيقه مهما كانت النتائج ، وهو إبقاء المسلمين في مؤخرة الركب وتجريدهم من أي قدرة على المبادرة أو المبادأة .

والسؤال هنا : إلى متى سيظل هذا السيف مسلطاً على رقابنا ؟ وإلى متى تظل الأمة بكماء خرساء عمياء ، تتنكر لدينها وتذل لأعدائها ، وتخضع وتركع لكل طاغية يريد ذبحها ؟ لقد ولدت هذه الضغوط ردات فعل هنا وهناك  وكل رد تلاه ردود عنيفة عنيدة من الأنظمة   وقد لوحظ ذلك في أنحاء متفرقة من العالم ، حتى وجد الإسلاميون أنفسهم في معارك مفروضة عليهم ، مما زاد الغليان وضاعف الاحتقان   خصوصاً عندما وجد الإسلاميون أنفسهم مغضوباً عليهم ، والوصف الجاهز لهم متطرفون إرهابيون حتى ولو كان موقفهم دفاعاً مشروعاً في الدين .    

 ما أحوج المسلمين اليوم أن يدركون طبيعة المعركة ، وان يدركوا أن قوى الكفر لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة ، مهما تنوعت العلل والأسباب ، وما أحوجهم إلى أن يدركوا أن كل شيء بيد الله ، ينصر من يشاء ولا مقيد لمشيئته   والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب ، والعقيدة الإسلامية واضحة في هذه المجال ، فهي ترد الأمر كله إلى الله ، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب التي من شأنها أن تظهر النتائج ، أما تحقيق هذه الأشياء أو عدم تحقيقها فليس داخلاً في التكليف ، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله . وعندما ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل يصلي قائلاً :توكلت على الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"اعقلها وتوكل ".أخرجه الترمذي . فالتوكل في العقيدة مقيد بالأخذ بالأسباب ، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله الذي ينصر من يشاء . وجولة في ضمير الزمان وأبعاد التاريخ ، يرينا القرآن طرفاً من سنة الله الجارية التي لا تتخلف ولا تحيد قال تعالى : ﴿ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ الروم 9 . في الآية دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين الذين مضت فيهم سنة الله ، ولم تنفعهم قوتهم ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم  ولقوا ما يستحقون من جزاء . فلم لا يعتبر المتجبرون من مصارع الغابرين  الذين ذكرهم القرآن الكريم قال تعالى : ﴿ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ﴾ . إن البشرية تخضع لقوانين ثابتة في نشوئها وضعفها وقوتها ، والقرآن ينبه إلى ثبات هذه القوانين ، ويتخذ من مصارع القرون وآثار الماضين الدارسة الخربة ، يتخذ منها معارض للعبرة والخوف من بطش الله وأخذه للجبارين ، ونظره في عالم اليوم نرى نشوة التحكم الأمريكي وتربعها على صدر عالم اليوم قد بلغ اوجه ، مما يبشر بحتمية انحسار هذا التحكم وزوال سلطانه  الذي تحول إلى سوط يسوم الشعوب الضعيفة سوء العذاب والقتل والهوان ، وقد بلغ التحدي مداه عندما نصَّبت أمريكا نفسها الحاكم المتفرد بإدارة الكون   والمتحكم في شؤون الدول والشعوب والأفراد   إضافةً إلى امتلاكها زمام المبادرة والقرار في شؤون العالم الاقتصادية والمالية ، بعد أن أوجدت المؤسسات الدولية التي استطاعت أن تجعل الدول تقع في فخ المديونية ، والعمل على تكريس الظلم والقهر والعدوان . صحيح أن أمريكا تتربع على عرش العالم ، ولكن قواعد هذا العرش قائمة على الجماجم والأشلاء والظلم والقهر ، فاستحقت أن تحمل وسام الكراهية والعار . و في غمرة التبعية المذلة للدول والشعوب للولايات المتحدة   أصبحت الإدارة الأمريكية ترى نفسها في موضع السيد المعبود ، إذ لا مجال للاعتراض على القرارات التي تحكم فيها بالإعدام على الشعوب   فلا تسمح لأن تسأل عما تفعل وهم يسألون ونست هذه الإدارة أن الله خص نفسه ولا أحد يعرف ما في نفسه ، إلا أننا نذكر في هذا المقام قوم نوح بالطوفان ، وكذلك فرعون وجنوده بالغرق ، وقوم لوط بالزلزال ، وقوم هود بالريح إلى آخر ما ذكره الله في القرآن من ألوان العذاب الذي أنزله بالأمم الكافرة ، ليعتبر المتجبرون من مصارع تلك الأقوام قال تعالى: ﴿ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ﴾ السجدة .

إن البشرية تخضع لقوانين ثابتة في نشؤها وضعفها وقوتها ، والقرآن ينبه إلى هذه القوانين ويتخذ من مصارع الماضين معارض للعبرة والخوف من بطش الله وأخذه للجبارين . قال تعالى : ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلهم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ؟ .  إنها سنة الله فلا بد من الشدائد ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة ، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة ، التي يتعلق بها الناس يجيء النصر من عند الله ، فينجو الناس من البطش والتعسف الذي يلاقوه من المتجبرين ويحل بأس الله بالمجرمين مدمراً ماحقاً ، لا يصده عنهم وليٌ ولا نصير   وإذا كان هذا كائناً بدليل النص القرآني ، فلماذا يعمد كبراء الأمة إلى تضليل شعوبهم ، باتخاذ الأنداد من دون الله ، ولماذا يسلمون القيادة لمن يتلقون شرائعهم من أهواء البشر لا من وحي الله ؟ ولماذا هذا الخضوع والخنوع والخوف منهم ومن قوتهم ومكرهم الذي سيأخذهم الله به مهما يكن من العنف والتدبير ؟ قال تعالى : ﴿ وقد مكروا مكرهم وعند الله مكْرُهُمْ وإن كان مكْرُهُم لِتَزولَ منه الجبال ﴾ إبراهيم 45 . إن الله محيط بهم وبمكرهم وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال أثقل شيء وأصلب شيء وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال   فمكرهم هذا ليس مجهولاً وليس خافياً وليس بعيداً عن متناول القدرة ، فهو حاضر عند الله يفعل به كيف يشاء وصدق الله : ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعدِه رُسُلَه إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ إبراهيم 46. ومن يشعروا بالفشل والخيبة إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض ندعوهم لدراسة تاريخ الأمم القوية الغنية   كيف انتقص الله من قوتها وقدرتها  فهزمت أمام الحق وأنصاره ، والأمم اليوم ليسوا بأشد مكراً ولا تدبيراً ولا كيدا ممن كان قبلهم فأخذهم الله وهو أحكم تدبيراً وأعظم كيداً قال تعالى : ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً ﴾ . الرعد 43. إن كل مسلم منا يستطيع أن يعرف سبب ما يحل بنا ، إذا ما عرف لمن المقام الأعلى في حياتنا و لمن الطاعة والإتباع والامتثال ؟ فإن كان لغير الله فهم في غير دينه ، وحتى يأتيهم النصر عليهم تفادي ذلك ، حتى يأذن الله للأمة الضائعة بقائدٍ مؤمن يرفع راية الجهاد ويعيدها إلى الإيمان  هذا بلاغ للناس ولينذروا به ، وليس لما يفعلونه من أثر ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يعوق بحقيقة وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر  وأخذهم أخذ عزيز مقتدر . لأن الله لا ولن يدع الظالم يفلت ولا يدع الماكر ينجو ، ولن يخلف الله وعده ، وسيكون ذلك لا محالة ولو إلى حين  ولكننا لا ندري كيف يتم هذا . ولكن الله أعلمنا بأنه لا يغيِّر نعمة أو بؤس ، ولا عزاءً أو ذلة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم ، لأن ما يحل بالمسلمين هو نتيجة مترتبة على ما يكون منهم قال تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ الرعد 11

 

 

     

 

الأحداث يفرضها الكفر وأعوانه

لم تكن الأحداث التي وقعت في أمريكا وأفغانستان هي الأولى ، ولن تكون الأخيرة فالتاريخ حافلٌ بأقدار من الخير والشرّ ، دارت بشأنها سنن وجرت بسببها ابتلاءات وحصلت بعدها تغييرات في أحوال الأمم والمجتمعات .

 وإذا كان لهذه الأحداث تأثيرٌ علينا ، فما هو المطلوب منا ؟ ومتى نُعِدُّ للأمر عدته ؟ ولماذا لا نكون كالجسد الواحد يشدُّ بعضه بعضاً ؟ إن ما يطرحه زعماء الكفر وأعوانهم في بقية العالم ، شنشنة معروفة يطرحها المنحرفون حيثما تبور سلعهم ، وهيهات أن يغتر بها إلا الضالون والمنافقون . فتصريحات زعماء الكفر تحمل في صريح عباراتها   الحقد والكراهية وحب الانتقام وهو يعكس ما تنطوي عليه نفسيتهم من كره للإسلام والمسلمين ، ونحن بدورنا نتألم على هذا الواقع المرير ، حيث أُصيبت الأمة بالإحباط وهي ترى مساندة الكفر وأهله من قبل فئة من المسلمين ، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ ديننا لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم ) .

إن مساندة دول الكفر معصية ومخالفة لله وعدم إحساس بالمسؤولية وضعف بالانتماء للإسلام ، لذا كانت مواقف المسلمين المؤيدين لما يتخذون من قرارات جائرة ضد الإسلاميين ، سلبية تدفعهم إلى اللامبالاة بالأحكام الشرعية والاستهانة بشعوبهم وعدم الاكتراث بمشاعرهم ، والوقوف إلى جانب المجرمين الذين عاثوا في الأرض فساداً وتلوثوا بدماء الأبرياء . متجردين من وازع الخوف من الله تعالى والالتجاء إليه والاعتماد عليه لأن قلوبهم امتلأت تعظيماً لأعداء الله وثقة بهم ، وقد تعاموا على إدراك الوقائع والأحداث ناسين أن الارتماء على أعتاب دول الكفر من علامات الخزي والخذلان ، ومتناسين تكفل أهل الكفر بتفكيك العالم الإسلامي وفرص سيادتهم عليه ونهب ثرواته وتصدير نظمهم إليه وفرض القرارات الجائرة عليه وربطه بالسياسة والاقتصاد والحصار لتأخذ صفة الإلزام حتى يردوهم عن دينهم ، وهذا ما أخبر به سبحانه وتعالى:﴿ ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ البقرة 109

ومهملين الواجب المطلوب منهم من مدافعة الشر ومقاومة أهل البغي والظلم بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ . فالسلاح وبناء الجيوش قوة  والكلمة الجريئة التي تفضح مخططات الأعداء والمنافقين قوة والإلحاح على الله بالدعاء على الأعداء والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة .

أما التخلي عن أحكام الإسلام لإرضاء الأعداء أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم أو الوقوف موقف المتفرج لما يعانيه المسلمون فهو ضعف يمقته الله .

 توهم المثبطون والمنافقون أن تنفرج الأزمة الفلسطينية ، وتمنوا على العالم أن ينادى إلى إنصاف الفلسطينيين بعد عام الانتفاضة . ويبدو لي أنهم كذبوا لأن المراقب لتصرفات شارون الذي أرسل بالإشارات تلو الإشارة لعرفات لعله يفهم عندما اتهمه صراحةً وعلناً بأنه أسامة بن لادن الفلسطيني ، وأنه يقود منظمة إرهابية تريد تقويض إسرائيل من الداخل    وطلب منه أن يسلم قوائم إرهابيين من حماس و الجهاد وغيرهما ، في الوقت الذي طلبت  منه أمريكا أن يكون عضواً فاعلاً في التحالف ضد الإرهاب ، ورغم قبوله بالمطلب الثاني إلا أنهم أصروا على طلبهم بإلقاء القبض على ما لا يقل عن مائة وثمانين من الفعاليات الجهادية الفلسطينية وتسليمهم لإسرائيل . وجاء هذا الطلب في وقتٍ انشغل العالم بعيداً عن الهم الفلسطيني ، الذي بدا إسلامياً ثم غدا عربياً واصبح أخيراً هماً فلسطينياً وحيداً طريداً لإسرائيل ، التي انفردت بالفلسطينيين في إطار عمليات داخلية بحتة لا شأن للمجتمع الدولي بها ، وبهذا قامت إسرائيل بقتل من قتلت واعتقال من اعتقلت ، والمسلمون يتفرجون وعلى ما يجري صامتون . إن ما يواجه المسلمين اليوم باسم محاربة الإرهاب   اخطر من الغزو الصليبي والاجتياح التتاري ، وهي مصيبة أكبر من أي كلام بلا عمل ، ومن أي عمل بلا فقه ومن أي فقه بلا إخلاص ، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية أو العصبيات الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية ، إنها أشق من أن تتحمل مسئوليتها جهة واحدة ، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها دولة واحدة ، إنها بحاجة الى تحرك على مستوى كل المسلمين بعد أن يعلنوا الولاء الصادق لله ورسوله 

وعندها مهما طال زمن المواجهة ، وعظمت مشقتها ، ومهما كثرت الخسائر ، فالعاقبة للإسلام ، رغم كل الضغوط التي تصب ظلماً وعدواناً ضده ، وضد الداعين إلى التحاكم الى شريعة الله ، نعم إن دين الله باق مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام ودعاته ، وهذه حقيقة علمنا إياها الله سبحانه بقوله : ﴿  هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ التوبة 33 

ورغم أن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر ، إلا أن عاقبتهم الخسران والدمار ، لأن الإسلام قادم رغم كل السدود والعوائق والقيود وصدق الله : ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ الأنبياء 105 .

                          

 

 

قرار ترامب أمام الجمعية العامة

إن الامم المتحدة لا تزال أسيرة القوى العظمى ، وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية، وما دامت هي كذلك، فإن القضية الفلسطينية ستبقى هي الأخرى أسيرة الظلم، وسياسة المعايير الازدواجية ، حتى فقدت الأمم المتحدة شرعيتها ، وأصبح يلفها الغموض المتعمد، والازدواجية في التعامل مع قراراتها، وخصوصاً المتعلقة بالشرق الأوسط، فالولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل لهما فهم خاص للشرعية الدولية، تنبع من واقع شرعية الأقوى وليست الشرعية الدولية التي تناصر الضعفاء ، فقد اختطف مجلس الأمن صلاحيات منظمة الأمم المتحدة وجمعيتها العمومية، حيث غدت إرادة هذا المجلس مرتهنة لإرادة وابتزاز أمريكا ، التي تشكل مع حليفتها إسرائيل بؤرة الشر والعدوان  وقوة الإرهاب الدولي ، الأشد شراسة ووحشية ، والممارسات التي أدت إلى المزيد من زعزعة الاستقرار العالمي ، ونشر أجواء الكراهية والتطرف في العالم ، بدل الحوار والتسامح والتعاون  وقد عقدت هيئة الأمم جلستها لبحث قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ، ولم يكن ليفعل ذلك، لولا الغطاء العربي، والضوء الأخضر باحتواء الغضب الشعبي المرتقب. ولم يجرؤ على اتخاذ قراره هذا ، لولا قناعته بأن الساسة العرب لن يفعلوا شيئاً لوقف القرار ، سوى الشجب والإدانة ، لحفظ ماء وجوههم أمام شعوبهم، من دون أي تحرك حقيقي لوقف القرار  وقد قررت هيئة الأمم ، بالأغلبية على استنكار القرار ، وقد نددت أمريكا بالقرار ، وهذا ليس بغريب ممن لا دين لهم إلا السلب والنهب والعدوان ، والواقع لا يمكن لوم ترامب على ما فعل، ولا لوم إسرائيل على نشوتها وفرحتها ، بإنجازها غير المسبوق الذي عملت كثيراً على تحقيقه، وهنا نسأل : ماذا يقول العرب والمسلمون وهم يرون تحوّل الصهاينة إلى ذئاب ، وتحوّل الأمريكان إلى أنصار للمفترسين ، وما علموا أن تعطيل قرارات القصاص من إسرائيل غلط كبير لا يدافع عنه عاقل ، بل إن إطالة حبل الحياة للمفسدين في الأرض ، إفساد للحياة كلها   ولو كان هناك عدلٌ في إصدار القرارات ، لحكم بالموت على إسرائيل ، التي اغتصبت أرض الغير ، وتمارس القتل بغير حق  ولكنها المؤامرة على ضرب الإسلام وتتبع نشاطه ، في كل الميادين التشريعية والسياسية والاقتصادية ، وتقاتله بضراوة  وتدوس كل حقوق الإنسان في هذه المجالات الخطيرة ، لأنهم يعتبرون المسلمين لا كرامة لهم ، وأفضل مكان لهم السجن حيث يلاقون صنوف التعذيب ، وما يحز في النفس أن نجد أقلام المرتدين وشيعة الاستعمار ، ومن يستخْفون وراء أشكال التدين التي تُحَبِذ ما يقع وتدافع عنه ، حتى لا نكاد نسمع أصواتاً غيرها وربما لاذ البعض بالصمت مخافة أن يحل به البطش والاعتقال كما أن الدين عند هذه الفئة ، لونٌ من الاستغلال الخسيس للآخرين ، وإذا كانت هناك علل تؤذي المسلمين ، فإنهم يزيدون هذه العلل ضراوةً ومزيداً من الجراثيم ، التي توسّع دائرة الفتك وأعداد الضحايا ، لكأنما نزل فيهم قوله تعالى : ﴿ يخّرِبون بيوتهم بأيديهم ﴾ الحشر 2 . إنهم وأمثالهم يعلنون استنكارهم للقرارات المهينة للإسلام والمسلمين ، وهم في الحقيقة يقدّمون إلى اليهود أجل الخدمات ، ويسددون لهم أحدَّ الطعنات ، بل إنهم أشدّ على الإسلام والمسلمين من الحملات الصليبية ، فهل يستفيق العرب والمسلمين من غفلتهم ويعودوا إلى منهج الله .     

 

  

 

قرار ترامب رب ضارة نافعة

اعطى القرار القضية الفلسطينية عموماً وقضية القدس خصوصاً المكانة والأهمية التي تستحق ووضعها على المشهد السياسي العربي والإقليمي والدولي ، فقد حرّك القراران رياحاً شديدةً كشف المستور وظهر كلٌ على حقيقته .

شاهدنا ردوداً فاقت كل التوقعات وجعلت أمريكا في عزلة دبلوماسية إذ تعرضت لانتقادات حتى من أقرب حلفائها .

قد يكون هناك خططاً ودسائس ومكرا يدبّر للقدس ، وإذا بالسجر ينقلب على الساحر ، لأن القرار شلّ أوهام المفاوضين والمطبعين والمتاجرين بالأرض والعرض ، لأن القرار أسقط مسار السلام الذي راهنوا عليه بالضربة القاضية .

آن للسلطة الفلسطينية أن يكون رهانها على الشعب الفلسطيني وليس على الآخرين والأوهام والمراهنات الخاسرة .

قد يكون هناك خططاً تدبّر من بعض الأنظمة التي لا تجاهر بدلك حتى لا يؤدي إلى التصادم مع الشعوب ، وذلك يعني إصابة هذه الأنظمة بالاضطراب لأنها تعمل لصالح الكيان الصهيوني والاعتراف بحقه في فلسطين والقدس .

جاء في البيان الختامي للمؤتمر الإسلامي : أن القدس الشرقية عاصمة محتملة لفلسطين ، ولا يستغرب هذا إذ كان من بين الموقعين على البيان روسيا وإيران وهي الدول التي قتلت المسلمين في العراق وسوريا ، وتعمل لصالح إسرائيل ، وإن دول هذه مواقفها مستحيل أن تعمل لصالح القضية الفلسطينية والقدس ، بل إن من بين المشاركين في المؤتمر هم ممن خانوا فلسطين وباعوا القدس ، فكيف يرجى منهم الخير ومنهم من يأتمر بأوامر أمريكا التي تسعى عبر أدواتها في المنطقة إلى تقسيم بلاد المسلمين إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية ، وإجبار السلطة الفلسطينية على تقديم التنازلات لإسرائيل ، وقمع كل أشكال الانتفاضة والمقاومة وقديماً قالت جولدا مائير : " إن فلسطين بين عرب التطبيع وبين عرب المقاومة ، والقدس بين عرب التواطؤ والتهويد ، وبين عرب رفض التطبيع ومقاومة التهويد " . إن القدس هي قطب الرحى وقلب فلسطين ، فإن ضاعت القدس ضاعت فلسطين وإن ضاعت فلسطين ضاعت الأمة .

 

مؤتمر القدس

القدس هي التحدي الاكبر الذي يواجه المسلمين في كل زمان ومكان ، ومحافظة المسلمين عليها أمانة دينية ، ولكنهم غفلوا وأعطوا الدنية في دينهم ، وفقدوا سرّ قوتهم وعزتهم ، فأصبحوا كثرةً بلا هدف ولا عقيدة ولا منهج حياة ، لذا تجرأ أعداؤنا على قدسنا ، واقتصر رد الفعل على التظاهر والاستنكار ، الذي لا يقام له وزن بدون العودة إلى منهج الله ، والتمسك بمبادئ الدين ، بعيداً عن الوقوف عند الوعود والاقوال ، إلى اتخاذ القرارات التي تعمل على رفع العار والذل ، لأن الأمة سئمت الكلام والخطب ، وهي بحاجة إلى أعمال إيجابية تلبية لنداء الله : ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ﴾ ولكنهم وبكل أسف يجتمعون في كل مؤتمر ، وتظل الحقيقة ضائعة ، ولو أنهم ضمنوا بيانهم الختامي ، ضرورة الالتزام بالإسلام نظاماً ومنهج حياة وإعلان الجهاد لاسترداد الحق ، لما ضاع حقنا وتمادى علينا عدونا ، علماً بأن هذا حلم حالم ، لأن من بين المجتمعين من يؤيد السياسة الأمريكية والإسرائيلية ، وما درى المجتمعون أنهم يضرّون بمصلحة الأمة بعدم اتخاذ القرارات التي تعود على الأمة بخير ، أو دروا ولكنهم يريدون لهذه الأمة أن تبقى في سباتها وصدق الله : ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ﴾ .

 

حملة السياط

لقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصنف من أهل النار ، لم يظهر في أيامه - إنهم الجلاوزة _ حملة السياط ، يرهبون بها الناس وحذّر أن نكون منهم ، وحذّر من السكوت عن انحرافات الحكام  الذين يكثر في عهدهم الجلاوزة ، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صنفان من أهل النار لم أرهما ، قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات ، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) وفي صحيح مسلم أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن طالت بك مدة ، أوشكت أن ترى أقواما يغدون في سخط الله ، ويروحون في لعنته ، في أيديهم مثل أذناب البقر )

كثير من المتسلطين يظنون أنهم يستطيعون توطيد سلطانهم وتثبيت سيطرتهم بمعصية الله ، بالظلم والجور ، والغش والمكر والخداع   وبشراء الذمم من المال العام ، وبالمحاباة والمحسوبية ، وغير ذلك من الجرائم ، ولا تزيد تلك التجاوزات والانحرافات سلطانهم إلا وهنا  وكيدهم إلا تضليلا ، وهو ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام احمد في مسنده قال : ( من شدد سلطانه بمعصية الله أوهن الله كيده يوم القيامة ) كثيراً ما يثور المستضعفون على جلاديهم ، فتكون الدائرة لهم ، وبدلاً من استبعاد الظلمة السابقين ، يظن مستضعفو الأمس ، أنهم لا غنى لهم عن خبرة الجبابرة السابقين ، فيستعملونهم ويقربونهم ، وهذه طريق الهلكة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حذيفة قال : ( ضَرَبَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْثَالًا : وَاحِدًا وَثَلَاثَة وَخَمْسَة وَسَبْعَة وَتِسْعَة وَأَحَد عَشَر قَالَ فَضَرَبَ لَنَا مِنْهَا مَثَلًا وَتَرَكَ سَائِرهَا قَالَ : ( إِنَّ قَوْمًا كَانُوا أَهْل ضَعْف وَمَسْكَنَة ، قَاتَلَهُمْ أَهْل تَجَبُّر وَعَدَاء فَأَظْهَرَ اللَّه أهل الضعف عليهم ، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم ، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه ) . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - كتاب الخلافة ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير التخوف على أمته من حيف السلطان - الحَيْفُ المَيْلُ في الحُكم والجَوْرُ والظُّلم- وجور الأئمة   وكثرة الشرط - الذين يعذّبون الناس-  والرشوة في الحكم ، وإمرة السفهاء والصبيان كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعجم الكبير عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة ، قالوا : ما هي يا رسول الله ؟ قال : زلة العالم ، أو حكم جائر ، أو هوى متبع ) كثير من الشيوخ الذين يوالون  الطواغيت ، ويعادون الجهاد وأهله ، يظنون أنهم يمسكون العصا من المنتصف حين يتكلمون باسم الدين ، وفي الوقت نفسه يرضون أعداء الدين ، وحين يسقط الطواغيت والأنداد من دون الله ، يكتشف أولئك الشيوخ وسائر العامة من حولهم ، مدى بشاعة الموقف الذي كانوا يقفونه ، وبسقوط الطواغيت ، يسقط معهم الكثير من رجال الدين ، الذين كانوا يسخّرون الدين لخدمتهم ، وتثبيت حكمهم  وهذا هو حال كثير من الشيوخ اليوم ، وقانا الله من زلل الأقوال، ومن زلل الأعمال ، وسوء المعتقدات ، وبصرنا بالحقّ.    

محاسبة ولاة الأمر

من هم ولاة الامر؟ هم أولي الفقه والدين ، وليس الحكام الظالمين. وحتى لو قلنا بالرأي بأنهم الحكام والأمراء ، فليس المقصود الأمراء والحكام الظالمين ، بل المقصود طاعة الحكام والأمراء العادلين .  والأحاديث التي أمرت بطاعة الحاكم ولوكان ظالما ، جاءت في الحديث عن الطاعة في الطاعات فقط ، وليس هناك دليل واحد على طاعة الحاكم الظالم في المعصية ، ولا حتى طاعة الحاكم العادل في المعصية . جاء في كتب التفسير المعتمدة : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مُجَاهِدٍ، أُولِي الْأَمْرِ هم: " أُولِي الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْعَقْلِ " وجاء في الجامع لابن وهب : أخبرنا ابن وهب عن عطاء بن أبي رباح وعن قتادة قال: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ ، قال: طاعة الله: إتباع كتابه، وطاعة الرسول: اتباع سنته، جاء في تفسير الطبري: عن أبي العالية في قوله :”وأولي الأمر منكم”، قال: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ سورة النساء: 83 .  وجاء في تفسير ابن المنذر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قوله تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ، قَالَ : " أُولِي الأَمْرِ: أَهْلُ طَاعَةِ اللهِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَانِيَ دِينِهِمْ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَوْجَبَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ طَاعَتَهُمْ عَلَى الْعِبَادِ " فأين هؤلاء من الحكام الذين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ، ولا يعلّمون الناس دينهم ، بل يحاربون الناس في أرزاقهم وفي دينهم . وجاء في تفسير القرطبي: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة إلى أهلها فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، فإن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمرنا بطاعتهم ". وجاء في تفسير بحر العلوم للسمرقندي: قال مجاهد:﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ العلماء والفقهاء، وهكذا روي عن جابر. وفي الحديث عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ( سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه والفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ ، وصلّوا وراءهم  فإن أحسنوا فلكم ولهم ، وإن أساءوا فلكم وعليهم ) . فهل ما يفعله حكام اليوم يوافق هذا الحكم . وجاء في تفسير الثعلبي: وقال عليّ كرم الله وجهه: " حق على الإمام أن يحكم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك حق على الرعية أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا " يقول رشيد رضا في تفسير المنار : وَأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا حُكُومَةٌ عَادِلَةٌ تُقِيمُ الشَّرْعَ وَحُكُومَةٌ جَائِرَةٌ تُعَطِّلُهُ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُ الْأُولَى مَا اسْتَطَاعَ .. وَمَا وَرَدَ من أدلة تأمر بالصَّبْرِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ – إِلَّا إِذَا كَفَرُوا – مَعَارَضٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى . وأما حَدِيثُ: ( وَأَلَّا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ). قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُنَازَعَةَ الْإِمَامِ الْحَقِّ فِي إِمَامَتِهِ لِنَزْعِهَا مِنْهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا كَفَرَ كُفْرًا ظَاهِرًا، وَكَذَا عُمَّالُهُ وَوُلَاتُهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ وَالْمَعَاصِي ، فَيَجِبُ إِرْجَاعُهُ عَنْهَا ، مَعَ بَقَاءِ إِمَامَتِهِ وَطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ دُونَ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا خُلِعَ وَنُصِّبَ غَيْرُهُ . ومما يدلل على جواز الخروج على الحاكم الظالم : خُرُوجُ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ سِبْطِ الرَّسُولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِمَامِ الْجَوْرِ وَالْبَغْيِ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُوَّةِ وَالْمَكْرِ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ  ، والولاية على الناس أمانة سوف يسأل الله عنها يوم القيامة, قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ 58 سورة النساء. وعَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ  فعدل الوالي دليل صلاحه ، وظلمه دليل فساده ، وهو ما حذرنا الإسلام منه بصفة عامة ، وحذر منه الولاة بصفة خاصة , قال تعالى :﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ لذا لا بد من جماعة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، وبخاصة ولاة الأمر ، ولا يمكن القيام بهذه المهمة إلا بالتفقه بالدين ، ولتعذّر مباشرة ذلك من كل المسلمين  وجب أن تندب جماعة خاصة ، تكون قادرة على القيام بذلك  ويأثم المسلمون جميعاً ، إذا لم توجد هذه الجماعة ، بشرط أن تكون الرابطة الوحيدة بين أفرادها هي العقيدة الإسلامية ، كي تتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله ، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض ، وأن يكون لها أمير تجب طاعته ، قال تعالى : ﴿ ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وارد في حق جميع المسلمين  فإنه يرد أكثر ما يرد في حق الحاكم ، لأن منكر الحاكم لا يساويه منكر من أحد ، ولأن المصيبة فيه أعظم أثراً في حياة الأمة ، بل إن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر من الأهم على الإطلاق ، وقد جاء الأمر في الآية مسلطاً على جماعة معينة ، عملها الدعوة إلى الخير  وإلى الإسلام ، ومحاسبة ولاة الأمر ، وتوجيه الناس كافة عن طريق الأمر بالمعروف والتهي عن المنكر ، وقد جعل الشرع إيجاد هذه الجماعة فرض على المسلمين ، وهذه الجماعة لا يمكن إلا أن تكون حزباً سياسياً ، يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر    ولذلك فإن الغرب الكافر ، يحارب قيام أحزاب سياسية في بلاد المسلمين ، لأنها ستقود المسلمين لمحاربته ، أو محاسبة من نصبهم حكاماً على المسلمين ، ولأن المحاسبة تكشف فسادهم وتواطئهم على مصالح المسلمين ، فقد شوه المستعمر فكرة الأحزاب التي تنادي بتطبيق الإسلام ، وعمل بتوجيه خفي على صرف التكتلات الإسلامية عن العمل السياسي ، ليطيل مدة بقائه وعملائه مسلطين على رقاب المسلمين ، فكان على كل داعية أن ينبه إلى هذا الفكر الخبيث ، لأن السنة النبوية في مبادئها العامة لا توافق على الظلم ولا ترضى به ، وقد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم التي لا يؤخذ فيها الحق من قويها ، ففي رواية جعفر لما جاء من الحبشة قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ بِالْحَبَشَةِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَام، فجَاء فَارس فأذراه، فجسلت تَجْمَعُهُ ثُمَّ الْتَفَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: وَيحك! كَيفَ لَوْ قَدْ وَضَعَ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَأَخَذ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ؟ فَضَحِكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ( مَا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا الحق مِنْ شَدِيدِهَا غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ) والحديث أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، وَأخرجه أَيْضا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق آخر وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ، وَقَالَ: إِسْنَاده صَالح . وخرجه الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ وَأورد آخِره أَيْضا الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير وَقَالَ عَنهُ صَحِيح . وهناك أدلة وأحاديث كثيرة تعبر عن حال الحكومات الحالية ، ولو حكمنا على هذه الحكومات بأنها حكومات مقصّرة    فلن نكون مخطئين بدليل أن النَّبِيُّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :  ( مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَمَلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ)  وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ " .

وأما قول البعض : أنه ليس لنا محاسبة الحكام ومواجهتهم لأن ذلك فيه إهلاك للنفس والله يقول : ﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾  هذا لا يصح  لما جاء فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ المائدة: 105، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ ). وَفِي لَفْظٍ مِنْ عِنْدِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ : " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشَكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ ) . وَفِي رِوَايَةٍ: ( إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ). فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ عام ، لا يمكن النزاع فيه ، وليس دليل على استثناء الحاكم أو الأمير من هذا المبدأ ، بل إن إعمال مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الحكام أوجب وأقوى ، لأنهم أولو الامر ، وبصلاحهم ينصلح الناس والعكس      

وأخيراً هناك خلط في المفاهيم عند كثير من الناس بخصوص الخروج على الحاكم، والإنكار على الحاكم ، فقد كان لفظ الخروج على الحكم يعني الخروج عليه بالسيف ومنازعته الحكم ،ولا نقاش في عدم جوازه  لأنه لا يجوز منازعة الأمر أهله ، إلا إذا ظهر منه الكفر البواح ، لذا يجب تحديد المفهوم ،  فما يحدث الأن من مظاهرات واحتجاجات على الحاكم ، فهي ليست في معنى الخروج ، وإنما هي مطالبة بحقوق دستورية وسياسية واقتصادية كفلها الدستور والقانون ، وكذلك الدين والشرع ، وإن رفض السمع والطاعة عن فقدان الحق: لم يمنع سلمان الفارسي أن يقول الحق أمام عمر بن الخطاب لما ظن أنه أخطأ لما قال عمر : أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ، فقال سلمان : لا سمعا ولا طاعة  قال عمر : ولم يا أبا عبد الله ؟ قال سلمان : لك ثوبان وللناس ثوب واحد !! قال سل ابن عمر لمن هذا ، قال ابن عمر : هو ثوبي أهديته لوالدي ، فقال سلمان أما الآن فسمعا وطاعة . وعليه فالخروج والمطالبة بالحقوق جائز شرعاً ، ولا مجال لإنكاره ، ومثله كذلك حين قال عمر رضي الله عنه: " إذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني " وكان هذا في أول خطبة خطبها، فيقوم رجل في المسجد يهز سيفه ويقول: يا أمير المؤمنين! والله! لو رأينا منك اعوجاجاً لعدلناه بسيوفنا هذه. فلم يقل رضي الله عنه: أين هيبة الدولة ، ولم يقل له أطيعوا أولي الأمر منكم؟! وإنما قال: " الحمد لله الذي جعل في هؤلاء الناس من يعدّل عمر بسيفه " .

 

 

 

ماذا لو كان المسؤول فاسدا

 الفساد وباء خطير، وكثير ما يخدع الفاسد الناس ويسيّرهم حسب أهوائه من حيث لا يدرون ، وعندما يدرون يرون انفسهم انهم غارقون في بحره  ولو رغبوا في الخروج منه ، لما قدروا على ذلك ، لهذا نرى الكثير من المسؤولين غارقين في بحر الفساد ، سواء بإرادتهم أو بغير ارادتهم .

والمسؤول في أي موقع ، لا بد له صلاحيات واسعة ، حتى يتمكن من القيام بمهمته على الوجه الأكمل ، ولا بد وجود صفات نفسية في الحاكم تعينه وتساعده على التغلب على الوساوس ، التي تزيّن له الاستعلاء بالباطل ، واستخدام صلاحياته لتحقيق الثراء له ولأسرته بغير حق ، وفي أحيان كثيرة ، يصل إلى سدة الحكم من ليس أهلا لذلك، فلا هو قادر على تحقيق تطلعات الأمة ، ولا هو يتمتع بصفات نفسيه تعصمه من الانحراف ، وقد يكون متسلطاً يتعامل بكل قسوة مع مخالفيه ، فيكمم الأفواه ويمنع الحقوق ويصادر الحريات ، ولا يقوم بالوجبات التي تمكنه من   القضاء على السرقة واللصوصية ، وأنى له ، ذلك إذا كان هو اللص الأول أو السارق الأعظم.

قد نستغرب عندما نرى الفقر ضارباً بأطنابه في أمة من الأمم ، ونرى البؤس على وجوه الناس ، ونرى ضعف الخدمات الأساسية ، كالصحة والتعليم ، مع الغلاء الفاحش في أسعار السلع الغذائية ، بينما نرى بعض المسؤولين الذين يمتلكون المليارات من الدولارات ، بعد وصولهم لموقع المسؤولية ،  شيء لا يكاد يصدَّق ، فلو فرضنا أن إنساناً أنفق في كل ساعة ألف دولار ، فإنه يحتاج لمائة وعشرين سنة حتى يتمكن من انفاق مليار دولار، فكيف بمن حصّل العشرات من المليارات بالسرقة والنهب والجور على حقوق الناس ، هل سيعيش قرونا حتى يتمكن من إنفاق هذه الثروة، ورحم الله القائل :

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها...هل راح منها بغير الحنط والكفن

 وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم حالة الجشع التي تستولي على بني آدم فقال: ( لو أن لابن آدم واديا من ذهب ، أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) . فاذا رأيت الفساد في أي دائرة ، فاعلم أن رئيسها هو الفاسد الاول ، والمسئول الفاسد لا يقتصر فساده على نفسه ، فانه يفسد الصالحين في دائرته ، وعندما يكون المسؤول لصاً أو سارقاً تسري هذه الروح الخبيثة في أوصال الدولة كلها فتفسدها ، وتصبح مجموعة من السرّاق واللصوص ، لا يخافون المسؤول ولا يخشونه ، ولا يقدر على مؤاخذتهم ومحاسبتهم ، لأنه يعلم أنهم بسرقاته عالمون، فتفسد حينئذ الدولة وتنتشر السرقات ، لذا فإن من أهم أسباب الفساد ، وزوال البركة التي تعم البلاد والعباد ، انقلاب المسؤول من شخص عفيف أمين إلى لص لعين ، وحتى يعم الرفاه ، ويسود العدل ، لا بد من نزاهة المسؤول وعفته وأمانته، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه إذا أراد أن يولي شخصا ولاية ، أحصى عليه ممتلكاته قبل الولاية ، وعندما تنتهي ولايته يحصيها مرة أخرى ، فإن زادت وكانت الزيادة معقولة أمضاها، وإن كانت غير معقولة شاطره الزيادة ، وأخذ الشطر لبيت مال المسلمين على أساس أن هذه الزيادة قد جاءته من قبوله بعض الهدايا التي تهدى له بحكم منصبه، فكيف يكون الأمر إذا كانت زيادات بعض المسؤولين الذين يتولون المناصب الرفيعة ، ربما بلغت عشرات المليارات ، علماً بأنه لو أمسك كل راتبه من غير أن ينفق منه قرشاً واحدا ، لما تجاوز ذلك عشر معشار المليارات التي معه، ولو افترضنا أن حاكماً ما يتقاضى راتبا شهريا قدره مائة ألف ، لم ينفق منه قرشاً واحدا ، فإن مجموع ما يتقاضاه على مدى ثلاثين عاما ، لا يزيد عن 36 مليون ، فأين عشرات المليارات التي يمتلكها . لذا من التدابير التي يصلح العمل بها ، منع المسؤول أو أقاربه من التعاملات المالية مع الدولة ومؤسساتها ، أخرج مالك في الموطأ وغيره قال: "خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق ، فلما قفلا ، مرا على أبي موسى الأشعري ، وهو أمير البصرة فرحّب بهما وسهّل ، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما فيه ، هاهنا مال من مال الله  أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعانه متاعاً من متاع العراق. ثم تبيعانه بالمدينة. فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح. فقالا: وددنا. ففعل. فكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا وربحا. فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكُلَّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما ، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت      وأما عبيد الله، فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله. وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً. فقال عمر: قد جعلته قراضاً. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه. وأخذ عبد الله، وعبيد الله، ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال"، لم يقبل عمر رضي الله تعالى عنه ، أن يستفيد إبناه من مال الدولة مراعاة له، لذا لا بد من وضع آلية ونظام محدد لضمان الأمانة ، وعدم استغلال المنصب وعند وجود مثل هذا النظام ستنتهي السرقة وتحل البركة.

إن محاربة الفساد ، تكون بتجفيف منابعه بمساعدة المخلصين الصادقين من أبناء الأمة ، وليس من الصعب القضاء على الفساد ، إذا ما توفرت النوايا الطيبة المخلصة لدى المسئولين ، وانطلقوا من مصلحة الأمة   وتنكروا لمصالحهم الخاصة ، ومنافعهم الذاتية ، ولو استطعنا أن نوصل المسؤول إلى هذا المستوى ، لتمكنا من القضاء على الفساد والفاسدين  لأنه إذا فسد المسؤول فسد المجتمع ، حتى لو كان أفراده صالحون ، واذا صلح المسؤول صلح المجتمع ، حتى لو كان افراده فاسدون .   

 

العولمة الوجه الأخطر للاستعمار

العولمة تعني : التداخل في أمور الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والثقافة والسلوك دون الاهتمام بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدد  أو لدولة معينة، دون حاجة إلى إجراءات حكومية . وفي ظلِّ هذا النظام الجديد والتبشير بالعولمة ، تفكَّكَتْ دول كما يحدث الآن في أفغانستان، والصومال  والعراق، والسودان، والمذابح ضد الإنسان بشكْلٍ عام، والمسلم بشكل خاصٍّ وارتكبت دون تحقيق دولي، وكما حدث في البوسنة والهرسك في قلب أوروبا، وما حدث في كوسوفا، وكما حدث في رواندا؛ حيث أُبِيد أكثر من نصف مليون مواطن، دون أن تُحَرِّك القوى المهيمنة ساكنًا، وتهدف إلى استبعاد الإسلام وإقصاؤه عن الحكم والتشريع، وعن التربية والأخلاق، وإفساح المجال للنظم والقوانين والقيَم الغربية المستمدة من الفلسفة المادية والعلمانية ، ونشْر الكفر والإلحاد؛ لجعل الشعوب لا يؤمنون بدين، ولا يعترفون بعقيدة سماوية ، والسيطرة على رؤوس المال العربية، واستثماراتها في الغرب، والهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم من خلال القضاء على سُلطة وقوة الدولة الوطنية في المجال الاقتصادي؛ بحيث تصبح الدولة تحت رحمة صندوق النقد الدولي، حين تستجدي منه المعونة والمساعدة عبر بوابة القروض ذات الشروط المجحفة ، وإضعاف قوة موارد الثروة المالية العربية المتمثِّلة في النفط؛ حيث تم إضعاف أهميته كسلعة ، وقد تم استثناؤه من السلع التي تخضع لحرية التجارة الدولية ، وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول الإسلامية؛ نتيجة إلغاء هذه الدول الدعم المالي الذي كانتْ تقدمه للسلع الغذائية ، وفرض السيطرة السياسية الغربيَّة على الأنظمة الحاكمة والشعوب التابعة لها، والتحكُّم في مركز القرار السياسي وصناعته ، وإشاعة الجنس وثقافة العنف التي مِن شأنها تنشئة أجيال كاملة تؤمن بالعنف  ،كأسلوب للحياة ، وكظاهرة عادية وطبيعية، وما يترتّب على ذلك من انتشار الرذيلة والجريمة والعنف في المجتمعات الإسلامية، وقتل أوقات الشباب بتضييعها في توافه الأمور، وبما يعود عليه بالضرر البالغ في دينه وأخلاقه وسلوكه وحركته في الحياة، ولقد أثبتت الدراسات الحديثة خطورة القنوات الفضائية - بما تبثه من أفلام ومسلسلات جنسية فاضحة  تثير الشهوات الجنسية، وتزين عبادة الجسد، وتشيع أنواع الشذوذ، وتحطيم قيم الفطرة الإنسانية الرفيعة .

إنه الفخ الذي يُنْصَب لأمة الإسلام اليوم ، حتى تفقد خصوصيتها وتخسر خيريتها وشهادتها على الناس ، إنه فخ العولمة الذي يهدف إلى إزالة الحواجز الدينية والأخلاقية ، وتذويب الفروق بين المجتمعات الإنسانية المختلفة ، وإشاعة القيم المشتركة التي يراد لها أن تجمع البشر بزعمهم ، وسيادة المال وحرية التجارة عبر الدول ، والنفاذ إلى المجتمعات بعيدا عن هيمنة حكوماتها ، فتضعف بذلك السلطات المحلية ، ويحل محلها سلطات أخرى ، عبر شركات كبرى تجوب الأرض طولا وعرضا ، لا تعوقها حدود ، ولا تضايقها قيود ، ولا تراعي خصوصيات لبلد لسان حالها من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط .

أما الوسائل التي عن طريقها تفرض رؤى العولمة فهي : المؤتمرات والمنظمات الدولية كالبنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ومنظمة الأغذية والزراعة ، ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية ، ومنظمة اليونسكو وغيرها ، والمال والإعلام هما السلاحان النافذان في عصر العولمة ، فمن ملكهما كانت له السيطرة والنفوذ وقد قال أحد حكماء الغرب قبل خمسمائة عام :" إذا حاربت بسيف المال فستكون الغالب دائما " فمن ملك المال والإعلام  ، يفرض مفاهيمه وقيمه ومبادئه على الآخرين ، وهو الذي سيحدد المعايير ويدفع الهيئات والمؤسسات نحو ما يريد وسيعمل لتحقيق مصالحه الخاصة ، إنه الغرب وعلى رأسه أمريكا ، الذي يسيطر في عصر العولمة إلى درجة العمل على إفناء الآخرين وإلغائهم .

الحرب على الإسلام بالتأويل الباطل

عمد أعداء الإسلام إلى تحريف الكلم عن مواضعه ، هذا التحريف هو تحريف التأويل قال تعالى ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب  ويقولون هو من عند الله وما هو عند الله ﴾ آل عمران 78 . يريدون فتنة المسلمين عن دينهم ، يحاربون الإسلام ، ويستدلون منه عليه بتأويلات باطلة ، لا أصل لها في الشرع ولا في اللغة ، ونهج نهجهم المنافقون ، ومرضى القلوب الذين يؤثرون دنياهم على آخرتهم ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمم ستتكالب عليها تكالب الأكَلة على قصعتها. الذي أصبح في هذا الزمان مشاهدا بالصوت والصورة .

وتكالب الأمم على الإسلام ومنهجه ، لا يقتصر على العدوان المادي؛ بالغزو والقصف والتفجير والهدم والقتل والتخريب والأسر والتهجير، بل هو أيضاً عدوان معنوي ، بتحريف الدين وتشويه الإسلام. فقد أقدم العلمانيون وغيرهم على استخدام سلاح التأويل الباطل والفاسد لتحريف الإسلام ، ليوافق هواهم ومرادهم .

إن التأويل الباطل لكلام الله عز وجل أساس خراب الدين والدنيا ؛ قال الإمام ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين": "فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرِده الله ورسوله بكلامه ولا دلّ عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة حتى دخلها التأويل   فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد".

وقال ابن أبي العز في شرحه للطحاوية: "فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين، ومقتل الحسين رضي الله عنه، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟". يقول الدكتور عمر الأشقر في كتابه "التأويل": "لقد كان التأويل باب شرّ كبير، ولج منه الذين يريدون هدم الإسلام، فما تركوا شيئاً إلا أوّلوه، ولولا حماية الله ورعايته لهذا الدين ، لدرست معالمه ، وضاعت حدوده. "لقد أوّل الضالون الواجبات ، فصرفوها عن وجهها، وهوّنوا على أتباعهم رميها وراء ظهورهم. وأوّلوا المحرمات تأويلاً جر الذين ضلوا بضلالهم على ارتكابها ، وأولوا نصوص عذاب القبر ونعيمه، والساعة وأهوالها، والمعاد والحشر والميزان والجنة والنار بحيث فقدت النصوص تأثيرها في نفوس العباد. وأوّلوا نصوص الصفات تأويلاً أضعف صلة العباد بربهم، وأفقد النصوص هيبتها ، إذ جعلوها لعبة في أيدي المؤولين، يجتهدون ليلهم ونهارهم في صرفها عن وجهها بشتى أنواع التأويل".

وإذا كان تأويل السابقين يصرف كلام الله عز وجل عن مراده من دون قرينة ودليل فإن تأويل العلمانيين وغيرهم اليوم ، يصرف كلام الله عز وجل عن أن يكون ديناً وشريعة أصلاً؛ فكثير منهم يتعامل مع كلام الله باعتباره نصا كأي نص، ومنتجا بشريا فيجوز عليه الخطأ! ويجوز عليه الإلغاء! ويجوز عليه التبديل والتطوير والتحسين! وقبل هذا كله يجوز عليه التأويل الذي -في المفهوم العلماني- يصل درجة نقض النص وقلبه بالكلية! يقول حامد نصر أبو زيد في كتابه نقد الخطاب الديني ص206 : "أصبحنا الآن في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية ، شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة، وأن أصلها الإلهي لا يعني أنها في درسها وتحليلها تحتاج لمنهجيات ذات طبيعة خاصة ، تتناسب مع طبيعتها الإلهية الخاصة"! إن هؤلاء العلمانيين يساوون القرآن كلام الله بأي قصيدة أو رواية ، وهل هناك عدوان على الإسلام والوحي والقرآن أشد من هذا؟

وقد أدرك أعداء الأمة الإسلامية الدور الهدام لهذه التيارات المنحرفة في هدم الإسلام وحربه، ففتحوا الأبواب لهم حتى سميت لندن بـ"لندستان" لحمايتها رموز التطرف والغلو الإسلامي ، بإيوائهم ومنحهم اللجوء ، وحرية الترويج للغلو والتطرف. وفي ربوع الغرب والشرق نعموا بالرعاية والدعم والتأييد لنشر تأويلاتهم الباطلة ونشاطاتهم المخربة. أما الطائفيون، فقد أصبحوا الحلفاء الثقات ، طالما أن جهودهم تنصب على تحريف الإسلام ، ونشر هذا التحريف في أوساط المسلمين يميناً وشمالاً. ويرافق هذا التحريف قتل وإبادة وحشية للمسلمين ، وما علينا إلا أن نكون في هذا الزمان الذي استطال فيه أعداء الإسلام من الغرب والشرق ، وأعوانهم من داخل الأمة ، إلا أن نبين الحق للناس ، وندحض شبه الباطل ، ولا نخاف في الله لومة لائم، ولا يخيفنا طعنهم في ديننا ، فهم لا يزالون يطعنون ويقدحون  ويلمزون ، وهذا دأبهم دائماً وأبداً، والتأويل والتحريف داءٌ لا يُشفى بإذن الله ، إلا بتحقيق كمال التوحيد لله تعالى ، والانقياد والتسليم، إذ لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام للحق ، في الوقت الذي نرى فيه أهل التأويل الجدد ، يؤولون النصوص تعظيماً للمذاهب المعاصرة والنظريات الحديثة ، خوفاً من أن يطعن أهل الإلحاد فيهم ، فيقال عنهم رجعيون     أو أنهم لا يواكبون التطور والتقدم العلمي،  فكان عليهم بدل من أن يؤولوا النصوص ويحرفوها ، أن يقفوا وقفة العلماء العاملين ، في ذبهم لطعنات أهل التأويل عن نصوص القرآن والسنة ، فيدحضون الشبه التي تُلقى على النصوص ، ويزيلون ما ينقدح في الأذهان من شكوك ، ويبينون الحق ، ويوضحون مدلولات النصوص ، وما أراده الله ورسوله للناس ، من غير تحريف ولا تأويل فاسد ، ولا اتباع للمتشابه من النصوص  ولا يخافون بعد ذلك  في الله لومة لائم .   

ثقافة الاستبداد

 تسيطر علي بلادنا الثقافة التي ترعي الاستبداد والقهر ونظم الحكم الديكتاتورية  وهي الثقافة التي لا تفهم معنى حرية التعبير ، وتعتبر الشعوب مجرد قطيع لا يملك من أمره شيئا ، وعليه ان يسير نحو الاتجاه الذي يحدده الحاكم ، لأن مصير  المخالف العصا. وتستخدم عصا الدين أو عصا الوطنية والقومية لتوجيه الشعوب الى الوجهة التي يريدها وتأديب من يحاول التمرد .

إن الدين الذي هو سبيل الهداية ، والثورة علي الظلم وعدم المساواة  ،كما كان في عهد النبوة , أصبح عصا غليظة في يد الظالم ، لقهر شعبه والتسلط عليه ، ومعاقبة من يتمرد بقسوة بالغة ، تصل الي حد قطع الرقاب ، استنادا الي تفسيرات خاطئة لنصوص القرآن والسنة من فقهاء السلطة ، الذين زينوا لهم وأقنعوا العامة أن طاعة ولي الامر من طاعة الله ، وأغمضوا عيونهم عن القتل والسلب والنهب الذي يمارسه الظالمون ، ليستمتعوا بمتع الحياة ، بينما الشعوب تعاني شظف العيش ، حنى أصبح  هم الشعوب التفكير في المسكن والمأكل ، بسبب جبروت الظلمة وطغيانهم وتماديهم في الظلم وإذلالهم لشعوبهم   وما علموا أن الذل والاضطهاد الذي يمارسونه لن يدوم لأن سنة الله هي الباقية ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ أما علموا أن النهاية الحتمية لكل ظالم مهما تجبر واحتمى بالأجهزة الأمنية والقمعية هي الزوال ، لأن دولة الظلم ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة .

إن عالم اليوم لا يعرف الحدود الجغرافية والسياسية والسيادية للدول المستضعفة التي وجد فيها العلماء الذين يصمتون عن قول الحق أمام السلطان الجائر ، أولئك الذين يجيزون للسلطان كل منكر ، ويباركون له كل فرية ، ويزينون له كل بطش وظلم باسم الإسلام ، وما علموا أن بطش ربهم لشديد ، والله يمهل ولا يهمل  والشعوب لن تستكين ألي مالا نهاية ، بل سيأتي ذلك اليوم ، وتدك حصون الظلم والاستعباد  وضربة الضعيف ستكون الضربة القاضية إن شاء الله ، لأنها فرصته الأخيرة للعيش في حرية ، والخروج من الذل والاستكانة ، وإلا فأن الموت البطيء هو المصير المحتوم تحت ظل الذل والهوان .

  

جريمة استقبال زعماء اليهود

تأتي زيارة نتنياهو لسلطنة عمان والاستقبال الرسمي له، دون أن تثير أي ردود فعل عربية     في ظل وضع عربي مهزوم ، وتصدع وتفكك في دول الخليج، وفي خضم الفوضى التي تجتاح الوطن العربي ، ناهيك عن غياب أي أفق سياسي للقضية الفلسطينية وانعدام الرادع لمنع الأنظمة العربية من التطبيع مع إسرائيل ، الذي اصبح جهارا نهارا لكسب ود اسرائيل  تلك جريمة يروج لها القادة الذين جاء بهم الغرب أساسا وسعى لبقائهم في السلطة ابتداء  وكلّفهم مهمة الهيمنة على هذه الشعوب المسلمة انتهاء ، فحكموا بغير ما أنزل الله  وأعلنوا ولائهم بلا أدنى حياء لأعداء الله، أضف إلى ذلك سجل الفسق والظلم والنهب لأموال المسلمين الذي تلطخت به سيرهم ، والجرائم بحق الدين والأمة المسلمة ، وتناسوا وهم يصافحون اليهود ، وراياتهم ترفرف في بلادهم ، تناسوا المذابح التي يمارسها اليهود   وتجاهلوا آهات الأمهات التي تئن تحت القصف ، لكنه العفن الذي ملىء صدورهم   والخيانة التي أعمت أبصارهم .. حتى صارت رجولتهم مسخرة .. ودفنوا كرامتهم في مقبره     

فاستعملوا الأموال لشراء الضمائر واستعباد البشر ، وعاثوا في الأرض العربية فسادا ودمارا    ومن يعارض فالسجن بانتظاره أو القتل دون أن يأسف عليه أحد ، حتى أوصلوا الناس إلى الموقف الذي وصلوا إليه منذ زمن بعيد ، ولم يكونوا قادرين على البوح به علنا ، وهو الصلح مع إسرائيل أو قبولها. فقالوا نعم للتفاوض وللاعتراف المتبادل ، على اعتبار أن القضية الفلسطينية مسألة إنسانية، وليست مسألة احتلال أرض وتهجير شعب، وبسبب هذا التصور الخاطئ؛ يتم التوصل إلى حلول خاطئة، كاعتبار التطبيع والقبول بالتسويات حلاً ، يوقف نزيف الدم. ومن يتعاطى مع القضية من هذا المنطلق ، يظن بأنه يحمي الضحية  لكنه في الواقع يقف في صف المحتل ، ويسهل عليه الاستمرار في سياساته التوسعية والاستيطانية والتهويدية التي تستهدف وجدان وذاكرة الإنسان الفلسطيني، دون أن يكون هناك أي رادع أو مقاومة.

إن التعامل مع القضية الفلسطينية من هذا المنظور، يفرغها من مضمونها، ويلغي تاريخاً من النضال في سبيل التحرر واستعادة الأرض ، والذي لا يمكن أن يتحقق بدون دماء وتضحيات. والحديث عن عدم جدوى المقاومة ينافي الواقع؛ فقد كانت المقاومة الفلسطينية وما زالت تضرب أمثلة بطولية في الصمود والمواجهة؛ حيث منعت آلة القتل الإسرائيلية من تحقيق أهدافها في جميع أشكال العدوان التي شنتها على غزة، والتي لم تستطع إجبار المقاومة على قبول تسويات مُذلة وفقاً لشروطها، بل حققت صواريخ المقاومة تقدماً نوعياً حين تمكنت من ضرب العمق الإسرائيلي ، على الرغم من كل ما تتعرض له من حصار.

 

من المسؤول عن فساد الأنظمة

هناك نظرة رائجة عند الكثيرين تدعمها مقولات  وأحاديث نبوية، مفادها أن "فساد الحاكم من فساد الرعية" وأشهرها "كما تكونوا يولى عليكم". فالطاغية كما يقولون عقاب إلهي للرعية على فسادها وظلمها، وجاء في حديث نبوي أن الله يقول: "قلوب الملوك بيدي وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك". وجاء في كتاب "سراج الملوك" أن علي بن أبي طالب حمّل مسؤولية الفتنة التي وقعت في نهاية خلافة عثمان إلى الرعية، إذ سأله أحدهم يا أمير المؤمنين ! ما بال أبي بكر وعمر انصاع الناس لهما، ووليت أنت وعثمان الخلافة ، ولم ينصاعوا لكما  فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان ورعيتي أنا اليوم مثلك . وقال الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان "ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما". وروّجت كتب التفاسير أيضاً لتلك النظرة فجاء في تفسير السعدي "أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعِهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب... كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف". أما تفسير القرطبي فينقل لنا مقولة لابن عباس فيها: "إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم". وبالتدقيق في كتب التراث يثبت أن كثيراً من تلك المقولات الرائجة، زائفة وباطلة، فحديث "كما تكونوا يولى عليكم" رواه البيهقي في سننه مرسلاً وضعفه ابن حجر العسقلاني في تخريج الكشاف، وحكم عليه الألباني بالضعف، وقال: "الواقع يكذبه، والتاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو". أما الاستدلال بالحديث القدسي الذي يحرم الدعاء على الملوك فورد بالمعجم الأوسط للطبراني، والحديث في "جامع الأحاديث القدسية" بقسم الضعيف والموضوع   وقال عنه الألباني : ضعيف جداً .

إن هذه من المفاهيم المضلِّلة التي سعت عمائم الطاغوت إلى زرعها في عقول الناس ، وهو أن المسؤول عن فساد الحكام هو الأمة ! مستدلين بحديث:( كما تكونوا يولى عليكم)   الذي سبق ذكر درجته من الصحة ، فإنْ ظلمَ الحاكم وجار صوَّبنا أصابع الاتهام إلى المظلوم ، وقمنا عليه نجلد ظهره! ولا يقتصر أثر هذا المفهوم المضلِّل على مجرد إخراج الطاغوت من قفص الاتهام ، ووضع الأمة مكانه، بل هو يحميه من أية مساءلة مستقبلية، ويُبقي ظلمه ساريًا ؛ إذ يطرح هذا المفهوم حلًا واحدًا لإزالة ظلم الظالمين، وهو أن نوطد علاقتنا مع الله وننتظر… فإن بقي حكامنا في غيهم أو ازداد؛ فإنها إشارة على أن عبادتنا الفردية ليست كافية وفساد طويتنا لم تتغير، بدليل بقاء هؤلاء ، وعليه، فمقياس صلاح الأمة عندهم ، هو صلاح الحكّام، ودلالة ظلم الحكّام هو ظلم الرعية… فهل حقًّا كما نكون يولَّى علينا؟

إن كان الأمر كذلك، لماذا قام الأنبياء في وجه فرعون والنمرود وأبي جهل ، ولكن الواقع ، ما كان هذا النص الضعيف ليشتهر هذا الاشتهار، لولا العبث بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل والكذب عليه جهارًا نهارًا. وإن أصحاب هذا الطرح عندما يتكلمون عن عبادة الله ، فلا يتكلمون عن أوامر الله التي توجب محاسبة الظلمة ، ولا عن وجوب تحكيم شرائع الله ، وكأن هذه الأمور مستثناة من العبادة المطلوبة ، في مواجهة ظلم الحكام .

وأخيراً فإن الأمل الوحيد من إنقاذ الأرض من المفسدين في كل الأزمنة والأمكنة، يكمن في قيام أهل الحق والإصلاح بمسؤولياتهم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وجهاداً في سبيل الله قال تعالى: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتَّبَع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ هود/ 116. وكأن أصحاب الطرح الذي ذكرنا لم يسمعوا عن مواقف العزة التي توجب الخروج على الظلم ومحاسبة أهله، ولا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيت أمتي تهاب، فلا تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم ) رواه الحاكم في المستدرك. كما تشير الأحاديث الصحيحة إلى أن جور الحاكم ينسحب على سائر واجبات الدين ، فيحِلَها وينقض عراها. قال صلى الله عليه وسلم: ( لتنقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه.

 

 

   ما هي صفقة القرن

يأتي الحديث عن صفقة القرن ، بعد قيام ثورات الربيع العربي   والتدخل العسكري الدولي المباشر فيها ، والتدخل الإيراني الذي يهدد عروش أنظمة فيها؛ ما يجعلها تقدِّم خطر التدخل الإيراني على خطر وجود إسرائيل ، وهذه الأنظمة التي تخاف على نفسها من التدخل الإيراني ، هي التي تدفع باتجاه تغيير طبيعة الصراع في المنطقة، من صراع عربي إسرائيلي بنظرها ، إلى صراع عربي إيراني، وتحت سقفه سيتم الضغط لتمرير صفقة القرن ، إن هذه الأنظمة لها مصلحة بإنجاز هذه الصفقة ، مثلها مثل إسرائيل ، تسعى لإنجاز الصفقة عاجلًا غير آجل؛ لتسمح لنفسها أمام شعوبها ، أن تقيم معها تحالفًا عسكريًا  تواجه به المد الإيراني المهدد لأنظمتها، ولتتحول إسرائيل بعدها إلى دولة من دول المنطقة الفاعلة ، التي يجري التطبيع معها ، وليتحول العداء بالتالي إلى إيران ، إن صفقة القرن هذه التي يريد لها ترامب أن تكون من أهم إنجازاته، والتي سيحقق من خلالها سلامًا لم يتحقق من قبل ، وسيعمل على فرضها بالمكر والإجرام؛ لأنه يعتبر أن حل قضية فلسطين يأتي من ضمن فرض خطة أميركا للمنطقة ككل، عبر ما يعرف بـمشروع الشرق الأوسط الجديد ، الذي لا يمكن تحقيقه وقضية فلسطين معلقة.

وهذه الصفقة تهدف إلى تعطيل حل الدولتين وفرض واقع جديد يقبل به العرب والفلسطينيون ، واقع لا يريدون فيه حل الدولتين ، ولا يريدون المبادرة العربية، ولا يريدون عودة اللاجئين ، ولا يريدون اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، لأن اسرائيل لا تريد السلام ولا وقف بناء المستوطنات ، لأنها تريد فلسطين كلها والقدس كلها  وتريد دولة يهودية لطرد عرب الثماني والاربعين خارج فلسطين   وفرض واقع خطير يهدد سيادة الدول التي سترفض هذه الصفقة    لان بعض الدول العربية ربما وافقت من حيث المبدأ عليها دون ان تعرف تفاصيلها، وهذه مشكلة خطيرة تضع العرب في وضع محرج في رفضها ، لاسيما اننا سمعنا من وسائل مختلفة ، ان هناك مليارات ستدفع للدول الموافقة على بيع فلسطين ، وانعاش وتقوية اقتصاد هذه الدول مقابل التنازل عن الثوابت والمسلمات والمبادئ التي تخص القضية الجوهرية فلسطين ، وتهدف الصفقة بشكل رئيسي إلى توطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء حق اللجوء للاجئين الفلسطيين في خارج فلسطين ، ويتضمن الاتفاق النهائي لصفقة القرن ما يلي :

1- إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.

2- توفر الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.

3- وضع القدس وقضية عودة اللاجئين سيؤجلان لمفاوضات لاحقة.

4- مفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وقد نجحت إسرائيل بجهود سرية خاصة في إقناع الولايات المتحدة بالضغط على مصر والأردن للاشتراك في حل إقليمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية مستقرة وقادرة على النمو والمنافسة ، وكانت عملية الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 هي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. وبمجيء الرئيس اوباما آن الأوان لتنفيذ الخطوة التالية في المشروع، غير أن مسؤولا رفيعا ومؤثرا في الإدارة الأمريكية سبق أن اطلع على مشروع التسوية الإسرائيلي ، قال للمسؤولين في تل أبيب: " انتظروا عندما يأتي وريث مبارك ". وقد بدأ اللواء أيلاند، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق ، وهو أحد صناع القرار المؤثرين في إسرائيل، عرض مشروع التسوية المقترح بالتأكيد على أن حل القضية الفلسطينية ليس مسؤولية إسرائيل وحدها، ولكنه مسؤولية 22 دولة عربية أيضا يجب أن تبذل جهوداً إضافية لرفع معاناة الفلسطينيين. وأردف قائلاً "وينبغي على مصر والأردن، بالذات، أن يشاركا بصورة فاعلة وإيجابية في صياغة حل إقليمي متعدد الأطراف، وليس هناك منطق يقول بأن تقف الدول العربية مكتوفة الأيدي في انتظار أن تقدم تل أبيب الحلول على طبق من ذهب أو فضة". وأوضح أيلاند أن إسرائيل باتت ترفض بشكل واضح فكرة اقتسام تلك المساحة الضيقة من الأراضي مع الفلسطينيين لإقامة دولتين لشعبين، فهذا الحل يضرب نظرية الأمن الإسرائيلي في مقتل من ناحية، ويتجاهل الواقع في الضفة الغربية، من الناحية الأخرى، الذى يحول دون إخلاء 290 ألف مستوطن من بيوتهم ، لما يترتب على ذلك من تكلفة اقتصادية باهظة، ويحرم إسرائيل من عمقها الاستراتيجي وينتهك الخصوصية الدينية والروحية التي تمثلها الضفة بالنسبة للشعب الإسرائيلي! وقد نشرت المصري اليوم في السطور التالية نص المشروع الإسرائيلي الخطير لتزويد الدولة الفلسطينية المستقبلية بظهير شاسع من الأراضي المقتطعة من شمال سيناء يصل إلى 720 كيلومتراً مربعاً، ويبدأ من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود مدينة العريش، على أن تحصل مصر على 720 كيلومتراً مربعاً أو أقل قليلا في برية پاران داخل صحراء النقب الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

وفي أغسطس 2014، دعت الحكومة الإسرائيلية إلى حل مشكلة غزة عبر صفقة "مصرية- سعودية- فلسطينية"، تتضمن تنازل مصر عن مساحات من الأراضي في سيناء حتى مدينة العريش، ومنحها للفلسطينيين كي يضموها على غزة.

وقالت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية، في 20 أغسطس 2018 إن هذا الاقتراح جرت مناقشته في وزارة البيئة الإسرائيلية، من خلال وثيقة وضعتها إدارة البحار والشواطئ بالوزارة، وتم تسليمها لوزير البيئة الإسرائيلي ، عامير بيرتس. وحملت الوثيقة الإسرائيلية عنوان "ميناء العريش- حل لغزة "، وتدعو إلى منح الفلسطينيين ميناء العريش بالتنازل أو التأجير، ليكون بمثابة متنفس بحرى بديل لميناء غزة. وأشارت إلى أن العريش، التي تبعد عن مدينة رفح بنحو 50 كيلومترا شهدت تطورا كبيرا وتبدو عليها ملامح التنمية، لا سيما على صعيد مرسى موانئ الصيد هناك، بما جعله ميناء تجاريا. وذكرت أن ميناء العريش شهد أعمال تطوير واسعة خلال العامين الأخيرين لتحويله إلى ميناء مياه عميقة يشبه ميناء أسدود الإسرائيلي . وتقدر الوثيقة الإسرائيلية اكتمال أعمال التطوير في العريش خلال 3 سنوات بتكلفة تقدر بملياري دولار في البحر والبنية التحتية المحيطة بالميناء كجزء من هيئة ميناء بورسعيد.

وقالت الوثيقة إن ميناء العريش سينافس ميناء أسدود الإسرائيلي  وسوف يكون قادرا على تلبية احتياجات غزة وشمال سيناء. واقترحت الوثيقة أن يتم ضم مطار العريش إلى الصفقة التي تمنحها مصر للفلسطينيين في غزة، لا سيما أن المطار يبعد مسافة 10 كيلومترات فقط عن الميناء.

ويقول خبراء وزارة البيئة الإسرائيلية إنه سيكون من مصلحة إسرائيل أن يكون الميناء الذى سيخدم الفلسطينيين في العريش ليصبح بعيدا نسبيا عن إسرائيل، بدلا من ميناء غزة الذى يعد قريبا من إسرائيل. وانتهت الصحيفة إلى القول بأن تنفيذ فكرة كهذه تحتاج رؤية سياسية تفتقدها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

 

 

 يهوديتهم  وعلمانيتنا

إن مما يلفت الانتباه  في هذه الأيام كثرة الكلام عن الواقع التي سوف تعيشه الشعوب العربية والكلام عن أيدلوجية الدولة المستقبلية وطبيعة الحكم فيها ، والصراع الذي نشهده بين الإسلاميين من جانب وبين العلمانيين من جانب أخر، والسبب الذي يعتقده العلمانيون ، هو الخوف من قيام الدولة الدينية ، بدلا من الدولة المدنية ، وفي المقابل في هذا الوقت  نرى اليهود و بكل وقاحة ، على حد تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي السابق عمير بيرتس ، يصرون على قيام الدولة اليهودية على ارض فلسطين وليس ذاك فحسب بل ويريدون إلزام الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة .

إن إصرار الكيان الصهيوني على يهودية الدولة ، له أبعاد عقدية وسياسية خطيرة جداً من أهمها : 1 – مركزية الدين في الخطاب السياسي اليهودي

2 – تأكيد الحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين أو كما يسمونها أرض المعاد

3 - الغاء حق العودة للمهجرين الفلسطينيين

4 - تهويد الأرض الفلسطينية عموماً ومدينة القدس خصوصاً وتغيير وجهها التاريخي والحضاري

5 – العمل على ترحيل فلسطيني الداخل والسعي على إخلاء دولتهم من جميع العرب أو كما سماها وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان في خطابه في الأمم المتحدة بسياسة التبادل السكاني وهذا مصطلح مخادع يراد به انتزاع السكان الأصليين من جذورهم التاريخية وديارهم واستنبات شذاذ الآفاق بدلاً منهم .

إن المشكلة التي تواجهنا أن الكثير من السياسيين الفلسطينيين والعرب لا يدركون تداعيات هذا الخطاب الصهيوني في الحاضر والمستقبل وينظرون إليه بتبسيط شديد يتجاوز معظم الحقوق الفلسطينيين ، واللافت للنظر أن الحماس الصهيوني السياسي والشعبي لمشروع يهودية الدولة يقابله في العالم العربي حماس رسمي لمشروع علمانية الدولة والخجل من الدعوة إلى إسلامية الدولة بل الحرب عليها والتشنج في التعامل مع المطالبين بها ، وقد نجح الصهاينة في تحقيق أهدافهم المرحلية والاستراتيجية في كل مفاوضات السلام ، من كامب ديفيد مروراً بمدريد وأوسلو وأنا بولس يحملون قضية عقديةً يؤمنون بها وفشل العرب لأنهم بلا قضية أو عقيدة .  

اليهود هم اليهود ، أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية ، وأبعدهم من الرحمة ، وأقربهم من النقمة ، امتلأت قلوبهم بالحسد والحقد، يرتكبون المجازر تلو المجازر ، (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) اليهود لا يراعون في أحد ذمةً ولا عهداً اليهود جبناء ، قلْ فيهم ما شئت ، فكل صفة قبيحة ذميمة هم أهل لها

نسأل الله أن ينتقم منهم .

لماذا يخاف خصوم الإسلام من تطبيقه

 هل الإسلام حقاً يخيفهم أم انهم يتخذونه ذريعة للتسلط والاعتداء على المسلمين ، حين تزل القرآن قبل أربعة عشر قرنا ، طبق واقعاً في الحياة ، ليس مبدأً نظرياً فحسب ، بحيث إذا تعرض للتطبيق ، خاس ولم ينفع ، ولكنه طبق ، وظلت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في العالم قرابة ألف سنة ، ذلك هو ما يخيف خصوم الإسلام ، ولذلك يحاول خصوم الإسلام جاهدين أن يجعلوا مبادئ الإسلام باهتة في نفوس المسلمين انفسهم ، فيوردّون لهم كل شرّ ، وإذا ما وردّوا لنا كل شرّ أقبلنا عليه على أنه المظهر الحضاري ، فإذا ما أخذنا عنهم ذلك سرّوا بهذا ، لأن ذلك يفت في أعضادنا كمسلمين ، وذلك يفرحهم هم  لأننا لو كنا مسلمين بحق ، لأخفناهم ولأرعبناهم ، ولما استقر لهم قرار ، وقد جربونا ، إذن فكل الوافدات التي تفد إلينا من شرور هذه الحضارات ، وافدات مخطط لها ومرسومٌ لها ، حتى لا يكون المسلمين كما يريدهم الإسلام ، ويريدون منا أن يكون الله على ديننا ، وأن لا نكون نحن على دين الله ، فكأنهم يريدون الإنسان مشرّعا ، وكأنهم يريدون الله تابعاً في دينه إلى ما نقرره نحن ، فكل ما رأيت تكتلاً أمام الإسلام فاعلم ان الذين يتكتلون ، يفهمون قوة الإسلام ، ولو لم يكونوا فاهمين لقوة الإسلام ، لما تكتلوا أمامه ذلك التكتل ،  نرى كل القوى تتصارع ضد الإسلام ، الملحدون ضد الإسلام ، لماذا هذا التكتل ؟ لماذا لم يتفقوا على شيء إلا على حرب الإسلام ، لأنهم عرفوا أن الإسلام إذا طبق كمبادئ وكمنهج وكسلوك ، فإنه لم يبق لظلمٍ دولة  ولا لطغيانٍ أمة ، هذا هو الذي جعلهم يتكتلون ضد الإسلام ، لذلك لا بد أن نحي القيم أولاً في نفوسنا ، فلو نظرنا إلى الحضارات التي جاءت في الدنيا ، كحضارة مصر القديمة ، وحضارة الرومان ، وحضارة اليونان  كل هذه الحضارات ظلت حضارات ما وجدت لدولها قوة  فلما ضعفت دولها ، انحسرت قوة الحضارة المصرية إلى وادي النيل وتركت كل ما كانت عملته ، وحضارة اليونان بعد أن ضعفت دولة اليونان انحسرت في أثينا ، ودولة الرومان بعدما كانت لها حضارات  وضعفت   انحسرت في روما ، وحضارة الإسلام التي عمت الدنيا    حين ضعف المسلمين كدولة وكأمة ماذا صار ؟ ظل القوم على قومياتهم والإسلام الذي أخذوه ظل دينهم ، ولكن أي أمة أو أي حضارة من الحضارات   حين انزاحت عن بلد أخذت معها كل ما يتعلق بها وانطمست ، إلا الإسلام ، لماذا ؟ لأن الإسلام إذا خامرت بشاشته القلوب فليس من السهل على الإنسان أن يتركه ، تجد إنساناً منحرفا ، فإذا ما أهيج دينه بأي شيء فإنه يتنمر ، وبعد ذلك ينفعل انفعال الورع ، وربما كان الورع أقل انفعال منه ، لماذا ؟ لأن الخميرة سليمة  نواة الخلية سليمة ، بعد ذلك كل ما يكون من سلوك فأمر معوض  ولذلك نشاهد الناس الذين انحرفوا في أول حياتهم واسرفوا على نفوسهم ، ماذا كان أمرهم في النهاية ؟ لم يجد إلا باب الله راحة ، ولم يجد إلا الدين ملاذا ، ولم يجد إلا كتاب الله شافيا ، فعلى الإنسان العاقل أن ينظر في تجارب من سبقه ، وأن يأخذ التجارب بغايات ثمارها .           

   أسباب طمع الأعداء بنا      

  عندما تركت أمة الإسلام منهج الله ، وأخذ الأعداء بأسباب العلم حققوا التقدم واخترعوا الأسلحة التي نشروا بها الرعب في نفوس الناس. فكان من أهم الدروس التي يجب أن نتعلمها من تاريخنا المعاصر ، أن من أهم أسباب النهضة ، تطبيق منهج الله وان التخلف يرتبط بالاستبداد ، الذي يحظر على الناس التفكير والتعبير والابتكار والاختراع. لقد استغل أعداءنا ضعفنا، فعلوا واستكبروا علينا ، ووجهوا لنا ضربات قاتلة، حتى لم نكن قادرين على الرد لأننا لم نأخذ بأسباب القوة ، ولم نُعِد لهم العِدّة  فتقدموا وتأخرنا ؟ إن معظم العلوم الحديثة بناها علماء الغرب على قوانين اكتشفها العلماء المسلمون، ونظريات طورها الباحثون العرب، وقاموا هم بنقلها عندما احتلوا الأندلس، أو تعلموها من العرب خلال الحروب الصليبية ، ولكن لماذا أخذ الغربيون علومنا فطوروها فتقدموا ونسيناها نحن فتخلفنا ، بسبب الاستبداد ، الذي قتل فينا روح المبادرة والطموح والتطلع لتحقيق القدرة على الانجاز والتقدم للقيادة، فماتت مواهب العلماء، وملأ الخوف قلوب الباحثين.. فنجد الباحث العربي يكرر موضوعات سبقت دراستها، ويخاف أن يطرح أفكاراً جديدة، ولا يطلق العنان لخياله ، مما يدل على أن الاستبداد جعلنا نخاف ، ونفضل الفقر على السجن، ونفضل الجهل على علم يثير غضب الحكام وأسيادهم الأمريكان.

أما لماذا لم تتطور في بلادنا صناعة الأسلحة؟ هل نحن عاجزون عن اختراع أسلحة حديثة؟. هناك آلاف العلماء في التخصصات الحديثة؟ ويمكن أن نعد آلافاً من الباحثين في الجامعات العربية خلال سنوات معدودة، لكن الاختراع يحتاج إلى حرية وجرأة وثقة بالذات ، والاستبداد يرفض هذه الأشياء لأنها مصدر خطر على الطغيان.

لذلك فإن الطريق إلى التقدم يبدأ بالتحرر من الاستبداد، لأنه لا يمكن أن يفكر العلماء ويبدعوا ويبحثوا ويخترعوا وأجهزة الأمن تحاصرهم في الجامعات، وتعين العملاء في المناصب القيادية ، لأنهم لا يفكرون إلا في إرضاء أجهزة الأمن ، وقتل روح الابتكار في الباحثين والعلماء.

 ثم لماذا نتخلف؟ ونحن أمة تمتلك مقومات النهضة والتقدم، والله سبحانه وتعالى أعطانا الكثير من الكنوز والثروات المادية والبشرية لو أحسَنّا استغلالها لأصبحنا أقوى الأمم وأغناها ، وأكثرها تقدماً خلال عقد من الزمان.

والله سبحانه وتعالى أراد أن يكون معظم بترول العالم في أرضنا، وهو مصدر قوة وثروة مادية يمكن استخدامها في التحكم في الاقتصاد العالمي، كما يمكن استثمار عائدات النفط في بناء نهضة زراعية وصناعية.

وهناك الكثير جداً من الكنوز المادية ، والثروات المتنوعة تحت أرضنا ، وهي تنتظر من يستخرجها. فلماذا نعيش فقراء ومتخلفين وتحت أراضينا كنوز يمكن أن تجعلنا سادة العالم.. ولماذا لم نكتشف تلك الثروات بعد؟! وحتى الثروات التي استخرجت بددت أثمانها ، لأننا انصرفنا عن الأهداف الكبرى ، إلى الخلافات على أشياء فرعية قليلة القيمة، وانشغلنا بخلافتنا وصراعاتنا، ودفعنا الاستعمار لنتقاتل ، ونبحث عمن يصلح بيننا، ثم ننسى خيرات أرضنا ، كما اننا نمتلك ثروة بشرية هائلة ، وماذا لو استخدم كل هؤلاء البشر عقولهم ليصنعوا النهضة، وليبنوا نظاماً اقتصادياً عالمياً جديداً يقوم على الإنتاج الحقيقي الزراعي والصناعي؟ وماذا لو قام هؤلاء البشر باستخراج كنوز أرضهم واستخدموها في بناء التقدم والتنمية والحضارة وإعمار الأرض وتوظيف الطاقات الإنسانية واستخدام المواهب والأفكار لإنتاج نوعية جديدة من السلع التي تشبع الاحتياجات الإنسانية. وماذا لو قامت جامعاتنا بتشجيع شبابنا على البحث والابتكار والاختراع واكتشاف أسرار الكون، بذلك تعود لنا قدسنا لأن اليهود يعرفون أن قوتهم في ضعفنا، وعندما ننهض ونتقدم فلا حياة لهم في أرضنا. لأن الطريق إلى تحرير القدس يبدأ بتحقيق النهضة والتقدم وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وبناء نظام اقتصادي إسلامي عالمي، وتطبيق منهج الله في كافة مجالات الحياة .

 

 

خطر المفسدين

 يقطع المفسدون مراحل أعمارهم سائرين إلى دار الشقاء ، يجتهدون في الصد عن سبيل الله ، ومحاربة من يدعو إلى دينه. فما أعظم جرمهم!! وما أكبر خسارتهم!! وما أشد عقوبتهم!! إنهم أشد الناس جرماً، ما أجدرهم بلعنة الله وغضبه وسخطه؟. إنهم المفلسون من كنوز الإيمان ومن رصيد اليقين، فهم في تعاسة وغضب ومهانة وذلة كما قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾ طه:124 لأن النفس لا يسعدها ولا يزكيها ولا يطهرها ولا يسرها، ولا يفرحها ولا يذهب همها وغمها وقلقها إلا الإيمان بالله رب العالمين، بل ولا طعم للحياة أصلاً إلا بالإيمان ، فما بالنا إذا كان المفسدون لا يؤمنون بأن الله سيحاسبهم أو يؤمنون ولا يعملون لله حسابا ، لذلك لو نظرت إلى كل فساد في دنيا الناس ، لوجدته ناشئاً من هذا المنطلق وصدق الله ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حسابا ﴾ النبأ ، وماذا ننتظر من أناس لا ينتظرون اليوم الآخر يوم الحساب ، ولا يؤمنون بالحساب والجزاء ، ولا يتوقعون حساباً على تصرفاتهم ، لأن الذي لا يعمل حساباً ليوم الحساب ، ينطلق في شهواته وملذاته ، ويظلم عباد الله ، لا يردعه رادع ، مما يدل على أن الضامن لصلاح الدنيا هو بعينه الضامن لصلاح الدين ، بل الضامن لصلاح الدين والآخرة وما أصدق ما قال محمد اقبال :

إذا اٌيمان ضاع فلا أمان   ولا دنيا لمن لم يحي دينا

لقد جعل الله في الأمة الإسلامية رادع يردعها عن جريمة الفساد ، رادع متمثل في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورادع من الحاكم الذي نصبه الله ليقيم حدود الله ويطبق شرعه ، يجازي المحسن ، ويعاقب المقصّر ، أضف إلى ذلك رادع النفس اللوامة ، التي تلوم صاحبها على المخالفة وتعيدها إلى الصواب .

إننا نعيش في زمن فسدت فيه الأمة وتبلدت ، فتخلت عن هذه المسئولية  فصارت لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا ، وماذا نفعل إذا وصل الفساد إلى الحاكم فيغفل عن إقامة منهج الله ومعاقبة المخالفين ؟ وماذا نفعل إذا مات الضمير في الأنفس ، وأصبحت النفس اللوامة نفساً أمارة بالسوء عندها يكون العاصم النهائي والرادع الأخير ، أن يعتقد العبد أنه أمام عين لا تغفل ولا تنام ، وأنه محاسب على تصرفاته ، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر ، وأنه إن عمي عن عدالة الأرض ، فلن يعمى عن عدالة السماء ، عند من لا يغفل ولا ينام .

 

 

 

 

 

 

 الاستعباد الفكري

بلغ المسلمون درجة عالية من العلم والتقدم والحضارة ، التي امتدت  قرونا أضاءت كل أرجاء العالم، وكانت الحياة الفكرية تتسم بالشمول والتكامل  والنضج، فلم تحصر نفسها في محراب العبادة فقط ، بل امتدت أيديهم في مجالات العلوم المختلفة الدينية والدنيوية، وهذا ما دفع أعداء الإسلام إلى إضعاف هذا التقدم العلمي والثقافي، ومحاولة تغيير سمات المجتمعات الإسلامية، عن طريق الحرب الناعمة، بعدما عجزوا عن المواجهة القتالية، وقد ارتكزوا في حروبهم الثقافية والفكرية على قاعدة : «إذا أرهبك سلاح عدوك فأفسد فكره ينتحر به ومن ثم تستعبده»، ولقد تم الاستعباد الفكري ، حتى صارت الأمة تسير منقادة وتابعة للأفكار الغربية ، بل وتفتخر بهذا وتظهره، وترمي كل من خالف بالتخلف والبداوة والعداوة للتقدم والحضارة!!.

لقد صدق في هؤلاء الذين لهم قلوب لا يفقهون بها وأذان لا يسمعون بها، وأبصار تفتقد البصيرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟ ) أخرجه البخاري). وما أروع هذا التشبيه الذي صدق معجزة الرسول الله صلى الله عليه و سلم فنحن نشاهد تقليد أجيال الأمة لأمم الكفر في الأرض فيما هي عليه من أخلاق ذميمة وعادات فاسدة ، فإنهم المخططون لكل شر، والقدوة في كل رذيلة ، فقد وضعوا المخططات والبرامج والوسائل المتعددة للوصول إلى أغراضهم الخبيثة لتلويث وتسميم الأفكار، وقد ساعدهم في ذلك من أبناء أمتنا المهزومين فكريا باسم النخب الفكرية والسياسية، بدعوى الواقعية والعقلانية والحداثة والمدنية بمفهومها الغربي؛ فعملوا على إحلال الثقافة الغربية محل الثقافة الإسلامية ، وتفريغ التعليم من الروح الإسلامية، وتهيئة مناخ فكري جديد يخضع لهيمنة النظام العالمي الجديد، وعزل العالم الإسلامي عن وسائل التقدم العلمي، وشيوع الجهل، عن طريق استخدام بعض الحكام لتنفيذ خططهم ،كما ركز الغزو الفكري سهامه علي الأسرة المسلمة في محاولة لتغيير ملامحها، وصبغها بصبغة غير إسلامية ،وبالفعل أسفرت حملات الغزو الفكري عن آثار خطيرة أصابت قلوب وعقول أفراد الأسرة المسلمة، وكان لهذا الغزو أثره في العقيدة والثقافة والفكر.

كما عملوا على التطبيع الثقافي ، الذي يشمل كل مفردات الحياة اليومية، كالمأكل والمشرب والملبس وطريقة الكلام والتفكير، وهي علاقة غير قائمة على الحوار والثقافة بل على التبعية والتقليد والإذعان أمام الغالب، يقول ابن خلدون موضحاً هذه التبعية العمياء: “ إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله. وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم” (مقدمة ابن خلدون، ص149). ونجحوا في اختراق المناهج الثقافية والتعليمية والتربوية للأمة الإسلامية، والتدرج في الهبوط الثقافي والأخلاقي، ووضع مناهج تتماشى مع الفكر الصهيو أمريكي؛ وتحكموا في الإعلام؛ لقدرته على تشكيل الأفكار والأفراد حسب النوعية التي تراد، وتستطيع أن تحكم على الأمة من خلال إعلامها من حيث تقدمها أو تخلفها، ولو نظرنا إلى وسائل إعلام الأمة العربية والإسلامية لوجدنا التناقض الواضح في البرامج المعروضة، فمثلا التلفاز يعرض برنامجا دينيا يتكلم عن الحجاب والعفاف ثم بعده يأتي بالمذيعات المتبرجات أو الأفلام الماجنة، بل ترى في كثير من البرامج ألوانا من الكذب والنفاق، بل والترويج للأفكار الهدامة التي تدمر أطفالنا وشبابنا.

كما خططوا لإيجاد فئة من المنتسبين للعلم الشرعي الذين تربوا على الموائد الغربية ، للتحدث باسم الدين، رافعة شعار الحق الذي يراد به الباطل ،فهم يتحدثون ليل نهار عن التسامح مع الآخر، ولا يتحدثون عن تسامح الآخر معنا، وينددون بالعنف من جانب واحد، ويتركون الآخر يقتل ويدمر ويستبيح العرض والأرض، ويغزون العقول باسم الدين وبصفة علماء الأمة، وقد نجح أعداء الإسلام في حشد كثير من علماء السوء الذين ينفرون الناس من دعاة الحق وأهله، وفي إشاعة الفوضى الفكرية عن طريق تمرير مصطلحات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، كالحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان ، والدولة المدنية، والديمقراطية ، من أجل إشغال الناس، وليس من أجل تحققها، وبذلك نجحوا في زرع روح الهزيمة في نفوس العرب والمسلمين الذي أدى إلى شلل إيماني وفكري وحركي، جعلهم في حالة استكانة وضعف ومذلة وتبعية كاملة للغرب؛ وذلك عن طريق إيهامهم بأن أمريكا واليهود هم القوى العظمى التي لا تقهر، وعلى الجميع أن يخضع لهم.

 

 

دروس وخطب

نقدم بين يديكم مجموعة من الدروس والخطب والمواعظ 

واسال الله ان يتقبل منا جميعا