القضية الفلسطينية

القضية الفلسطينية

أبطال فلسطين

لقد أظهر الفلسطينيون بطولات عجيبة وهم يتصدون لليهود الذين يطلقون الرصاص الحي، في شجاعة، وجرأة عجيبة يتصدون للرصاص ، بصدورهم العارية فكيف لو كان معهم سلاح ؟ إنهم فئة فيهم جرأة، وفي أفرادهم شجاعة ، تنقصهم القيادة الراشدة، والخطة الحكيمة والإعداد الجيد ، يقاومون بالسكين والحجارة وقذائف الملوتوف، وبما تيسر .

في هذه الانتفاضة ، ظهر التلاحم بين الفلسطينيون ، فما كان اليهود ليحسبوا حساب عرب ال 48 الذين هبوا لمؤازرة إخوانهم وراء الخط الأخضر المزعوم ، فقد تظاهروا تأييداً لإخوانهم في الداخل، نبذوا الاستسلام، والسلام الموهوم ، وآمنوا أن الشهيد لا يأخذ أيّ شيء ، بل يعطي كلّ شيء في سبيل الحرية التي سيحصل عليها شعبه ، وهذا يؤكد أن أمة يتنافس أبناؤها على الشهادة لا يمكن أن تفنى أبداً ، فلا سلاح أقوى من الشهادة ، وقد أثبتت الوقائع أن الجيوش تنهزم خوفاً من الموت ما عدا جيش التضحية والشهادة ، الذي لا يتراجع ولا ينهزم ولا يخاف ، وما ارتفعت راية الشهادة في مجتمع إلا وارتفعت فيه راية النصر  لأن أمة الشهادة هي أمة الإيمان والعقيدة ، وهذا ما يخشاه اليهود والغرب الصليبي ، فكلمة الشهادة ترعبهم لأنها تذكّرهم بتاريخ الإسلام وانتصارات المسلمين ، لذلك يحاربون الإسلام المقاوم والرافض للاستسلام ، والذي يحرم العدوان ويحترم الإنسان ، ويدين احتلال الأراضي ويفرض على كل مسلم أن يقاوم الاحتلال بكل ما يملك ، وبكل الطرق الممكنة لأنه لا حرمة لمحتل ، ولا حصانة ولا سلام ولا مفاوضات معه ، وكل من يقف مع الاحتلال أو يؤيده أو يدعو للتعايش معه فهو خائن لدينه ولشعبه ولوطنه .

ونحن نتحدث عن فلسطينَ والأقصى نجدُ أنفسَنا أمامَ مأساةٍ تعجَزُ الكلماتُ عن وصفِها، فقد اختلطَتْ فيها العَبَراتُ بالعِبارات ، لأننا نتحدّث ، عن شعبٍ أعزلٍ يواجِهُ مجزرةً جماعيّةً ، وصَمْتٍ وتواطُىءٍ دُوَليّ، وانقسامٍ داخِليٍّ ، وهنا نسأل ماذا فعلنا وماذا قدمنا من التضحيات؟ بكل أسف: لقد أدينا وقدمنا الكثير من التنازلات بدل نصرة المستغيثين والمستغيثات ، وكأن ما يجري لا يعني المسلمين ، حسبنا الله وإليه المشتكى!! فقد تُرك الفلسطينيون وحدهم ليدافعوا بأموالهم وأنفسهم عن البلاد المقدسة ، التي كُتب تاريخها بدماء الصحابة وأتباعِهم المجاهدين، وها هم يدافعون ويستشهدون رغم الغفلة وصمت الدول التي تدّعي أنها ترعى السلام وتحارب التطرف والإرهاب وتدعي الاهتمام بحقوق الإنسان؛ بل إنها تساعد اليهود ولا تسألهم عن الجرائم التي ارتكبوها، ولا تطالبهم بالكف عن القتل والاعتقال ، وهذا ليس غريباً على من أضلهم الله وغضب عليهم ولعنهم ، ولكن المستغرب التفاوض معها وطلب السلام، واستجداء الحلول رغم آلاف القتلى والجرحى ، سلام رفضه الشباب المجاهد ، الذي تصدى لليهود بشجاعة فائقة رغم تخلي القريب والبعيد مصداقاً لقول القائل :

وشباب فلسطين يشكو ما دَهَـى   عَـرَبًا بَنَوْا لأمتِنا أمجادَ شُجعانِ

أنا ابنُكُمْ ودَمِي المسفوحُ مِنْ دَمِكُمْ     أنا وأنتم بدِيْنِ اللهِ صِنوانِ

أنا أخوكُم بعَهدِ اللهِ أينَ أنَا في ساعَةِ    الذَّبْحِ مِن أهلِي وإخواني

أُمي هُناكَ وأشلاءٌ مُبَعْثَرةٌ كانتْ       أَخِي وأبي في الدَّارِ نِصفانِ

وهذه مُدْيَةُ الجزَّارِ في عُنُقِي أَستشْعِرُ    النَّصْلَ في الحُلقومِ أدماني

إنه ليس من عذرٍ لمن يرى المقدَّسات التي تُنتَهك ، ثم لا ينتصر لإخوانه ولا يحزن لبكاء الثَّكالَى وصراخ اليتامى؟! وأنين الأرامل والأيامى؟! فأين أخوَّة الإسلام؟! وأين رابطة الإيمان؟! عمَّا يلاقيه إخواننا في فلسطين؟! فمَن ينتصر لفلسطين؟! ومَن يخفِّف مصابهم ، عذراً أيها المرابِطون في أرض فلسطين المجاهِدة، أرض الشموخ والفداء، وأرض الجهاد والإباء، عذراً يا أهلنا في الأرض المباركة، إن وجدتم التخاذُل والتثاقُل من كثيرٍ من المسلمين .  إن المأساة أليمةٌ، وإن الخطب جسيم، وإن الذي يحدث هو مسؤولية كلِّ مَن رآه أو عَلِم به، إننا والله مسؤولون عن مناظر القتل التي يُمارِسها اليهود والعالم يؤيِّده على ذلك إننا والله نخشى أن يصيبنا الله بعقوبة من عنده، إن لم نَقُم بأدنى واجبات النُّصرة . فاصبروا وصابِرُوا ورابِطُوا؛ ولا تيئسوا من روح الله، فالنصر قادم - بإذن الله تعالى : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الروم:47 . نعم إن اتقينا الله ، وأخذنا بأسباب النصر فسيجعل الله لنا مخرجا، وسينصرنا على أعدائنا، وإن من أعظم أسباب نصر الله لنا أن ننصر دينه كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ محمد7 .

وإن الله ناصر دينه وعباده المؤمنين، كما قال تبارك وتعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ،  فالمستقبل للإسلام ولو كره الكافرون والقدس أغلى وأثمن وأكبر من أن تُترك لمفاوضات استسلام، لأن قضية فلسطين لا تنفصل عن الإسلام، لأن أرضها أرض المسلمين جميعاً. اللهم أيقظ في نفوس المسلمين الحمية لقتالهم، واجمع كلمة المسلمين على جهادهم، وأفشل خطط المنافقين ودمر النصارى والمشركين، الذين يؤازرون اليهود الملاعين، وشردهم وشرد بهم من خلفهم، إنك يا جبار على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

 

 

الصراع الإسرائيلي

إن الإجراءات التعسفية التي تتخذها إسرائيل ، وغياب المحاسبة وتواصل سياسة الإفلات من العقاب  واعتقال الفلسطينيين ، وفرض المزيد من القيود والحواجز ، وهدم المنازل ، وتوسيع المستوطنات ، وأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ، أدي إلى تفاقم الأوضاع وتصاعد العنف ، مما أدى إلى دفع الفلسطينيين لمقاومة هذا الواقع الذي لا يحله عقد سىلام مع إسرائيل ، إنما يحله العرب ، إذا أفاقوا من الصمت الطويل   لأن مزيداً من الصمت ، سيقضي عليهم   مع أن الواجب يفرض عليهم ، أن يهبوا للدفاع عن تراثهم ووجودهم ، وعدم الرضا بقبول سياسة الأمر الواقع ، في احتلال القدس واغلب فلسطين ، وأن يدعموا المقاومين ، الذين هبوا يدافعون عن أنفسهم ومقدساتهم ، ولم يستسلموا ، ولم تزدهم التضحيات إلا ثباتا ، رغم القتل ونسف البيوت التي عاشوا فيها ، ورغم الاعتقال والتعذيب ، ذلك يقع ، ونحن في واد آخر  مشغولين بلقمة العيش ، وحب الدنيا وكراهية الموت ، ذكرت الأنباء عن تظاهر العشرات من بينهم يهود  أمام البيت الأبيض ، احتجاجاً على العنف الذي تُمارسه إسرائيل ، وحملوا أعلام فلسطين ، ولافتات كُتب عليها ، عبارات "الحرية لفلسطين" و"ارفعوا أيديكم عن المسجد الأقصى"، وردّدوا هتافات من قبيل "فلينتهي الاحتلال الإسرائيلي"، و "نتنياهو مجرم حرب"، بينما أمة المليار ، لم تحرك ساكنا بل أنابت عنها أطفالا ، لا يملكون إلا الحجارة والسكاكين ، يقاتلون بها اليهود  إنها المأساة بحق المسلمين ، حين يلوذون بالصمت ، وهم يرون الحقد اليهودي يتزايد والدعم الغربي له بلا حدود ، والمنظمات الدولية تتفرج ، إنه لا يسوغ لأمة ولدت أطفالا ، يقاومون بالحجارة ، أن تتفرج على هؤلاء الأطفال ، وهم يقضون نحبهم ، دون أن ينتصروا لهم ، إنها المأساة ، حين يتفرج أبناء الملل الأخرى ، على ما يحصل لأبناء فلسطين ، ولسان حالهم يقول : أين أهل هؤلاء ، أين أبناء ملتهم ؟ أليس دينهم يقول : ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أليس بينهم من يقول : ( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوما ) فأين حقوق الأخوة وأين وسائل النصر .          

 وأمريكا وأوروبا ، لـأسباب دينية ، مهتمتان بأمن إسرائيل ، فماذا يقولون ، وهم يتبنون فكراً عالمياً ، ضد التطرف والعنف؟ ماذا يقولون وهم يرون والعالم من حولهم يتابع عنف إسرائيل وتطرفها ، واستهانتها بأبسط حقوق الإنسان؟ أم أن هذه المصطلحات لازمة للمسلمين فقط، فيقال: العنف الإسلامي، والتطرف الإسلامي، والأصولية الإسلامية ، وهكذا تقوم الدنيا ولا تقعد على من يسمونهم بالإرهابيين المسلمين حين يدافعون عن حقوقهم، بينما يُغَضُّ الطرفُ عن الصهاينة ، وهم يعتدون على غيرهم، ويُنَدَدْ بالأصولية الإسلامية ، حين يعود المسلمون إلى دينهم ، ويرفضون التبعية للأمم الكافرة؟ فتقتصر حقوق الإنسان على اليهودي والنصراني ، وإن كانوا في ميزان الحق مغضوباً عليهم وضالين ، وما يحز في النفس ، أن يدعم هذه السياسة الجائرة ، كره العلمانيين العرب للإسىلام ، وموالاتهم لأعدائه ، ونبذهم لشرائعه ، إنهم ولا شك ، سرطان الأمة   الذي يلتهم كيانها ، وتلك سياسة ساقطة الضمير ، بل لا ضمير لها ، أعجبني ما قاله محمد الغزالي : " لو أراد أعدى أعداء بني إسرائيل ، أن يفضح خباياهم ، ويكشف طواياهم ، ما تحدّث عنهم بأفصح مما تتحدّث به أفعالهم ، وتخبر عنه أحوالهم  لقد برهنوا من تلقاء أنفسهم ، على أن أضغان الشعوب عليهم عدل ، وأثبتوا للعالمين ، أن ما نزل بهم من اضطهاد   على مرّ العصور ، لم يكن إلا التأديب الحق  لطبائع السؤ ، ومصادر الشر " إن بني إسرائيل ما تجمع لديهم مال ، إلا سخّروه في الفتنة ، ولا وقع في أيديهم سلاح ، إلا استعملوه في الأذى ، قال الله تعالى فيهم : ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ المائدة 70

إنهم الذين زرعوا أحقاد العالم عليهم ، ولا غرابة ، لأن إسرائيل دولة ، اغتصبت الحقوق العربية ، والإسلامية في فلسطين ودنست المقدسات، وارتكبت عشرات المذابح ، من قبل اليهود القتلة والسفاحين  سواء كانوا قادةً أو مستوطنين ، أو يهودَ متطرفين، وليس هذا بجديد على اليهود  فهم قتلة الأنبياء ، وناقضو العهود والمواثيق، وأبناء القردة والخنازير، الذين غضب الله عليهم ولعنهم ، لكفرهم وعنادهم ، وعصيانهم وسوء طباعهم . فحياة اليهود ، منذ نشأتهم الأولى وإلى الآن ، تقوم على المؤامرات والفتن والدسائس ، وإشعال الحروب والمنازعات والفساد في الأرض،فقال الله فيهم : ﴿ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ﴾المائدة: 64، ولقد فضحهم القرآن الكريم في عشرات الآيات، وبين أنهم أشد الناس عداوة للمسلمين ، فقال تعالى : ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ المائدة 82. ولقد ضم تاريخُهم المعاصر ، مجموعةً كبيرة من السفاحين والقتلة ، الذين أدوا دورا خطيرا في الصراع العربي الصهيوني ، وارتكبوا الكثير من الجرائم والمذابح ، في حق الشعب الفلسطيني صاحب الحقوق الشرعية ، في الأرض والمقدسات ، وما الحوادث التي تدور رحاها الآن في فلسطين ، وراح ضحيتها القتلى والجرحى ، إلا حلقة من حلقات مسلسلهم الإجرامي . 

 إن المعتقد الديني لإسرائيل ، وسجلها التاريخي، وما ينصّان عليه من تقديس الحرب والدعوة إليها، وتحويل العقيدة الدينية اليهودية ، إلى نظرية سياسية ، تستند إلى وعود إلهية، وتطالب بحقوق تاريخية  كل ذلك ، يقف شاهدًا ، على فكر متطرف، ونهج متعسف، تنطلق مشروعيته ومبرراته من التوراة، وترسم النظرية الصهيونية ، أصوله وممارساته ، والمنابع الدينية والتاريخية ، للفكر العسكري الإسرائيلي ، هي التي دفعت إسرائيل ، إلى اعتناق مبدأ العنف المطلق ، واعتبار القوة فوق الحق ، والغاية تبرر الوسيلة ، على النحو الذي مكنها ، من إعداد القوة  العسكرية ، ومنع الفلسطينيين من ذلك  وجعلها جاهزة ، لمباشرة مهامها الاستيطانية والقتالية، وقد تجسد ذلك بوضوح ، فيما أقامته إسرائيل ، من مستعمرات استيطانية وما شنته من حروب عدوانية، وما اقترفته من أعمال إرهابية ، وما أقدمت عليه من جعل  قرارات الأمم المتحدة ، في مهب الريح  وأبطلت مفعولها ، وكثيرًا ما أظهرت إسرائيل الرغبة الكاذبة في السلام ، بعد كل اعتداء أو حرب ، لصرف الأنظار عن جرائمها وخلق واقع جديد ، حتى تفعل السياسة فعلها، وتتولى مهمة تبرير العدوان ، وإخفاء معالمه ، وطمس آثاره ، بفضل الدعاية الزائفة ، والدعوة الخادعة إلى السلام   وهي ترفع عصا السلاح ، ولسان مقالها وواقع حالها يقول: إنها قادرة على التهديد  والتصدي للتهديد ، وفرض السلام الذي تريد ، كيف يكون السلام مع اليهود   والغدر سجية فيهم ، كما أخبر الله ﴿ ولا تزال تطّلع على خائنة منهم ﴾ المائدة 13 . وفي الوقت الذي يطلبون استسلاماً يراد به تمكين الغاصب ، وإسكات الشاكي  وتطمين المعتدي ، وتوهين الباكي ، رفض المقاومون الفلسطينيون ذلك ، وأبوا إلا الإسلام شكلاً وموضوعاً ، وهبوا يدافعون عن أنفسهم ، ولم يستسلموا ، ولم تزدهم التضحيات إلا ثباتا ، يقاومون بالحجارة والسكاكين ، ومن حولهم من العرب والمسلمين ساكتين ، ولقد أحسن القائل :

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم   قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

وكان الأولى بالعرب والمسلمين ، وهم يرون اليهود يَقْتلون ويُطاردون الذين يحافظون على عروبة فلسطين ، ويستميتون دون تهويد القدس ، أن يقفوا إلى جانبهم  يمدوهم بما يحتاجونه ، حتى لا تكون اليهودية وحدها ، صاحبة السطوة في فلسطين ، وما علموا أنه لا يجوز لمسلم أن يفرّط في ذرة من حقه ، خوفاً من البطش أو العدوان ،  لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه إلى ضرورة القتال ، من أجل المحافظة على الحقوق ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله : أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : لا تعطه مالك  قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال: قاتله ، قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال: فأنت شهيد ) إن حرباً كهذه ، يجب على المسلم أن يخوضها ، لأنه يؤمن برعاية الله وتأييده له  يرجو نصره ، ويرقب عونه ، أما الأعداء فإنهم يحاربون ، وعليهم لعنة الله   والملائكة والناس أجمعين ، وقد أمرنا الإسلام ، بقتال المعتدين ، وأن نبذل المال والدم والروح ، عسى الله أن يرد بأس وكيد المعتدين ، فقال صلى الله صلى الله عليه وسلم ( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ) إن معركتنا مع اليهود ليست على اغتصاب جزء من أرضنا  ولكنها الإجهاز على تاريخنا ، حتى لا يبقى في بلادنا إيمان  فاتقوا الله ، وجاهدوا عوائق الشر قال تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين ﴾ التوبة   

                                           

 

 

الأقصى ينادي فهل من مجيب

قال تعالى : ] ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها [ إن ما يقوم به اليهود من منع الصلاة في المسجد الأقصى ، والتخطيط لتقسيمه شديد الخطورة ، لأنهم يعدون العدة لهدم المسجد ، وبناء هيكل سليمان المزعوم ، كما جاء في العهد القديم في سفر حزقيال إيحاء ببناء الهيكل ، وإذا تم لليهود ما يؤملون   فسوف يكونون سادة العالم ، وهذا الحلم هو محصّلة نبوءات كثيرة في كتبهم ، ومن هنا قال وايزمان : إن بلفور عندما أعطانا وعد تملك فلسطين ، كان يترجم في العهد القديم ، وبلفور مسيحي بروتستانتي  والبروتستانتي يرى أن العهد القديم واجب التنفيذ ، وبلفور كان رجل دين أولاً ثم كان رجل سياسة ثانيا ، وهذه معلومة لا يفهمها كثيرٌ من الناس ، ولكن المسلمين في نوم عميق وسبات طويل ، يهتمون بسفاسف الأمور ويتركون عظائمها ، فالخطة التي وضعتها القوى المعادية للإسلام   نفذت بدقة لتوفير الفرص أمام إقامة دوله يهود   وهذا يدل على أن مستقبل الأمة ما زال موحشا ، وكيف لا يكون ذلك ، وهم لا يلتزمون بدين في أكثر الميادين إلا من عصم الله ، ولو حملوا أمانات الوحي لكانوا أرعى الناس لها ، وها هم حملوا هذه الأمانات فما رعوها حق رعايتها ، وقد علق القرآن على هذا السلوك فقال تعالى : ] وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم  نذير ليكُونُنَّ أهدى من إحدى الأمم ، فلما جاءهم نذيرٌ ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكرَ السَّيئٌ ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله [ فاطر 42 . إنه لمن العار أن يستغيث الأقصى وأهله ولا يغاثوا ، أم غاب عن أذهاننا أن الأقصى  من أقدس بيوت الله ، وأن نجدته من أوجب الواجبات ، وأن قضية الأقصى قضية تصب في صميم الإيمان والشرف والكرامة ، وهل تجاهل المسلمون أن واجب الدفاع عن الأقصى هو واجب جماعي والتزام ديني ، وأن تحريره فرض عين على كل واحد منهم .  

أما آن لنا أن نلبي نداء الأقصى بالقول والفعل ، والهمة والعزيمة والزحف والصهيل ، بدل الاحتجاج والتمتمة والصراخ والعويل .

أملنا كبيرٌ فأمتنا تمرض ولكنها لا تموت ، وقد تسقط على الطريق فتطول كبوتها ، ولكنها تتحامل على نفسها مرات ومرات ثم تتابع المسيرة ، لأن المؤمن من هذه الأمة لا يعر ف اليأس ، ولا يفقد الرجاء ، لأنه واثق بربه ثم هو واثق بحق نفسه ثم هو واثق بوعد الله ، فإن مرت به محنة   اعتبرها دليل حياة وحركة ، وإن الميت الهامد لا يُضرب ولا يؤذى ، وإنما يضرب ويؤذى المتحرك الحي المقاوم- كما قيل - كالذهب والحديد يدخل النار فيستفيد ، إذ يذهب خبثه ويبقى بهاؤه ، وما على المسلمين إلا أن يكونوا بحجم التحديات على صبر وثبات ، وليس من المهم الوصول إلى القمة ، لأن الأهم هو البقاء فيها، وليس الانحدار إلى القاع هو الكارثة ، بل إن الكارثة الاعتقاد بأن لا سبيل إلى الخروج من القاع  وليس الدواء في بكاء الأطلال وندب الحظوظ ، لكنه في الترفع عن الواقع ، بلا تجاهل له بإرادة قوية ونفس أبية   وعندها يمكن تحويل عوامل الضعف إلى القوة بإذن رب البرية ، فمَن يسمع استغاثة الأقصى ، ومَن ينتصر للمظلومين بعد حطين وصلاح الدين ، ومَن ينقذ الأقصى من التهويد ، ومن الحفر والتنقيب والظلم الدفين ، ومن يقود الأمة إلى بشائر النصر والتمكين ، بعد هذه السنوات التي عانى فيها من خبث ونجاسة الصهاينة المحتلين ،وبعد سنوات من ذل المغضوب عليهم وظلم الظالمين من العالمين   ولم ينتصر له أحد من المسلمين ، فأمعن اليهود في غيهم   أعلنوا عن يوم العاشر من نيسان   يوما لاقتحامه وتدنيسه   ولجهود السلام رافضين ، فماذا أعددنا لإفشال هذا المخطط اللعين ، أم أننا لجهود عملية السلام مؤملين  ناسين أن الله سيسألنا عن عدم نصرته يوم الدين ، وأن واجبنا أن نصمد ونصبر صبر المجاهدين المجدين ، لا صبر القاعدين المنتظرين لجهود سلام أصبحنا منه يائسين   ولفلسطين أهلها ، وهم في الحقيقة كل المسلمين قال تعالى : ] ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران 139 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحرم الإبراهيمي ينادي

قال تعالى :] إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصُمَّ الدعاء إذا ولَّو مدبرين [النمل 80 .

هل يمكن لعاقل أن يرجو خيراً من الأموات ؟ وهل نتوقع من عالم لا يسمع ولا يرى أن يقدم لنا شيئا ؟ً وإن كانوا يسمعون ويشاهدون فما أدري ماذا ينتظرون ؟ وحتى متى هم صامتون ؟ ولماذا لا يحركهم الجور الذي فشا والعدل الذي عفا . وطغيان اليهود الذي غلا وعتا ؟ وتجاوز كل الحدود وتجرأ على البلاد والعباد ، بل أمعن في الطغيان والعناد ، أما آن لهم أن يخرجوا عن صمتهم غضباً لله ؟ أما يحرِّك ضمائرهم سفك الدماء وانتهاك محارم الله والمقدسات ؟ أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، وليلِ الليل الطويل أن ينجلي؟! أما آن للأمة تفيق من غفلتها ؟! أما آن لها أن تعمل على حماية مقدساتها ، أما علمت أن اليهود يستفيدوا من تفككها  ففي غفلة سرقوها ، وقاموا بالاستيلاء على مسجدها الإبراهيمي ومسجد بلال ، لأنهم يعلمون أن ردة الفعل  لا تتجاوز المسيرات والتنديدات ، فقد ارتكبوا من قبل جريمة التطهير العرقي بحق المقدسيين وبيوتهم وأحيائهم الإسلامية، وعملوا ويعملون على إغلاق القدس بجدار الفصل العنصري ، بهدف تحويلها إلى مدينة يهودية خالصة، ولا يوجد من يعمل على إنقاذها ، أما آن لنا أن نتحرر من رق العبودية والخضوع لليهود ومن والاهم    

أما آن لنا أن نتحرر من سجن الشهوات وحب الذات

أما آن لنا نعمل على نصر الله لينصرنا قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[ محمد7 .

أما آن لنا نستجيب لقوله تعالى : ] قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ[ التوبة14 . وإنا والله لو استجبنا وتوكلنا على الله ، وانتهينا عن ذنوبنا ومعاصينا، لكان النصر والغلبة على الأعداء ، بالمستطاع من الإعداد حليفنا قال تعالى : ] وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ الأنفال60 .

أم إن النخوة والإحساس قد ماتا في داخلنا ، حتى أصبح العبث بمقدساتنا على مرأى منا ، ونراه بأعيننا ليل نهار على شاشات التلفاز وفي كل وسائل الإعلام ، دون أن نحرك ساكناً ، وهل تجمد أو تبلد الإحساس داخلنا ؟ حتى أصبح ما يدور حولنا ويمس عقيدتنا وهويتنا العربية والإسلامية لا يحرك مشاعرنا ، وكأننا فقدنا الوعي عما يدور حولنا ؟

وكما تعلمون ماذا حدث من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني هو استيلائها على الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح باسم التراث الصهيوني ، رغم انه لا يمت بأي صلة لتراثهم ، وقد صادق نتنياهو على ضم هذين الأثرين الإسلاميين ، إلى قائمة التراث الصهيوني ، وأبلغ مجلس وزرائه بأن القائمة النهائية للتراث الصهيوني لم ننتهِ منها بعد ، وقد  فسّر المقربون منه كلامه هذا ، بأنه يقصد بذلك ضم قبر النبي يوسف ، الذي طالب به مجلس المستوطنات والآثار الصهيوني من قبل ، وقد أكد نتنياهو للصحفيين والإعلاميين أن وجود كيانهم ، ليس مرتبطاً بالجيش فقط بل هناك شيء مهم لا يقل أهمية عن هذه الأسباب والأهداف ، وهي تعزيز وتأكيد وتثبيت شعوره القومي تجاه وطنه ، وللأسف فقد اعتمد في ذلك على ما حدث من قبل في منتصف التسعينات ، عندما تم تقسيم الحرم الإبراهيمي قسمين احدهما للمسلمين والآخر لليهود   بعد المجزرة التي ارتكبت في عام 1994 وأسفرت عن استشهاد ما يقرب من 30 مصلياً فلسطينيا ،  واليهود بهذا يحاولون تغيير الهوية الفلسطينية ، وطمس الحقائق ومحاولة تهويد فلسطين ، وليس المقدسات فقط ، على مرأى من امة المليار ونصف مليار مسلم ، إذ يعتبر اليهود هذه الإجراءات غاية الأهمية بالنسبة لهم ، لأنهم يبحثون عن تأصيل حقهم في أرض فلسطين ، وقد جاء الرد العربي والإسلامي بتصريح لا يرقى إلى حجم هذه الخطورة التي تهدد المقدسات بتصريح مفاده  : " إن هذا القرار الصهيوني نعتبره توطئة للانقضاض على المسجد الأقصى المبارك " واليهود كعادتهم يراقبون ردة الفعل العربية ، فإذا ما اقتصرت على التنديد والاستنكار ، فإنهم يستمرون في مخططاتهم العدوانية على القدس ، وما حصل فقد صدرت عشرات البيانات عن أحزاب (وفصائل) فلسطينية ومؤسسات أهلية ودينية وحقوقية وشعبية  وشخصيات ونواب، وهيئات متفرقة بالإضافة إلى بيانات رسمية ، من عدد من الدول العربية ومنظمات إسلامية عبَّرت جميعها عن سخطها تجاه القرار الصهيوني   ورفضها المطلق لتزييف التراث الإسلامي وسرقته علانيةً  وقد شهد محيط الحرم حضورًا إعلاميًّا كبيرًا من مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية؛ لتغطية ردود الأفعال على الجريمة الصهيونية، التي توافقت مع الذكرى السادسة عشرة لمجزرة الحرم الإبراهيمي ، ومن الجدير بالذكر ، أنَّ الحرم الإبراهيمي بُني قبل أربعة آلاف عام على يد سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وأحضر الحجارة الملك "هيرودوس" ملك الأدوميين العرب ، وأقام سورًا بطول ثمانين ذراعًا وعرض أربعين ذراعًا حول مقابر الأنبياء، وبنى 13 مدماكًا، ثم جاءت الملكة "هيلاني" سنة 324 ميلادية وأمرت بسقفه، لكنَّ الفرس هدموه ثم أعاد بناءه الرومان ، وفي عام 15 هـ حوَّل المسلمون -مع الفتوحات الإسلامية- البناء إلى مسجد؛ لأنه بُني مسجدًا أصلاً؛ بدليل أنه بني باتجاه القبلة قبل الإسلام، وطوال عهدَي الأمويين والعباسيين بقِيَ المسجد مسجدًا إسلاميًّا حتى الحروب الصليبية، حين حوَّله الصليبيون إلى كاتدرائية لمدة تسعين عامًا، ثم حرَّره صلاح الدين الأيوبي سنة 587هـ، وثبت عشر عائلات في الخليل لتشرف على سدانة الحرم وخدمته ، وبقِيَ المكان إسلاميًّا حتى عام 1967م، حين وضع الاحتلال عليه العلَم الصهيوني    لكنه بقِيَ مسجدًا إسلاميًّا حتى عام 1994م حين وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي ، ومنذ ذلك الوقت توالت الاعتداءات على المسجد، وكثيراً ما يمنع رفع الأذان منه   إن الاعتداء بضم الحرم الإبراهيمي وجامع بلال بن رباح في فلسطين ، إلى ما يسمى التراث اليهود بزعم باطل يجافي التاريخ الإسلامي والشرائع السماوية التي أكدت أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام أبو الأنبياء كان حنيفا مسلما كما نص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: ] ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلما [ وقوله سبحانه وتعالى على لسان نبي الله إبراهيم  ] إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [ .

والسؤال : إلى متى يتقاعس المسلمون أمام الغطرسة اليهودية التي تقتحم المقدسات ، وهل يدرك المسلمون هذه الأخطار الجسيمة، التي تتعرض لها مقدساتهم   ليعملوا جاهدين على إنقاذها ، أم يظلوا على ما هم عليه  ينشغلون بتوافه الأمور، ولا يبالوا بعظائمها :

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ   مَا لِجُرْحٍ   بِمَيِّتٍ  إِيْلاَمُ

وهل للمسلمين في نملة سليمان أسوة ؟  يقول محمد عبد الشافي القوصي: يحكى أنه عندما اجتاحت جحافل التتار عاصمة الخلافة (بغداد) واستباحت بلاد الشام, احتدم الجدل بين أكبر فقيهين في الأُمة حول (نملة سليمان) أهي ذكر أم أنثى ، يقول : سمعت هذه القصة قبل عقدين من الزمان, وانشغلت بالتنقيب عنها في بطون الكتب , ولما أعياني البحث, هرعتُ إلى شيخي, علّني أجد عنده جواباً شافياً عن فحواها..فنظر إليّ الشيخ نظرةً فاحصة مملوءة بالحسرة والقلق! قلت: أرجو ألاّ تغضب مني -يا شيخي الجليل- ولا تهزأ بسؤالي..فصاح بصوتٍ عالٍ: كيف أهزأُ -يا فتى- وأنت تسأل عن أمرٍ جلل! لقد سألت عن نملة عزيزة علينا, محببة إلينا... منـزلتها عندنا بمنـزلة الرأس من الجسد! حسبها شرفاً أنها استمتعتْ برؤية نبي الله سليمان بن داود عليه السلام في عزه ومجده وموكبه وخاطبته وحاورته ثم اعتذرتْ إليه بأدب دونه كل أدب  لقد أدخلت الفرح والسرور والبهجة إلى قلبه فجعلته يتبسّم ضاحكاً من جمال منطقها, وروعة بيانها, وكريم طباعها, وحسن تصرفها ، ثم أقسم -الشيخ- بأغلظ الأيمان أن هذه النملة الصغيرة, لأعقل من كثير مما نرى من الآدميين ، الذين يؤذون الأنبياء ويهملون المقدسات بلْ ويسخرون من الذات الإلهية ] سخِر الله منهم ولعنهم في الدنيا والآخرة [ لقد أُوتيتْ النملة عقلاً راشداً, وقلباً نابضاً, فعرفتْ ما لها وما عليها, وأدركتْ ما يلزم وما لا يلزم, وفهمتْ كيف تتأدّب في حديثها مع نبيّ الله.. فلم تسفّه كلامه ولم تردّ قوله كما يفعل -دعاة العلمانية- في زماننا, ولم تتطاول عليه وعلى ما أُوحيَ إليه من ربه كما يحلو للماديين الظانين بالله ظن السوء, ولم تقذفه بالحجارة وتصدّ عن السبيل ، كما فعل السفهاء القدامى مع أنبيائهم, ولم تزعم أن التديّن سبب البلاء الذي حلّ بالبلاد والعباد كما يعتقد الجاهليون الجدد .

ما أحوجنا في هذا الزمان إلى مثل هذه النملة الحكيمة لتعلّم المثقفين والمتحضرين والمتفلسفين ، دروساً في أدب الحديث, وفن الحوار, والأخلاق العامة, وآداب الطريق, وتوقير أهل العلم والصالحين! وربما لا تصدّق -يا بُنيّ- أن هذه النملة ، مجرد نملة عاديةً, فلا يمكن أن نعتبرها مثقفة بالمعنى الأكاديمي, ولا أظن أنها من حملة الرسائل العلمية  أو على دراية بالنظريات والفلسفات الغربية, ولا هي بحاجة إلى محاضرات في أكاذيب العلمنة ، إنها بفطرتها تعرف للدين قداسته, وللأنبياء حرمتهم, وللعلماء مكانتهم ، وتعرف أن لكل ذي قدر قدره, فلا ترجم بالغيب, ولا تخوض مع الخائضين, ولا تكذّب بيوم الدين, ولا تملأ الصحف الصفراء والحمراء ومواقع الانترنت بسخيف القول وحامض الفكر ، بل اكتفتْ بتوجيه الأمر إلى أتباعها بأن يدخلوا مساكنهم, ويلزموا حدود الأدب والسكينة ، كانت مهذّبة فلم تعرف فن المتاجرة بالشعارات, ولا وقت عندها لزعزعة النفوس وإثارة القلاقل , وصرف الناس عن قضاياهم المصيرية ، لأنها   مشغولة بقضايا أهم, وأمور أبعد ، مشغولة بإصلاح وإعمار وادي النمل, وبناء المساكن, وتنظيم العمل, واستثمار الطاقات المعطلة, وترشيد الإنفاق, وطرح حلول للبطالة والغلاء, ومحاصرة شبح الفقر والجهل والمرض, ورسم خطط مستقبلية لتوفير الغذاء والدواء والأمن ، ولم تكن تلك النملة تجيد أساليب النفاق والمداهنة والتسلّق والوصولية والانتهازية,  لقد كانت تلتزم الصدق, وتؤدي الأمانة, وتهدي إلى الخير, وتحافظ على المال العام, وتتقن العمل, وتأخذ بالأسباب, وتتوكل على رب الأرباب ، فبلغت بذلك مبلغاً جليلاً من عزة النفس وسمو الخلق والعفة والطهارة والنـزاهة, فلم ترغب في تشتيت عقول قومها, وتوهين عزائمهم, وتضييع أوقاتهم, وتبديد أموالهم ، بل إنها كسائر جنود سليمان عليه السلام في عمل دؤوب ، يكفيها فخراً أن القرآن الكريم عطّر ذكرها, وأورد قصتها, في مقام الإجلال والإكبار والاعتبار, ليظل الصالحون يتعبدون بقراءتها إلى يوم الدين ، فما أجملها -يا بُنيّ- من نملة عاقلة ذكية نبّهت قومها, وأمرتهم بالطاعة والامتثال, ونصحتهم بالتي هي أحسن.. وما عليك إلا أن تفتح آذان قلبك, فتستمع وتتأمل معي قوة موعظتها, ودقة رسالتها, وجمال خطبتها, كلمة كلمة وحرفاً حرفا ً: ] يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم, لا يحطمنّكم سليمان وجنوده, وهم لا يشعرون [ ، وأخيراً, أخشى أن تُتهم النملة بالسلفية أو يُظن أنها من الإسلاميين المتشددين ، ثم مَنْ أنا -يا بُنيّ- حتى أسمح لنفسي بالحديث عن فقه تلك النملة.. وهي من هي! فما مثلي ومثلها في علمها وفطنتها إلا كمثل النملة ذاتها وسليمان! .

وحتى ننتصر فلننظر إلى أسلافنا بأي سلاح انتصروا! وبأي قلوبٍ خاضوا المعارك! ثم انظروا بعين البصيرة إلى أوضاعكم، وارقبوا أحوالكم، وقارنوا بين ماضيكم العريق وواقعكم الغريق ، ولن يتغير إلا بتغير الأحوال . 

 

 

 

التآمر على المسلمين والمقدسات

إن القدس التي تئن تحت نير الأسر والتدنيس بأيدي قتلة الأنبياء ، ينبغي أن تظل في القلب   مهما  عمل اليهود على تغيير حقيقتها الإسلامية  وإن أي تفريطٍ في القدس هو تفريط في عرضنا وشرفنا ، لأن للقدس مكانة عظيمة في الإسلام وفي قلوب معتنقيه ، لما لها من أهمية إسلامية  ولأنها أرض الجهاد والتضحية ، وفي الحديث:( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين ، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك ، قالوا يا رسول الله وأين هم؟  قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) .

إن قضية القدس ، ستظل دائماً وأبداً هي التحدي الأكبر ، الذي يواجه المسلمين في كل زمانٍ ومكان ، كما أن المحافظة على القدس وبقائها تحت سلطان المسلمين ، أمانةً دينية في عنقهم والله محاسبهم عليها . أما ماذا عمل المسلمون من أجل القدس هذه الأيام ؟

إن كل ما عملوه ويعملونه هو الإدانة والاحتجاج وتقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن ، وحكام إسرائيل يُصَرِّحون بأن لا تراجع عن القدس الموحدة ، يا للعجب العجاب ، أصحاب الحق تائهون وغافلون ، واليهود يعلنون في تبجح سافر  عن أحلامهم في تهويد القدس ، يا أسفاه وحسرتاه على قومٍ غفلوا عن حقهم ، وأعطوا الدنية في دينهم .

إن حقيقة وجوهر الصراع على القدس ليس صراعاً حول الأرض ، وإنما هو صراع بين الإسلام كعقيدة وشريعة ومنهج حياة ، وبين الصليبية الحاقدة ، التي تؤازر اليهود على التمسك بالقدس ، وموقف مليار مسلم ، موقف الذل والهوان ، لأن هذه الكثرة المسلمة ، انسلخت من حبل الله فصارت غثاء كغثاء السيل ، وتداعت الأمم عليها ، وفقدت هيبتها ، وقُذِفَ في قلوب المسلمين الوهنُ ، الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم : ( بأنه حب الدنيا وكراهية الموت ) .

إنها حقيقة مرة مؤلمة ، لقد فقد المسلمون سرَّ قوتهم وعزتهم ، فأصبحوا كثرةً بلا هدف ولا عقيدة ولا منهج حياة . إنهم  يعيشون واقعاً مريراً  افتقدوا فيه دولتهم وعزتهم وكرامتهم  ويعيشون متفرقين ، الفرقة التي أغرت أعداءنا  فسلبونا كياننا ، ومسخوا شخصياتنا ، وتجرؤا على مقدساتنا ، وما قدسنا العزيز ببعيد  .

إن الإسلام ليعتبرُ إنقاذ القدس واجباً إسلامياً وفرضاً دينياً ، وذلك لا يكون إلا بالجهاد ، وليس بالاستنكار والاحتجاج ، الذي لا يُقام له وزنٌ  في الوقت الذي تريد إسرائيل أن تفرض أمراً واقعاً  وذلك بسعيها إلى تغيير المعالم والأوضاع في القدس لصالحها ، عن طريق نزع الأراضي  والاستيلاء عليها ،  لبناء مساكن للمستوطنين اليهود ، وطرد العرب من منازلهم ، وعدم السماح لهم ببناء مساكن لهم ومصادرة أراضيهم  وبناء المستوطنات عليها ، على مشهد من المسلمين ، وبشكل استفزازي مؤلم ، واعتداء صارخ على حقوق المسلمين ، وقدسية أماكنهم المقدسة ، كل ذلك والمسلمون في عزلةٍ وتخاذل وتنازع واختلافٍ وعداءٍ ، لأنهم لا يعيشون إلا لأنفسهم ، ولا يفكرون في غيرهم ، حتى أصبحت غالبية الشعوب الإسلامية ، تعبد المال والمركز والجاه والسلطان ، فصاروا ضعفاء بعد أن كانوا أقوياء ، وأذلاء بعد أن كانوا أعزاء ، ولن يستعيدوا مجدهم ، إلا بالإيمان الصادق ، واتحاد الكلمة ، والتعاون المخلص ، والقضاء على الفساد ، ونبذ الأهواء ، والمنافع الخاصة التي يجرون وراءها ، ولن تستعيد الأمةُ مجدها وقوتها  إلا إذا رجعت إلى كتاب ربها ، طريقةً ومنهج حياة ، ونظام حكم ، عندها لن يستطيع اليهود فرض مخططاتهم علينا ، والتمادي في إذلالنا  واكل حقوقنا ، ولن تستطيع  أية أُمةٍ في العالم أن تستهين بالمسلمين ، وتتحكم فيهم ، وتسيطر عليهم  ويومها ينتصر المسلمون على الأعداء المغتصبين ، كما انتصر المسلمون الأوائل  .

إن فلسطين بلدٌ إسلامي ، فتحه الصحابة الكرام  وارتوى ثراه بدمائهم الزكية الطاهرة ، وسيظل بلداً إسلامياً ، إلى أن تقوم الساعة ، ولتحقيق ذلك لا بد من إعلان الجهاد ، في الوقت الذي  توحدت فيه دول الكفر ، على عداوتنا ومقاومتنا  الأمر الذي لا يجيز لنا التخاذل أمامها ، وكيف يتخاذل من يشاهد تكالب الكفر ، بقضه وقضيضه ، للبطش بإخوان لنا ، يعانون من الاحتلال  والمسلمين من حولهم ، لا يلقون بالاً لما يحدث ، وكأن ما يجري يقع على سطح كوكب آخر ، مع أن الأمة هي نفسها الضحية ، وهي المتآمر عليها ، وخيراتها هي موضع السلب والنهب ، ودماؤها هي التي تنزف ، وأبناؤها هم الذين يقتلون ، ومقدساتها هي محل البحث . وعقيدتها هي المتآمر عليها بالدعوة للجمع بين المسلم واليهودي ، بأزالة العداوة وإيجاد روح المودة بينهما  .

إن الكافر يعمل جاهداً لجعل المسلم يأخذ من دينه الجانب الذي يتناسب مع أجواء الحياد والمودة مع أعداء الله ، اليهود والذين أشركوا  الذين قرّرَ الله عداوتهم بقوله : ﴿ لتجدن أشدَّ الناس عداوة للذين لآمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ المائدة 82 . هذا النص القرآني الكريم  يدفع كل مؤتمرات التعايش بين الأديان ، ووقوف الرهبان والأحبار مع المنحرفين من علماء المسلمين  وتركيز مفهوم أن الإسلام ، دين السلام بشكل مغلوط ، وغير ذلك من المواقف الخبيثه الظاهرة والخفية ، لإبعاد الأمة عن منهج عقيدتها ، وما هو لازم لهذه العقيدة ، من وحدانية الله ، وربوبيته والولاء لعباده  والبراء عن اعدائه قال تعالى :﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و أخرجوكم من دياركم ، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ، ومن يتولهم ، فأولئك هم الظالمون الممتحنة 9 .

إن الأمة تنتظر المخلصين الأوفياء ، للعمل لتخليصها مما هي فيه ، لنزع ثياب المذلة والمهانة والوضاعة  في وقت ألمت بالأمة المحنُ من كل صوب ، وأحدقت بها الأخطار من كل ناحية  والكفار يسيطرون على بلاد المسلمين ومقدراتهم  من خلال خنوع وخضوع الفئة المتسلطة التي ترزح تحت سيادة أنظمة الكفر ، وتعاني من الذلة والانكسار ، مما يَفْرِضُ علينا كمسلمين ، البحث عن الرؤية الواضحة الصادقة ، التي يتلوها العمل الجاد والحازم، لتغيير هذا الواقع ورد كيد الكافرين والمنافقين وأشياعِهِمْ  وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها ، خير أمةٍ أُخرجت للناس .

وأخيراً يحز في النفس أن الكرة وتفاهاته تسيطر على قلوب الناس ، وما علموا أنها وسيلة من وسائل الصهيونية للسيطرة على الشعوب ، ألا ترون أن الكل مشغول بمتابعة المباريات ، وإسرائيل تخطط للسيطرة التامة على فلسطين ، وحكام المسلمين اكتفوا بالاهتمام بجولات أبناء الأمة في ساحة الوغى الكروية  وكفى ، سواء ذهبت القدس أو لحقتها فلسطين ، علماً بأن الأمة لن تنال حقها  وتسترد ما فقد منها إلا بدماء الشهداء ، ولن تسترد كرامتها وعزتها ، إلا في ساحات الجهاد  لا بالركض وراء الكرة .

يا عجباً والله متى كان اللعب يحقق للأمم عزّاً ومجدا  ولو تصفحنا تاريخ الأمم ، لما وجدنا أمة منها وصلت الى القمة بالتلهي الفارغ ، وإنما بالجد والمثابرة والعمل المستمر ، وما استسلمت أمة  للترف  والنعيم      والتسلي بسفا سف الأمور إلا هانت ، تلك هي قوانين الحياة ، وما درى العاكفون على الكرة وتفاهاتها أنهم يضرون بمصلحة الأمة أو دروا ولكنهم ماكرون خادعون يريدون لهذه الأمة أن تبقى في سباتها وصدق الله : ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها   ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ﴾ الإسراء 16 .  

                    

اليهود ونقض العهود

لقد تكرر ذكر اليهود وبيانُ حالِهم في أكثر من ثلث سور القرآن الكريم بسطاً وإجمالاً وتصريحاً وتلميحاً، وهذا يدل على  أن الصراع بين اليهود والمسلمين سيبقى إلى يومِ القيامةِ ، فلا غرابةَ إذن أن يَكثر الحديثُ عنهم وأن يكشف القرآنُ أحوالهم ، وتتناسى الأمة هذه الحقيقة فتجلس مع اليهود للبحت عن سلامة وعهود ، يخون اليهود  لها ألفَ ميثاقٍ ، ولا تزال تثقُ بمواعيده .

يخدعها ألفَ مرةٍ ، ولا تزال قابلةً لأن تُخدع ، فلا نتعظ بأحداث التاريخ وتقلباتِ الأيام .

وهنا نسأل كل من مدَّ يدَه للسلام : أٍيٌ سلامٍ يذهبونَ إليه ويدعون له ؟ أهو السلام  الذي  يقر التفوق العسكري لطرفٍ على الطرف الآخر؟

أهو سلامٌ الغلبة والتسلط والحصارِ والتهديدِ ضدَ كلّ من لا يرضى بهذا النوع من السلام ؟ أهو السلامُ الذي يهدمُ البيوت ، ويشردُ من الديارِ ، ويحاصر الشعوبَ   ويعتقلُ المئاتَ ، ويجعلُ ردَ الظلم من طرفٍ إرهاباً ، ومن طرفٍ آخر حقاً مشروعاً وصواباً .

قد حصحص الحقُ لا سلمٌ ولا كلمٌ   مع اليهود وقد أبدت عواديها

قد حصحصَ الحقُ لا قولٌ ولا عملٌ   ولا مواثيقُ صدقٍ عند داعيها

أين السلامُ الذي نادت محافلكم    أين الشعاراتُ يا من بات يطربها

تآمرٌ ليسَ تخفانا غوائلهُ               وفتنةٌ نتوارى من أفاعِيها

فكم مرةٍ عضَ اليهود يداً امتدت إليهم بالسلام ، وكم مرةٍ نقضَ اليهودُ عهوداً أبرموها ، ومواثيق عقدوها ؟

 

  قال الله تعالى مجلياً حقيقة عهودهم ومواثيقهم  ( أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) ، هذه شهادةُ القرآن ، فما هي شهادةُ الواقع عليهم ؟  إنهم ينظرون إلى العهود والمواثيق التي يوقعونها مع غيرهم على أنها للضرورةِ ولغرضٍ مرحلي ، ولمقتضياتِ مصلحةٍ آنيةٍ ، فإذا استنفد الغرضُ المرحلي نقضوها من غير استشعارٍ بقيمٍ أدبيةٍ ولا اعتباراتٍ أخلاقيةٍ ، ولا بمواثيقٍ دوليةٍ .

إن مما نبه عليه القرآنُ ، وبتنا نراهُ في واقعِنا اليوم أن اليهودَ حين ينقضون العهودَ لا ينقضها جميعُهم في وقتٍ واحدٍ ، وإنما ينقضها فريقٌ دونَ آخر ، فإن أصابه سوءٌ ، تظاهر الفريق الآخرُ بالمحافظةِ على العهدِ ، وإن استقامَ لهم الأمرُ تتابعوا في النقضِ ، ومشى بعضهم وراءَ بعض قال سبحانه ( أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ) . واليوم الواقعُ اليهوديُ يصدقُ ما أخبرَ اللهُ تعالى عنهم فهاهم حزبٌ يدعو إلى السلامِ ، وحزبٌ آخرُ يجاهر بالعداوة، هذا يجلسُ على مائدةِ المفاوضاتِ ، والآخرُ يُعُملُ سلاحَه ، فإذا أمنوا تهالكوا جميعاً في الحقدِ والبطشِ والمكرِ ، والدهاء، والجمود والجحود والحجاج واللجاج، والتضليل والتدليس، والكفر والفِسق، والغدر والخيانة، ونقض العهود والوعود والمواثيق، والنِّفاق والجبن والقسوة. ومهما عدّدنا من مساوئ الأخلاق، فإنّ كلمة (يهودي) تفوقها بكثير. ويكفي أن نَصِفَ واحداً من النّاس بأنّه يهودي لكي نفهم من وراء هذا الوصف كُلَّ ما لا يُحصى ولا يُعَد من الصفات الذّميمة.

 ومن أكثر الصفات القبيحة التي أثبتها القرآن لليهود، كما أثبتتها التوراة والإنجيل، نقض العهود والوعود والمواثيق.

فقد أشار القرآن إلى أنّ اليهود لا يحفظون عهوداً مع أحد، ولا يرعون وعداً قطعوه على أنفسهم، حتى ولا عهودهم مع الله جلّ جلاله، ويُعدّ هذا الخلق من أهم صفات اليهودي الذي لا يتورع عن سلوك أخسّ وأقذَر الوسائل في الوصول إلى أغراضه إذ الغاية تبرر الوسيلة . ولو كان السبيل إلى الوصول إلى الأهداف بعقد المواثيق وإبرام العقود ثمّ نقضها ، فهي عقيدتهم وذاك دينهم.

فمتى يقابل المسلمون هذا التخطيط اليهودي، وهذه العقيدة اليهودية السافرة،  

وألا يسارعوا ويبادروا إليهم ببعض المواثيق والعهود.ويستجدونهم حتى يقبلوها ثم ما مستقبل تلك المبادرات والعهود والمواثيق مع اليهود في ظلّ عقيدتهم التي تنبني على ما نصّ عليه تلمودهم: "تتميز أرواح اليهود عن باقي أرواح البشر بأنّها جزء من الله تعالى -كما أنّ الابن جزءٌ من أبيه. وأنّه يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع تسلط باقي الأمم في الأرض، وأنّ اليهودي معتبر عند الله أكثر من الملائكة ، وأنّ اليهودي جزءٌ من الله، فإذا ضَرَب أُميٌّ إسرائيلياً فكأنّه ضَرَب العِزَّة الإلهية، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهود وغير اليهود، وأنّه مصَرّح لليهودي أن يغش غير اليهودي ويحلف له أيماناً كاذبة ..."  وصدق الله العظيم في وصفه لهم: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمِّيين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) .

 وما دامت تلك العقيدة راسخةً ثابتةً، فإن موقف اليهود لن يتبدل ولن يتغير.وسيظل مستقبل أي عهد وأي ميثاق ومبادرة سلام هو النبذ والنقض.

لذا شرع الله الأسلوب المناسب لمعاملتهم ، وهو الجهاد والاستشهاد في سبيل الله على كلّ مسلم قادر ، ونبذ عهودهم، وعدم الالتزام بها.

 { وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين } الأنفال 58 .

 

 

 

 

حـرب غزة

نتابع بألمٍ وحرقة ما يجري في غزة في الوقت الذي  وصل المسلمون إلى حال لا يحسدون عليه , ولا يسر قريباً ولا بعيدا ً يستجدون من الأمم الأخرى الأمن والأمان ,  ويتحسرون حيث لا ينفع التحسر ويستغيثون ولا يغاثون

يستغيث بنا المستغيثون وهم    قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم      وأنتم يـا عباد الله إخـوان

ألا نـفوس أبيـات لها همم        أما على الحق أنصار وأعوان

لقد ابتليت غزة بهذا الواقع الأليم ، فلهم الأجر العظيم عند الله قال تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ 216البقرة .

وإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا ابتلاه , وإخواننا في غزة من أهل البلاء , وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا أحب الله عبدا ابتلاه ) وهم مرابطون ومجاهدون من أكبرهم إلى أصغرهم  فنسأل الله أن يفرج عنهم :

يا أهل غزة لا عذرٌ فنعتذرُ     ومالنا عن سهام العار مستَتَرُ

رماكم العالَم الملعون عن وَتَر    وأطبق الكون لا حسُّ ولا خبرُ

يا أرضَ غزّةَ ، لا رُكونَ ، ولا نُواحْ  ، فالشَّمسُ تُشرِقُ ، من رياحينِ الجِراحْ ، والمجْدُ ينطِقُ لا يُبالي بالنُّباحْ ، والنَّصْرُ يهْزَأُ بالدَّجاجِ وإنْ تستَّرَ بالصِّياحْ ، سرْ أيّها الفجْرُ المُضمَّخُ في البطاحْ ، لن يكتُبَ التّاريخَ إلاّ قهْقهاتُكَ يا سِلاحْ ، يا أمّةَ الإسلامِ ، كيفَ النّومُ والأوصالُ تأكلُها الرّماحْ ؟    يا أمة الإسلامِ  ، حيّ على جهادِ الكُفْر ، حيّ على الفلاحْ ، إن هول الصدمة وحجم الجريمة وضخامتها وسرعتها أكبر بكثير من أن توصف  لأن  ما جرى ويجري في غزة يفوق الوصف ، وما تناولته وسائل الإعلام المختلفة هو أقل بكثير مما حصل ، فما يحدث في غزة بحق ، يمثل اليوم أسطورة بكل المقاييس ، وضربا من ضروب الخيال ، لا يمكن للمنطق المادي أن يتحمله  وهو يشبه إلى حد كبير الملاحم البطولية التي تروى   كنا نسمع بطائر العنقاء الأسطوري الذي أراده الروما رمزا لروما ، حتى لا يقهرها الموت كما تقول الأسطورة . ولم نكن نصدق في يوم من الأيام ، أن هذا الطائر الخرافي يمكن أن يكزن رمزاً لمدينة غزة ، ليضرب أهلها أسطورة في الصمود ، أمام جيش إسرائيل الذي زعم أنه لا يقهر ، والذي يهدد اليوم بمحرقة جديدة.. هذا الجيش الذي لم تهزمه دول العرب بجيوشها ، باتت هزيمته فيما يبدو على يد عنقاء غزة.. بعد أن مرغ صقور حزب الله أنفه في الوحل .

غزة في محنة يا للعار ، غزة تحت الدمار يا للعار ، غزة تحت الحصار ، يا للعار غزة يا أهل الدار، يا عرب يا أحرار ، تستغيث ولا من يجار غزة ، تستنجد من يلبي النداء ، من يوقف نزيف الدماء ، من يتصدى للأعداء صمت رهيب في المواقف في القرارات في المساندة في الاحتجاج ، مروحيات وقذائف تصطاد الأرواح البريئة  تدمر كل شيء ، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن حماس تمتلك جيشا أشبه بالجيوش المنظمة لا يقل تعداده عن 15 ألف مقاتل ، كما أعلنت  صحف إسرائيل بأن الجيش الإسرائيلي مندهش من القدرة القتالية العالية ، وتقول : " إن مقاتلي كتائب القسام هم عبارة عن مقاتلين بارعين ، ويمتلكون تكتيكات مدروسة   تمكنت من خلال ذلك إلى إرباك قواتنا المدربة التي كانت في أرض المعركة شمال غزة وقد أربكت جيشنا في أكثر من موقع" هذا الإرباك بدا واضحا ، من خلال استهداف الأطفال فثلث الشهداء أطفال بينهم رضع ، وشيوخ ونساء وعجائز فسلاح الجو الإسرائيلي الجبان ، جن جنونه وفقد عقله ، وهو يعرف جيدا أن العنقاء لا تختبئ في البيوت بين ألعاب الأطفال ولا في أحضان النساء،  إنما هي هناك تقاتل فوق التلال والأحراش تصنع ملحمة الصمود لغزة ، فالعنقاء وكما تقول الأسطورة  عندما تقترب ساعة موتها تعمد إلى إقامة عشها من أغصان أشجار التوابل ، ومن ثم يضرم في العش النار ، الذي يحترق  في لهيبها.. وبعد مرور ثلاثة أيام ، ينهض من بين الرماد طائر عنقاء جديد.. فاغرس أنيابك يا جيش العدو كما شئت   فأفراخ العنقاء ينهضون ، وعلى طريق الآباء يسيرون .

إن ما يحدث اليوم في غزة هو محاولة أخرى من إسرائيل لتفكيك لحمة الشعب الفلسطيني وتحويله إلى مجموعات بلا هوية ، إنه لا جدال في أنها حرب من اتجاه واحد ، قوة إقليمية عظمى ، ركّعت فيما مضى أمامها أنظمة وجيوش نظامية ولكنها تقف اليوم عاجزة كليا ، أمام حركة المقاومة من تحقيق ما كانت تحققه ، وبصمودهم فضحوا إسرائيل والمتواطئين معها، واظهروا للعالم مدى نازية هذه الدولة ، كما آن  للإسرائيليين أن يفهموا ، أنه كلما زادت همجيتهم وشراستهم كلما زادت المقاومة الفلسطينية قوة وتصلباً. وكلما زادت ممارساتهم اللا إنسانية، كلما زاد الفلسطينيون تشبثاً بأرضهم ووطنهم وحقوقهم ،  لأنهم يؤمنوا أن هذا  العدوان سوف ينتهي في يوم ما ، بعد أيام أو حتى أسابيع ، ولكن المتغيرات التي أحدثها في المنطقة ، وربما العالم  سيستمر لعقود  . وما يجري في غزة اليوم يمكن أن يكون آخر الاختبارات الإسرائيلية   لكنها اختبارات نسأل الله ألا تؤدي في نتائجها وتداعياتها وآثارها على الجملة ، إلا إلى انفلات المعادلات من أحكامها  وإلى انعطاف المنطقة بأكملها نحو طور جديد من الاحتدام المفتوح ، لكن الشيء الملفت للنظر في هذا الاحتدام الجاري فوق ارض غزة ، أن الهولوكوست الإسرائيلي يبدأ هذه المرة من الشعور بالوهن والنكوص، رغم فظاعته الكبرى أكثر من مما ينطلق من الغلبة والتفوق .

وإن عزاءنا حيال ما يجري قوله سبحانه وتعالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وأنّ هذا الدين العظيم منصور لا محالة وأنّ راية لا إله إلا الله محمد رسول الله سوف تعم مشارق الأرض ومغاربها ، وأن الإسلام سوف ينتصر بنا أو بدوننا فالله عزّ وجلّ يقول في محكم تنزيله : ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ﴾ القصص 5 .  فالله عزّ وجلّ سوف يجعل من عباده المستضعفين أئمة خير وسوف يجعلهم وارثين للأرض ، ويقول الله عزّ وجلّ في آية أخرى : ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ الأنبياء 105 . فالله عزّ وجل يقضي بحكمه وبعلمه وبقدرته أنّ عباد الله الصالحين هم من سوف يرث هذه الأرض  

أبعد كل هذه الآيات شك بأنَّ الغلبة سوف تكون لا محالة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها !! وهل يشك أحد أنّ النصر لا محالة للمسلمين مهما طال الزمن !! فالإسلام سوف ينتصر لا محالة بإذن الله , وهذه الحقيقة يجب أن نؤمن بها حق اليقين ونعمل جاهدين على أن نكون ممن ينصر الإسلام قال تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ .

ونحن نتابع ما يجري في فلسطين الغالية، وبالتحديد في قطاع غزة، علينا أن نسأل أنفسنا، كيف يتحمل هذا الشعب الصامد كل هذا البلاء؟ شعب فلسطين يتعايش الآن مع فصل جديد من معاناته. وعلينا أن نتخيل وقلوبنا تدمي لما يحدث، أحوال الأمهات الفلسطينيات وأطفالهن الذين يفزعهم المشهد الدامي فوق الأرض المغتصبة. لم يعد الأمر قاصرا على احتلال يرتكب كل أشكال جرائم الحرب، ولا على حصار مفروض على شعب الأرض المغتصبة الذي يكاد أبناؤه يتضورون جوعا بسببه، وإنما الأبشع هو تخاذل أبناء المصير الواحد.

ويتسم هذا الهجوم بالوحشية والرغبة في الثأر من هذه المدينة الفلسطينية التي سمحت لنفسها أن تتحدى الغول الصهيوني الذي يهدد بالتهام المنطقة، حماية لإسرائيل في نهاية المطاف.

ذنوب غزة في نظر أعدائها كثيرة، فقد رفعت راية الإسلام، في وسط يحمل رايات أخرى. وهي التي احتضنت الوجود الفلسطيني منذ الزمن الأول.

محاولة حصار غزة والقضاء على الوجود الإسلامي فيها لا يمكن أن نفصله عن القضاء على الوجود الفلسطيني ومطاردته، أو على الأقل تدجينه وتطويعه، فلقد كان هذا دعما لذلك. وتدمير غزة في نهاية المطاف لا ينفصل عن المخطط المرسوم للمنطقة لتتحول الى مدن هزيلة تؤمّن الحماية لإسرائيل. إنه إذن استمرار للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948م. وذو صلة بالسيطرة الصهيونية. وإذا لم يكن هذا صحيحا فما معنى أن تقول إسرائيل، اليوم، أن حصار غزة لن يتوقف ما دام الإرهاب موجوداً فيها وسنستمر في تقويضه وتأصيله ؟ وكما يعلم الجميع فالحصار حوّل غزة الفلسطينية الى كثل من اللهب ومع ذلك تريد إسرائيل من هذا الشعب ألا يتحدها أو يقاومها وإلا اتهمته بالإرهاب ! هل يمكننا أن نقول أن مقاومة الاحتلال تعتبر إرهابا؟ ومن هو الإرهابي في الأصل هل الاحتلال أو الشعب المحتل ؟  ثم هل نستطيع فصل هذه المجزرة عن مؤامرة إنهاء الوجود الإسلامي في المنطقة ؟  ونفتش في الصحف العربية عن تعليق لما يجري في غزة، فلا نعثر على شيء. الإعلام العربي يسرد أخبار غزة وكأنها في أقاصي الدنيا، غزة رميت عن قوس واحدة، لم تنفعها كل العهود والمواثيق التي وقعت ذات يوم ! فقد كان ذلك أمراً مؤقتاً، وغزة تعلم ذلك، فالظروف كانت تقضي بتأجيل المجزرة، حتى تحين الفرصة. ومع ذلك فالصمت العربي والإسلامي فضيحة صارخة. والخطر لن يقتصر على غزة، فكما أن المؤامرة لم تبدأ بها فهي لن تتوقف عندها.

ليس مستغربا أن تتذرع إسرائيل بحماس وصواريخها لتجويع أهل غزة وقتلهم، ولكن المستغرب أن يطير أخوة الدين واللغة والعرق بهذه الأكاذيب والحجج الواهية، ويصدقون أنها سبب التعسف الإسرائيلي، بل ويتخذون منها ذريعة للهجوم على الشرفاء المجاهدين، الذين يقدمون أرواحهم وأرواح أبنائهم رخيصة من أجل تحرير الأرض.

إننا وعلى مر التاريخ، لم نسمع بشعب أضرت به مقاومته لاحتلال تعرض له، ولا أظن أن أي قارئ لهذه الأسطر، إلا ويحضره على الأقل مثالا واحدا لذلك، إلا أن المفاهيم قد تغيرت كثيرا هذه الأيام، فالاستسلام للمحتل أصبح حكمة تخدم مصالح الشعب العليا، ومقاومته أصبحت تهورا وإضرارا بها.

إن مقاومة الاحتلال التي ينتقدها بعض المسؤولين والكتَاب السياسيين، ممن يسمون أنفسهم بالعقلانيين أو المتعقلين، ويحملونها سبب تدهور الأوضاع في قطاع غزة، هي حق مشروع أقره حتى الغرب والأمم المتحدة.

إن مناهجهم الدينية والاجتماعية تمتلىء بتعصب ديني عجيب، إذ تعج تلك الكتب بقصص خيالية عن أنبياء اليهود الذين كانوا يرسلون بني إسرائيل بأمر من الله لإبادة الأغيار عن بكرة أبيهم، وإبادة حيواناتهم، وحرق أراضيهم ومدنهم. وكمثال بسيط على هذه القصص، فقد أمر النبي صموئيل الملك شاؤول بذبح أعداء إسرائيل بناء على أوامر رب إسرائيل. وهكذا ينشأ الطالب ولديه إيمان عميق بأن قتل هؤلاء الأغيار هو سبيله لإرضاء رب إسرائيل.

أما في مجال الفتاوى الدينية المتطرفة، فحدث ولا حرج، فقد أصدر كبير حاخامات إسرائيل السابق فتوى تجيز قتل الفلسطينيين كواجب ديني .   

الإرهاب الإسرائيلي

إن الإرهاب الإسرائيلي كان وما يزال أحد المقومات الأساسية للحركة الصهيونية ، وقد اقترن إنشاء دولة إسرائيل باستخدام أبشع أشكال الإرهاب ضد الفلسطينين ، من طرد وتعذيب ومصادرة للأراضي ، وقد أخذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الإرهاب فكراً وممارسة ، ولم يكن من المستغرب أن يكون الإرهاب هو السمة البارزة للكيان الصهيوني ، فقد برع زعمائه بما لهم من خبرة في هذا المجال بداية من بيغن وانتهائاً بإولمرت ، وتتواصل هذه الممارسات حيث أوغلت إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني ، فقتلت وهدمت واقتلعت وحاصرت وأرهبت وصادرت ، وكان رد الفعل أن أشبعها العرب والمسلمون نقداً ، وهي تواصل عملها ويواصلون كلامهم ونقدهم ، يقفون عند هذا الحد ولا يتعدونه .

لا أحد يستطيع الإحاطة بتفاصيل الجريمة المروعة ، فالدم يمتد على مساحة فلسطين ، وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل ليس سوى جزء يسير من ممارسات اليهود البشعة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل ، حيث المشاهد الدامية التي تهز المشاعر والقلوب ، إذ يقومون بتصعيد العنف ، ويهيئون المسرح العالمي للظهور بأنهم الضحية ، مما يستلزم وجود ردات فعل يائسة ، والصهيونية تجرجر شعوب العالم ، والمسلمون من بين هذه الشعوب إلى مواقف خطرة ، تدفعهم إلى اليأس والإحباط ، وتوصف ردود فعلهم على شكل إرهاب إسلامي  لتواجه أكبر حملة إعلامية ظالمة ضده ، وأكبرها من الغرب الذي يصف أتباع الإسلام بالتطرف ، أضف إلى ذلك تشويه الكثير من أحكام الإسلام ، ورغم ذلك يشق الإسلام طريقه بقوته ، وليس بفضل الأموال التي تنفق ولا الكنائس الفخمة التي تُشاد ، ثم لا تجد من يزورها ، حتى قيل : إن النصرانية دعوة بلا دين والإسلام دين بلا دعوة .

إننا على ثقة بأن الإسلام سيسود يوماً ، رضي الأعداء أم سخطوا ، اتهموا المسلمين بالإرهاب أم لم يتهموا ، فوعد الله بنصر دينه قائم قال تعالى :﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق , أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ فصلت 53 .

إن الدعم بالمال والسلاح على أشده لإسرائيل ، بينما المسلمون تسيل دماؤهم ولا يجدون يدا تمتد إليهم ، فهل يا ترى دمهم نفيس ودمنا رخيص ، وهل يصدق فينا قول القائل :

قتل امرئ في غاية    جريمةٌ لا تُغْتفَر

وقتل شعب آمن     مسألةٌ فيها نظر

إنهم يعاملونا أسوأ معاملة ، فكل حسن مأخوذ من الغير ، وكل قبيح يشنّع به علينا ، ومع أنهم يعلمون أن الإسلام ينبذ الإرهاب ولا يقرّه ، لكنه يحارب الظلم والاعتداء ، إلا أنهم يصفونه بالإرهاب ، ثم تقام الدنيا وتقعد إذا ما نالهم اعتداء    بينما لا يحرّك ساكناً إذا كنا نحن المعتدى علينا . أليس ما يفعله اليهود في فلسطين إرهاباً واعتداءً صارخا ؟ فلماذا لا يقال إرهاب صهيوني , بينما إذا ما استعمل السلاح مسلماً صرّح الإعلام بأن ذلك إرهاب إسلامي ، وكأن الإرهاب صار حكراً على المسلمين في الإعلام الغربي ، وحيثما حصل انفجار أو أطلقت رصاصة يسارعوا إلى إسناد الفعل للمسلمين ، قبل أن يعرف الفاعل فلماذا يحصل هذا ؟ يحصل هذا في تقديري لأنها شهادة مزورة تتعافى منها رائحة العنصرية النتنة ، ولأن الأمة من جهة أخرى واقعة في مناخ الفتنة والهزيمة النفسية ، وتربية حواس الذل في الأمة ، والتطبيع على الهزيمة والمنكر وتأليفه للنفوس ، وانعكاس هذا التطبيع على فهم النصوص الداعية إلى القوامة على الحق والتضحية في سبيله والجهاد من أجله    وتأويل النصوص الشرعية بما يكرِّس الهزيمة ويوطِّن الفساد ويمكن له في الأرض ، ويؤذن بتتابع الأزمات وخراب البلاد   في وقت تتلاعب الدول الكبرى بالقوانين وفقاً لحاجاتها   ولإثبات شرعية هيمنتها إذا ما تعرضت لأي اهتزاز ،  مما هيء الظروف لليهود أن يمارسوا القتل والتخريب دون رادع ولأن الساحة خلت من رجلٍ كصلاح الدين الذي التزم الصمت وما ضحك أبداً ، والقدس في قبضة الصليبين ، وعندما سأله احد قادته عن ذلك قال : إنني استحي من الله أن أضحك ومدينة القدس أسيرة بين يدي الصليبين .

إن الأمة غافلة عما يراد بها من كيد ، وما دامت في غمرة الرجفة ، فعسير إن لم نقل مستحيل أن تدرك واقعها . وما دام الذي يبـرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته ، فلا غرابة أن تنهزم الصورة ، وإن اعتقد الناس أنها هزيمة الإسلام وخذلانه ، فذلك لأن الناس تجاهلوا أن حقيقة الإسلام لم تتقدم إلى الحرب في كل الحروب التي خاضها المسلمون في هذا العصر  وها هي غزة تنادي أين أنتم يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم , أين أهل المروءات , أين الذين لا ينامون على الضيم  ولا يقبلون بالهوان ، أين الذين يتحركون غيرة ونصرة لإخوانهم في الدين ؟ إن تواتر الصدمات وشدتها يفقد بعض الناس الحكمة ، ويجعلهم صيدا سهلا للإحباط واليأس ، وبعض الصدمات حين تصيب الشعوب في كرامتها ، فإن لها جرحا في النفس تصعب معالجته ، وما أقسى الشعور بالعجز حين تصحبه الإهانة وجرح الكرامة ، الذي يتمثل في حصار غزة ، ويتمثل في صمت العالم ، واستبداد الطغاة بحقوق أخوة لنا حوصروا ومنع عنهم الغذاء والدواء الكهرباء ، وبين ذلك عجز شعبي عريض ، وصراخ أطفال شديد ، فضح تشدق الغرب بمفهوم حقوق الإنسان ، فمن المسارعة إلى تبنى أجندة واشنطن والكيان الصهيوني ، إلى منع تحويل أموال الفلسطينيين إليهم  إلى المشاركة في عقاب شعب ، إلى وصم جهاده بأنه إرهاب مع غض الطرف عن ممارسات الكيان الصهيوني ، وحصار غزة أكبر شاهد على ذلك .  ومع ذلك فإن الأمل باق ، وإن هم يريدون أن ييأس العرب ، ويطفئوا جذوة الجهاد في فلسطين ويريدون أن تركع الأمة ، لكن الأمل باق...باق لأن الحق معنا...باق لأن غدا ليس كاليوم...باق لأن في الأمة مجاهدين رغم تثبيط العجزة والقاعدين...باق بميلاد أجيال باتت تعشق الجهاد ، والموت في سبيل الله أحب إليها من الحياة...باق حيث طمأننا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (  لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . لا يضرهم من خذلهم . حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) رواه مسلم               

وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء فهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) حديث صحيح خرجه الألباني من رواية ابن جرير الطبري.

  سينتهي حصار غزة إن اليوم أو غدا لكن يأبى الله إلا أن يفضح العجزة والمثبطين ومن يمشون في ركابهم .

ولأهلنا في غزة نذكرهم بالصبر وبحصار الكفر للنبي محمد عليه السلام في شعب أبى طالب ونضع بين أعينهم قول الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران200

 اليوم ونحن نشاهد العالم يتآمر مرة أخرى على شعب غزة المغلوب على أمره ، بعزله عن بقية العالم الإنساني ، فغزة تعيش اليوم وضعاً مأساوياً بكل معاني الكلمة . فالأوضاع الاقتصادية والطبية والبيئية والإنسانية في غزة بسبب الحصار الاقتصادي والعسكري من إسرائيل ، وبسبب القطيعة مع المجتمع الدولي  إضافةً إلى استمرار الاعتداءات الوحشية البربرية الهمجية الإسرائيلية على قطاع غزة ، أسوأ مما يتخيله أحد ، إذ ربما أعطت الأوضاع في قطاع غزة اليوم تفسيراً واقعياً لمعنى «الحالة الكارثية». فغزة تموت اليوم جوعاً ومرضاً ودماراً بيئياً ، حيث يعيش جل مواطنيها تحت خط الفقر ، وإن أقسى شيء يلاحظه المرء ، هو أن عداد موتى الجوع في غزة – والذين جاوزوا العشرات إلى المئات- ما يزال في ازدياد يومي في عالم يكاد يموت من التخمة! ذلك أن تجويع شعب بكامله ، ومنع الغذاء والدواء عنه هو بمثابة ما يعرف في القانون الدولي بـ «جريمة إبادة»، وغني عن القول أن المسؤولية القانونية الدولية لهذا الجرم لا تقف عند دولة الاحتلال ، وإنما تطاول كل من يشارك في هذا الحصار ، بل إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية   حدد أحد عشر نوعاً من الأفعال التي يمكن أن تعتبر «جرائم ضد الإنسانية» إذ شمل النوع الثاني منها جرائم الإبادة ، التي تشمل «حرمان أشخاص من الطعام أو الدواء بنيّة إهلاك جزء منهم». فالتجويع تبعاً لهذا التعريف يدخل تحت «جريمة الإبادة» التي هي من أخطر جرائم القانون الدولي اليوم.

ولعل السؤال الذي ينتظر الأمة العربية هو : هل سينتظر العرب إلى أن يتم القضاء على كل من بداخل غزة ليكون لدينا دليل آخر على جرائم إسرائيل ضد الإنسانية؟! ألم يحن الوقت بعد لكسر هذا الحصار الظالم ؟ إن لم يكن تبعاً لمسؤوليتنا الدينية  فليكن تبعاً للمسؤولية القانونية ؟

واقع الحال اليوم ، أن هناك حاجة للتحرك على جميع المستويات العربية والإسلامية : حكومية وشعبية وإعلامية ، وعلى مستوى المنظمات الرسمية وغير الرسمية ، لأن الطغاة يدركون أن حربهم موجهة في عنفها ، وشراستها ضد الإسلام وعقيدته ، لإبعاد  المسلم عن دينه وإيمانه ، لأنهم يعلمون أن الإسلام هو الخطر الأكبر ، الذي يمحق الغزاة والمتآمرين ، عرفوا ذلك وتجاهلناه  نراوح بين الرفض والقبول ، ولا نعرف ماذا نقول لأمّة ابتعدت عن الدين ففقدت الحافز وفقدت الإيمان . وما علينا أن نوطن أنفسنا ، بسلاح التقوى واليقين ، ونتلمس طريقنا من جديد   ونهتف كما هتف آباؤنا الله أكبر والعزة للمؤمنين ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ .     

 

 

 

واجبنا تجاه القدس والأقصى

للمسجد الأقصى منـزلة عظيمة في عقيدة كل مسلم   وأرضه أرض إسلامية لا يملك أحد من المسلمين رقبتها ولا التنازل عنها لأحد ، فما بالنا إذا كان التنازل لليهود ؟  الذين استثناهم عمر بن الخطاب من سكناها عندما أعطى لأهل القدس عهدا ، بما سمي بالعهدة العمرية قال :  "ولا يسكن بإيلياء أي القدس معهم أحد من اليهود "  

 لقد بلغت الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس والمسجد الأقصى حداً لا يخفى على أحد ، والذي تمثل بسن القوانين والتشريعات التي تضمن لهم ذلك ، كتوسيع حدود بلدية القدس لضم أكبر مساحة ممكنة بأقل عدد من السكان العرب ، ناهيك عن الإجراءات التعسفية كحل مجلس أمانة القدس العربية ، وإلغاء القوانين الأردنية   واستبدالها بتشريعات إسرائيلية ، وإزالة الكثير من الأحياء العربية ، ومصادرة الأراضي والعقارات ، وتوالي عمليات الهدم والإزالة ، وفرض الضرائب المتعددة ، ابتداءاً بضريبة الدخل وانتهاءاً بضريبة الأرنوتا والتي تصل إلى سبعين دولاراً على المتر المربع الواحد سنوياً ، أضف إلى ذلك رسوم التأمين الوطني ورسوم الإعلام ، وغير ذلك من الإجراءات التي لا يتسع المقام لذكرها ، وما يهمنا هو التذكير بخطورة وضع القدس ، وما يرافق ذلك من التراخي العربي والإسلامي في نصره قضية القدس ، والذي قد يؤدي إلى التنازل عنها بحجة عدم القدرة على حرب اليهود ، ونقص الدعم العربي والإسلامي ، ناسين أنها أمانة عظيمة في أعناقهم سوف يسألهم الله عنها .

إن هذا الاعتداء على الأقصى هذه الأيام ، ليس الأول وليس الأخير ، ففي كل مرة يتم فيها الاعتداء على المسجد الأقصى ، نتباكى على القدس ومقدساتها وتتوالى الاحتجاجات من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية ومن الأحزاب والتجمعات والحركات الإسلامية وغير الإسلامية ، للقيام بمسيرات أو إصدار بيانات ،  وغير ذلك من الأعمال التي لا تغير واقع ما يجري في الأقصى وما يتعرض له زواره وعماره وحراسه وجيرانه من الظلم أو القهر أو الاحتلال ، بل إن دولة اليهود تزيد من إحكام سيطرتها على المسجد وأهله ، ويتجلى ذلك بالممارسات القمعية ، والإساءات الفظيعة التي يرتكبوها  وليس من خطة عند المسلمين ، غير الاحتجاج لدى من تنادوا لنصرة الأقصى واستنقاذه .

 لقد قاموا سابقاً بإحراق المسجد الأقصى المبارك ، وقوبل ذلك باحتجاج واستنكار المسلمين ، مما فاجئ رئيسة وزراء إسرائيل يومها ، التي لم تنم في ليلة حريق الأقصى  في انتظار ردة فعل المسلمين ، التي ستدمر الكيان الصهيونى ، انتقاماً لأحد أهم المقدسات الإسلامية ، وقد وصفت يوم حريق الأقصى ، بأنه أسوأ أيام حياتها على الإطلاق ، لكنها لما عرفت أن ردة الفعل اقتصرت على الإدانة والاحتجاج ،  قالت في اليوم التالي للحريق بأنه أسعد أيام حياتها ؛ وليس غريباً فقد أُحتلت فلسطين من قبل ، ولم يتحرك المسلمون في شتى أنحاء العالم ، وتركوها تقع فريسة المؤامرات الصليبية والصهيونية ، ولما قامت "إسرائيل" بضرب المفاعل النووي العراقي ، سئل رئيس وزراء "إسرائيل" وقتها مناحيم بيغن عن رد الفعل العربي بعد العملية ، وهل هذا الحدث سيدفع الدول العربية للتضامن مع العراق ومواجهة الكيان الصهيوني؟ أجاب : أعتقد أنهم سيتكلمون كثيراً ، ثم سرعان ما ينسون    وهذا ما حصل بالفعل ، وهكذا حصل بعد كل عمليات إسرائيل الإجرامية ، فبعد مجزرة صبرا وشاتيلا تكلموا ثم نسوا ، وبعد مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي تكلموا ثم نسوا، ويتكرر الموقف نفسه بعد ما جرى في قانا وجنين وخان يونس  وغزة ، وعندما احتلت العراق وأفغانستان والصومال تكلموا ثم نسوا ، وتكلموا بعد رسوم الدنمارك المسيئة للرسول الأعظم  صلى الله عليه وسلم ثم نسوا ، إنهم يتكلمون كثيراً ، ولكنهم سرعان ما ينسون ، وها نحن نتابع حلقة أخرى من حلقات مسلسل الشجب والاستنكار والإدانة والمناشدة ولقد أحسن القائل :   لقد أسمعت لو ناديت حياً    ولكن لا حياة لمن تنادى

وناراً لو نفخت بها أضاءت   ولكن أنت تنفخ في رماد

نقولها بكل صراحة بأنه لن يوقِف عمليات إسرائيل إلا القوة ، والسؤال المطروح ، هل تتناسب هذه الأعمال الاحتجاجية مع حجم الاعتداءات الإجرامية التي تمارس ؟ كلا، والله ، لا تتناسب، ولا يمكن أن تكون هذه ردات أفعال خير أمة أخرجت للناس ، وما هكذا أمرنا ديننا أن نفعل ، فالله سبحانه وتعالى يقول: ] وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ . وقد أجمع أهل العلم أن العقوبة بالمثل الواردة في الآية ليست خاصة بالمُثلة التي كانت سبباً لنـزول الآية ، بل هي عامة في القصاص والحدود والمعاملة مع الكفار ، ومع فساق المسلمين الظلمة ، فإذا جاز الاقتصاص من المسلم بمثل جريمته    فمن باب أولى ، تجوز معاملة الكافر الحربي بمثل معاملته للمسلمين ، وإن الأقصى لو تكلم لأبكى في استغاثته      ولأوجع القلوب في تألمه ، ولانشق الصخر من أنينه  ولدمعت العيون من حنينه ، وإن لسان الحال يقول : إذا كان البيت الحرام عنوان أمن واطمئنان ، ومن دخله كان آمنا ، فإن بيت المقدس عنوان جهاد وقتال إلى يوم الدين   فكيف نصدق أن اليهود يريدون سلاماً ووداً ووئاماً مع المسلمين ؛ وهم يخططون ويعملون على هدم المسجد الأقصى المبارك ، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين  ويمنعون الناس حتى من أداء الصلاة فيه ؟ فأين عقول المسلمين وأين تفكيرهم ، بل أين دينهم الذي يؤمنون ؟!

إن قضية المسجد الأقصى المبارك وفلسطين لا تُحلّ بالبكاء والعويل ، والاحتجاجات من هنا وهناك ، ولا تحلّ بخطب الجمع على المنابر ولا عبر وسائل الإعلام   ولا تحل بيوم غضب ونصرة ، ولا بمؤتمر يعقد هنا أو هناك ، ولا تحل برفع شكوى إلى الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو الرباعية أو البيت الأبيض أو مجلس الأمن  ، أو المجتمع الدولي ، إنها لا تحل إلا بفعل ما فعله صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ؛ عندما وحدّ بلاد المسلمين في مصر والشام ، تحت لواء هو الإسلام ، وتحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعندها هزم الصليبيين ، واسترجع المسجد الأقصى المبارك من دنسهم ورجسهم ، أما ما عدا ذلك من الحلول فلا يزيد  المسلمين إلا ألما وحزنا ، ويمكّنُ اليهود من هدم الأقصى .

وهنا سؤال : هل السيادة على المسجد الأقصى هي للمسلمين أم لليهود أم للنصارى ؟ لقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي شلوبن عامي سابقاً فقال :" لقد أصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعاً على أرض المسجد" وهي الحقيقة الدينية الصرفة ، التي أفصح عنها الخطاب الإسرائيلي والأمريكي ، فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ، أما الخطاب الغربي السياسي والإعلامي ، فقد تكلم باللهجة نفسها بخصوص السيادة على أرض ثالث الحرمين  

 إن اليهود ليسوا أكثر من تجار ، دولتهم تلمودهم  يحملونه حيثما وجدوا ، وأينما كانوا ، وهذا حالهم على مرِّ العصور ، حتى أنه قيل على لسان بن جوريون : "إنه يخشى أن لا يُدفن حفيده في فلسطين "  إنهم على يقين أكثر منا بأنهم غرباء عن المنطقة ، وسيغرقون في بحرها   لولا الظروف التي ساهمت مساهمة فعّالة في إيجاد دولة اليهود ، وحمايتها وتثبيتها إلى هذه الأيام ، أضف إلى ذلك ما يقوله أصحاب سياسة الأمر الواقع  : وماذا نملك نحن لنفعل حيال ما يجري للأقصى ؟ نقول لهم : افعلوا أي شيء تستطيعون ، ولو بأضعف الإيمان وذلك بإنكار الظلم وعدم الاعتراف بشرعيته ، والمناداة بالجهاد  التجارة الرابحة مع الله عز وجل ، من أجل عز الدنيا وسعادة الآخرة ] يا أيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ء تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون [ الصف ، وبعدم المبالغة في قوة العدو ، التي اعتمدت على الدعاية المكثفة بقوة الجيش اليهودي ، وأنه لا يقهر ، وقديماً قالها الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر: «لا يغرنك أنك قاتلت قوماً لا علم لهم بالقتال ، فإنك إن قاتلتنا علمت أننا نحن الرجال» .

وليكن هم المسلمين أن ليس هناك ما هو أعظم من عودة المسجد الأقصى إلى مظلة الإسلام ، ولو انتهت حياتهم على ذلك لكفى ، على أمل أن يأتي جيل المستقبل لاسترداده ، ولا يوجد من هو أمين على المستقبل لأنه ملك الأجيال القادمة ، فلا يورثوهم الخزي والعار بالاستسلام لعدوهم .

وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في الأقصى وما حوله ، أن الأمة بخير ، وأنها مستعدة للجهاد ، ولدى أبناءها كامل الاستعداد للبذل والفداء ، مع أنهم عزّل ومجردين من السلاح للدفاع المشروع عن أرضهم ومقدساتهم   باعتصامهم داخل الأقصى ، وهو أضعف الإيمان .

 إنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، وأن الشكوى لغير الله مذلّة   وأن السير في غير طريقه ضياعٌ وضلال ، وأن المسلم لا حيلة له إلا أن يتوجه إلى الله بالدعاء ، بأن يحفظ الأقصى والمقدسات والله القائل : ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون [ .

                     

          

             

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 

 

 

ماذا ننتظر من اليهود

إن أخطر ما اتصف به اليهود حبُّهم وتعطشهم للدماء ، حتى قتلوا الأنبياء ] وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران 21 . لذا حذَّرنا الله منهم مع أول جريمة قتل تقع، فعندما ذكر قَتْل قابيل لهابيل، قال سبحانه بعدها: ] مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [ المائدة 32.    

وقلوب اليهود لا تلين ولا يدخلها الرحمة؛ لأنها مغلَّفة بالبغض والحقد للمسلمين، وهذا باعترافهم أنفسهم ] وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [ البقرة 88   والواقع يُبرهن بُرهانًا جازمًا لا يَقبلُ الشكَّ على قسوة قلوبهم، حيث  قتلوا الأطفال الأبرياء ، وذبحوا النساء والشيوخ بلا رحمة ] لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً [ التوبة10، فهم لا يعرفون إلا لغةَ القوة وإيقاد نار الحرب ]كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [ المائدة 64 . بل إنَّهم من أشدَ الناس عداوة للذين آمنوا ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ المائدة:82 .

 يؤيد هذا ما نراه من أحداث دمويَّة، وجرائمَ بربرية اقْتَرَفَتْها أيديهم ، بدافع من عقيدتهم الدينية ، وهذا ما أكده رجالاتهم ، قال الحاخام الأكبر : "إبراهام شابير" في رسالة وجَّهها لمؤتمر شبابي صِهْيَوْني عقد في "بروكلين"  في الولايات المتحدة : "نريد شبابًا يهوديًّا قويًّا أو شديدًا نريد شبابًا يهوديًّا يدرك أن رسالته الوحيدة هي تطهير الأرض من المسلمين ، الذين يريدون منازعتنا في أرض الميعاد، يجب أن تثبتوا لهم أنكم قادرون على اجتثاثهم منَ الأرض، يجب أن نتخلَّص منهم كما يتم التخلص من الميكروبات والجراثيم". وصرح الحاخام "مردخاي إلياهو" الحاخام الشرقي الأكبر سابقًا، في خطاب أمام عدد من منتسبي المدارس الدينية العسكرية : "لنا أعداء كثيرون وهناك مَن يتربَّص بنا وينتظر الفرصة للانقضاض علينا وهؤلاء بإمكاننا - عبر الإجراءات العسكرية - أن نواجههم ، لكن ما لا نستطيع مواجهته هو ذلك الكتاب الذي يسمونه "قرآن"، هذا عدونا الأوحد، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية مواجهته". وقال الحاخام "إسحاق بيريتس"، أمام عدد من المجندين الجدد : إذا استمر ارتفاع الأذان الذي يدعو المسلمين للصلاة كل يوم خمس مرات في القاهرة وعمان والرباط، فلا تَتَحَدَّثُوا عن السلام .

غاب عن الذهن العربي والإسلامي والعالمي أن ما ارتكبته  إسرائيل ليس أبداً مجرد فعل حماقة، ولا يمكن أن تزول آثاره باعتذار ، بل إنه سياسة مقصودة ، حاولت  إسرائيل أن توجه عبر جريمتها هذه رسالة قوية لتركيا والعالم ، وكان واضحا في هذه العملية القصد اليهودي في الانتقام من اليقظة الإسلامية التركية ، فقد ساءهم ما يقوم به الأتراك من دور فعال في الدفاع عن حقوق المستضعفين من المسلمين ، وفي كل اعتداء يتكرر فقد تعودت إسرائيل على فرض ما تريد ، بالإرهاب والقوة والبطش والوحشية ، دون تململ أو تراجع , إذ لم تر من العرب أو المجتمع الدولي أي قوة حاسمة تفرض عليها التراجع أو التوقف, وبسبب ذلك تمادت في غيها وطغيانها على كل ما هو فلسطيني وعربي وإسلامي ولسان حالها  لا نرى كبيراً في المنطقة ، إلا نحن ونحن فقط!!.‏

 هذه القوة الإسرائيلية وهذا التجبر وهذا العنف لا يمكن لإسرائيل أن تقوم به إلا إذا كانت واثقة تماماً أن هناك من يحميها ويقف خلفها ، أضف إلى الضعف من الطرف الآخر ، الذي أتاح المجال لإسرائيل بالقيام بكل مجازرها دون الخوف أو الخشية على أمنها أو على سمعتها في العالم  وهي تدرك تماماً بعدم القيام بأي رد فعل بناء وفعال ، مما يدل على أن ضعف الأمة ، هو الذي يخول إسرائيل القيام بكل المجازر الدنيئة التي تقوم بها ، وإذا استبعدنا عالمنا العربي والإسلامي من الآثار المترتبة على الحادثة ، نجد أن المصالح الأوروبية ، ومصالح بعض دول العالم الأخرى مع إسرائيل أعلى وأكبر ، من أن تتعرض للضرر بسبب هذا الحادث الإجرامي ، باستثناء دول أخرى مقاومة ومناصرة للحق ، كدولة تركيا ، التي حاولت أن تقيم العالم ولا تقعده مطالبة بعقاب إسرائيل ، ليس بالكلام فقط بل بالفعل أيضاً ، حيث أن تركيا اتخذت بعض الإجراءات الفعلية ، وأعلنت أن إعادة التطبيع مع  إسرائيل مرتبط تماماً بإنهاء الحصار عن غزة ، كما أنها أوقفت ثلاث مناورات عسكرية مشتركة معها .

 وفي تقرير لكبير مراسلي صحيفة الاندبندنت   عن العملية الإسرائيلية ضد القافلة تحت عنوان إسرائيل وتضليل الذات ، قال إن نزعة التشكيك لدى الإسرائيليين بقدرات الجنرالات والساسة الإسرائيليين تراجعت خلال العقود القليلة الماضية ولذلك يشعرون الآن بالحيرة والدهشة وهم يرون أن جميع الحروب والعمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل خلال هذه العقود انتهت بالفشل ، ودون تحقيق مكاسب سياسية منذ حرب اكتوبر 1973 انتهاء بالهجوم على سفن قافلة الحرية   وأضاف قائلاً : إن المواجهة الإسرائيلية مع منظمي القافلة انتهت بنصر ، لم يكن يحلم به هؤلاء إذ أصبح الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة في مركز اهتمام العالم وتزايدت الدعوات الدولية لإنهائه بعد تراجع اهتمام العالم به مؤخرا .  إن إسرائيل لم يكن بمقدورها ارتكاب مثل هذه الجريمة وغيرها من الجرائم على امتداد تاريخها لولا دعم   الولايات المتحدة ومن هم في ركابها ، لأنها لا تستطيع أن تخرج من تحت عباءة الصهيونية، تبيعنا الوعود والكلام المعسول ، وتقدم كل الأدوات والإمكانات التي تمكنها من ذبحنا ، ولولا التهاون معها، لما كانت قادرة على الوصول بعدوانيتها إلى مثل هذا التطاول ، الذي أوصلها إلى حدود الاستباحة المفتوحة ، بلا رادع ولا مانع  وعندما تصل الأمور إلى مجلس حقوق الإنسان ؟ لتفريغه من أي مضمون. وهذا ما حصل ، فبعد 12 ساعة من المداولات ، انتهى المجلس عند قرار باهت غير ملزم  يوصي بفتح تحقيق والإفراج عن السفن والمعتقلين ، وقد جاءت ردود الأفعال مخيبة للآمال ، فالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ، كانت تصريحاته سخيفة وتصريحات البيت الأبيض كانت مثيرة للشفقة ، أما توني بلير فاكتفى بالتعبير عن أسفه الشديد فقط لا غير!ولذلك ما تغير شيء على ارض الواقع بصدور القرار ، بل إن النسيان سيطوى ذكرى القتلى الذين سقطوا وهم يسعون إلى فك الحصار عن غزة كما طوى النسيان مقتل غيرهم 

وكانت الدلائل الأولية نتيجة هذه العملية ، مثيرة لليأس   فالمبادرة لفتح معبر رفح للأغراض الإنسانية مبادرة ذات أهداف سياسية ، لان ما تحتاجه غزة ليس المساعدات الإنسانية فقط ، بل ما حملته السفن من مواد مثل الحديد والاسمنت ليتمكن سكان غزة من إعادة  إعمار المنازل التي دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة .

 قد يتساءل المرء : هل يمكن أن تكون هذه نهاية إسرائيل بعد 1300 شهيد فلسطيني قتلتهم في الحرب على غزة و1000 شهيد لبناني أبادتهم في الحرب على لبنان، و20 شهيد قتلتهم يوم الاثنين في قافلة الحرية ، هل سيعني كل ذلك أن العالم لن يتحمل بعد الآن البلطجة الإسرائيلية؟! بالطبع لا، لأن تصريحات البيت الأبيض جاءت "تبحث في ظروف ما حدث وتحاول فهم وقائع المأساة" هكذا فقط.. دون كلمة واحدة تدين ما حدث أو تدين إسرائيل! ، وسفن الحرية وما حدث لها يذكرني بما حدث في عام 1948 عندما قام القادة الأمريكيون والبريطانيون بإنشاء جسر جوي لبرلين ، لمساعدة شعب جائع ، مع أنه كان قبل سنوات عدوا لأمريكا وبريطانيا ، لكن شعب ألمانيا كان محاصرا وقتها بجيش روسيا الذي حاصر المدينة تماما ، وتم اعتبار الجسر الجوي وقتها من أعظم لحظات الحرب الباردة ، التي حاول فيها قادة  الغرب إنقاذ أرواح الألمان ، لأن الأمر كان أخلاقيا وإنسانيا أكثر منه سياسيا   ومن السخرية أنه في الوقت الذي كان الحكام الغربيون في 1948 يسعون لإنهاء الحصار على أهل برلين بالجسر الجوي ، كانت فلسطين العربية يتم تدميرها على مسمع ومرأى من هؤلاء القادة ، وأين كانوا عندما كانت إسرائيل تقتل المدنيين الذين جاءوا من شتى أنحاء العالم من أوروبا وأمريكا وتركيا، وكان منهم أيضا ناجين من محرقة الهولوكوست النازية، لكنهم لم يجدوا خيارا آخر سوى الذهاب إلى غزة ، لأن قادتهم خذلوهم وفشلوا في إنقاذ أرواح الفلسطينيين ،  الذين لا يجدون أدنى احتياجاتهم الأساسية بسبب الحصار الإسرائيلي.

لقد اعتاد الغرب أن يرى الإسرائيليين يقتلون العرب فتطور الأمر ليقتلوا الأتراك ، وقد كان لذلك الأثر البالغ في نفوس شعوب الشرق الأوسط والعالم ، الذي لم يعد يتحمل صفاقة إسرائيل ، باستثناء السياسيين الغربيين  الصامتين إلى الأبد . وحادث سفن قافلة الحرية يذكرني بإغراق السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي عام 67 حيث قتل في الحادث حوالي 48 أمريكيا ، ولم تتحرك أمريكا أو تبدي امتعاضا ، فكيف نتوقع  أن تفعل هي والغرب شيئا لإسرائيل ، وهم الذين أقاموها وربوها ، لا أمل في نصرتهم ، وإن لم نثأر لأنفسنا وكرامتنا ، فمن يثأر لها قالوا :

اليهود والغرب مقبرة العدالة كلما  رفعت يدا أبدى لها السكينا   

الغرب يحمل خنجرا ورصاصة   فعـلام يحمل قومنا الزيتـونا   

أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه  ولكن اللوم لوم المسلم المفتونا  

وألوم أمتنا التي مشـت      على درب الخضوع ترافق التنينا  

وألوم فينا نخوة لم تنتفض   إلا لتضربـنا على أيـدينا   

يا مجلس الأمن المخيف إلى متى   تبقى لتجار الحروب رهينا  

لعبت بك الدول الكبار فصرت  في ميدانهن اللاعب الميمونا

يا مجلسا غدا في جسم عالمنا   مرضا خفيا يشبه الطاعونا  

شكرا لقد أبرزت وجه حضارة   غربية لبس القناع سنينا  

يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا   سيريك ميزان الهدى ويرينا  

إن كنت في شك فسل فرعون  عن غرقه وسل عن خسفه قارونا   

إسرائيل فعلت فعلتها ، ولكن المصيبة فينا نحن ، فنحن لا نملك من أمرنا شيئا ، حتى قتلنا وسفك دمائنا ، أصبح لا يحرك لنا ساكنا ، وكأننا نتمثل قول عندما وصل الخطر إلى بيته قال قولته المشهورة : حايد عن ظهري بسيطة   فأنا في السليم ، وهذا لسان حال الكثيرين منا ، طالما القتل في غيرنا مش مهم ، وقديماً كان المغول يجدون مجموعة من المسلمين فيقولون لهم انتظروا حتى نأتي بالسيف لنقتلكم فيظلوا في مكانهم من الخوف حتى يأتي المغول ويقتلونهم! فما فعلته إسرائيل لها وليس عليها لأننا لن نستمر في حمل لعب الأطفال وعلب الحلوى لهم  ولكن قريبا سيحمل رجال تدفعهم نخوة القتال من أجل الحق والخير والسلام ، سلاحهم الأول إرادتهم وحمولتهم سلاح وذخيرة ، فإسرائيل قتلت وسفكت دماء ودماء   ولن يدوم الانبطاح ولن يدوم الصمت طويلا ولن يدوم هذا الانفصال بين الحكومات الإسلامية والعربية وشعوبها حتما ستتوحد إرادة الحكومات يوما ما ، مع إرادة شعوبها وعندها سيعلمون أن حرمة دم الإنسان أعظم عند الله من حرمة بيوت الله المقدسة  وعلينا أن نعلم علم اليقين ، بأن لا جنة بدون جهاد ولا تحرير لفلسطين إلا بالجهاد ولا عزة ولا مهابة للمسلمين إلا بالجهاد والأمة بغير جهاد جثة هامدة وغثاء كغثاء السيل لا وزن لها ولا قيمة ولا اعتبار ] فأما الزبد فيذهُب جُفاءً وأما ما ينفعُ الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [ الرعد 17 .

 

 

 

 

 تجاهل ما تتعرض له القدس

أصبحنا نلمس حالة من عدم المبالاة والتجاهل   لكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ، وأن هناك مخطط مدروس ، لاختزال القضية الفلسطينية  في قضايا أخرى ، وكأن فلسطين خارج المنطقة جغرافياً، وإسرائيل محور المنافسة حول مَنْ يُكِنُّ لها الولاء ، ولم تعد القضية الفلسطينية والقدس  القضية الأولى ، مع أنها تتعرض إلى هجمة إسرائيلية هي الأقسى ، في زيادة كبيرة ، لخطط البناء، من أجل خلق واقعٍ جديد، إذ تم تحويل ملكية أكثر من تسعمائة ألف دونم بالضفة إلى أراضي دولة ، تابعة إلى الإدارة المدنية  كاحتياط إستراتيجي للاستيطان، والإعلان عن مناطق واسعة جدا بالضفة ، تكون تابعة لمؤسسات الحكم الإسرائيلية، مثل المحميات الطبيعية ، والأماكن الأثرية ، والقواعد العسكرية، ومواصلة التضييق على الفلسطينيين   وفي إطار التهويد الديني والثقافي، اتخذت مجموعة من الإجراءات الواقعة في إطار تنفيذ ما يعرف بمشروع الحوض المقدس ، الرامي إلى بسط سيطرة سلطات الاحتلال ، على المسجد الأقصى ، والبلدة القديمة ، فقامت بزرع آلاف القبور اليهودية الوهمية ، حول المسجد الأقصى والبلدة القديمة بالقدس ، والادعاء أن القبور كانت ليهود عاشوا وماتوا في المكان قبل آلاف السنين ، أما على مستوى الخطاب السياسي فقد أكد نتنياهو، أن إسرائيل بلا القدس  كجسد بلا قلب ، وأن قدسا مقسمة ، تعني قلبا ضعيفا ، ويعتبر أن مشروع الحوض المقدس  من المشاريع الإسرائيلية الرامية إلى تهويد القدس، وأهدافه لا تقتصر على مصادرة الأرض ، وإنما تتعدى ذلك إلى محو الهوية العربية والإسلامية ، للبلدة القديمة ، وإحلال الهوية اليهودية محلها ، بالإضافة إلى إفراغ المنطقة من أهلها ، وعزلها عن الأحياء العربية   واستكمال مشاريع الاستيطان ، الهادفة إلى ربط البؤر الاستيطانية ، في البلدة القديمة وحولها ، بالمستوطنات الإسرائيلية حول القدس  ولهذا فهي مستمرة في انتهاك حق المقدسيين في السكن والإقامة. وقد شملت هذه الانتهاكات إصدار أوامر هدم وإخلاء منازل ، وإخطارات هدم ، تركزت في أحياء سلوان والعيسوية  وسائر الأحياء المقدسية ، كما تمارس سياسة هدم منازل الأسرى والشهداء ، عقابا لهم  واعتقادا منها أن هذه الممارسات ، قد توقف آخرين عن الدفاع عن القضية والوطن والحقوق  إن هذه الممارسات ، هي جرائم جماعية ، ضد عائلات بأكملها ، وهي مخالفة لكل القوانين الدولية والإنسانية ، ورغم كل الانتقادات والإدانات ، فان إسرائيل لا تتوقف عن هذه الممارسات ، والسؤال :  كيف نواجه هذه الممارسات ؟ وكيف نتعامل معها ؟ ما أكثر المتحدثين عن هذه الممارسات ، وما أكثر المستنكرين والمنددين ، والقائلين أنها مخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية، علماً بأنهم  يعرفون المخططات والأهداف الإسرائيلية من وراء كل هذه الممارسات ، ويعرفون إنهم يعتبرون الضفة ، أرض إسرائيل الموعودة، ومن حقهم أن يستوطنوا ويضاعفوا أعداد المستوطنين ، ويعتبرون الفلسطينيين غرباء وليسوا أصحاب الأرض، لذلك على المتحدثين أن يتحدثوا عن كيفية ، مواجه ذلك، ومتى نبدأ الخطوات العملية ، ونتخلص من الإدانات والبيانات والتصريحات ، سمعنا عن تجاوب بعض الجهات العالمية ، فيما يتعلق بالمستوطنات ومنتجاتها ، وقد اعترفت بحقوقنا   الكثير من برلمانات الاتحاد الأوروبي ، والكثير من المؤسسات ، ولا سيما الجامعات ، التي بدأت بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وهذا لا أثر له على السياسة الإسرائيلية ، فالعرب مشغولون بمصائبهم ، ونزاعاتهم الداخلية  والعالم مشغول بالمؤتمرات من اجل سوريا واليمن والعراق ومحاربة  داعش ، ولا نرى اهتمام جديا بالقضية الفلسطينية ، مما يضع المسؤولية الأكبر على عاتق العرب والمسلمين أولاً ، وقبل أي جهة .

نعود للتساؤل إلى متى سنظل نعدد ممارسات الاحتلال ؟ ونكرر الاستنكار والإدانة ؟ ومتى نبدأ التفكير بخطوات عملية لمواجهة هذه التحديات المصيرية ؟ هناك من يدعو إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية ، فهذا لا يكفي   لأن المطلوب شرعاً ، أن نجاهد لا أن نقاطع  وما فائدة المقاطعة ، إذا بقي الاحتلال ؟ الأجوبة عند المسؤولين في مختلف مستوياتهم  وعند أصحاب القرار بالمقدمة ،  فأين المسلمون عن الانتصار لإخوانهم؟ وأين العالم عن هذه المأساة؟ وأين أدعياء حقوق الإنسان والمتبجحون بالإنسانية ؟ لو قتل واحدٌ من أعداء الإسلام ، لقامت الدنيا ولم تقعد ولاشتغلت وسائل الإعلام ، بالحديث حوله ولكن الدم المسلم ، أرخص الدماء  والمسلمون لا بواكي لهم ، فقتل واحد جريمة لا تغتفر  وقتل شعبٍ مسـلم مسألة فيها نظر ، وها هم يعقدون الاجتماعات ، ويتدارسون قضايا المنطقة ، ويتجاهلون قضيتنا ، رغم ما يجري من تطورات دامية ، ورغم الاحتلال وممارساته المدمرة ، والمولدة للتطرف والعنف ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

 

 

 

 

جريمة السكوت عما يجري في فلسطين وسوريا

سمعت كلمات مريرة لامرأةٍ سورية ، مزجتها بطعم الألم والحسرة والخيبة ، التي ارتوت منها العروق  والتي تعتبر شاهداً على أعلى صورة من صور الظلم والذل والهوان ، قالت لا نريد إلا ما يخلصنا من الحمل الذي نبت في أحشائنا ، من أبناء المعتدين البغاة ، ولم نستطيع منع ذلك ، بل نتلقى ما يوجعنا ويقض مضاجعنا ، إنها تنادي ولسان الحال ينادي : أعيرونا مدافعكم لا مدامعكم ، ونسأل أنفسنا ونسألكم ، ألسنا أخوة في الدين ، وهل هنتم وهل هنا ، وهل اجتماعكم وبحث مآسينا ، تظنوا أنه يرضينا ، وهل دمعكم يشفي لنا صدرا أو يبري لنا جرحا ، لا وألف لا فقد سئمنا الشجب والردحا  رغم وضوح الصورة وبشاعة المشهد فالاستجابة يائسة ، كلمات تكاد أن تجف قبل أن يجف مدادها  ولمثل هول هذه الجرائم ، يذوب القلب من كمدٍ   ولمثل هذا الهوان تنفطر الأكباد ، ولأن كانت الغفلة قد رانت على القلوب ، فلعلَّ هذه الأحداث المؤلمة تحرك الضمائر ، وتوقظ الهمم ، ولكن هيهات .

إن قوة الظالم بعيدةً كل البعد عن ذاته لأنها  قائمةٌ على تخاذل المتخاذلين ، وعدم حرصهم على إعداد العدة ، لمواجهة المأساة التي حلت بإخواننا الذين أصبحوا بين عشية وضحاها ملهاة الزمن وحديث المتفضلين  

إن سمة الظلم مذمومة في كل الشرائع والديانات السماوية ، وقد ذكرها الله سبحانه فقال : ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ﴾ والظلم من المعاصي الكبيرة التي يتعجل الله عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. لما لها من وقع سيء في قلوب عباده ، وقد حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : سلطان غشوم ظالم وغال في الدين ) فديننا يأمرنا أن لا نداهن ، وان نقف من الظلم موقفا واضحا ، وصريحا ، لان السكوت على الظلم لا يرضي الله ورسوله ، ويتعارض مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يأمرنا به الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم  وبدونه لا يستقيم المرء ، ولا يحسن إسلامه ، ومتى ما تخلت عنه الأمة ، استحقت الإذلال والهلاك ، والمسلم ينبغي أن لا يكون ذليلا أو مهانا ، وان يطالب بحقوقه بصوت عال ومسموع ليصل إلى أسماع الحاكم الظالم ، لأن من أعظم الظلم سكوت المظلوم على الظالم ، لأن السكوت على الظلم ، عون للظالم على ظلمه ، كما أنه يقتل في الإنسان إنسانيته ، ويقود إلى سخط الله وعقابه . قال تعالى : ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم ﴾إبراهيم42 . ولذلك لا يُقْبل الصمت على ظلم الظالمين ، وما حرك الشعوب هذه الأيام ، إلا شعورها بنار الظلم والقهر والمهانة . ولا أدري كيف يغمض لنا جفن أمام لوعة الثكالي وصراخ الأطفال ، وحيرة الأرامل الذين يصرخون وامعتصماه. ولا من مجيب!!

لنا إخوانٌ فراشهم الأرض ، ولحافهم السماء نصبح ونمسي آمنين ، وهم خائفون ، لم يذوقوا للراحة سبيلا ، ينشدون إخوانهم أن يلتفتوا لحالهم ولكن من يجيب ؟ ومن يسمع ؟أعراض تنتهك ، ودماء تسيل ولا يجدون ما يشبع جوعهم فصبروا ،فمنهم الشهيد ، ومنهم اليتيم ، ومنهم الأرملة والمسكين   يصرخون ولا يسمعون إلا صدى صرخات أصواتهم

وفي غمرة هذه الأحداث ، يبدو أن مخططات اليهود الرامية لهدم وتدمير المسجد الأقصى ، قد أشرفت على التنفيذ النهائي ، بمعنى أن مصيبتنا بمسرى حبيبنا قد اقتربت وأزفت الآزفة ، وليس لها من دون الله كاشفة ، بسبب غرق أبناء الأمة العربية والإسلامية في سبات عميق ، وعدم استشعارهم لخطورة ذلك . فهل نسي العرب والمسلمون ، أنهم أمة النخوة والغيرة على الأعراض والمقدسات، والطامة الكبرى تقع حينما تنتزع الغيرة على المقدسات ، والنخوة من رؤوس الرجال، حينها نتوقع من أعداء الأمة والإنسانية ما لا يتوقعه أحد، وما لا يمكن للمرء أن يتخيله ، ولا للأمة أن تتصور حدوثه.

ما يجرى اليوم بالقدس ، من انتهاج العدو لسياسة التهويد التي تتسارع عجلتها يوما بعد يوم، وطرد أهل القدس من مدينة أبائهم والأجداد الأوائل  وتغيير أسماء شوارع المدينة ، ومحاولات طمس معالمها وأثارها الإسلامية والعربية ، ليدق ناقوس الخطر الشديد.

لا شيء لدى الاحتلال – فيما أحسب – يمر دون دراسة وتحليل ، والوقوف عند حسابات الربح والخسارة، وبالتالي فإنه من البديهي أن يكون هناك هدف واضح وهام ، للمحاولات المتكررة باقتحام المسجد الأقصى  ، ليجعلوا كما أعتقد من الاقتحامات المتكررة ، منظرا مألوفا لا تقشعر له الأبدان ، ولا تتحرك من هوله مشاعر المسلمين وحتى يتعود الناس على رؤية أبناء القردة والخنازير وهم يجوبون ساحات المسجد ، وباحاته صباح مساء وكأنه أمرا طبيعيا ، يريدون أن نألف مبدأ تقاسمهم لنا إرثنا المحمدي بالقدس، كما فعلوا بالحرم الإبراهيمي وجعلوا لهم مواعيد دورية لتدنيسه ينظروا اليوم بنفس المعادلة ، وذات الرؤية للمسجد الأقصى بل وأشد سوءا.

وفي غمرة انغماس الأمة بما يسمى بالربيع العربي ، قد نصحوا يوما ، ونجد أن العدو قد أنجز ما كان يحلم به من تقسيم المسجد الأقصى أو هدمه ، فالقدس والمسجد في خطر حقيقي ، وهما يصرخان من أعماقهما بالأمة العربية والإسلامية ، لعلها تخرج صلاح الدين من جديد أو من يقتدي بسيرته وصلاحه وجهاده، وينتصر لصرخات المسجد المكلوم الجريح.

لقد انطلقت صرخات وامعتصماه اليوم مرارا وتكرارا من مآذن وقباب القدس، وأبواب الأقصى وباحاته وجنباته ، وكل زواياه تشتكى إلى الله تدنيس المغتصبين لها، وهي تصرخ وتنادي وأسلاماه فهل نستيقظ قبل فوات الأوان؟ وهل تشق هذه الصرخات طريقها نحو قلوب أحفاد صلاح الدين؟ أم أنها لامست الآذان ولكنها لم تلامس نخوة المعتصم.

 إن إخواننا يتلقون المأساة على شكل معركة تدور واعتداءٍ يُدبَرْ ومؤمرات تُحاك ، إنهم يتطلعون إلى الساعة التي يفرح فيها المؤمنون بنصر الله ، إنهم يبتسمون للموت ، ولسان حالهم وهم يقاومون اعتداء الظالم قول الله تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين ﴾ . فلماذا الخضوع الأعمى للمؤامرة الدنيئة التي تستهدف قتل روح الجهاد والمقاومة في الأمة ، أليس من عجائب دهرنا ومصائب زماننا أن يعربد الظلم ويصول ويجول ، ويقتل ويدمر ؟ أليست مصيبة الإسلام في مضيعة لا معين له عليها بين جهل أبنائه وعجز علمائه ؟ في  الوقت الذي يواجه هجوماً شرساً يهدف إلى القضاء عليه ، وإفراغ المسلمين من حوافزه الروحية ، وهل هان علينا أن نغضي على الأذى ونحن نرى جناته ، ونصبر على المكائد ونحن نعرف موقديها ، ونرتكس في مطارحنا الذليلة ، نقتات أوهاماً ونجتر آلاماً ، ونصبِّرُ أنفسنا على البلاء الذي يُمارس ضدنا ، حتى لا نكاد نحس به أو نُباليه ، إن دولاب الزمن لا ولن يقف ، والحياة لا تنتظر متخاذلاً ، ولا تقبل عذر متخلف  وإن وقود الحركة ، التي تأخذ بيد الأمة إلى طريق النصر  هو قلبٌ يعي ، وفكر يعمل ، وتضحيات تبذل بغير حساب ، ومن هنا كان لمداد العالم الصادق المخلص الذي لا تأخذه في قول كلمة الحق لومه لائم ، له وزنه في بناء كيان الأمة ، وكان لدم الشهيد قدره في الحفاظ على وجودها ، لأن عطاء العالم ، دليل السلامة في العقيدة والاستقامة على الطريق والمجاهد حين يبذل دمه خالصاً في سبيل الله ، فذلك برهان الوفاء ، وصدق ما عاهد الله عليه ، إن كلمات المخلصين من إخواننا تبكي ، وقطرات دمهم تحكي ، والحركة مستمرة ، لأنها تنسمت بالدم معنى الحياة ، لقد آن لنا أن نذكر ، ومطارق الغدر والخيانة والاعتداء ، تدق أبوابنا صباح مساء ، آن لنا أن نذكر الكلمة المضمخة بالدم ، التي يطل بها صاحبها هازئاً بهذا العالم الفاني ، مختاراً الشهادة على حياة الذل والعار ، آن لنا أن نفيق من الغفلة   ونأخذ زمام المبادرة  ونتسلم الراية من جديد  ونجنب الأجيال القادمة جحيم الدنيا والآخرة ، فهل نحن فاعلون ؟

 

 

 

 

 

 

دولة اليهود إرهابية بمباركة أمريكية

منذ عُقد مؤتمر بال 1897م الذي وضع مخطط العمل الصهيوني لاستعمار فلسطين وإقامة دولة لليهود فيها . والزعماء الصهيونيون لا يتركون مناسبة إلا استغلوها لتحقيق أهدافهم المرسومة بدقة . فاتصلوا من أجل الحصول على موافقة للهجرة إلى فلسطين بأكثر من زعيم ومسؤول في أكثر من بلد ، وكان في الوقت نفسه أسلوب جدلهم ووعودهم وعهودهم تتفاوت من زعيم إلى آخر ومن بلد إلى آخر في وقت واحد . فاتصلوا بقيصر ألمانيا وسلطان بني عثمان وغيرهما كثرين  وتمكنوا من التغلغل في الإدارة البريطانية فوجدوا منها مرتعاً خصباً و مجالاً رحباً لنشاطهم ، وما كان من بريطانيا أن أصدرت وعد بلفور وسهلت هجرة اليهود إلى فلسطين ، حيث أقام الانتداب البريطاني حكومة تناسب مطامع الحركة الصهيونية تماماً ، قال هرتزل مؤسس الصهيونية الأول : طالما بقيت الدولة الصهيونية ، فإنها ستشكل قلعة بالنسبة لأوروبا ضد أسيا ، وطليعة المدنية ضد البربرية . وفي هذا دليل على أن التزاوج بين الإمبريالية  والصهيونية حقيقة مرة ولعنة في وجه آمال الإنسانية في فلسطين .

وكان من أبرز ما أدى إلى نشوء الحركة الصهيونية ، التنافس الاستعماري في منطقة الشرق الأوسط ، فقد سادت فكره استغلال اليهود إحدى أدوات التوسع الاستعماري في وطننا العربي ، وقد تلاقت المصالح الصهيونية مع مصالح الغرب ، فالصهيونيون يفتشون عن حليف قوي قادر على ترجمة أحلامهم إلى واقع ، ومن هذا المنطلق كان قول هرتزل : " إن عودتنا إلى وطن الآباء التي نبا بها الكتاب المقدس ، تشكل مصلحة سياسية ملائمة لتلك الدول التي تبحث عن شيء في أسيا " وقد دعمت بريطانيا الحركة الصهيونية ، فاستغلت سيطرتها على فلسطين لتحويلها مع الأيام إلى دولة عبرية ، لتكون أداة لإحباط فكرة القومية العربية ، وإفشال قيام وحدة العرب ، بإقامة فاصل سياسي وعسكري بين مشرق الوطن العربي ومغربه . غير أن اصطدام بريطانيا بالشعب العربي في فلسطين أكثر من مرة واضطرارها إزاء مقاومته اتباع سياسة مزدوجة ، كان من بين مظاهرها الكتاب الأبيض لعام 1939م ، الذي عمل على تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والإشراف على بيع الأراضي فيها ، مما جعل الزعماء الصهيونيون يحاولون البحث عن حليف جديد  فاتجهت الأنظار إلى الولايات المتحدة ، التي أخذت تزحزح بريطانيا عن مكانتها في المنطقة وتحتلها تدريجياً ، وقد مارست آلة الدعاية الصهيونية ضغطاً كبيراً على الحكومة و الرأي العام الأمريكيين ، كما استغلت السياسة الداخلية الأمريكية والعناصر المؤثرة فيها بما ينعكس على السياسة الخارجية . فقد كانت أصوات اليهود الانتخابية وأصوات المتعاطفين معهم دافعاً مؤثراً في هذا الباب ،كما صرح بذلك رئس الولايات المتحدة آنذاك ترومان للمندوبين العرب ، الذين قابلوه للاحتجاج على إسرائيل ، قال : " آسف أيها السادة علىَّ أن أستجيب إلى مئات الألوف من الذين يتطلعون إلى نجاح الصهيونية ، فلا يوجد هناك مئات الألوف من العرب في مناطقي الانتخابية " .

فالتصلب الأمريكي لصالح إسرائيل هو السمة التي يمكن أن توصف بها السياسة الأمريكية في الوطن العربي حتى هذا التاريخ ، فقد تحطمت أمام التحالف الأمريكي الإسرائيلي المكشوف كل مشروعات التسوية السياسية ، التي ظهرت في الأفق منذ عام 1947م وتعثرت كل المساعي السلمية لتحقيق التسوية ، ودخلت قضية الشرق الأوسط رسمياً ومن ضمنها قضية فلسطين ، في دوامة المشروعات والمشرعات المضادة ، فقد كان غزو إسرائيل للبنان علم 1982م هو غزو تم بالاتفاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإن كانت إسرائيل كما تزعم واشنطن تخطت الحدود المرسومة لهذا الغزو لتصل إلى بيروت ، كما أن تورط الولايات المتحدة في مجازر صبرا وشاتيلا تكشفه الوثائق المتبادلة بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير .  لقد قام الكيان الصهيوني على العنف ، لأن العنف جزء لا يتجزأ من تفكير الحركة الصهيونية وسلوك قادتها ، وهذا ما أكده المؤرخ أرنولد تويني في موسوعته التاريخية عن أعمال إسرائيل الإرهابية قال : " إن الشرور التي ارتكبها اليهود الصهيونيون مع العرب الفلسطينيين والتي تقارن بتلك التي ارتكبها النازيون مع اليهود ، وهي ذبح الرجال والنساء والأطفال في الدوايمه ودير ياسين ... وغيرها من المذابح "  فكيف لو رأى وسمع عما جرى في جنين وغزة ، فماذا يا ترى كان يقول في موسوعته .. ؟ لقد تبنى اليهود منذ البداية سياسة إرهابية ترمي أولاً إلى تشجيع عملية استيطان اليهود في فلسطين ، وثانياً إلى إثارة الهلع في قلوب الفلسطينيين من أجل دفعهما إلى النـزوح عن أرضهم والتخلي عن ممتلكاتهم ، وبعد قيام إسرائيل اشتدت سياسة العنف فيها وارتبطت إلى حد بعيد بمشكلتها الرئيسية ، وهي تأمين الأمن حتى غدت مشكلة أمنها محور تفكيرها كله . وإسرائيل مجتمع عسكري يخشى الركون إلى السكينة والسلام ،  ويعمل قادته على إقناع أفراده بأنه لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالحرب المتواصلة ، وفي هذا قال بن غوريون : إن المشكلة الفلسطينية لا يمكن أن تحل إلا بالحرب ، ولكي ننتصر في الحرب يجب أن نتفوق على البلاد العربية تفوقاً عسكرياً ساحقاً ..." وهذا ما مارسته وتمارسه إسرائيل الآن ، فعندما شعرت بان شعب فلسطين يقف على رجليه ويتغلب على نكبته ويحمل السلاح وينتزع الاعتراف بحقوقه ، عمدت إسرائيل إلى عملياتها العسكرية هذه ، لكبح جماح هذا الشعب على حد قولها ، إنهم يفعلون أفاعيلهم دون اعتبار للقواعد والقرارات الدولية والإنسانية ، لأنهم لا يرون في القوانين والمبادئ إلا وسيلة لتحقيق أهدافهم .  وهنا نتسائل : هل غاب عن الزعامة العربية أن إسرائيل هي عدوة العرب ، بقطع النظر عن مأساة فلسطين وشعبها . وهل غاب عنهم أن إسرائيل هي عدوة وجود العرب وتقدمهم وقوتهم ، بل عدوة وحدتهم كما هي صديق حميم لكل أعدائهم . لقد أصبح معروفاً لدى المواطن العادي في العالم العربي أنه بالنسبة لإسرائيل ممنوع على العرب أن يأخذوا بأسباب القوة ، ولا بد أن يبقوا على حالتهم الراهنة من الضعف ، وفي محاولة إبقاء العرب على هذه الحالة من الضعف ، تسعى للتسلل إلى المجتمعات العربية لضربها وتفتيتها من الداخل ، مما يدل على أن إسرائيل ليست عدوة الشعب الفلسطيني فحسب ، بل هي عدوة العرب بأسرهم ، وإن الجهاد البطولي الذي يقوم به الفلسطينيون  يحقق نقلة نوعية في النضال العربي والفلسطيني منذ عام 1948 ، إذ حول حالة الوهن والتردي إلى حالة التصدي المباشر والعملي مع إسرائيل ، كما أدى إلى استعادة الفلسطينيون ثقتهم بنفسهم وزرع بذرة الأمل في المستقبل ، رغم فداحة الثمن الذي كلف الشعب الفلسطيني من الشهداء ، والدمار الذي تمارسه إسرائيل ، إلا أنه كبدها خسائر ملموسة لم تتكبدها طيلة حروبها مع الدول العربية مجتمعة ، مع أن إسرائيل تتكتم وتتستر على خسائرها المادية والبشرية المباشرة ، التي ألحقتها بها ضربات المجاهدين البواسل والاستشهاديين الذين باعوا أنفسهم رخيصة لله تعالى ، وإن الثبات الملحمي في المكان والزمان صاغ لشعب فلسطين هويته الوطنية وارتقى بصموده في الدفاع عنها إلى مستوى المعجزة  .

إن احتلال القوات الإسرائيلية الأرض الفلسطينية  وتشريدهم بقوة الإرهاب المنظم وإخضاع الباقي منهم للاضطهاد ،والعمل على تدمير معالم حياتهم   بانتهاك صارخ لمبادئ الشرعية الدولية ، والذي يقابل بالصمت على ما يجري ، ليدل على مؤامرة دولية وعربية وإسلامية ، إلا أن الشعب الفلسطيني لم يفقد إيمانه الراسخ بحقه الشرعي في استقلاله وحريته , ولن يتمكن الاحتلال ولا المجازر والتشريد الذي يمارسه من طرد الفلسطينيين والنيل منهم ، والفلسطينيون يواصلون نضالهم الملحمي ،  ويخوضون معاركهم مع العدو الإسرائيلي مؤمنين بالله متوكلين عليه  شعارهم : اطلب الموت توهب لك الحياة ، لذا كان صمودهم الأسطوري أمام المجازر والحصار والاعتقال ، قد أثار دهشة الأعداء قبل الأحباء  وتجلت ملحمة المقاومة الفلسطينية بصفتها واحدة من أبرز حركات التحرر الوطني في هذا العصر  فمن الانتفاضة المتصاعدة في الأرض المحتلة مع الصمود الأسطوري في المخيمات والمدن الفلسطينية . إلى ملحمة الصامدين في المخيمات التي قامت إسرائيل بتهديمٍ كامل لبعضها بمباركة أمريكا وعملائها ، الذين غضوا الطرف عن القيام بهذه المجازر . إذن ليس مبالغة في القول أن من يقف في وجه المقاومة ليس إسرائيل ، بل إسرائيل الأمريكية أو أمريكا الإسرائيلية ، وقد انتهجت سياسة تأييد احتلال إسرائيل واعتدائها للمدن والقرى الفلسطينية ، كوسيلة للضغط من أجل تسويات تلائمها .                               

إن الخصم الحقيقي للأمة العربية عامة وللشعب الفلسطيني خاصة ، هو تحالف أمريكي إسرائيلي معلن يترجم على أرض الواقع يومياً ، وأهداف هذا الحلف ليس فقط تكريس الكيان الصهيوني ، بل إقامة سلم أمريكي إسرائيلي ، يتجلى في دوله إسرائيلية قوية محاطة بدويلات أو مجتمعات عربية ضعيفةٍ لا تملك حيالها حولاً ولا قوة  والتعامل مع الفلسطينيين كلاجئين بالنسبة لمن هُجِّر من وطنه و كرعايا بالنسبة لمن بقي أو سيبقى فيما احتلته أو ستحتله ، فلهذه الأهداف أقيمت إسرائيل في بلادنا ، ووجد التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي .

من المؤسف أن جميع الوقائع تشير إلى أن مجلس الأمن لن يغير موقفه من تصرفات إسرائيل والولايات المتحدة التي تستعين بإسرائيل لتحقيق أطماعها في المنطقة العربية ، ولن تدعه يتخذ أي قرار تنفيذي يسيء إلى إسرائيل ، فأمريكا مع إسرائيل بالحق وبالباطل ، وإذا اختلف الحق مع إسرائيل فهي مع إسرائيل ، وإن قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحل القضية الفلسطينية بقيت كلها حبراً على ورق . إن إسرائيل تخوض معاركها ضدنا بحقد وشراسة بمباركةٍ أمريكية إذ لا تكتفي بمصادرة الأملاك ونسف المنازل واستعمال ما عرف وما لم يُعْرَفْ من أنواع التعذيب و الاضطهاد بل أقدمت كما حصل في جنين وغزة وبعلم أمريكا ، إلى ارتكاب مجازر جماعية دون اكتراث لحياة الأطفال أو النساء أو الجرحى و المعتقلين .  والسياسة الإسرائيلية تنص على أن على العرب الذين يبقون داخل الدولة اليهودية أن يقبلوا العبودية ، يبقون كعبيد ودافعي ضرائب وهم سيبقون في الدرجة السفلى ما داموا على هذا الحال ... لا يرفعون رؤوسهم في وجه إسرائيل .

 

 

 

 

 

الخامس عشر من أيار

كان لتاريخ التآمر على فلسطين ، هذه الذكرى التي كانت بداية لإنشاء دولة اسرائيل على أرض فلسطين ، فقد احتلت العصابات الصهيونية فلسطين سنة 1948 ، وسجلت نصراً على سبع دولٍ عربيةٍ ، وتكررت المؤامرة لاحتلال الباقي من فلسطين سنة 1967  إذ سجلت نصراً آخر  على ثلاث عشرة دولة عربية . 

وقد علق السيد عرفات حجازي في كتابه الخامس عشر من أيار قائلاً : " إن ما تم لاسرائيل كان بفضل من قدم لهم المساعدة وزور الحقائق والأسباب ، ولكن الحقيقة الصادقة حيةٌ لا تموت ولاتندثر  ولا بد لها من أن يأتيها يوم لتنشر  فيعرف العالم الحقيقة المجردة الساطعة ، مهما بَعُدَ هذا اليوم أو قصّر  ويتابع  قوله : ستكشف أوراقٌ طالما بقيت مطوية ، واسرارٌ لم يكن مقراراً لها أن تنشر من قبل  لفضح تلك الحقائق " ، وقد جاء بالفعل هذا اليوم الذي قال عنه الكاتب .

إن نكبة الشعب الفلسطيني ، لم تقع في اليوم الخامس عشر من أيار ، لكنه اليوم الذي انتهى فيه تمثيل أدوار المؤامره على فلسطين وشعبها   فقد ساعد العالم اسرائيل ، باسم قرارات الامم المتحده ، في سلب عرب فلسطين وطنهم وباسم الشرعية والقانون الدولي ، فكانت النكبة التي تمت باشراف ووعود السياسيين الغريبين  وعلى رأسهم الإتحاد السوفياتي فقد ربح اليهود قرار التقسيم بصوت واحد ، فلو حجب الإتحاد السوفياتي صوته عن اسرائيل لربح العرب المعركة ولما كانت هناك دولة اسرائيل ، وجاءت على العرب فترةٌ تجاوزوا فيه عن دور الإتحاد السوفياتي وشراكته للغرب في إقامة دولة اسرائيل  ولم يكن موقفه الذي دخل الى قلوب العرب عن طريق التهديد للغرب إكراماً للـعرب ، ولم يكن حتى مجرد موقف عدائي من الغرب ، لأنه في ذلك الوقت كان يلجأ إلى التهديد من أجل تغطية حوادث دامية لم يشهد لها التاريخ مثيلا كتهديداته أثناء ألإعتداء الثلاثي على مصر ، ففي الوقت الذي أُذيعت هذه التهديدات ، كانت الدبابات السوفياتية تجتاح المتظاهرين في شوارع بودابست عاصمة المجر ، ولا أبالغ إذا قلت بأن العرب قد تجاوزوا في ذلك الوقت عن دور الإتحاد السوفياتي وشراكته للغرب في إقامة دولة اسرائيل ذكر زهير الشلق في كتابه في قفص الإتهام قبل حزيران عن مسئولٍ سوفياتي قوله : لم نقدِّم للعرب السلاح إلا بما يكفي لحاجات الدفاع لا الهجوم وعلى الشعب في اسرائيل أن يتذكر أن الإتحاد السوفياتي كان أول من دعا الى حظر توريد السلاح الى الدول العربية ، وان موسكو تريد سلامة اسرائيل ولا تسمح باستعمال السلاح الذي باعته للعرب ضد اسرائيل ، وإن المتتبع للاحداث في تلك الفترة يجد أن السلاح السوفياتي الذي هجّر نحو نصف مليون يمني خارج الحدود اليمنية واستعمل لمطاردة الفلاّحين باسم القضاء على بقايا الاقطاع ، وفي قصف المساجد واغتيال الناس بالجملة باسم القضاء على الرجعية وفي مطاردة بعض الحركات الإسلامية باسم التطرف . وكان لهذه الاسلحة الدفاعية الأثر البالغ في ايذاء اسرائيل عندما لم يقتصر على الأمور الدفاعية وكان ذلك في معركة تل النيرب في عهد ما يسمى بالانفصال في بعض الدول العربية إذ استطاع السلاح السوفياتي أن يسوق الدبابات الاسرائيلية الى ساحات العاصمة لتعرض على المواطنين ، وما حصل فقد أبعد أبطال تلك المعركة عن السلاح بعضهم بالإحالة الى التقاعد وقضى الآخرون شهوراً طويلةً وراء القضبان .
وقد قال محاضرٌ شيوعيٌ يومها معلقاً على المصير الذي لقيه أبطال تلك المعركة : إن حركات التحرير اليسارية في العالم العربي تحتاج الى السلاح لكي تكافح الرجعية العربية ، لأن القضاء عليها سيزيل عن اسرائيل خطر العدوان العربي  وقال : إن شعار الاشتراكيين العرب في كل مكان هو السلام والتعايش السلمي .

لقد ترتب على وعد بلفور ضياع فلسطين   والذي يمكن أن يعتبر من الصفحات السوداء في تاريخ أمتنا .

إننا لنذكر هذا التاريخ ، لا لنبكي على عزيز افتقدناه ، ولا على وطنٍ ضيعناه ، إنما املاً بأن يستيقظ النيام ، الذين نسوا أن هناك  عدواً يتربص ، وأن هناك مخططات أخرى لا تنتهي للتوسع والاحتلال والاغتصاب .

إننا نتذكر ما تحسه الضمائر الحية المخلصة المؤمنة  من مرارة حلقات الرجس في المؤامرة التي قام بها الكفرةُ ، يساعدهم في ذلك الأتباع الخونة من أبناء أمتنا ، الذين لم نَرَ في ظل حكمهم ، وتحت شعاراتهم ، إلا الخزي والعار والهزائم   .

لقد أعطى بلفور وعده ، وكأنه يتصرف في مزرعة لأبيه ، لا إيماناً بحق الشعب اليهودي فحسب ، بل حفاظاً على مصالح سياسة وعسكرية واقتصادية لبلده ، أعطى هذا الوعد  على حساب أهل فلسطين ، مما يوجب علينا أن نتذكر حقيقةً لا بد منها ، وهي أن المعركة الفاصلة مع هذا المغتصب لأرضنا ، أمرٌ حتمى لا بد منه ، وأن الإعداد بجميع ألوانه المادية والمعنوية فرضٌ لازم لقو له تعالى: ﴿ واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ . وعلى هذا فإن الدماء التي تصبغ أرضنا ، على دربنا الطويل ، والدموع التي تبلل ثرانا صباح مساء ، والمشاعر المقلقة المخزية التي تكاد تملك علينا منافذ الحياة . ذلك ليس ضياعاً ولا هملا ، لأن علينا ونحن نحمل أعباء الجروح واثقال النكبة ، أن نفتح أعيننا على أمورٍ كثيرةٍ منها ، أن العدو هو العدو ، مهما اختلفت الأسماء لأن المسمى واحد ، والماء الآسن الذي يَرِدُهُ الجميع من الحقد  والبغضاء وحب التسلط والاستغلال واحد ، والاتجاهات التي يرجعون اليها عند الحكم على هذه الأمة في ماضيها أو حاضرها أو عند تداول شأن من شؤونها واحدةٌ أيضا . ونحن نعيش هذه الأيام ، واحدة  من ذكرياتنا المريرة ، تنـزل بسوادها الكالح على قلوبنا وهي ذكرى وعد بلفور ، فيجب أن نعلم أن كل اعدائنا صانعون كذلك ، بل وأشنع مما هنالك  وامرٌ آخر جدير بالعناية ، هو أن تاريخنا مع اليهود ، بعيد المدى عميق الجذور ، وإذا كانت اليهودية قد تحالف معها الاستعمار واتباعه من أبناء أمتنا ، حتى أقام لها وطناً في أرضنا  وعلى أشلائنا أولا . ثم عمل على تمييع القضية  فاستبدل تحرير فلسطين بالبحث عن حلول أخرى  للتّلَهى ليس إلا...والأمر ما يزال باقياً بيننا وبين اليهوديه على ما هو عليه ، غصباً لأرضنا  وتشريداً لأهلنا واخواننا ، وانتهاكاً لحرمات مقدساتنا ومآثرنا.

لقد كشف القرآن عن حقيقتهم وأظهر زيفهم  وقدمهم للانسانية كلها على ما هم عليه ، فقد أعطى الأحكام على اليهود ، وبيان من هم في عقيدتهم ، وسلوكهم ومُثُلِهِمْ التي لها يخضعون  وإن الأمر لا يقتصر في تحديد المفهومات ، ورسم أبعادها عبر التاريخ ، على أن تكون قصةً تروى أو كلاماً مكرراً يعاد ، لكنه قرآنٌ يُتْلى ، وسنةٌ صحيحةٌ تتبع . وهكذا فإن المتتبع لآي الكتاب  ونصوص السنه ووقائع السيره ، يرى في اليهوديه نموذجاً واضحا ، لألد خصم للحقيقة التي هي عقيدة التوحيد وشريعة الاسلام وسلامة السلوك  بل وألد خصم لرسالة السماء ، ولكل ما فيه سعادة الانسان وكرامته .

والى جانب زيفهم الذي كشف عنه القرآن ، وما كان من سلوكهم المعوج المنحرف ، ترى وثيق التعاون بينهم ، وبين الوثنية والمنافقين ، تماماً كالذي حدث ويحدث اليوم من تعاونهم الملطخ بالأذى  مع الاستعمار وسدنته ، وعندما كشف الإسلام عن حقيقة اليهود جنّد أبناءه للمعركة  على أساس من العقيدة والوعي وحب التضحية في سبيل الله ، وصقل نفوسهم وهيأها لتحمل العبء ، مهما طال الطريق ، ولتظل على خط البناء تحمل القرآن ، وتتابع الطريق وتجدد العزم  من أجل مواجهة الممارسات اليهودية الحاقدة  وألا يقتصر ذلك على الشعب الفلسطيني وحده  بل إن ذلك واجب على كل مسلم ، أن يهب لمساعدة المرابطين حول أكناف بيت المقدس  والذين وصفهم النبي r بأنهم في رباط حتى تقوم الساعة .

إن على المسلمين اليوم أن يُثْبِتوا ، أن ستين عاماً من الاحتلال ، لم تنسهم واجبهم نحوها . ولكن من المؤسف أن من بيدهم القيادة في هذه  الأيام  يتنافسون على إرضاء اليهود ، وتقديم التنازلات والاعترافات لهم ، رغم تماديهم ، وتجبرهم  واهانتهم الضعفاء ، وانتهاكهم الحرمات وقتلهم الأبرياء .   

فراحوا يقتلون إخواناً لنا في الدين ، وشركاءً لنا في الانسانية ، لا لشئ إلا لأنهم عَبَّروا عمّا أصابهم في مثل هذا اليوم ، الذي شُرِّدوا فيه ، من قبل هؤلاء الطغاة ، الذين أعمتهم شهواتهم عن طريق الحق ، وفتنتهم أهواؤهم عن جادة العدالة والصواب ، وأضلهم الشيطان سواء السبيل   وزين لهم ما يعملون ، فراحوا يطلقون النار على الشعب الأعزل ، ليستحلوا دماءهم  ويرتكبوا من الفظائع والمنكرات ما تقشعِّر منه الأبدان ، لقد أعملوا في رقاب إخوان لنا القتل ، واطلقوا في قلوبهم النار. لقد ساموهم من القتل ما لم تره الحيوانات في الجبال والغابات ، وكل ذلك بغير حق ، إلا أن يقولوا هذه ذكرى اغتصاب أرضنا ومقدساتنا ، الأمر الذي رفضه لصوص الانسانية  وجزاري البشر وتجار المروءة  وليت المصيبةَ قاصرةٌ على ذلك ، فمما يدعو للأسى ، أن ذلك يقابل بالصمت المخزي ، من قبل فئة كبيرة من قادة المسلمين ، وكأنهم حيال ما يجري ، ضاربين صفحاً عن الإنسانيه وكرامتها، وعن الدين وحرمته ، وعن الله ولقائه  يوم يقال لهم ولأمثالهم ذوقوا ما كنتم تعملون .

أوما علم هؤلاء وأولئك المستعمروت ، أن للضعفاء رباً قهاراً عزيزا ذي انتقام ، إن شاء قصم ظهورهم  وأذل اعناقهم ، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم ، وإن أمهلم فهو لا بد آخذهم مصداقا لقوله تعالى: ] والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم  هل يجزون إلا ما كانوا يعملون[الأعراف 147 . وقال تعالى : ] وأملى لهم إن كيدي متين [ الأعراف 183 .

                            

                                             

                                           

 

 

 

                                           

 

 

 

 

 

             

 

 

 

ذكرى الخامس من حزيران

هذه الذكرى جزء من تاريخنا رغم كل المرارة التي يثيرها هذا التاريخ ، الذي غير مسار تاريخ المنطقة ، وأضاع ما تبقى من فلسطين ، اضافة الى هضبة الجولان السورية وسيناء المصرية ذكرى تغير فيها شكل ومستقبل المنطقة، في هذه الذكرى     نتذكر آلاف الشهداء والضحايا من المدنيين والعسكريين الذين سقطوا في تلك الحرب ، ومن المؤسف أن هزيمة الخامس من حزيران لم تكن الأخيرة بل تبعتها هزائم أخرى متلاحقة أصيبت بها الأمة، وأن   الاعتراف بهذه الهزائم ربما يكون لازمة من لوازم إعادة بناء الأمة  وقد تكون الهزيمة أكثر لزوماً عندما تسود الأمة الأمراض الاجتماعية ويحكمها الاستبداد السياسي ويسود فيها الظلم ويختفي العدل ، فتأتي الهزيمة لتكون العقوبة الموجهة التي تنفذ بأسلحة الأعداء ، علّها تستيقظ وتنتبه لمعالجة عللها ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام " ولعل الواقع الذي نعاني منه هو الذي يحملنا دائماً على الكلام عن الهزائم ، لأن  الأمة لا تكاد تخرج من هزيمة إلا وحلت بها هزيمة جديدة ، ولا نبالغ إذا قلنا بأن عصرنا هذا هو عصر هزائم المسلمين ، ومن المؤلم  أن كل أسباب النكبة التي كانت قبل الخامس من حزيران ما تزال قائمة ، وتعمل عملها المدمّر ، حتى الأسباب التي أُعترف بها ، من الكذب والخداع والتضليل ، كذب على الأمة ،يخدعونها، ويضللونها عن الحقائق، بدل أن يصارحوها بالحقائق التي يعرفها كل من في العالم ، وبدل أن يتعاونوا معها ويصدقوا العمل والجهاد، لتغيير الواقع المؤذي، لا لستره عن العيون، أو إظهاره بغير صورته الحقيقية  ، وعزل الأمة عن قضية عقيدتها ووجودها، وحكمها بالحديد والنار، وإخضاعها بالترغيب والترهيب ،كل ذلك ما يزال كما كان ، من لا يفكر إلاّ في نفسه، وسلطته، ومطامعه  على حساب أمته وبلاده ومصيرها ، بل وجد من تنكر للإسلام ومحاربته ، وتجاهل بأن الإسلام هو سر وجود الأمة وصمودها وبقائها، بل هو الطريق إلى الوحدة والقوة والتقدم والخلاص والنصر ، ولا يبلغ أعداؤنا منّا بكل ما يملكون ما بلغناه  ونبلغه  من أنفسنا  كان هذا واقعنا  الذي صنع نكبة حزيران وما قبلها من النكبات والذي ما نزال نعيشه الآن.

  

لماذا الانحياز

إن المتابع للواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون وفي فلسطين بالذات  ، حيث لم يبق بيت إلا ناله من جرائم اليهود الكثير ، من القتل والهدم على مرأى ومسمع العالم بدعوى مقاتلة المجاهدين الفلسطينيين ، الذين يعانوا من القتل والحصار والاستئصال الصهيوني بكل الوسائل الحربية والذي لم يحرّك ساكناً لدى الإدارة الأمريكية   وبدلاً من أن توقفها عند حدها ، كما فعلت في العراق ويوغسلافيا ، نجدها تتحاشى حتى الإدانة الكلامية ، حتى أن تشيني نائب الرئيس الأمريكي صرح قائلاً : إن لإسرائيل الأسباب التي تسوِّغ ما تقوم به من عمليات ، وفي مؤتمر الأمم لمكافحة العنصرية  رفض وصف الصهيونية بالعنصرية .

وهنا نتساءل : أين الحرية ؟ وأين حقوق الإنسان وأين حقوق الشعوب في تقرير مصيرها ؟     والتي طالما نادى بها الغرب واتخذت حيال تجاوزها المواقف الصلبة ، كالحصار والقصف الجوي ، أم أن ذلك لشعوب دون شعوب ولدول دون دول ؟ وهو الحاصل أمام المذابح الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني .

قد يكون لبعض الدول تصرفات ومواقف لا تُرضى  لكن ما بال الشعوب تهان وتحاصر وتحطم مقدراتها ، بينما دولة اليهود تعربد وتضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط ، وتستهتر بكل المبادئ والأنظمة المرعية  فلم لا تُتْخَذُ ضدها تلك الإجراءات ؟ ولم لا تمس لها شعرة وهي لا تقل انحرافاً ولا همجية عما تسمية أمريكا الدول المارقة  إن ما تفعله إسرائيل أثار حفيظة بعض الغربيين أنفسهم ، ولا أدل على ذلك من بث التلفزيون البريطاني للبرنامج الوثائقي عن جرائم رئيس دولة اليهود ، والمذابح التي تبين ضلوعه فيها .

كما  أذاعت القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني مؤخراً   برنامجاً آخر بعنوان الحكام السرّيون في العالم الذي أذاعه المذيع البريطاني المعروف ديفيد إيك قال عن هؤلاء الحكام : إنهم الذين يمسكون بلجام القوة في العالم ويعيثون فساداً فيه ، وقد أحدث هذا ردود فعل إيجابية ضد الغطرسة اليهودية ، كما جاء في مقال نشرته صحيفة الحياة   هذه هي سلوكيات الصهاينة التي لا يقبلها شرع ولا عقل ، ومع ذلك نجد الغرب يتجاهلون هذه الحروب العنصرية والهمجية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ، وكأنها تصرّ على الوحشية بدون مراعاة ، حتى لآداب اللياقة الدولية مع الدول التي تربطها بهم مصالح وعلاقات ، ولكن كما قيل "من أمن العقاب أساء الأدب".

إنه لا أمل لنا بانحياز الغرب ضد إسرائيل ، وإن تحقيق العدالة الدولية مستبعداً لأسباب عقائدية وتاريخية ، وهو ما ذكره الله في كتابه فقال :

 ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ﴾ .البقرة 120

إنهم يشايعون بعضهم البعض رغم زيف معتقداتهم   مما يجعلنا نتساءل : لماذا يكون أعدائنا أكثر إيماناً بعقائدهم الباطلة منا بعقائدنا الصحيحة ؟

ولماذا يكونون أكثر التزاماً بمنطلقاتهم الدينية في الموالاة والمعاداة لبني دينهم ؟

 لقد شهدنا ونشهد هذا واضحاً كيف حال أمريكا مع اليهود ، وروسيا والصرب السلافيين في حربهم للمسلمين في البوسنة والهرسك والبلقان  إنهم يؤيدون ويدعمون بعضهم غير آبهين لما يسمى بالقوانين الدولية ، ولا مبالين بمعاناة المسلمين إزاء ما يوجه إليهم من عدوان وحشي   ولم يعد خافياً على أحد عداء أعدائنا لديننا وأمتنا   إلا على من ختم الله على قلوبهم وأبصارهم  الذين انحازوا ضد إخوانهم في العقيدة   مما يتنافى مع مبادئ ديننا ، ويجعلهم محل مقت المسلمين واستنكارهم ، وحتى المنصفين من الغرب يستنكرون ذلك ، فقد نقل عن وليام ستولزفوس السفير الأمريكي في أكثر من دولة عربية قال :   " إن المصالح الأمريكية تختلف اختلافاً بَيّناً بين المبادئ العامة التي تنادي بها واشنطن ، مثل مناصرة الديمقراطية والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان ، وعندما تصطدم المصالح الأمريكية بالمبادئ ، لن تتردد بالتضحية بالمبادئ من أجل المصالح ، وخاصةً إذا كان ذلك يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية " .

وقد حذر السياسي الأمريكي عضو مجلس الشيوخ بول فندلي في كتابه من يجرؤ على الكلام ؟ حذر من اللوبي الصهيوني و أدواره المشبوهة في الحياة الأمريكية ، وائتمان الإدارة الأمريكية بأوامره ، والسؤال هنا : لماذا يضيق أولئك المنصفون بانحياز بلادهم لإسرائيل ونحن متساهلون وغير مبالين ؟ ذلك لأن المسلمين رفضوا تحمّل تبعة دينهم وكأنهم ينتظرون عصا موسى عليه السلام ، عنوان التخاذل اليهودي في تحمّل المسؤولية فقد كان قوم موسى يعتمدون في منهج حياتهم على منطق العصا الذي يعني عندهم عدم المشاركة في تحمّل المسؤولية ، لتحقيق الغاية التي تستلزم الإعداد والتخطيط والأداء وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ منطق العصا إلى منطق المواجهة فقال تعالى : ﴿ واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾  .

وقد ترجم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم  هذا إلى واقع   فتغنى التاريخ بسيرهم مخلداً ذكراهم شاهداً ببطولاتهم ، فلم نسمع عن عصا محمد ، لكن سمعنا عن صاحب الغار وعن فاروق الأمة وعن أمين الأمة وعن سيف الله المسلول ، وعن الكثير ممن لا ينساهم الزمان وإن تناستهم الأمة ، والعجيب أن أخوان القردة وأشباههم يتعاملون اليوم بمنطق قوله تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ . ليترجموها إلى تفكير عميق وبحث دقيق وتخطيط جيد ، وتنفيذ وأداء  ليباغتونا بتحقيق أهدافهم ، ابتداءً من تدمير الخلافة وانتهاءً بالعمل على طمس هوية المسلمين   فيتحولوا إلى أذيال يقفون بين خيارين : إما التبعية العمياء والرضى بالمذلة والمهانة وطمس قواعد الدين .  وإما التخاذل والاعتزال عن طريق الجهاد  واتباع منطق ﴿ لم تعظون قوماً اللهُ مهلكُهُم أو معذِّبُهُم عذاباً شديدا ﴾ . الأعراف 164 ، وانتظار عصا موسى التي ستعيد لهم المجد المسلوب واللبن المسكوب ، وأما العوام فينغمسون في محاكاة عدوهم ، وفيهم من يتبعون كل ناعق ، فإن تكلم فيهم الرويبضة ودعا إلى خلع الدين على أعتاب المسجد ، صفقوا وهللوا ، وإن قيل لقانون الله إنك لا تصلح وقيل لقانون نابليون إنك أنت الأصلح رضوا واستحسنوا   وإن دعى إلى حكم الشعب بالشعب لأجل الشعب ونسيان منهج الرب ، وافقوا وأيدوا . وإن دعوتهم إلى اتباع منهج الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ادعوا عجزهم ، وعدم مقدرتهم على تحمّل تبعات الدعوى ، وأجابوا بمنطق عصا موسى ، لا أمل لنا في النجاة إنا لمدركون ، وإن قلت لهم لنحاول رد العدوان ونتوكل على الله ، قالوا بمنطق قوم موسى  ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ﴾  وإن عاودت وكررت الدعوة على ضرورة العمل من أجل عزَّة هذا الدين  ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم  ﴾ إلا من رحم ربك ممن يعملون بالمستوى الرافع للإثم فضلاً عن الجالب للأجر . 

لقد فرَّط المسلمون في المحافظة على دينهم وكيانهم   ولكل تفريط هزيمة وبكل هزيمة عار ، عار إلغاء الخلافة ، وعار ضياع القدس وفلسطين ، وكان وراء كل عار فرار وتوليه و إدبار ، وقبل ذلك توالت الهزائم ، مع أن الله تكفل لنا بفرار الأعداء من أمامنا إذا واجهناهم مستقيمين على أمره مستحقين لنصره ، مصداقاً لقول الله عن الكفار عموماً : ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيرا ً ﴾ .الفتح 22

وقال عن اليهود خصوصاً  ﴿ لن يضروكم إلا أذى ثم لا ينصرون  ﴾ .آل عمران 111

لكنهم انتصروا ولا يزالون فهل تختلف السنن الإلهية أم كنا نحن المختلفين ؟

إن المرحلة التي تمر بها أمتنا تشير كل أسهمها إلى أن اليهود ومن ورائهم النصارى يريدون أن يلحقوا بنا عاراً أكبر من كل ما مضى ، وإن حصل هذا فسيعني أن كل ما مضى وإن حصل في عصرنا ، قد فاق نصيب الأمة التي كتبت عليها الذلة ، وإلا فكيف ينتصرون علينا ؟

والسؤال الذي يطرح نفسه : هل هناك نجاةٌ مما نعاني ؟ إن النجاة تكمن في معالجة الأمور على منهاج النبوة ، ويوم يكون الدين سلاحاً روحياً ومادياً ومطبقاً بالفعل ، لأنه لا يمكن للمسلمين أن تكون لهم الغلبة إذا تجردوا من دينهم ، ولا يمكن أن يصمدوا بقلوبٍ خربة أمام اليهود ، لذا مني المسلمون بالهزائم المتلاحقة أمام اليهود لفقدان العقيدة وعدم الالتزام بالمنهج ، فكان على المسلمين أن يستيقظوا من غفلتهم ليدافعوا عن دينهم وأرضهم وتاريخهم ، في وجه الهجمة القذرة التي تستهدف اجتثاث جذورنا والتطويح برسالتنا ومكانتنا ، والأمة التي تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة ، ينبغي ألا تحرص على حياة الذل والهوان ، والمسكنة والاستسلام   والرضا بالأمر الواقع ، والخنوع للعدو الكافر الذي جار وبغى ، والذي ينبغي أن نقاتله كما أمر الله بقوله :]واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم [ البقرة 191    

 

 

 

    الأوضاع العربية في ذكرى نكبة فلسطين 

تمر علينا هذه الذكرى الأليمة ، ونحن نعاني من الصراع الداخلي ، الذي أدى إلى انقسامات وتجاذبات سياسية ، كما أدت تداعيات الربيع العربي  إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتغييبها عن أجندة الدول الشقيقة والصديقة ، وقد استغلها العدو الصهيوني ، فرفع وتيرة الاستيطان ، وأعلن عن إقامة آلاف الوحدات السكنية وخاصة في المستوطنات المحيطة بالقدس ، واستمر في ترحيل المواطنين العرب بعد هدم منازلهم بدعاوى باطلة ، وعمل على إقامة البؤر الاستيطانية في الأحياء العربية، بعد هدم البنايات الوقفية والقصور الأموية، وفق نهج صهيوني خبيث يقوم على تهويد المدينة بعد ترحيل أغلب سكانها العرب.

تمر علينا ذكرى إقامة أعداء الإسلام دولة إسرائيل على أرضنا ، وعملوا على تحويل اليهودية إلى عقيدة بعث وبذل وإخاء وفداء ، وقد كرَّسوا جهدهم ليضمنوا لهم التفوق والنصر .

تمر علينا الذكرى وقد فقد العرب والمسلمون روح الجهاد ، وأعرضوا عن تعاليم الإسلام وشرائعه التي تأمر بذلك ، مما أدى إلى انهزامهم أمام اليهود في الحروب التي خاضوها معهم ، إن صح أن نعتبر أن العرب خاضوا حروباً حقيقية مع اليهود .

إن السبب الحقيقي لما نعاني ، يرجع إلى استهانتنا بديننا ، وتهوين قيمه ومثله وأحكامه  إضافةً إلى نجاح الغزو الثقافي ، الذي أفلح في خلق شباب يُقاد من غرائزه الجنسية ، ويُغرى بعبادة الحياة الدنيا ، وينسى ربه وآخرته ، ومع شدَّة وقع مطارق الهزيمة ، التي مُني بها العرب ، سواء على مستوى المعارك أو المفاوضات ، وإعراضهم عن دينهم مصدر قوتهم  والذي بدونه لن يكون هناك توفيق ونصر على عدونا ، رغم أننا أكثر منهم عدداً وأقوى عُدَّةً ، إلا أننا لم نحسن القتال بما حملنا من سلاح ، ولا ثبتنا به ، ولا استطعنا إيذاء عدونا ، لذلك كانت هزائمنا فريدة ، فيما نتركه من انطباعات مُخزية .

إننا نستطيع أن نرد مآسينا إلى أسباب خلقية ودينية  وبما ابتليت به الأمة ، بمن يكذبون عليها ، فيحدثونها عن تفوق العدو الأسطوري زوراً وكذبا ، فهم والحالة هذه يساعدون عدونا ، على ضياع أرضنا وشرفنا ، ويومنا وغدنا ، كما أحدثوا تخريباً شديدا في ضمائرنا وأفكارنا ، فأوجدوا نفوساً تحسب حساباً لكل شيء إلا لله وحده .

إن مما يدعو للأسى أن نتخلى عن رسالتنا   وننفذ ما يحلو لنا ونهمل مالا تهوى أنفسنا ، في الوقت الذي تعمل اليهودية عملها ، في إذلال المسلمين ، فتفرض عليهم سياسة التجويع ، وتدوس رؤوسهم بالنعال ، وأبواق الدعاية في الشرق والغرب  تسكت عن هذه الممارسات ، مما يدعوا للتساؤل : هل يباح لليهود أن يفعلوا ما بدا لهم ، ولا يُباح للمسلمين رد الأذى ؟ أم يا ترى صار القضاء على الإسلام هدفاً مشروعاً ، وأصبحت المطالبة بدفع الأذى عن المسلمين عملاً مستهجناً  ؟  أي لغوٍ وأي إفك هذا  ؟ إذا علمنا أن اليهود وراء جميع الأزمات المادية والروحية التي تدوخ العالم ، وتميل به عن الصراط المستقيم ، إن الذين يُحسنون الظن بإسرائيل ، يعلمون أن الوجه الديني لهم ، يخفي وراءه نيات سوداء للبشرية ، وإن إسرائيل تجسيد لكل الأحقاد التي طفحت ضد الإسلام والمسلمين ، وإن تفريط المسلمين ونسيانهم لرسالتهم ، وتحولهم إلى شعوبٍ مُتعطلة مُتبلدة ، هو الذي أوجد هذه الأوضاع المأساوية .

إننا لم نخف الله فخوفنا الله بذباب الأرض ، وجعل الأقربين والأبعدين ينظرون بشماتة وازدراء إلي جراحاتنا ، التي لا ينقطع لها نزيف .

إن المصائب تصب على المسلمين من أعدائهم   في وقت توجد فئةٌ منهم ، لو تَسلْلَتَ إلي ضمائرهم لوجدت حالهم يقول : بأن اليهود أولى بالأرض من أصحابها ، تلك هي سريرة البعض  الذين يحكمون علينا لا لنا ، لماذا ؟ في تقديري إنه أرفق عقاب ينزله الله بأمةٍ تخلت عن دينه ، وأدارت ظهرها لتعاليمه .

إن اليهود يوقنون ببقائهم فوق أرضنا ، بل فوق صدورنا إلي آخر الدهر ، لأنهم في اعتقادهم  انتصروا على المسلمين ، مع أنهم لم ينتصروا بقواهم الخاصة ، بقدر ما انتصروا بفراغ قلوبنا من الإيمان  لقد تسلل اليهود إلي بلادنا عن طريق شهواتنا  وإخلادنا إلي الأرض وحبنا للدنيا .

إن المتع التي استوردنا من الغرب ، تكفي لتدمير أمة ناهضه ، فكيف بأمة عليلة ؟ إنه ليُخيلُ إلّيَّ أن اليهود لو كشفوا عن خباياهم ، لمنحوا بعض المسئولين   جوائز سخية ، لأنهم هم الذين مهدوا طريق الغزو  وأطفأوا نار المقاومة ، ودمروا روح الإيمان ، ومزقوا أواصر الوحدة ، وربوا أجيالاً متنكرةً لدينها ، ولغتها وتقاليدها ، في الوقت الذي يبني فيه اليهود كيانهم على اللغة والدين والتقاليد العبرانية  .

وهنا سؤال : هل هناك نجاةٌ مما نعاني ؟ وكيف ؟ إن النجاة تكمن في معالجة الأمور على منهاج النبوة  ويوم يكون الدين سلاحاً روحياً ومادياً ، يكون الإسلام مطبقاً بالفعل ، وإلا كيف يطلب من المسلمين أن يتجردوا من دينهم في لقاء عدوهم ؟ وهل يصمد المسلمون بقلوب خربة  أمام اليهود الذين لهم دينهم ، الذي يلهب حماسهم ويُغريهم بصنع العجائب  .

أما بقية دول الكفر فما الذي يدفعهم إلى عداوتنا وإيذائنا ؟ إنها بالطبع أسباب دينية ، تجعلهم يجورون علينا ، ويهشون لمصائبنا ، ويشمتون من هزائمنا   بل يشاركون في صنعها ، إذ بسلاحهم نُقتل  وبسياستهم نُخْذَل ، في الوقت الذي ابتلينا فيه  بجماعةٍ مَرَدوا على النفاق ، ولم يعرفوا إلى التوبة طريقا ، واخذوا يُمَنون الأمة بكلام لا يزيدها إلا خبالا ، وينقلها من كبوة إلى أخرى أسوأ وأبشع  ومن هنا كان السبب الأول والأخير لهزائمنا المتلاحقة أمام اليهود ، فقدان العقيدة ، وعدم الالتزام بالمنهج ، ونضوب معين الإيمان من قلوبٍ تعلَّقت بالشهوات ، ونسيت الدين والمبادئ .

إن الأمر لا يحتمل التسويف ، وعلى المسلمين أن يستيقظوا من غفلتهم ، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم وتاريخهم في وجه الهجمة القذرة  التي تأخذ طابعاً يهودياً مكشوفاً لا ريب فيه.

إننا نواجه هجمة عقائدية ، تستهدف ديننا وعقيدتنا    والتطويح برسالتنا ومكانتنا . وإنه لن يحمينا من عدونا إلا الإسلام ، يوم نعتصم به خُلقاً وشرعاً  وسيرةً ونظاما ، لأنه لا قيمة لأحدث الآلات ، إذا تولت إدارتها قلوبٌ خربة  ولا قيمة لأفتك الأسلحة ، عند قلوبٍ مقطوعة عن الله   مولعةٍ بالشهوات .

إن بناء النفوس والضمائر ، يسبق بناء المصانع والجيوش ، وكلاهما لا يتم إلا وفق تعاليم الإسلام  تنشئةً تصوغ الأجيال الجديدة ، وتقاليداً تحكم العلاقات السائدة ، ورعاية لظاهر الإسلام وباطنة  للعبادات المفروضة ، ومقاطعةً حاسمةً لكل ما يتنافى مع مبادئ الإسلام .

إن إعادة الحياة إلى العقيدة الإسلامية ، لتحتل مكانها أولاً في الضمير ، لترسم خط السير في الأمة ، هو وحده طريق الخلاص مما نحن فيه قال تعالى : ﴿ وما لنا ألا نتوكل على الله  وقد هدانا سُبُلنا ، ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ إبراهيم 12.       

 

 

 

المشهد في غزه

إن المقاومة في قطاع غزة ، بفصائلها المتعددة ، لا تمثل دولة عظمى، ولا تملك أسلحة حديثة متطورة      ولكنها تستطيع، بما تملكه من إرادة ، وما يتيسر من أسلحة، وما تتبناه من قيم وعقيدة، تذكير الإسرائيليين، وبعض العرب، أن هناك حقا مغتصبا في فلسطين، وان هناك شعبا يقاوم من اجل استرداده

فالقصفٌ الذي تمارسه إسرائيل ، خلّف دماءً طاهرةً بريئة ، تسقي شوارع طالما ظمئ أهلُها من حصار جائر ، بيوتٌ مهدمة فوق سكان استسلموا للموت   بعدما أوهنهم جوعُ الحصار، أرواحٌ تفيض إلى بارئها   وهي تشكو إليه صمتَ القريب والبعيد ، صراخُ أطفالٍ ما بين ألم الجراح وفِقدان الأهل ، وخوف الموت، نحيب وعويل ، أزيز طائرات، إنفجارات مدوية، حرائق مشتعلة ، ومشاهد متلاحقة تخترق الحدودَ لتصطدم بالصمت العربي والعالمي المهين فتكشف سوأته ، وكلما ازداد المشهدُ ضراوةً ، ازداد صمتُنا خزيًا ومهانةً وذلاً .

لقد استحال الصمت على حصار غزة ، عدوانًا دمويًّا شاملاً، وحرب إبادة عمياء ، ومن يخرجون عن صمتهم ويتكلمون –وليتهم ما تكلموا- يلقون باللوم على القتيل ، لأنه استفز القاتل؛ فيحاكمون أهل غزة ، بحجة أن عليهم تحمل المسؤولية     ويدافعوا عن الصامتين من العرب والمسلمين بأنهم مغلوب على أمرهم ، ويتعللوا بالأقوال الانهزامية التي غُرست في النفوس مثل : "ليس بأيدينا شيء" "ماذا عسانا أن نفعل؟" ، والذي يتنافي مع نخوة العربي وشيمته وفزعته ، لنصرة من يستنجد به ، حتى وان كان لا يعرفه ، وهنا نتسائل : هل ماتت تلك النخوة وتلك الشيم عن نصرة أخوة الدين والدم ؟   بسبب تكرر مناظر الذل والاضطهاد وسفك الدماء بلا رحمة ولا شفقة ؟ ومتى ستتحرك النخوة ؟ أعندما تصفى فلسطين وغزة من كل مجاهد ، ولماذا لا تتحرك وهي ترى الظلم والذل والهوان ؟ ولماذا نتوقف عن المطالبة بحقوق النصرة الواجبة لإخواننا ولمقدساتنا؟ أين اليد الواحدة القوية ؟ وأين القلوب المؤلفة على محبة الله وحب الجهاد ؟ أم أنها تبلدت   وخارت الهمم، وضاع من الناس الأمل .  

قد يسأل سائل عن سر هذه الهجمة الشرسة العمياء تجاه قطاع غزة، وهل هنالك فعل يستحق هذه الهجمة ؟ وما غرض الذين لم يقتصروا على  السكوت بل قدموا المسوغات لهذا العدوان ؟ ومهدوا ووفروا له الغطاء ، وهي في كل يوم ومع كل دفقة دم من شهيد تفضح المتآمرين، الصهاينة ومن معهم ممن يريدون كسر هذا النموذج وتحطيمه لتنهار معه الإرادةُ الإسلامية في كل مكان، تمنوا أن يجعلوها عبرة للمسلمين ، ولكنها غدت رمزاً للتحدي والممانعة ، والصبر والثبات والشموخ والعزة والكرامة، لا تسل عن حجمها ، فهي الصغيرة الكبيرة  ولا تسل عن إمكاناتها ، فهي المحدودة العظيمة ، حاصروها فحاصرتهم، وأرادوا كسرها فكسرتهم، أرادوها نموذجًا للانهزام ، فأصبحت نموذجاً للثبات ، خططوا لاغتيال قادتها ، فكشفت المؤامرة وفضحتهم ولا تسل عن قدراتها ، فهي الضعيفة القوية، ولا تسل عن صواريخها ، فهي البدائية المتطورة، ولا تسل عن المعنويات ، فهي لم تبالِ بمن خذلها، وخالفها .  

 من المُضحِك المبكي ، أن يُلْقي بعض المحلِّلين التَّبِعة على الضَّحيَّة؛ بدعْوى أنَّها أعطت العدو الذَّريعة والمبرر لاعتدائه ، وما تلك الذَّريعة إلا دفاعُه عن نفسه، بِما يَملكه وحسب قدراته ، من صواريخ ذات فاعلية محدودة ، وصفت بالتنك، على حد قول بعض المتحدثين ، إلا أنها حققت أغراضها في بثّ الخوف والهلع والرعب في نفوس المستوطنين  وأغلقت المدارس، ودفعت بهم إلى الملاجئ  ويكفي أنها كلفت إسرائيل ، مليارات الدولارات في بناء معجزة القبة الحديدية لاعتراض صواريخ المقاومة القادمة من غزة، لتكتشف أن هذه المعجزة اقرب إلى الأكذوبة، أمام طيور الأبابيل الغزاوية  فقد فشلت هذه القبة ، التي ليس لها من اسمها أي نصيب في اعتراض إلا خُمس الصواريخ القسامية  وما تولد عنها من أصناف أخرى، ويكفي أنها ذكّرت الإسرائيليين ،حكومة وشعبا، أن هناك مقاومة فلسطينية،  وأن هناك شعبا يرفض الاستسلام ويوجه بوصلة الأمة إلى العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض والمقدسات . 

وليس من المنطق أن نصور الصراع على انه بين طرفين متساويين ، لان إسرائيل بكل آلاتها العسكرية المتقدمة ، لا يمكن أن تقارن بالمقاومة الفلسطينية وأدواتها العسكرية المحدودة ، على التأثير ولا تتلقى ردا عنيفا ، كالتي تقوم به ضد رجال المقاومة وقادتهم السياسيين والعسكريين وأهالي القطاع كله ، إلا أنه من حق المقاومة الفلسطينية مقاومة المحتل والرد على سلوكياته الإجرامية  .

وَوَفْقًا للمنطق المثبط للعزائم ؛ فإنَّ المطلوب من الضحيَّة أن يستسلِم للمُجْرم ، ليبطش به ويفتك ويفعل ما يريد؛ إنه منطق معكوس ، يَخلط الحقائق  ويشوِّه الصورة ويقلب الموازين ، ليسوِّي بين المجرم والضَّحيَّة، وبين المحاصِر والمحاصَر، والقاتل والمقتول ، وتأيداً لقوْل القائل: بأنَّ فكَّ الحصار ووقْف العدوان لا يكون إلا بالقضاء على المُقاومة وكسْر شوكتِها ، ومصادرة حق الأمَّة في الدفاع عن نفسِها وحقوقِها ، وهذا من عجائب منطِق السياسة المعاصرة وفنونِها ، ولا يُستغرب هذا المنطق من أهْل السياسة ، لكن الغريب أن تردد هذه المقولة السَّاقطة دون إدراك لأبعادِها ، وآثارها القريبة والبعيدة   متناسين أن الاعتداءات على غزة ، مدروسة ومخطط لها ، وهنا نتسائل : هل ينتظر صانعو مَجزرة دير ياسين وصبرا وقانا وجنين وسواها ، ممَّا يطول عدُّه وحصْرُه ، ذريعةً لممارسة هوايتهم المفضَّلة في القتْل والذبْح والتَّنكيل؟!وهل يعجِز الذين برعوا - عبر التَّاريخ قديمِه وحديثِه - في الكذِب والتَّزوير  والخداع والغدْر  والمراوغة، عن صنْع ذريعةٍ واختلاق مبرِّر؟!ثمَّ كيف نلوم الضَّحيَّة التي تَموت بالحصار والتَّجويع ؟! وكيف نلومُ مَن دفْع الموْت عن نفسِه بِما يستطيعُ؟! ألم نسمع قولَ  المتنبي وما أصدق ما قال :

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ  بُدٌّ  فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَمُوتَ جَبَانَا

وَلَوَ  أنَّ  الحَيَاةَ  تَبْقَى  لِحَيٍّ  لَعَدَدْنَا   أَضَلَّنَا    الشُّجْعَانَا

غَيْرَ أَنَّ الفَتَى  يُلاقِي  المَنَايَا   كَالِحَاتٍ وَلا يُلاقِي  الهَوَانَا

ولما وجد اليهود  أنَّ إفناء أهل غزة وإبادتَهم سيطول، نفِد صبرُهم وصبرُ مَن يمدُّهم في غيِّهم   فأرسلوا طائراتِهم وقاذفاتِهم ، ودبَّاباتهم برًّا وبَحرًا وجوًّا؛ لتصُبَّ من فوق رؤوسهم الحميم، تقتل وتحرق وتدمر وصدق القائل:

لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ مِنْ كَمَدٍ  إِنْ كَانَ فِي القَلْبِ إِيمَانٌ  وَإِسْلامُ

إنه لا يجوز الصَّمت البتَّة على هذا الاعتداء  فالصَّمت حرام، والسَّاكت عن الحقِّ شيطانٌ أخْرس والمتكلِّم بالباطل شيطانٌ ناطق؛ وقد قالَ رَسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلومًا)، وقال صلى الله عليه وسلم  : (مَن أُذلَّ عنده مؤمنٌ فلم ينصرْه - وهو قادر على أن ينْصُره - أذلَّه الله - عزَّ وجلَّ - على رؤوس الخلائِق يوم القيامة) رواه أحمد في مسنده. وليعلم الحكام والعلماء أن دماء كل مسلم تراق بيد اليهود أو غيرهم من الكفار ، فهي في أعناقهم  يسألون عنها يوم العرض على ربهم ، وليفتحوا باب الجهاد ، وليحكموا شرع الله ، حتى يفوزوا بنصر الله   قال تعالى : ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ آل عمران 111 .

غزة وأسباب النصر

الاعتداء الإسرائيلي على غزة لم يحقق هدف إسرائيل بالقضاء على مخزون المقاومة من الصواريخ واغتيال قياداتها، بل ما حدث هو العكس تماما، فقد عزز شرعية هذه القيادات ، ونهجها السياسي ، ووضعها على الخريطة الإقليمية والدولية بقوة، بينما تراجعت حظوظ من نبذ الارهاب واعتمد التفاوض كطريق للسلام ، ومن المعيب أن لا نسمع كلمة واحدة ممن أنفقوا عشرات، بل مئات المليارات من الدولارات لشراء صفقات الأسلحة المتطورة ، لم نسمع منهم كلمة عن تسليح حركات المقاومة الفلسطينية التي قلبت الموازين ، وفضحت المواقف، بصمودها  ورفضها الاستسلام ، أمام آله القتل الإسرائيلية المدعومة أمريكيا وأوروبيا.

في الحرب على غزة استطاعت صواريخها أن تحد من فاعلية منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، وتحوّلها إلى مهزلة ، تماما مثلما أذلّت المقاومة اللبنانية دبابة الميركافا، فقد أرادت إسرائيل بتصنيع هذه القبة، أن تغزوا أسواق السلاح العالمية، لتتهاوى هذه الطموحات أمام صواريخ الفجر التي لم تعد تنكا بل أسقطت كل معادلات الخنوع واستجداء طلب السلام من إسرائيل .  

في غزة أعدوا العدة وأخذوا بالأسباب استجابةً لأمر الله :﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾60الأنفال . فهذه الصواريخ هي قدر استطاعتهم، ولسنا مطالبين بأن نعد ما لا نستطيع من أسباب القوة ، لأن الاعتماد لا يكون على الأسباب ، إنما على الله القوي العزيز .

ومن المعلوم أن قوة المسلمين في أكثر المعارك في تاريخ المسلمين ،لم تكن أقوى من قوة الكافرين، فقد كانوا دائماً هم الأكثر، والأقوى من ناحية العدة والعتاد، ولكن المسلمين بالايمان كانوا أقوى من   عدوهم ، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا استبطأ النصر ، من قادته كتب لهم:إنا لا نقاتل الناس بعدد ولا عدة ، إنما نقاتلهم بهذا الدين ، فلعلكم أحدثتم أمراً. يذكرهم لعلكم أحدثتم شيئاً فراجعوا أنفسكم، هل أخللتم بشيء من أسباب النصر.

لسنا مطالبين بأن يكون لدينا ما لدى اليهود من سلاح وخبرات حتى نحاربهم ، ولكنا مطالبين باتباع منهج الله ونعد ما نستطيعه، ثم نصبر ونجاهد، ونعمل بقول رسول الله r : ( لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ) رواه البخاري ومسلم.

 فلابد من الصبر والثبات قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ سورة الأنفال . ولابد من وحدة الصف ، في ظل قيادة مؤمنة تأخذ بأسباب النصر 

 إن من ينصر الله ينصره الله ولن يقف أحد أمام نصره ولو اجتمعت عليه أقطار الأرض كلها بسطوتها وجبروتها وتآمرها ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾  .

نحن بحاجة إلى وقفة تأمل   كي نبصر ما نحتاج إليه   وكي نأخذ العبرة مما يوحي بالعبرة ، في الوقت الذي نرى فيه القوى المعادية للإسلام ، تعربد قريباً منا وبعيداً عنا ، إننا بحاجة إلى أن نتعرف حاضر العالم الإسلامي ، الذي ضاق به أحد الشعراء فقال :

قد استردَّ السبايا كل منهزم لم تبق في أسرها إلا سبايانا

وما رأيت سياط الظلم دامية  إلا رأيت عليها لحم أسرانا

ولا نموت على حدِّ الظّبا أنفاً  حتى لقد خجلت منا منايانا

وإذا كانت أمتنا الإسلامية محتاجة إلى شيء ، فإنها أحوج أمم الأرض إلى الإيمان الذي يملأ فراغها   وإلى الحاكم العدل الذي يسوسها ويعمِّر خرابها   ويعمل لمصلحتها .

بحاجة إلى الحاكم القوي الذي يعمل لمصلحتها   وعندما طلب أبو ذر من النبي صلى الله عليه وسلم أن يولّيه عملاً من الأعمال أو منصباً من المناصب قال : ( يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) أي ينهض بجميع الأعباء التي يفرضها المنصب عليه   لسنا بحاجة إلى من سلكوا طريق الخيانةً والغش والذل والمهانة ، أشداء على قومهم أذلاء أمام أعدائهم :

ألقاب مملكة في غير موضعها  كالهرِّ يحكي انتفاخاً صُورة الأسد

وليس بعزيز على الله أن يطرد أمثال هؤلاء ، وأن يحرمهم السلطة التي قصروا بالقيام بواجباتها.  {فأخذهم الله بذنوبهم إن الله شديد العقاب }.الأنفال 52

ولكن قضاء الله من تدمير الظلمة وإنشاء أمم أعدل وأعقل ، يحتاج إلى زمن طويل بمعنى أن ذلك لا يتم بين عشية وضحاها ، فقد يموت قادة ويستشهد مجاهدون ، قبل أن يأتي النصر آخر الأمر ، أما لماذا يطول الزمن ؟ فلأن الله يُنْضِجُ الكمال في نفوس المجاهدين مع طول الزمن ، وفي الوقت نفسه يُنْضِجُ العناد والكفر في نفوس المعاندين والفاسقين مع طول الزمن ، فإذا كوفئ المؤمنون بالنصر ، فبعد أن يبلغوا قمة الخير والكمال ، وإذا كوفئ المجرمون بالعقاب   فبعد أن يبلغوا قمة الشرّ والفساد .

أما ما هو المطلوب من الأمة حتى تستحق النصر على الأعداء ؟ هناك نداءات شتى للمؤمنين بيَّنها القرآن الكريم منها : أولاً- تحكيم كتاب الله قال تعالى :}فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم{.

ثانياً - عدم التولي يوم الزحف قال تعالى :}يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار{. الأنفال 5

ثالثاً - طاعة الله والرسول وعدم الإعراض عن آيات الله قال تعالى :}يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وانتم تسمعون{. الأنفال 20

رابعاً- الثبات في لقاء الأعداء قال تعالى :}يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون{. الأنفال 45

خامساً- زيادة الإيمان بقراءة القرآن أو سماع تلاوته قال تعالى :}وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون{. الأنفال 2

لقد افتُتِحت إذاعات قراءة القرآن ، وكثرت دور تحفيظ القرآن والحمد لله ، ولكن ما قيمة هذه الدور والإذاعات ، إذا لم تحرِّك قراءة القرآن الإيمان المخدَّر الذي يضحك منه أعداء الإسلام . ما قيمة ذلك إذا لم تتحول الآيات إلى مسالك وإلى جهاد وأعمال وهذا أمرٌ لا بد منه ، لأن نهضة الأمم ليست كتباً تقرأ وتحفظ ، لكنها أحوال ومناهج وتطبيقات   والأمم الهابطة المتأخرة تهتم بالشكل وتهمل الموضوع :

يقولون الزمان به فساد   وهم فسدوا وما فسد الزمان

يخطئ من يقول إن الأمة الإسلامية ستستسلم للذل والخنوع بعد اليوم ، فهذه هي رغبة الكافرين الذين يعملون على إماتة روح الجهاد في الأمة ، وإذا كانت الظروف التي تعيشها الأمة أقوى من طاقاتها ، فلأنها تعيش فترة استسلام وجمود ، تماماً كانتصارات الصليبيين التي كان مرجعها إلى انحلال القوى الإسلامية وتفككها وعدم ترابطها ، فانشغلت بالتوافه من الأمور وابتعدت عن الجوهر  فما عادت لها هيبة ولا كيان ولا وجود ، فاصبح ما يجري لا يحرك عندها ساكنا :

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم    أسرى وقتلى فما يهتز إنسان

لماذا التقاطع في الإسلام بينكم       وأنتم يا عباد الله إخوان

ألا نفوسٌ  أبيّاتٌ  لها همم        أما على الخير أنصار وأعوان

إن الذين يشكون بعودة الإسلام قوياً بسبب انبهارهم بقوى الدول الكبرى ، وما تملكه من المخترعات المخزونة من أدوات الدمار ، نسو أن الله يقول :}لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض  {وأنهم لن يغلبوا الله لأنه كما قال تعالى:} والله غالب على أمره{ أما مع من يكون أمر الله ولمن يكون الاستخلاص ؟ فقد أوضحه قوله تعالى:} يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون {  وكلمة وأطيعوا الرسول ، تعني حراسة سنته والقيام عليها والعمل بها ، إنه لا تعويل بعد اليوم على السياسة ولا على الساسة ، وإنما التعويل كله على الأمم ، ولا معول للأمم في جهادها أنفع لها وأصدق من المضي بها إلى تطبيق أحكام الإسلام ، لأن الإسلام لا تهزمه القوى الأجنبية ، التي مهما اشتد ساعدها ، فإن نارها إلى خمود ، وثورانها إلى همود   وما أصيب الإسلام ولن يصاب ، إلا من داخل أرضه ومن أبناء أمته ، مما يجعلني أشفق على مستقبل هذه الأمة ، لأن العداوات العالمية والمحلية في كثير من الأقطار الإسلامية مخيفة وإن بقينا على ما نحن عليه ، فإن المصير مخوف والعاقبة مقلقلة ، وإن استيقظنا وتمسكنا بديننا وتحول إيماننا إلى عمل ، ويقيننا إلى سيرة ، تُفْرَضُ على الأمة   عندها يكون النصر بإذن الله . قال تعالى :}ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز{. الحج 39.

   

  

 

 

 

 

غزة الصمود

ها نحن نستقبل رمضان ونحن نعاني من جراحات كثيرة، بل لا يكاد جرح يبرأ حتى نعاني من آخر    وها هي حرمات المسلمين تنتهك ، وجراحاتهم تنزف ، ودماؤهم تراق في غزة ، وأنحاء كثيرة من فلسطين، لا لشيء إلا أنهم قالوا ربنا الله ، وديننا الإسلام قال تعالى : ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾سورة المائدة 82 .

لم نسمع من يستنكر، ولا من يدعو إلى سرعة التحرك ، ووجوب التضامن، يتحدثون في كل المناسبات ، ويتناولون مختلف القضايا، وتنقل وسائل الإعلام تصريحاتهم وأقوالهم ، ولكن محنة الفلسطينيين لم تصلهم، وانتفاضة القدس والضفة لم تحركهم، وثورة الأهل في الجليل والمثلث لم تشجعهم، لم يروا من الأحداث سوى اختطاف المستوطنين الثلاثة ، وهم جنودٌ غزاة، وقتلة عتاة  بينما تجاهلت عيونهم صورة الفتى محمد أبو خضير ، وهو يصطلي ناراً  ويحترق حياً ، ولا يوجد من يقف إلى الجوار ، وينتصر ويستعد للدفاع أو يعمل لوقف العدوان ، إنهم إما صامتون أو متآمرون، وإما ساكتون أو متعاونون ، وإما عاجزون أو يدعمون، وإما فرحون أو شامتون. ها هي غزة يحكم خناقها، ويعظم بلاؤها، ويطفأ نورها، وتخبو حركاتها، ويتعالى في أرجائها أنين المكلومين، وتوجعات المرضى والمصابين   والمتفرجون يعيشون الهوان الجاثم ، والذل المتلاحق على أمة الإسلام ، لم تثر حميتهم لأطفال غزة الذين يخرجون من مدارسهم في خوف وهلع   منتظرين نهاية حياتهم ، يصمون آذانهم هلعا من أصوات الانفجارات ، يبكون بجوار جثث آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم المتفحمة ، ويغمضون أعينهم ذعرا وهم على قارعة الطريق ، من مناظر تقشعر لها الأبدان ، فهذا جريح  محمولا وآخر مبتورا  وغيرهم مكسورا ، كتبوا بدمائهم رسائل وكتبوا قبلها وقبلها رسائل ، مزقتها رصاصات الاحتلال الإسرائيلي وصواريخه من جهة ، وأبلتها ردود الآخرين المتشنجة من جهة أخرى .  

ها هم أهل غزة ،شيوخا وعجائز وأطفالا   يستصرخون الضمائر النائمة ،علها تستيقظ للقصاص من القاتلين الذين يقتلون ، وهم نائمون   علّهم يسمعون غزة وهي تنادي ، لإنقاذ من تبقى ممن يفترشون تراب الأرض ، ليلحقوا أقرانهم .

في غزة من يستغيث ، فهل من مغيث ، أليس من العار أن نسمع الصرخة ولا نجيب ؟ أحياناً لا توجد الكلمات الكافية لتعبر عما نشهده وعما تخبرنا به الأخبار كل صباح ، لدرجة أنه لا يوجد ما يفاجئنا بعد الآن, لكن ما يحصل في غزة يصدمنا ، وقد جرت العادة في عالمنا العربي على أننا إذا ابتلينا ببلية جديدة ، أنستنا ما كان قبلها من بلايا ، ولئن كان الاعتداء على غزة ، قد تعدى كل الحدود ، وفاق كل التوقعات ، وسط صمت عربي وعالمي مريب ، يوحي في بعض جوانبه ، بالتواطؤ مع العدو الصهيوني ، شهدنا وها قد عدنا إلى المشاهد المروّعة التي تُدمي القلوب. وتزهق الأرواح ، وتروع الأطفال  ، من عدوٍ لا يصغي لأي نداء. ولا يُوجد من يفعل شيئاً سوى محض الإعراب عن الأسف، علماً بأن ما يجري أبعد فداحة من كل أسف.   فالقتل يقض مضاجع المعتدلين، ويذهب بالجميع إلى اليأس من القريب والبعيد ، وغزة نقطة في بحر العالم ، لا تكاد تذكر من حيث المساحة وعدد السكان، لكنها تؤرق الكثيرين ممن يتآمرون عليها، تتحمل ما لا يتحمله احد ، تذبح وتقتل وتحاصر ، وتبقى صامدة ، تنتفض على سجانها   وتصرخ في وجه الباطل، يريدونها أن تعيش كما يعيشون ، يرقصون ويمرحون ويسرحون ، بلا كرامة وعزة ، ويساقون كالأغنام ، يريدون لغزة أن تذعن لجلادها ، فكان لابد من ترويضها  حوصرت من البر والبحر، حفرت الأنفاق لها تحت الأرض ، فدمروا أنفاقها، حوربت وانتصرت ، مع أنها لا تملك السلاح ، بل تملك الإيمان بقضية عادلة ، بعيداً عن الخيانات والمؤامرات والتنازلات.

إن الاعتداءات الصهيونية الآثمة على غزة وسط صمت مطبق ، وصل إلى حد التواطؤ، وفي ظل حصار خانق ، تسبب في الكثير من المآسي والمعاناة ، حاصروا غزة فحاصرتهم، أرادوا كسرها فكسرتهم، أرادوها نموذجا للانهزام   فأصبحت نموذجاً للثبات، خططوا لاغتيال قادتها ورموزها ، فكشفت المؤامرة وفضحتهم، وهي في كل يوم ومع كل دفقة دم من شهيد ، تفضح المتآمرين عليها، الذين تمنوا أن يجعلوها عبرة لمن يعتبر ، ولكنها غدت رمزاً للتحدي والصمود والممانعة والصبر ، والثبات والشموخ ، والعزة والكرامة، لا تسل عن حجمها ، فهي الصغيرة الكبيرة ، ولا تسل عن إمكاناتها ، فهي المحدودة العظيمة، ولا تسل عن قدراتها ، فهي الضعيفة القوية، ولا تسل عن صواريخها ، فهي البدائية المتطورة، إنها لم تبال بمن خذلها، ولا بمن خالفها . إن قضية غزة ، ليست قضية شعب معزول يواجه آلة عسكرية موتورة, ولكنها كانت ومازالت قضية صراع ، تمتد جذوره إلى الأبعاد العقدية والدينية,  ومن هذه الرؤية بشقيها العقدي والسياسي ، يمكن فهم الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة وتصعيدها لآلة الدمار والقتل في غزة على وجهها الصحيح .

فالقتل وسفك الدماء ، صفة متأصلة في عقيدة اليهود اليوم ، وموروثاتهم التي تلقفوها من سلفهم الغابر, حبًا وعشقًا في سفك الدماء ، والفساد في الأرض, فمن يتتبع تاريخ اليهود قريبه وبعيده سيستفزه هذا الحقد الأسود الدفين ، على الحياة وعلى الحضارة كعقيدة راسخة لدى هذه الطائفة  وسيجد من الوقائع الماثلات ، ما يؤكد استمرارية عقده السعي للفساد في الأرض والإيغال في سفك الدماء الطاهرة.

 ومن قبل حكى القرآن عن تلك النفسية الشاذة المعوجة ، التي لا تعرف من الحب إلا محبة الشر ولا من الأعمال إلا الفساد ، ولا من وجودها هدفا إلا سفك الدماء قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ البقرة 204 .  

فما يقع من مجازر في الأرض المحتلة ، لا ينبغي فصله عن هذا الواقع النفسي والعقدي, فحبهم الفساد وسفك الدماء ، لا يعادله شيء إلا حبهم للحياة الدنيا ، فهو غرس متأصل في تلك النفسية   نفسية اليهود الذين طغت عليهم شقوتهم من قبل فسفكوا دماء الأنبياء والمرسلين, ولن يعرفوا الآن ورعًا ولا زهدًا في الفساد ، يدعوهم لحقن دماء أبناء غزة ، والضفة وغيرهما ، ما لم يكن هناك رادع ، يلجم هذا الاعوجاج ، والتعطش للدماء الزكية الطاهرة ، ويردها عن غيها وشرها المستطير.  اللهم أغث أهل غزة ، واكشف عنهم الضر ، وعجل بالفرج ، اللهم اشدد أزرهم واربط على  قلوبهم ، اللهم تقبل شهدائهم   واشف مرضاهم وجرحاهم ، اللهم عليك باليهود المعتدين ومن تآمر معهم ، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم ، اللهم اقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ، إنك على كل شيء قدير   وبالإجابة جدير .

 

 

يقتل اليهود وغيرهم يقتل

 ما زال كثيرٌ من أبناءِ أمَّتنا الإسلامية يستغرِبون ويتعجبون ، من حالة الصمتِ التي تسودُ المواقفَ الرسمية ، العربية والإسلامية ، حيال ما جرى في فلسطين ، وما يجري في غزةَ هذه الأيام، أقول ما زال كثير من المتعلمين والمثقفين يستغرِبون هذا الصمت ، إن هذا الاستغراب الملحوظ ، والملامة الشديدة التي يُبْدِيها البعضُ ، على أنظمة الدول العربية ، والدول القائمة في البلاد الإسلامية   ولعل يجري في غزة ، من أحداثٍ إجراميةٍ   وعربدةٍ صهيونيةٍ ، وصمتٍ لا بل تواطؤ دولي   أقول لعل ما يجري الآن في غزة ، يخلق مناسبة تفرض علينا أن نُذَكِّرَ من يكبحوا جماح الأمة الإسلامية عن رغبتها الجامحة في نصرةِ أهلِ فلسطين وغزة، والسيطرة على جيوش الأمـة من أن تتحرك ، أي تحركٍ إيجابي نحو قضايا أمتها.

فالعدوان على يقع ، وشبابُ أمتنا ثائرٌ حائرٌ في كل بلد من بلداننا، ثائرٌ على ما يعانيه في بلده من ظلم وتجويع وإذلال، وحائر لكثرة الفتن والمؤامرات السياسية ، التي تحاك له هنا وهناك   إلا أن ما يجري في غزة وفلسطين وعلى الدوام يضع الواحد منا أمام مسؤوليات ، ولو بشكل فردي ، تفرض عليه أن يحسم أمره ، في فهم هذا المشهد على حقيقته .

ففي فلسطين وغزة ، إسرائيل تُلقي بجحيم حِممها على رؤوس المسلمين العزل في بيوتهم، وهنا نسأل من يمارس ما تمارسه إسرائيل في سوريا ، ومن الذي يقتل المسلمين في ليبيا ، ومن الذي يدير الأحداث في اليمن والعراق ، ومن يفعل ذلك وأكثر منه في بلاد المسلمين ، فهي إذن المعركة ضد شعوب الأمة عربا ومسلمين ، أما التركيز على المقاومة في غزة ، فلأنها بالنسبة لكل المتآمرين ، تهدد أمن إسرائيل ، وشعب غزة هو الذي يدفع الثمن ،  من دماء أبنائه ، والمواقف من الدول والقوى السياسية ، لا تتعدى تكرر القول إن هناك مجزرة ، وحرب إبادة ضد أبناء غزة، هذا موقف قديم وعاجز ، موقف يذكر بالمواقف المتخاذلة إبان اجتياح بيروت ، وكل المجازر اللاحقة، إنها مواقف لا تسمن ولا تغني من جوع، مواقف لا تنقذ شهيدا ولا جريحا، ولا تلقي الطمأنينة في قلب طفل أو امرأة .

في غزة تختفي العناوين والأسماء ، ويصبح المستهدف الأول هو الفلسطيني ، الذي لا تميز في قتله آلة الحرب الإسرائيلية ، بين من يكون وأين يكون، فيكفي أن تكون فلسطينيا في غزة لتموت بيد إسرائيل ، وها هي إسرائيل تمضي في الحرب   وقوافل الشهداء ، تتوالى تباعا ، لا تميز بين طفل وشيخ وامرأة،  ويرتفع العدد مع كل غارة تحرق فيها طائرات إسرائيل الأرض والسماء. وغزة تواجه الجحيم ، تكتشف أنها وحيدة في وجه إسرائيل، ربما لا تختار الحروب أوقاتها ، فتمر في لحظات لا يهتم فيها الكثيرون بما يجري ، لأن الأوضاع الدولية وما جرته الكوارث في سوريا وليبيا واليمن والعراق ، جعلت الدم الفلسطيني يتوارى أمام بقية الكوارث.

لقد تعودت غزة هذا الصمت ، فلم يعد يقلقها أن تصبح منسية، لكن التجاهل الشعبي للدماء فيها ، يثير الخوف من القادم، قد يكون للبعض مواقف من جماعات وأحزاب هنا وهناك ، ومن حماقات ارتكبت، لكن الذي يموت ، هو الفلسطيني دون تمييز ، ومن تهدم المنازل فوق رؤوسهم ويشردون ، الأهل في غزة. وقد تغيرت المعادلة ، وجحافل المؤيدين والصراخ في القنوات التلفزيونية ، والمساجد والساحات ، اختفت في هذه الحرب، ولم نسمع من خرج في مسجده ليعلن الجهاد فرض عين في فلسطين ، كما تشدق بها شيوخ الفضائيات في تجميع المال والرجال لإسقاط بعض الأنظمة ، إن غزة وهي تواجه إسرائيل، تموت من هذا الصمت ، وهذا التشديد في الحصار، أكثر من العدوان عليها.  

ولكنها تؤمن أنها ستخرج  من محنتها ، ومن الحيف الذي وقع عليها مرفوعة الرأس ومنتصرة بإذن الله ، لتبقى شوكة في حلق الكيان الصهيوني المجرم ، وفي حلق الأنظمة العميلة ، التي باعت نفسها بثمن بخس ، وهي تتآمر على أبناءها   بوجوه خلت منها الكرامة ، وباعت نفسها للشيطان ، بينما أهل غزة يدفعون ثمن هذا التواطوء والخيانة ، بدماء بريئة كتب الله لها الشهادة في هذا الشهر الفضيل ، ليجعله بإذن الله نصرا مؤزرا ، لمن يدافعون عن الأرض والعرض   والتاريخ لا يرحم ، كل من زايد وتواطىء على دماء أهل غزة , ونسأل الله أن ينصرهم نصرا مبينا . وان يجعل الأرض تهتز تحت أقدام ألأعداء الذين لم يحفظوا يوما ميثاقا أو عهدا . ونقول للمتخاذلين :  لقد أسمعت لو ناديت حيا , ولكن لا حياة لمن تنادي .    

ﺣﻜﺎية أﻋﺠﺒﺘﻨي : ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﺼﻠﻴﺒﻴﺔ ﺩﺧﻠﺖ ﺇﺣﺪﻯ ﻓﺮﻕ ﺍﻟﻐﺰﺍﺓ ﻗﺮﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻯ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮل،ﻓﻨﻬﺐ ﺍﻟﻐﺰﺍﺓ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ  ﻭﺍﻏﺘﺼﺒﻮﺍ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ . ﻭﺑﻌﺪ ﺭﺣﻴﻞ ﺍﻟﻐﺰﺍﺓ ﺍﻟﺴﻔﻠﺔ ﺟﻠﺴﺖ ﺍﻟﻨﺴﻮﺓ ﻳﺸﻜﻴﻦ ﻟﺒﻌﻀﻬﻦ ، ﻣﺎ ﺃﺣﺪﺛﻪ ﺍﻟﻐﺰﺍﺓ ﺑﻬﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﺎﻧﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﺭ ! ﺛﻢ ﺳﺄﻟﺖ ﺇﺣﺪﺍﻫﻦ : ﺃﻳﻦ ﺃﻡ ﺣﺴﻦ ؟ ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻏﻴﺮ ﺣﺎﺿﺮﺓ ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ : ﻟﻌﻞ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﺃﺻﺎﺑﻬﺎ ﺃﻭ ﻗﺘﻠﻬﺎ ، ﻓﺬﻫﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﻮﺟﺪﻭﻫﺎ ﺗﺠﺮّ ﺟﺜﺔ ﺍﻟﺠﻨﺪﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺎﻭﻝ لاﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻴﻬﺎ ، ﻓﻠﻤﺎ ﺳﺄﻟﻮﻫﺎ ﻛﻴﻒ ﻗﺘﻠﺘﻴﻪ ؟ ! ﻗﺎﻟﺖ : ﻭﻫﻞ ﻛﻨﺘﻦّ ﺗﻨﺘﻈﺮﻥ ﺃﻥ ﺃُﻓﺮّﻁ ﻓﻲ ﻋﺮﺿﻲ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺃﻣﻮﺕ ! ﺧﺮﺝ ﺍﻟﻨﺴﻮﺓ ﻣﻦ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﻭﻫﻦّ ﺧﺰﺍﻳﺎ  ﻭﻗﺪ ﻃﺄﻃﺄﻥ ﺭﺅﻭﺳﻬﻦّ ، ﺛﻢ ﺍﺗﻔﻘﻦ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﻠﺔ ﺧﺒﻴﺜﺔ ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺔ ، ﺭﺟﻌﻦ إﻟﻰ ﺩﺍﺭ ﺃﻡ ﺣﺴﻦ ، ﻭﻫﺠﻤﻦ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻏﻔﻠﺔ ، ﻭﻣﺎﺗﺖ ﺍﻟﺤﺮﺓ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺑﺄﻳﺪﻱ ﺍﻟﺠﺒﻦ ﻭﺍﻟﺨﺴﺔ ، ﻗﺘﻠﻮﻫﺎ ﺣﺘﻰ ﻻ ﺗﻔﻀﺤﻬﻦّ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ، ﻗﺘﻠﻮﺍ ﺍﻟﺸﺮﻑ ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﺤﻴﺎ ﺍﻟﻌﺎﺭ " هذا ﻣﺎ يُفعل ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰﺓ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﺧﺼﻮﺻﺎ ﻏﺰﺓ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ . 

أما آن لهم أن للمتآمرين أن يتحملوا مسؤولياتهم فيتحركوا لنصرة دينهم وأهلهم، ما نوع هذا الدم الذي يجري في عروقهم، وإذا لم يكونوا لمثل هذه اللحظة فما هي ضرورة وجودهم، كيف يقبلون على أنفسهم أن يقفوا موقف المتفرج ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

إن الحقائق أصبحت جلية لكل من يريد أن يعمل على نهضة أمته واستعادة مجدها لرفع الظلم عنها   ولكن تجلية الحقائق وحدها لا تكفي، فنهضة الأمة تحتاج إلى رجال يقودون المسيرة ، ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس، أما أن نقف ونتفرج على الصواريخ ، التي تنهال على غزة   ونقف مكتوفي الأيدي نتفرج على الطائرات وهي تقصف بلا رحمة ولا هوادة البيوت والنساء والأطفال ، أو تصوير هذه المشاهد المروعة لنبثها لبعضنا على مواقع التواصل الاجتماعي ، فنـزداد لوعة وتحسراً ، على ما يجري ،كأن الأمر لا يعنينا إلا من ناحية إنسانيةٍ،  أو أن نكتفي بنقل الصور ونبثها إلى الهيئات والمنظمات الحقوقية ، ونناشد هيئة الأمم المتحدة ، لتقف بجانب قضيتنا وتحمينا   فهذا هو قمة الجهل السياسي والهوان ، ذلك أن هذه المنظمات ، من أشد المناصرين لإسرائيل   يدعمها الغرب الكافر ، الذي لا هم له إلا أن نبقى تحت سيطرة هذه الدول ، لتبقى مصالحهم بعيدة عن أي تهديد حقيقي، اللهم كن لأهل غزة ناصراً ومعينا . 

 

 

 

 

انتصار غزة رغم التآمر والتخاذل

نعيش في الوقت الذي يتعايش المنافقون والمتآمرون والمتواطئون بين الناس ، يتحدثون بحديثهم  ويميلون ميلهم ، بحيث لا يعرف لهم هوى ولا اتجاه، فجاءت حرب غزة لتكشفت التواطؤ والتآمر ، ممن يجهر بمناصرة الأعداء بل وحثهم على التخلص من حركات المقاومة ، التي تقاوم المحتل ، وتعلي راية العز في الأمة، بل ونجد من سخر إمكانات دولته ، لحماية جيش إسرائيل وحدودها ، حتى تتفرغ لمعركتها مع الشعب الفلسطيني المقاوم، وهذا ليس بجديد ، لكن الجديد قيام البعض بحماية إسرائيل أو تمويلها كما جاء في بعض المصادر ، والجديد أيضا هو الجهر بالولاء لإسرائيل والعداء للشعب الفلسطيني ، في الوقت الذي تكتب فيه غزة ، تاريخا مشرفا بدمائها ، ومقاومتها لأشرس احتلال نازي على وجه الأرض ، في حرب فُرضت على غزة المحاصرة ، التي لا تخاف ولا تجبن ، ولا تفر ولا تهادن، بل هي تصمد وتقاوم ، وتطور قدراتها رغم محاصرتها ، ومحدودية إمكانياتها ، وها هي صواريخها تصل إلى أبعد مدى ، في قلب إسرائيل فتجعل ملايين المستوطنين المحتلين ، يعيشون في فزع دائم ، نعلم أن المقاومة لن تكون بمستوى القدرة العسكرية الإسرائيلية ، فصواريخها لا تحقق دمارا واسعا ، ولا تسقط الكثير من القتلى   لكنها تثير الرعب والفزع، وتقول للعدو لست في مأمن ، ونحن مستعدون للتضحية، لكن لن نجعلك تعيش في أمان ، ما لم نعش بأمان ، والمدهش أن المقاومة في ظل أصعب وأعقد ظروف تعيشها ورقابة مشددة عليها ، برا وبحرا وجوا من إسرائيل ، وداعميها الدوليين ، تتمكن من تصنيع أسلحة ، تجعل النوم يطير من عيون الإسرائيليين   وتصيبهم بالذهول ، وتجعلهم مهووسين ، بحثا عن مصادر ومنصات إطلاق النار ، فيقتلون المدنيين بعشوائية.

لقد انتصرت المقاومة في غزة ، وانهزمت إسرائيل ومعها كل الذين صمتوا على عدوانها ، وباعوا ضميرهم ، إلا أنها انهزمت ، لأنها لم تواجه الجيوش التي هزمتها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ، وإنما حاربت المقاومين الذين قاتلوا وصمدوا ، ولم يرفعوا رايات الاستسلام ، التي كان ينتظرها المتواطئون ، بل انتصروا وأثبت     انتصارهم ، أن نتائج المعارك ، لا تقاس بحجم شلالات الدماء التي تراق ، على مذبح الحرية وإنما بالنتائج التي تؤدي إلى تحقيق المطالب المشروعة ، إن الصمت العربي ، وراء هذا العناد الإسرائيلي ، وما يرتكبه جيش الاحتلال من مجازر وجرائم فظيعة ، بحق أبناء فلسطين في قطاع غزة، ولولا هذا الصمت المريب  لما واصلت إسرائيل قتل الأطفال والنساء، ولما استمرت في حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة.

إن الأنظمة التي صمتت بل وشاركت في تقتيل أبناء غزة ، هي التي تدعم عدوان إسرائيل البربري على قطاع غزة ، تمويلا وتنسيقا ومباركة  من عواصم الأمة ، التي لم تشهد تحركات جماهيرية في الشارع ، إدانة لأنظمتها وعدوان إسرائيل المتواصل على غزة ، هذا الموقف والصمت المدان   وصفه محللون وخبراء ، بأنه أحد أسباب وحشية إسرائيل ، واستمرار العدوان على قطاع غزة.

 لقد كانت هناك مواقف مخجله ، فلم يحركوا ساكنا، وكأنهم تبلدوا ، واعتادوا سقوط الشهداء وانتشار الخراب بفلسطين، فجاءت حرب غزة   لتهتك أستار المنافقين ، الذين ينشطون عند اشتداد الخطوب، فيُقَلِّبون الأمور ، ويُثيرون الشبهات ، ويُلَبِّسون على المؤمنين دينهم  ويوظفون كل ما لديهم من فائض الخسة والابتذال ، ليَفُتّوا في عضد الأمة ، وهي تناجز عدوها وتحمي حرماتها. يفعلون ذلك في أشد اللحظات حرجًا ، وأكثرها إنهاكًا.  وهاهي أحداث غزة ، تُعري سوءة النفاق بشقيه: العلماني وذاك المتلفع بعباءة التدين ، أما حركة الإرجاف العلماني فقد برئت منها ذمة الله ورسوله والمؤمنين. ولكن الأعجب ، هم أولئك الذين وضعوا أنفسهم ، في خانة العلماء والدعاة ، فقد استمعت لبعض الشيوخ ، من علماء السلاطين وقد طلع على شاشة إحدى الفضائيات ، وهو يلوم المقاومة ويحملها مسؤولية ما جرى، وهو يعيد ويزيد في قوله تعالى ﴿قل هو من عند أنفسكم ﴾ وقد حمل المقاومة المسؤولية الكاملة عن تلك الحرب ، وكأن إسرائيل التي قامت على أرض فلسطين وأنقاضها ، دولة مسالمة ،لم تقم على اغتصاب ، وتدنس المقدسات ، ولم تقتل الأبرياء وتعجبت من هؤلاء المتخاذلين ، الذين ينفشون لحاهم ، وكأنما العلم بطول اللحية وانتفاشها ، وهم يشيعون الجهل والتخاذل في الأمة ، في وقت تقوم فيه ثلة من المؤمنين المجاهدين   بالتصدي للعدوان الإسرائيلي ، على شعب أعزل   ثم يأتي هذا ليقول لأهل فلسطين الصامدين الصابرين : ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ ثم يزيد على التخاذل والخذلان ، والتجهيل والجهالة   السخرية من صورايخ المقاومة ، التي جعلت شعب إسرائيل يعيش في رعب كامل داخل الملاجئ فيقول: ﴿ صواريخ حماس هذه لا تخرم حائطا ﴾ وما علم أن الأمة لم تهزم إلا بأمثاله   الذين يضللون الناس ، ويخذلونهم في أوقات المواجهة، ثم لماذا يتجاهل هؤلاء أن إسرائيل قد عاشت أسوأ أيامها ، وإن عدد الذين فروا من إسرائيل من المقتدرين من أهلها للخارج ، خوفا من هذه الصواريخ لا يعد ولا يحصى ، مما دفع أميركا وحلفاء إسرائيل ، الطلب من حركات المقاومة ، أن تعود للتهدئة ، وأن تقبل الهدنة ، ألا يدل هذا على نجاح المقاومة ، في صد عدوان إسرائيل ، إنها لحظات المفاصلة في الأمة التي يميز الله فيها الخبيث من الطيب ، ولعلها تكون البداية   حتى تستعيد هذه الأمة مجدها وعزها ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ .

ففي الوقت الذي تتصدى فيه الأمة للعدوان اليهودي على غزة ، يمارس المتآمرون ولمثبطون    دورًا تخذيليًّا دنيئًا ، هو أشبه بصنيع أسلافهم من قبل: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سَمّاعون لهم﴾. تلكم هي حركة النفاق في الأمة التي تسخر من الإبداع العسكري ، والأداء الجهادي للمجاهدين ، الذين أبهروا الدنيا بصمودهم الأسطوري ، وثباتهم الرباني   وجهدهم التصنيعي . وهكذا فعل أسلافهم من قبل: ﴿ فيسخرون منهم سخر اللهُ منهم ولهم عذاب أليم ﴾. فئةٌ عمدت إلى لمز قيادة المقاومة  وتحميلها مسؤولية الدماء ،كما قال أسلافهم من قبل: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قُتِلوا ﴾. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ، بالشماتة بمصائب الأمة والرقص على جراحاتها،كما صنع أسلافهم المنافقون من قبل: ﴿ وإن تُصِبكُم سيئةٌ يفرحوا بها ﴾    وها هم المقاومون ، يتحاملون على الجراح والآلام ، رغم نفاد المواد الطبية ، فيداوون أوجاعهم ،بالقرآن والدعاء، وباستبشار الفَرَج   متعبون ، لكن أرواحهم تواقة للعمل، وهمّتهم لم تكن أكبر منها اليوم، إنهم يعملون بهمّة الأحرار    ونحن نرقبُ بطولاتهم بكل اليقين بالله، ونقولها من أعماقنا ، ياليتنا معهم فنفوز فوزاً عظيماً   حفظهم الله وثبتهم ونصرهم ، ففي كل لحظة صمود تُبنى بها نفوس ، وفي كل قذيفة تُطلق   تُظهر قوّة البقاء، وفي كلّ معركة تدور نشهد ملاحم الأبطال ، من المقاومة التي تقاوم رغم تخلي الأنظمة عن مسؤولياتها ، إزاء القضية الفلسطينية، وخضوعها للضغوط الأمريكية   فجاء الصمود الرائع للمقاومة ، وتطوير وسائلها القتالية، ووصول صواريخها إلى مختلف مواقع العدو، بمثابة رسالة قوية ، إلى الأنظمة المستسلمة التي تتباهى بقوتها العسكرية ، التي لا تستخدمها إلا لقتل شعوبها فقط .

وفي النهاية فإننا نتوجه بالتحية والتقدير إلى الشعب الفلسطيني الحر المرابط ، والى المقاومة الإسلامية وصمودها ، في مواجهة العدوان الإسرائيلي ، الذي يتعرض له قطاع غزة ، والذي استخدم فيه العدو مختلف أنواع أسلحته الحديثة والمتطورة والمحرمة دوليًا.

رحم الله شهدائنا الأبرار ، وسحقًا لكل المؤامرات التي ستفشل أمام قدرات المقاومة ، ولن ينجحوا بالالتفاف عليها "دبلوماسياً وسياسياً"  ، لإنقاذ العدو الصهيوني من الهزيمة ، وإنقاذ الكيان الإسرائيلي من السقوط ، اللهم كن لهم ناصراً معينا ، إنك على ذلك قدير .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انتصرت غزة وخسئ المتواطئون

 إن أهل غزة في يوم الانتصار ، يستحقون منا الحفاوة والإكبار، أكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار، فقد كان الإيمان عندهم ، العنصر الهام في الصمود والانتصار ، إضافةً إلى المواجهة التي اتخذت أشكالا متعددة بدءا من المقاومين الأبطال في خطوط المواجهة الأولى ، وانتهاء بالشعب الصامد الذي قبل التضحيات ، فالإيمان أعطى المقاومة وشعبها ، مزيدا من الصمود ، في وجه العدوان الإسرائيلي , كما استثمرت المقاومة جميع الإمكانيات العلمية المتاحة لديها ، فتم شحذ العقول ، واستخدام القدرات العلمية في المعركة   وتعزيز القدرة القتالية للمقاومين ، ومدهم بالروح المعنوية العالية , فصمدت غزة ، وقدمت الشهداء   أطفالاً ونساءاً وشيوخاً، ورجالاً عاهدوا الله على الشهادة أو النصر، في غزة انتصرت المقاومة   وهي تشتكي إلى الله ، تخاذل القريب والبعيد   الذين نادوا بسحب سلاح المقاومة , وتأييد القرارات الجائرة ، والمنحازة إلى الجانب الإسرائيلي ، المعتدي على الحرمات ، والمنتهك للقوانين ، والأعراف الدولية .

أما خاف الذين تآمروا على الدماء الطاهرة في غـزة، أن الله تعالى سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر  وأن الله تعالى سيخيب آمالهم، ويردّهم على أعقابهم، ويريهم يوما أسودا .  

انتصرت غزة بمقاومتها وشهدائها، وخسئ المتواطئون الشامتون. انتصرت وشعارها إما حياة تسر الصديق ، وإما ممات يغيظ العدا ، فقد جعل نصرها المتواطئين ، صغارا في أعين شعوبهم  وفقراء رغم ملياراتهم ، أمام أهل غزة الأبطال  أسود الميدان ، وعباقرة الزمان ، وجنود الله الذين ما ركعوا ولا خضعوا ، ولا استسلموا ولا ذلوا ولا هانوا ، بصمودهم ذل المعتدي ، وخضعت رقبته ، وانكسر جبروته ، نصروا الله فنصرهم الله   واعتصموا بالله فعصمهم ، فكانوا أهل القوة والنصرة والعزة ، تخلى عنهم الجار والقريب فما استوحشوا ، لأنهم بالله معتصمون ، وعليه متوكلون ، وبحبله المتين مستمسكون ، تخلى عنهم الكثيرون ، فما ارتاعت قلوبهم ، ولا بكت لذلك أعينهم ، لأنهم على الله معتمدون ، وبقربه مستأنسون ، وجدوا الله تعالى ، ومن وجد الله فماذا فقد ؟ ومن فقد الله فماذا وجد ؟  

آمنوا بأن الاحتلال ، يقابله جهاد ومقاومة ، ولا يقابله اعتراف به ومساومة ، فأعدوا المستطاع    من التصنيع والإبداع ، سخروا ممن سخر من النصر الذي أحرزوه ، وممن يتعرض إلى الاتفاق الذي أقروه ، بالهجوم ومحاولات الانتقاص    قالوا : ويا بئس ما قالوا : ما الفرق بين هذا الاتفاق والمبادرة السيسية ؟ ومن قال : ابقوا قابلوني لو رفع الحصار ، وفتحت المعابر بعد شهر؟ فقد راحت التضحيات ببلاش، في اتفاق لا يرقى لمستواها ، ويقولون : لمن يبارك بالنصر   على شو مبروك ؟ بعبارات اللمز والطعن   يقولون ويتقولون ، ونحن نقول :‏ من استاء من انتصار المقاومة ، لأسباب لا تهمنا ، فهذا شأنه   فها هي قد انتصرت ، باعتراف الصديق والعدو   وهُزم الجمع من عربان وغربان ، وصبيان وجرذان، وما يشكك في النصر إلا من هو صهيوني الهوى .

لقد انتصرت غزة ، رغم كل إحساس بليد   ‎ومتواطئ عنيد ، وخاب بانتصارها كل جبار عنيد ، وكل مستهزئ ومتصهين مريد ، ليمت المتخاذلون بخذلانكم ، فالثورة مستمرة ومنتصرة إن شاء الله تعالى ، وستكون الحسرة والندامة على من خذلها ، والفرحة والفخار لمن نصرها. فنصرها كشف الواقع العربي ، الذي ما عاد يربطه رابط الأخوة الإيمانية ، بأسهم بينهم شديد   يكيدون ويتآمرون ، فرقتهم سبل الشيطان   وجعلت بعضهم ذيولا للصهاينة ، لا يملكون أمام هيمنتهم سمعا ولا بصرا. فكانوا من أولئك الذين حذرنا الله من حالهم قائلا : ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران105

كانوا من قبل ، إذا اعتدى الصهاينة ، تنادوا إلى عقد قمة أو مؤتمر ، ليَخرجوا علينا بتنديد بارد   لا يحرك ساكنا ، ولا يوقف عدوانا! وفي هذا العدوان ،لم يتنادوا حتى على عقد قمة أو مؤتمر   فكشفت غزة الهوة السحيقة بينهم ، وبين إرادة الشعوب الغاضبة ، التي تخرج من كل عاصمة  تندد بالصهاينة الغاصبين ، وأعوانهم وأذنابهم من المنافقين ، وغيرهم من المثبطين .  

في غزة تجلت روح الجهاد والشهادة ، والتضحية والفداء ، فانتصرت بالإرادة على الإبادة  وبالإيمان على العدوان، فضلت الخنادق على الفنادق، وما ضعفت أمام الحصار ، ولا أرهبتها أسلحة الدمار.

في حرب غزة عبرة للأنظمة ، إذا أرادت أن تعتبر    وتعليم الصمود ممن لا يملك الطائرات ولا الدبابات ، لمن يملكون الأسلحة المتنوعة والدبابات ، والتي لم تدخل في أي حرب مع العدو الصهيوني ، لأنها ليست لمحاربة إسرائيل  وإنما لقمع الشعوب التي تطالب بحريتها.

حرب غزة ، أثبتت أن الإسلام ، يثبت قدرته على الصمود والثبات ، إذا قاد المعركة، أو رفعت رايته في أي صراع أو مواجهة ، وأن تغييبه في المعارك والصراعات والسياسات ، جريمة كبرى وخيانة عظمى، فقد كشفت المقاومة باسم الإسلام التآمر في الحروب ، التي ألحقت الهزائم بالجيوش الجرارة، التي تقهر الشعوب  وتتقهقر في ميادين الحروب ، وأثبتت أن الحروب الخاطفة التي شنتها إسرائيل في الماضي على الدول العربية ،لم تعد في الوقت الحاضر ممكنة، وقدمت الدليل على أنها قادرة على الصمود ، أمام آلة الحرب الصهيونية ، أكثر من صمود تلك الجيوش، التي جعلت بضعفها ، وعدم امتلاكها الإرادة، جعلت من جيش الاحتلال ، الجيش الذي لا يُقهر، ولا يمكن التغلّب عليه، فأثبتت المقاومة أن هذه القوة التي لا تُقهر ، تُهزَم في غزة أمام صمود وإرادة المقاومين ، الذين قرروا الشهادة ، والدفاع عن شعبهم وحقوقهم.   نعم فمن كان هذا حاله فإنه يستحق أن ينصره الله ويعزه قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ محمد 7.   انتصرت غزة ، في وقت أصبح الصمت العربي والدولي ، جزءً من الواقع الذي تعودناه، انتصرت غزة في الوقت الذي أصبح فيه دم أهلها شمعة العصر ، وصبرهم مغناة العصر ، وصمودهم   ملحمة العصر ، وحصارهم وإغلاق المعابر حكمة العصر ، والتواطؤ على ما يجري من قتل وتدمير سمة العصر ، ومقاومتهم لإسرائيل منفردين من مسلمات العصر.  انتصرت غزة ولم تهزم، وما حدث في غزة ليس مأساة ، كما يدّعي المثبطون ، ولكنه ملحمة لكن الهزيمة الحقيقية ، والمأساة التي يندى لها الجبين  هي من نصيب المنسوبين إلى الأمة العربية، الذين تقاعسوا وولوا الأدبار ، حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم : ﴿ يحلفون بالله أنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يَفْرَقون ﴾التوبة 56 .

 

 

 

 

 

 

ثقافة المقاومة والاستسلام

ثقافة المقاومة ، مبنية على الإيمان والحق والعدل والتمسك بالمبادئ ، والجهاد والقتال في سبيلها حتى تحقيق المطالب ، أو الشهادة دونها ، أما ثقافة الاستسلام ، فتقوم على الخضوع والرضوخ والتخلي عن الحقوق المشروعة ، لقاء مصالح شخصية أو فئوية ، على حساب الشرف والعزة والكرامة ، والمقاومة تعتبر الجهاد واجباً شرعيا    مع من احتل البلاد ، وعاث في الأرض الفساد   وما يزال مستمرا في هذا الإفساد والإجرام   يساعده في هذا المتواطئون ، الذين يتآمروان على المسلمين ، الذين يدافعون عن أنفسهم ، وأهليهم وممتلكاتهم ، ومع ذلك لم يستتب الأمر لهذا المحتل   فما زالت المقاومة قائمة ، ولهذا يلجأ المحتل إلى المتواطئين ، عندما يواجه المقاومة ، فيجعلهم في الواجهة ، حتى يأمروا الشعوب ، بالسمع والطاعة لهم ، ويكونوا عصا ردع للمجاهدين ، الذين يذودون عن حياض الدين ، وعرض المؤمنين ، في عقد سلام مع حكومة ، يمتطى ظهرها المحتل ، بما يتيح له أن يتمدد ، وينمو ويتشعب ، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ، فكانت مفاوضات السلام لسنوات طويلة مع المحتل ، قبلوا فيها التخلي عن معظم أراضي فلسطين ، مقابل دولة  صغيرة   بجوار دولة إسرائيل ،التي تصادر الأراضي لبناء المستوطنات ، ويصرون على مبادرتهم ،رغم قتل المزيد من الشعب الفلسطيني ، وبناء المزيد من المستوطنات ، ونهب المزيد من الأراضي الفلسطينية ، متجاهلين ثقافة المقاومة ، التي لها جذورها في العقيدة الإسلامية ، والتي تدعو إلى عدم الاستكانة ، والركون للظلم والظالمين والطغاة والمغتصبين، لأن هذا الفعل ، يجعلنا مثلهم بل جزءاً منهم، وسيكون عقابهم عقاباً لنا كما قال تعالى : ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ هود 113 . كما يأمرنا الإسلام أن نقاتل عندما يقاتلنا الآخرون ، ظلماً وعدواناً كما قال تعالى : ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ الحج 39 . إن ثقافة المقاومة يجب أن تكون شعارا لكل مسلم ، لأن رد العدوان ، والحرب من أجل الدفاع عن الحق في الحياة والوجود ، حرب مقدسة ومشروعة  وإنّ ثقافة المقاومة ، لا تقف عند حد الكلام فقط، بل لابد أن تتحول إلى سلوك عملي   وقديماً قيل : "رجل يعمل في مائة أفضل من مائة يعظون رجلاً " ومما يحز في النفس ، أن نجد من يدفنون رؤوسهم في الرمال كالنعام ، ويشدون على يد آلة القتل الصهيونية ، لتمعن فتكاً وتدميراً في غزة ، على مرأى ومسمع من الشعوب ، التي انقسمت على نفسها ، بين شامتٍ ومتشفٍّ بأهل غزة ، وكأنهم ليسوا من أبناء هذه الأمة ، وبين مؤيدٍ للكيان الصهيوني ، في القضاء على المقاومة وتدميرها ، نسمع بعض الصيحات المنكرة ، التي تلقي التبعية على المظلومين ، وتحمّل المنكوبين إثم إجرام الظالمين ، ويقولون في خنوع وذلة ، إن صواريخ المقاومة ، هي السبب المباشر فيما حدث لغزة، متناسين أنهم عندما تركوا المقاومة   وتوقفت صواريخها ، تركهم العالم ، وكادت القضية أن تتوارى عن الأنظار ، وعن الصحف   وكادت تدخل في خندق النسيان.

إن مرحلة التخلي عن المقاومة ، والبحث عن السلام سنين طويلة ، لم تثمر إلا مزيداً من المستوطنات الإسرائيلية ، ومزيداً من الحصار ومزيدا من القتل، ومزيداً من الأسر ، فقد أخذت محادثات السلام ، أكثر من وقتها ، وكانت نتائج هذه السياسة مع العدو الإسرائيلي غير مجدية ، مما يدل على أن السلام والحرية والاستقلال ، لا تأتي بالخضوع والخنوع والاستجداء ، إنما تأتي بالتضحية والفداء ، والموت من أجل الحياة الحرة الكريمة ، وإن التقليل من فاعلية المقاومة ، بحجة ضعف التسليح والإعداد ، يتعارض مع الحقيقة   ومع ما أثبته التاريخ ، عن جميع المقاومين ، الذين حرروا أوطانهم من المستعمرين ، فقد كانوا هم الأضعف سلاحاً وعتاداً ، ولكنهم الأقوى إرادة وتصميماً ، لأنهم إنما يمارسون حقاً طبيعياً ، ولابدّ في هذا السبيل ، من تضحيات كبيرة ، لنيل حقوقهم ، للتحرر من سلطة المستعمرين . والمقاومة في فلسطين ، لم تشذ عن هذا الطريق   وليت أصحاب القرار ، يعلمون أن المقاومة هي الوسيلة الأنجع ، والسلاح الأقوى والأمضى، لنيل الحقوق ، غير أنّ البعض من أبناء الأمة   يشككون في المقاومة ، لما تسببه من خسائر بشرية ومادية كبيرة وفادحة ، فراحوا يبثون الروح الانهزامية ، والدعوة إلى وقف المقاومة   لأنها في نظرهم لا تجدي ، بل تضر أكثر مما تنفع   ويرون أن سلاح المقاومة بدائي ، في مقابل أسلحة متطورة فتاكة , متجاهلين أن التاريخ ،لم يرو حالة تحررية واحدة، في العصر الحديث أو القديم ، كان فيها المقاوم ، أقوى سلاحاً من المحتل ، أو حتى قريباً من قوّته ، ففي فيتنام وفي جنوب إفريقيا ، وفي الهند ، وفي فرنسا أيام النازيين، وفي أمريكا ، عندما تحررت من الاستعمار البريطاني ، كل تلك الحالات التحررية   انتهت إلى استقلال ، والمقاومة في غزة ، أضعف عدداً أو عدة، لكنها تملك إيماناً ، وعدالة قضية   لا يملكها المحتل المدجج بالسلاح.

ولم تكن المقاومة في تاريخ الشعوب والأمم، إلا عملاً بطولياً مقدساً، لأنها تقدم الأرواح والدماء قرباناً لحرية الوطن ، وكرامته واستقلاله، ولذلك فهي حق مشروع ، في الشرائع السماوية والأرضية ، وفي الأعراف والمواثيق الإنسانية  وهي بالتالي واجب على كل إنسان ، يتعرض شعبه ووطنه للعدوان أو الاحتلال ، لينال شرف المقاومة ، والفداء والشهادة ،‏ لقد أبدع أمير الشعراء شوقي ، حينما وصف تحرر البلاد من الاستعمار بعد بذل الدماء فقال :

وللأوطان  في  دمِ  كلِّ  حرٍّ   يدٌ  سلفَت  ودَين   مستحَقُّ

ومَن  يسقي ويشرب بالمنايا  إذا الأحرارُ لم يُسقَوا ويَسقُوا؟

ولم  يبنِ الممالكَ  كالضحايا  ولا  يُدني  الحقوقَ  ولا  يحقُّ

ففي  القتلى  لأجيالٍ  حياةٌ     وفي الأسرَى فدًى لهمُ وعتقُ

وللحرّيـة الحمراءِ بـابٌ     بكـلِّ يـدٍ مضرَّجةٍ يُـدَقُّ

إن الحرية ليست بالمجان ، ولا تتحقق بالكتابات   ولا بالمفاوضات ولا بالأماني، بل تتحقق بالرجولة والتضحية والشجاعة ، في مقابلة الاعتداء ، وهو ما تصنعه المقاومة من هذه الأمة ، وستبقى فلسطين هي بوصلتها ، مهما حاولوا أن يغيّروا اتجاهها ، وها هي المقاومة تحّول حياة الصهاينة إلى جحيم ، وها هي تحطّم أكاذيب العدو  وأسطورة الجيش الذي لا يهزم ، وتلقّنه دروسا في فنون القتال والتضحية ، والشجاعة والفداء   وتجعل منه أضحوكة ، أمام من لا زال يؤمن بقدرات هذا الجيش الدموي ، الذي لا يتقن سوى فن قتل الأطفال والنساء ، وتهديم البيوت على رؤوس قاطنيها ، وتدمير دور العبادة  حقاً هي بطولات الجيش الذي لا يقهر . لقد جعلت المقاومة كل شبرٍ في فلسطين المحتلة ، هدفا لصواريخها ، وفرضت على الصهاينة ، أن يبقوا مختبئين في جحورهم كالفئران .

إن ما يجري في غزة ، هو إعادة صياغة جديدة لتاريخ هذه الأمة المعاصر ، المليء بالمواقف الاستسلامية ، فمنذ 66 عاما وهي عمر الصراع العربي الصهيوني ، ونحن نردد مقولة الجيش الإسرائيلي ، الذي لا يُقهر ، ومحاربته ضرب من الجنون ، وأن الحلول السلمية والطرق الديبلوماسية ، هي السبيل الوحيد لاسترداد الحقوق المسلوبة ، حتى صدّق معظم أبناء الأمة هذه الكذبة ، وحفظوها عن ظهر قلب ، إلى أن جاءت المقاومة لتقول لنا ، لقد انتهى عصر الهزيمة   وولّى إلى غير رجعة ، وتقول للشامتين والمثبطين إلى متى ستستمرون في دفن رؤوسكم في رمال العار والخيانة ، وتتآمرون على هذه الأمة ؟ وإلى متى ستبقون تصفقون ، وترقصون على أصوت الطائرات ، والمدافع والقنابل ، وهي تحصد أرواح الأبرياء من أبناء هذه الأمة ؟ وإلى متى ستبقى قبلتكم " البيت الأبيض " في واشنطن ، وكعبتكم التي تتبركون بها في وكر الأفاعي السامة " تل أبيب " ؟ فها هي غزة اليوم ، تصنع لنا تاريخا مشرفا ، ينبغي أن لا نضيّع هذه الفرصة ، غزة اليوم ، تريد أن تطهرنا ، من تاريخنا المشين   وتصرفاتنا المعيبة ، وتغسلنا من خطايانا بحق ألأمة   غزة اليوم ، تدعونا للوقوف معها ، وليس التآمر عليها ، فنصرها نصرنا ، وعزّها عزنا ، فلا ينبغي أن نكون خنجراً مسموما ، ينغرس في ظهرها . 

أقول لدعاة الاستسلام : عندما أوقفت السلطة الفلسطينية المقاومة ، تنفيذاً لشروط البدء في محادثات السلام ، ومعاهدة السلام ، هل تغير حال الفلسطينيين في مدنهم وقراهم ، إلى حال أفضل؟ هل أصبح الفلسطينيون أحراراً في الاتصال والتواصل فيما بينهم ، ومع العالم الذي حولهم؟ هل سمح لحكومة السلام الفلسطينية أن تبني اقتصاداً ، يهيئ للفلسطينيين فرصة عمل وعيش كريم؟ هل رفعت الحواجز ونقاط التفتيش   وإهانة الكرامة للعابرين ، بين القرى والمدن الفلسطينية؟ هل يستطيع وزراء حكومة فلسطين شريكة الإسرائيليين في عملية السلام ، الانتقال بين الضفة والقطاع ، أو بين الداخل والخارج   دون إذن وتصريح من السلطات الأمنية الإسرائيلية؟ هل توقف الاستيطان الإسرائيلي ومصادرة الأراضي ، وقطع الأشجار، وتدمير القرى والمزارع الفلسطينية؟ هل توقف منع المصلين من الذهاب إلى الأقصى ، والمسيحيين إلى زيارة كنائسهم؟ هل نفذت إسرائيل المعاهدات التي وقعتها مع السلطة ، وهل سلمت الأراضي المحددة المعنونة ، بحروف الأبجدية أ و ب وج ، أم أنها استولت على أراضي جديدة؟ أمام هذا الواقع

جاءت المقاومة ، فأثبتت حيوية شعبنا ، وقدرته على المواجهة، فيما استعاد خيارُ الجهاد والمقاومة حضوره، وسقطت أوهام التسوية ، التي أريد بها فرض الاستسلام علينا ، وتقطيع أوصالنا ، وقالت إن هزيمة المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني مرهون باستمرار وتصاعد حالة المقاومة في فلسطين ، وكل جزء محتل من عالمنا الإسلامي وليس بلغة الاستجداء والتفاوض، بل بتبني نهج المقاومة ، الذي يدلل على قوة وحيوية هذه الأمة.

لذا علينا أن ندعم المقاومة ، بالأساليب المختلفة والمتاحة، ونسهم في نشر ثقافة المقاومة المشروعة   ونعززها فكراً وممارسة، من خلال التفريق بين المقاومة والإرهاب، لأن المقاومة حق إنساني وأخلاقي مشروع ، للشعوب المستعمرة ، والمحتلة أراضيها، يجب دعمه ونصرته، بينما الإرهاب   عمل عدواني لا أخلاقي، مرفوض ومدان، تجب مكافحته ، بكل الوسائل .‏

 نعم لقد آن الأوان لإنصاف الشعوب ، في حقها المشروع ، للدفاع عن أوطانها ووجودها ، فهل من مستجيب ؟

 

 

 

 

 

 

ثمن الشهادة النصر

 إن كل نصر له ثمن وضريبة ، لا بد من دفعها  نفرح لنصر المقاومة وصلابتها ، وانجازاتها المشرفة والبطولية؛ ونسر ونبتهج بمنظر وجه "نتنياهو" الذي لفه الخزي والعار خلال مؤتمره الصحفي  

وبالمقابل؛ نحزن لثمن وضريبة النصر المرتفعة من النساء والشيوخ والأطفال ، واستشهاد ثلاثة من قادة المقاومة، واستشهاد أبناء وزوجات البعض الآخر ؛ إلا أن ما يثلج الصدر ، أن دماؤهم لا تذهب سدى؛ بل تنير الطريق نحو دحر الاحتلال والطغيان والظلم .

فمن يظن أن النصر والتحرير ، يأتي على طبق من ذهب ، فهو مخطئ، لأن ثمن الحرية غالي ونفيس  والاحتلال يألم كما نألم، ونرجو من الله ما لا يرجو ، نفخر بما أنجزوه ، ونحزن على فراق من قدم أغلى ما لديه على مذبح العزة الكرامة والحرية ، ونفرح لنيلهم الشهادة كأسمى أمنية  ولسان الحال يقول: نحن نقدم هؤلاء الشهداء ليس من باب الترف ، ولا لأن قلوبنا متحجرة  فنحن آباء ، ونعرف ماذا يعني فقدان الولد  والأب والمقاوم؛ ولكن لأن فلسطين غالية ولأن الجنة أغلى، ولأن التحرير والكرامة أفضل من أن نظل سنوات طويلة تحت الاحتلال والحصار .

يقول محمود الزهار بعد فقدان ولديه شهداء :" من يظن أننا بهذه الجرائم سوف نتنازل أو نتراجع فهو واهم، إننا نتشرف باستشهاد أبنائنا  والشهداء جميعهم واحد، ولو قتل الاحتلال منا ألف قائد فلن نتراجع".

والسؤال هنا : هل سينجح اليهود في قتل المقاومة بقتل بعض رموزها   ؟

وها هي الهجمة على المقاومة تشتد وتزداد ضراوة  ولكن هذا لا يعني أن العدو في وضع جيد، أو انه قريب من تحقيق أهدافه، بل على النقيض فهذه الهجمة ، تعكس حالة الخوف والإحباط واليأس  الذي يعيشه الاحتلال، ولو نظرنا إلى الإجراءات الأمنية المشددة ، التي أحالت حياتهم إلى جحيم لأدركنا الحقيقة التي تقول : إنهم على حافة الانهيار المعنوي والنفسي ، وأن المعركة على غير ما يهوى اليهود ، فقد بدت واضحة بين من يملكون طاقات روحية ومبدئية هائلة، وبين من يملكون آلة الدمار الكبيرة ، ويعلمون أن المقاومة لن تتراجع أمام ضرباتهم، ويدركون أن القضاء على بعض قادتها ، لا ولن يضعفهم ، ومهما كان حجم الهجمة ، فالنتيجة الأكيدة أن المقاومة ستزداد قوة وصلابة ، كما أنها ستكرس حق الشعب الفلسطيني ، وهذا يعني أن كل التنازلات التي جرت عبر المفاوضات ستتغير ، أي أن سقف التطلعات السياسية للشعب الفلسطيني سيرتفع   وإذا نجح العدو الصهيوني في اغتيال بعض قادة المقاومة، وسينجح في إحداث تخريب واسع وتدمير كبير، ولكنه سيفشل في توفير الأمن لشعبه ، وبسبب فشله تأتي هذه الهجمة على المقاومة التي تشكل خطرا استراتيجيا على المشروع الصهيوني ، الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني

أثبت التاريخ أنَّ الاحتلال الصهيوني واهمٌ ، حين يظنَّ أنَّ اغتيال قادة المقاومة ، يضعفها أو يشتّتها أو يفتّ من عضدها ويسقطها؛ فإن غيّب الاغتيال أجسادهم ، فهم حاضرون بسيرتهم الجهادية ، وفكرهم المقاوم ، وكلماتهم الحيّة   التي ستظل قدوة للأجيال ، ومنارة يهتدون بها في طريقهم نحو التحرير والنصر،اللهم ارحم أروحهم الطاهرة وأرواح جميع إخوانهم الشهداء ، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

 إن دماء شهداء المقاومة ستكون لعنةً على الكيان الصهيوني ، وسيدفع ثمن جريمته، وستكون هذه الدماء مدادًا ، لمواصلة اشتعال المقاومة ومواصلتها وصمودها في الميدان ، وإننا إذ نتقدم بالتهنئة إلى شعب غزة ، وإلى المقاومة الباسلة ، على استشهاد قادتها الكرام، فدماءهم لن تذهب سُدًى  وستكون سبب للعزة والتحرير ، وتُنير طريق الصمود والتضحية والفداء ، للشعب الفلسطيني الذي اختارهم الشعب، لا لمناصب أو كراسي  وإنما اختارهم ، لأنهم أهلٌ لذلك، واختارهم ليتقدّموا صفوف المقاومة قبل جنودها.

إن الشعوب تُقاد بالأفعال لا الأقوال، وقادة يخوضون المعارك ، شعارهم اطلب الموت توهب لك الحياة؛ ويؤمنون أن الموت في سبيل الله خيرٌ من عيشة الذل، ويخوضون المعارك ، ومن ورائهم الملايين ، يؤازرونهم ويقفون معهم ، ويصدون عنهم ،في الجهاد في سبيل الله ، وطلب الاستشهاد الذي يتمناه القادة قبل غيرهم ، لهذا لا يختبئون أو يُطأطئون رءوسهم، ولكنهم يتقدّمون ميادين المعارك ، ويقدِّمون دماءهم في سبيل الله ، وهذا يزيد المقاومين قوةً وصلابةً؛  

 فإن استشهد أحد القادة ،فسيخرج من بعده عشرات من أمثاله؛ يدافعون عن كرامة الأمة وحقوقها أمام هؤلاء اليهود، لذا لا داعيَ للقلق على المقاومة؛ فهم رجال يحبون الموت كما يكرهه اليهود.

إن مما يحز في النفس أن يردد البعض بهذه المناسبة مقالة المنافقين من قبل : ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ آل عمران .

ذكرت الآية مقولة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ مع من تبعه من المخذولين المخذلين في غزوة أحد، ظنًّا منهم أنهم هم من تصرف التصرف الصحيح برجوعهم من الغزوة وسلامة أبدانهم من القتل، فرد الله عليهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ليتعظ به من يأتي بعدهم 

يعلق سيد قطب على هذه الآية فيقول: "فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس وبخاصة أن عبد الله بن أبي كان ما يزال سيداً في قومه ولم يكشف لهم نفاقه بعد ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم؛ بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة وهم يقولون: ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ . فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه مغرماً ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله ولحتمية الأجل ولحقيقة الموت والحياة وتعلقهما بقدر الله وحده.

إن الموت لابد منه ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، ولكن شتان بين الميتتان، فإن من يمت مدافعاً عن دينه ووطنه ، حامياً لحرمات الله، رافعاً كلمة التوحيد، لاشك أنه هو المنتصر الحقيقي  حتى لو أزهقت روحه ، وهو الحي عند ربه يرزق، ولذلك بعد هذه الآيات عقب الله بقوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ليتبين أن ما هم عليه هو الحق وأن الموت في سبيل الله موت مختلف  يختلف عن الموت في غيره ففيه ميزات تجعل الإنسان يطلبه ويسعى إليه. ففي مسند الإمام أحمد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم )  فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ آل عمران . يعلق ابن عاشور فيقول: وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتا ظاهرا بقوله: ﴿ قتلوا ﴾ ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ فعلمنا أنهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح   غير مضمحلة، بل هي حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارة لنفسهم، ومسرتهم بإخوانهم. ثم يعقب المولى - عز وجل - بقوله:  ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ ليعلم المؤمن المنهج الصحيح في تعامله مع الأحداث، وأن المهم الاستجابة لأمر الله ورسوله، وليس المهم سلامة الأبدان.

إن مثل هذه الأحداث وهذه الأقدار التي يجريها الله عز وجل هي للتمحيص والتهذيب والتربية   ولا يطيل الله عز وجل الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فما أشبه الليلة بالبارحة، والله يعيد التاريخ، ويجعل هذا القرآن دستوراً للأمة يتمسكون به، ويجعلونه دليلاً لهم في غياهب الأحداث، فتطمئن نفوسهم وتسكن لقدر الله، وتزداد استبشاراًً بنعمة الله عليهم، فعجباً والله لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير.. ".

في مثل هذه الأحداث يطفح على السطح أهل النفاق ومن اغتر بمنهجهم الكفري وتحليلهم الصاد عن سبيل الله، ولك أن تنظر إلى بعض تعليقات هؤلاء القوم على مجريات الأحداث، تجد الاتهام السافر للمجاهدين وعلى رأسهم حماس  وأن عنترياتهم جرت الويلات للأمة، وأبادت أهل غزة، وبعدها تظهر الإشاعات عنهم بأنهم وأنهم، زيادةً في الصد عن سبيل الله وعن مقاومة اليهود.

ومن المواقع التي تولت كبر هذه التحليلات (موقع إيلاف)، الذي تخصص في لمز المجاهدين ورميهم بالإرهاب، مستغلين أي حدث من أجل توظيفه لمبادئهم الفاسدة، فيقول أحدهم: "إن وضع حماس مع إسرائيل يشبه طفل سفيه يلاحق ملاكم شرير ويشتمه بأمه وأخته مراهناً (والأطفال خبثاء بالفطرة)". ألا إنهم هم الخبثاء ؛ فانظر كيف يعظمون العدو ويثبطون أهل الجهاد، ولقد قال الله عز وجل في سياق الآيات الماضية: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ الآيات السابقة نزلت في غزوة أحد  ونحن نتذكرها اليوم لأن الله عز وجل ذكرها في كتابه لأهميتها ولعظم الفائدة منها ومن دروسها وخاصة مع أحداث غزة.

إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته  لقد عرفوا الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائما في رعاية ربه، وقد أخذ صحابة رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم. واليوم في أحداث غزة، هل نستنبط منها الكثير لحل قضايانا ، حسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم عجل بفرج إخواننا في غزة، وانصرهم على القوم الكافرين.

 

 

 

 

 

 

 

ما الذي تعلّمنا من المقاومة

لقد مرّت أيامٌ المقاومة كأنها أعوام ، ومرّ شهرٌها مثقلًا بالآلام ، في حربٍ قضَّت المضاجع وأثخنت في المستضعفين المواجع ، فتكٌ وتدمير وقتل وإبادة    فقد رأينا ما تقشعر له الأبدان ، من آثار القتل والعدوان ، الذي خلف دماراً هائلا وآلاف القتلى والجرحى ، نتيجة للتضحيات الجسام التي قدمتها وتقدمها غزة ، فكان لهده المحن منحاً: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ البقرة 216 . وبالرغم من كل هذه الجراحات فقد أثبتت المقاومة أن الإيمان أقوى من كل قوى البشر، وأن الميزان ليس بكثرة العدد وقوة العُدد: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ  ﴾ البقرة 249 فبرغم  الحصار الخانق ، استطاعت غزة أن تصمد أمام جيشٍ مدججٍ بأحدث ما وصلت إليه آلة الحرب ، من تكنولوجيا القتل والتدمير ، وتمنعه من تحقيق أهدافه : ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ﴾ الأحزاب 25 . وأثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ، إن آلة الحرب لا تصمد أمام قوة الإيمان، ولا يمكنها هزيمة الشعوب المؤمنة إذا أعدت ما استطاعت من القوة ، فقد تجلت في حرب غزة مظاهر النصر والعزة ، والصبر والثبات ، فكشفت هذه الحرب  بما لا يدع مجالاًً للشك ، أن ثقافة اليأس والإحباط والتآمر ، التي كانت وراء الهزائم المتتالية في 1948 و1967 م وانتكاسة 1973 م  أن النصر في المتناول. لو أعدوا ما أعدته المقاومة في غزة ، فقد كانوا يملكون من السلاح ، ما لا يقارن بما لدى المقاومة ، التي أثبتت أن الجهاد هو الطريق الوحيد لإلغاء التفوق العسكري .   إن الذي يحدث في فلسطين بأيدي الصهاينة المحتلين ، ومن يظاهرهم من الظالمين ، ليس حرباً ولا مجرد صراع ، إنه إبادة شعب ، واستئصال عرق ، وطمس هوية ، إنه إرهاب الدولة ، الذي يمارس تحت سمع العالم وبصره، والذي يقضي على كل أملٍ للسلام ، الذي تبنوه لحل قضية فلسطين ، فأي سلام هذا ؟ مع من ولغوا في الدماء ومزقوا الأشلاء؟! أهو سلام الغلبة والتسلط ونهب الأراضي وإذلال الشعوب؟ أم هو سلام القهر والعدوان وهدم البيوت وتدمير القرى   وبناء المستعمرات ، إنه ليس سلاما بل استسلام غير مشروط ، لعدو لا يعرف الرحمة؟ إنه استسلام لقطاع الطرق ، ولصوص العالم وقراصنة الأمم ، وهذه أعمالهم شاهدةٌ عليهم ، فهم من   يصنع الحروب والدمار ، ومن يبدؤها ويحركها ويزكيها ، أننا لا نستغرب ذلك منه ، لأنه يكرر تاريخه منذ أن نشأ ، ويمارس جبلته التي عرف بها منذ أن وُجِد، كما أننا نعلم من أوجده ومن رعاه   ومن برر له وحماه .  إن المقاومة لتدل على أن في رجالنا جند ، وفي قرآننا وعد، وأن أمة الإسلام لا تمت ، وأن المستقبل مفتوحٌ لكل مفاجئة ، وطوفان الشعوب تتقاصر دونه السدود ، وتمحى على وقع خطواته الحدود: ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوسف21 .

وهنا أتسائل : إلى متى ونحن في الساحة الدولية في محل المفعول به لا الفاعل؟ هذا إذا كان لنا بالنسبة لهم محلٌّ من الإعراب ، ولماذا نرضى بذلك ونحن من يملك ثروات العالم وكنوزه ، ومن يملك ممرات العالم ومضايقه ، أضف إلى ذلك الإيمان الذي جربته الأمة في تاريخها الطويل ، فكان أمضى سلاحاً وأقواه ، وأمةٌ هذه مقوماتها  أليست بحاجة التغيير ؟ وطي صفحة الضعف والتقصير ؟ وأن تكون متبوعةً لا تابعة ، وعزيزةً لا ذليلة ، وهاديةً لا بسواها مهتدية؟

أما آن للأمة أن تنهض وتبدأ بالعمل :﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ التوبة 105 .  لقد أثبت المقاومة ، أن القوة والاستعلاء ، حتى مع الدماء والأشلاء ، هو السد الرادع للمعتدين  آلمني الغمز واللمز ، الذي تتهم فيه هذه المقاومة بأنها السبب في إراقة الدماء ، وما حل بغزة من دمار ، وما علموا أنه لولا هذه الدماء ، ما وصل إلينا هذا الدين وما انتشر ، ولولا هذه الدماء ما فتح المسلمون ثلاثة أرباع العالم ، وشعارهم اطلب الموت توهب لك الحياة ، آمنوا بأن كل الناس سيموتون: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ ولكن ليس كلهم يُستشهدون قال تعالى : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾  فالموت منتهى كل أحد ، وكلنا سيفارق هده الحياة ، ولكن شتان بين من يموت شهيداً ، تُزف إليه عروسه من الحور العين ، ولا يجد من ألم الموت إلا مثل قرص البعوض   وبين من يموت على فراشه ، ينازع خروج الروح ويعاين سكرات الموت ، ونحسب أن من قُتل من إخوتنا بغزة ، جمعوا أنواعاً من الشهادة في سبيل الله  ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي: ( ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد ) ، وفي رواية: ( والذي يموت تحت الهدم شهيد ) .

علمتنا المقاومة في غزة : أن دماء شهدائهم وجرحاهم لم يذهب سُدى ، وأنه اليوم قد استحال مدادا تُكتب به صفحات التاريخ من جديد ، تُسجل فيه مواقف الصامدين والصامتين ، والثابتين والشامتين ، وليعلم     المتخاذلون أن المقاومة تعلم ، وكل ذي علم يعلم أن حرمة الدماء في الإسلام معلومة ، وصيانة النفس والمال مطلوبة ، وأن ذروة سنام الإسلام الجهاد ، وأنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها !ولو كانت الغاية ا حفظ النفس فحسب ما كتب علينا الجهاد، ولو كانت صيانة النفس هي الغاية الكبرى ، والبغية العظمى ، ما انطلق المسلمون الأوائل ، يجوبون البلاد لفتحها ، ونشر دين الله ، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولهذا كان المقاومون ، كلما تتابع القصف والقتل ، وتزايد البطش والعدوان   زادت قوة عزائمهم ، وتضاعف عدد شهدائهم   وبلغت نفوسهم المنتهى في الإصرار ، والمضي في درب الجهاد ، طلباً للنصر أو الاستشهاد ! إنها بحق دروسٌ بليغةٌ للأمة ، في المبادئ والثوابت وسنن الله في الكون   تلك التي تحملها مدرسة المقاومة في غزة ، ولم تزل في جهادها القوي ، وعزمها الأبيّ ، مدرسة شامخة الطود   راسخة البنيان ، فقد علّمت الأمة ، رغم تصدّع بنيانها   وتغلغل الضعف في مفاصل جسدها ، أنها حية بعدُ لم تمت ! وأنه لم يزل بعدُ في الأمة من بقايا الإيمان الصادق ، ما يبعث فيها الحياة من جديد ، ومهما بدا للناظر أن بنيان الأمة آيل للسقوط ، وأنها على حافة الهاوية ، التي ستكون مقبرتها للأبد ، تعود فيها مواقف القوة والثبات ، والصدق في الاستمساك بعرى الدين وجريان دمائه في عروق الأمة الخالدة ، بهذا الدين وبكتابه المبين ، وذلك مصداق وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل :( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق   لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) أخرجه مسلم عن ثوبان ، وعند الحاكم من رواية عمر بلفظ: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ). وعند البيهقي وابن حبان بسند صحيح : ( لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة ) .

علمتنا المقاومة : أن بقاء الأمة وعزّها بين الأمم مرتهن بإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله ، فهو ذروة سنام الإسلام ، وهل يُرتقى العزّ بسلالم الذل والهوان ؟ وقد قال الله في كتابه : ﴿ بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً  ﴾ .

وقد صرحت أحاديث الطائفة المنصورة ،، أن نصر الله لها ، إنما هو لرفعها راية الجهاد في سبيل الله   تكفّ به بغي البغاة ، وعدوان المعتدين ، وتحفظ به عزها وكرامتها بين العالمين ، فقد أخرج مسلم عن عقبة بن عامر: (  لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى تأتيهم الساعة وهم كذلك  ) .فالجهاد سنة ماضية ، وشعيرة باقية ، يقيّض الله له فئة من هذه الأمة ، التي لا ينطفئ فتيلها إلى يوم القيامة ، وفي الأحاديث إشارة إلى أن نصر الله لا يزال مدداً لهم مهما خذلهم وخالفهم الآخرون .

علمتنا غزة : أنه لن تنتهي بيننا لُغة: ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ ، حتى نرفع شعار: ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ﴾ ! كما علمتنا أن البلاء مهما عظُم لن يكون شراً محضاًً ، وأن الله لرحمته ولطفه ، لن يكتب على هذه الأمة المحمدية بلاءً يستأصل خضراءها ويبيدها عن آخرها ، فكم في طيات المحن من منح ، وكم في ثنايا البلايا من العطايا

وحسبكم أن دماء أهل غزة ، قد أحيا أمةً الإسلام   فتدفق فيها من جديد دم الإيمان ، وذكت فيها جذوة الولاء و البراء التي كانت خامدة ، وأنها أمّةً تحيا بموت آخرين منها ، أمة تأبى الذوبان ، أمة عصيّة على العدو مهما بلغ ، وهي الجديرة بالتمكين والاستخلاف   طال الزمان أم قصر ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 

 

 

 

التهيئة لزوال إسرائيل

إننا نعيش في ظروف نرى من يعمل للقضاء على الإسلاميين أو المحاولات التي تبذل للقضاء عليهم ، بهذه الحدة والشراسة ومن جهات تعمل على خنق الإسلام ، وتحطيم العاملين والدعاة ، وتشويه كل ما يمت إلى الإسلام ، ورصد كل بذرة إسلامية في بلاد المسلمين ، ومعاملتها بكل غلظة ، لم تعرف لها عصور الهمجية مثيلا ، وللأسف بأيد محسوبة على الإسلام ، مقابل صمت مريب   وتواطؤ سِرّي ، مع اليهود والصهيونية العالمية والصليبية الدولية ، مما أدى إلى تشتيت العاملين للإسلام ، وبعثرة الطاقات الصادقة في الأمة ، والشدّة على المؤمنين ، والرحمة مع الكافرين ، وبطولات مزيفة خادعة ، رصيدها الكلام ، واستسلام لقضايا الأمة المصيرية  والسُكوت عن القضايا ، والحقوق الإسلامية   فأصيبت الأمة ، بما لم تصب به ، في كثير من فترات تاريخها ، فقد ظهر فيها متواطئون كثيرون ، وفرضوا المفاهيم المنحرفة بقوة القانون الوضعي ، على جماهير الأمة المسلمة  التي أصبحت لقمة سائغة ، وغنيمة للغزاة الذين استولوا على كل شيء ، واستغلوه لمصلحتهم ، ومن نعمة الله على هذه الأمة أن أوجد فيها الطائفة الظاهرة على الحق في بيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس ، والتي أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد بأسانيدهم عن معاوية رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )  فقد مرت الأمة الإسلامية ، خلال عمرها الطويل ، بفترات مظلمة حالكة ، أشد مما نسمع ونشاهد في القدس الشريف ، فقد استطاع أعداء الإسلام ، في غفلة من أهله أن يسيطروا على مقدراتها ، ويسلبوا أرضها   ويستبيحوا أعراضها ، ويسفكوا دم أبنائها .

وفي كل مرحلة من هذه المراحل ، كادت عوامل اليأس ، ومشاعر الإحباط ، أن تقتل الهمم ، وتخدر العزائم ، وتدمر الطموحات  ومن رحمة الله بهذه الأمة ، أن قيض لها رجالاً قاوموا الأعداء ، واستردوا الأرض المغتصبة  واستعادوا الحق السليب ، فقد أتى الصليبيون إلى الشرق ، واحتلوا بلاد الشام ، وعاثوا في بلاد المسلمين فساداً ، وقتلوا النساء والرضع واستباحوا الحرمات ، وسقطت القدس في أيديهم ورفعوا الصليب فوق قبة الصخرة   واتخذوا المحراب مشتى لخيولهم وخنازيرهم   وغطت جثث المسلمين ساحات المسجد الأقصى ومدينة القدس ، وقتلوا على ما يقرب من تسعين ألفاً ،بل وأكلوا لحوم المسلمين   وفعلوا من الجرائم ، ما لا يخطر على بال ، وما تشيب من هوله الولدان .

وفى وسط هذا اليأس والظلام الدامس ، قيض الله لهذه الأمة ، من جابههم ، وكتب لها النصر عليهم ، وكانت نهاية الصليبيين على يد صلاح الدين ، في معركة حطين ، وطهر بيت المقدس من دنسهم ، وأعاده لأمة الإسلام .

وقد فعل التتار بديار المسلمين ، ما لا يستطيع قلم أن يصفه ، فدمروا الخلافة ، وقتلوا الخليفة   وقتلوا من الرجال والنساء والأطفال   الأولوف المؤلفة ، واجتاحوا ديار المسلمين سلباً ونهباً وهدماً ، وتصور الناس يومها ، أن لا   خلاص من هؤلاء ، حتى هيأ الله للأمة القائد المجاهد قطز، الذي غسل العار وأعاد الديار ، فهزمهم في معركة عين جالوت  ودخل التتار في دين الله أفواجاً . ولم ينته القرن التاسع عشر ، حتى وضع اليهود خطتهم الخبيثة ، لإقامة دولتهم ، وهيكلهم المزعوم ، وبسط نفوذهم على العالم ، وتمكنوا بمساعدة الإنجليز والفرنسيين والأمريكان من القضاء على الخلافة الإسلامية ، بمعاونة اليهودي الماكر ، كمال أتاتورك عام 1924م وتفتيتها إلى دويلات ، مستعمرة من أعدائها   وإني على يقين ، أن يتمخض من هذه المحنة في هذا العصر ، بزوغ فجر الإسلام ، الذي تحتاجه البشرية اليوم ، وخاصة بعد أن فشلت كل المحاولات ، في إسعادها واستقرارها .

إن إسرائيل لا بد إلى زوال ، فلا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس ، وأحلام اليوم ، حقائق الغد   ولا زال في الوقت متسع ، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة ، في نفوس المؤمنين  رغم طغيان مظاهر الفساد ، والضعيف لا يظل ضعيفاً أبدا ، والقوى لا تدوم قوته أبد الآبدين ، فليس ما نقول خيالاً ، إذا صدق الإيمان بالله وقدرته ، وكما قامت الأدلة والشواهد في دنيا المسلمين وغيرهم ، على إمكان النهوض من الكبوة ، والاستفاقة من الغفلة ، إذا ما صح العزم ، وصدق اليقين   فنعتمد على القوة التي لا تقهر ، في مرحلة اجتمعت فيها قوى البغي على الإسلام  للأكل من قصعته ، وتحقيق أهداف إسرائيل حتى ظن الناس اليوم ، أنه لا خلاص مما نحن فيه ، ألا فسيكون الخلاص، ويقول القائلون متى هو ، ألا إن الخلاص قريب ، وقد أمد القرآن الأمة بهذا الشعور ، بأسلوب يٌخْرج من الأمة الميتة ، أمة كلها حياة ، وهمة وأمل وعزم ، وحسبنا أن الله يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر ، والقنوط من مظاهر الضلال ؛ وإن أضعف الأمم ، إذا سمعت قوله :﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم الوارثين    ونمكن لهم في الأرض ﴾القصص5 . وقوله تعالى:﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلون إن كنتم مؤمنين , إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾آل عمران 139   وقوله تعالى:﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ البقرة 214. إن أضعف الأمم ، إذا سمعت هذا التبشير كله وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية   لابد أن تخرج بعد ذلك ، إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت ، ومقارعة الحوادث مهما عظمت ، حتى تظفر بما تصبو إليه ، من زوال إسرائيل ، وها هي إسرائيل ، تظلم وتجور وتطغى وتتخبط في قراراتها الجائرة ، ولم يبق بعد هذا ، إلا أن تمتد يد قوية ، يظللها لواء الله ، وتخفق على رأسها راية القرآن ، ويمدها جند الإيمان القوى المتين ، فإذا بالدنيا مسلمة   وإذا بالعوالم هاتفة :﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ الأعراف 43. ليس ذلك من الخيال في شيء ، بل هو حكم التاريخ الصادق ، إن لم يتحقق بنا ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ المائدة54 . بيد أننا نحرص على أن نكون ممن يحوزون هذه الفضيلة ، ويكتبون في ديوان هذا الشرف قال تعالى:﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ القصص 68 .

 

تهويد الأقصى  

بعد إصابة الحاخام اليهودي يهودا غليك  الناشط في مجال الدعوات ، لاقتحام المسجد الأقصى، بجروح بالغة بعد إطلاق النار عليه   نرى ويرى العالم ، ما يحدث للأقصى ، على مسمع العرب والحكام ، وكأنهم نيام ، ولا نجد من يحرك ساكنا ، غير الصمت والاستنكار ، الذي ما جلب علينا غير الذل والعار ، ويرون المقدسيون يقتلون ولا يهتمون   تناسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم  (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) نسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم وتناسوا الأقصى   نسوا الاغتصاب والتشريد ، ومن ماتوا في الدفاع عن الأقصى  ونستغرب كيف تبقى أمة المليار والنصف صامتة هامدة ، راكدة عن تلبية نداء الأقصى   الذي يصرخ صباح مساء ، أملاً أن تلقى صرخاته قلوبا حية ، بالإيمان قوية ، بالتوكل على الرحمن عزيزة  ، وبحمل رسالة القرآن أبية ، واتباع هدي سيد البشرية    لنصرة مَن مِن الأقصى في كل يوم يُطردون  وتُسْمع صرخاتُهم فلا يُجابون ، ويأتي من بعدهم الصهاينة المستوطنون ، يرقصون ويسكرون   ويلهون ويلعبون ، ويسبون ويلعنون   ويطاردون المصلين ، الذين يستغيثون ، فلا يُسْمعون ، وقد خرس المسلمون فلا ينطقون  وصُمَّت آذانهم فلا يسمعون، وعميت أبصارهم فلا يرون ، ولا يعلمون ، أن الله تعالى نصر الأتقياء، فإذا لم يكن هناك أتقياء فإن نصر الله لن يكون، لأن نصر الله للأقوياء يكون ، ويوم ضاعت التقوى والقوة، ضاع الأقصى ، وضاعت البلاد والعباد، الذين يعانون ، القهر والظلم والاستبداد ، من الصهاينة الذين يزدادون في غيهم وعدوانهم  وظلمهم , وتهويدهم   ومنع المصلين من الصلاة في مسجدهم قال تعالى : ] ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها [ إن ما يقوم به اليهود من منع المصلين في المسجد الأقصى ، والتخطيط لتقسيمه ، شديد الخطورة ، لأنهم يعدون العدة لهدم المسجد   وبناء هيكل سليمان المزعوم ، كما جاء في العهد القديم في سفر حزقيال إيحاء ببناء الهيكل   وإذا تم لليهود ما يؤملون ، فسوف يكونون كما يحلمون   سادة العالم ، وهذا الحلم هو محصّلة نبوءات كثيرة في كتبهم ، ومن هنا قال وايزمان : إن بلفور عندما أعطانا وعد تملك فلسطين ، كان يترجم في العهد القديم   وبلفور مسيحي بروتستانتي ، والبروتستانتي يرى أن العهد القديم ، واجب التنفيذ   وبلفور كان رجل دين أولاً ، ثم كان رجل سياسة ثانيا ، وهذه معلومة لا يفهمها كثيرٌ من الناس ، ولكن المسلمين في نوم عميق وسبات طويل   يهتمون بسفاسف الأمور   ويتركون عظائمها   فالخطة التي وضعتها القوى المعادية للإسلام   نفذت بدقة لتوفير الفرص ، أمام إقامة دوله يهود ، وهذا يدل على أن مستقبل الأمة ما زال موحشا   وكيف لا يكون ذلك ، وهم لا يلتزمون بدين في أكثر الميادين ، إلا من عصم الله ، ولو حملوا أمانات الوحي ، لكانوا أرعى الناس لها   وها هم حملوا هذه الأمانات  فما رعوها حق رعايتها ، وقد علق القرآن على هذا السلوك فقال تعالى : ] وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكُونُنَّ أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذيرٌ ما زادهم إلا نفورا . استكبارا في الأرض ومكرَ السَّيءِ ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله [ فاطر42 .

إنه لمن العار أن يستغيث الأقصى ، وأهله ولا يغاثوا ، أم غاب عن أذهاننا أن الأقصى من أقدس بيوت الله ، وأن نجدته من أوجب الواجبات ، وأن قضية الأقصى قضية تصب في صميم الإيمان ، والشرف والكرامة ، وهل تجاهل المسلمون ، أن واجب الدفاع عن الأقصى ، هو واجب جماعي والتزام ديني   وأن تحريره فرض عين ، على كل واحد منهم     

أما آن لنا ، أن نلبي نداء الأقصى بالقول والفعل ، والهمة والعزيمة ، والزحف والصهيل   بدل الاحتجاج والتمتمة ، والصراخ والعويل   أملنا كبيرٌ ، فأمتنا تمرض ، ولكنها لا تموت   وقد تسقط على الطريق ، فتطول كبوتها   ولكنها تتحامل على نفسها ، مرات ومرات ثم تتابع المسيرة ، لأن المؤمن من هذه الأمة لا يعرف اليأس ، ولا يفقد الرجاء ، لأنه واثق بربه ، ثم هو واثق بحق نفسه ، ثم هو واثق بوعد الله ، فإن مرت به محنة ، اعتبرها دليل حياة وحركة ، وإن الميت الهامد ، لا يُضرب ولا يؤذى ، وإنما يضرب ويؤذى المتحرك الحي المقاوم- كما قيل - كالذهب والحديد يدخل النار فيستفيد ، إذ يذهب خَبَثه    ويبقى بهاؤه ، وما على المسلمين ، إلا أن يكونوا بحجم التحديات ، على صبر وثبات   وليس من المهم ، الوصول إلى القمة ، لأن الأهم ، هو البقاء فيها،بل إن الانحدار إلى القاع هو الكارثة ، وإن الكارثة الاعتقاد بأن لا سبيل إلى الخروج من القاع ، وليس الدواء في بكاء الأطلال ، وندب الحظوظ ، لكنه في الترفع عن الواقع ، بلا تجاهل له ، بإرادة قوية ونفس أبية ، وعندها يمكن تحويل عوامل الضعف ، إلى القوة بإذن رب البرية .

مَن يسمع استغاثة الأقصى ، ومَن ينتصر للمظلومين بعد حطين وصلاح الدين ، ومَن ينقذ الأقصى من التهويد ، ومن الحفر والتنقيب ، والظلم الدفين ، ومن يقود الأمة   إلى بشائر النصر والتمكين ، بعد هذه السنوات التي عانى فيها من خبث ونجاسة الصهاينة المحتلين ،وبعد سنوات من ذل المغضوب عليهم وظلم الظالمين من العالمين   ولم ينتصر له أحد من المسلمين ، واليهود لجهود السلام رافضين ، فأمعنوا في غيهم   وأعلنوا عن يوم العاشر من نيسان ، يوما لاقتحامه وتدنيسه ، فماذا أعددنا لإفشال هذا المخطط اللعين ، أم أننا لجهود عملية السلام مؤملين ، ناسين أن الله سيسألنا عن عدم نصرته يوم الدين ، وأن واجبنا أن نصمد ونصبر صبر المجاهدين المجدين ، لا صبر القاعدين المنتظرين ، لجهود سلام أصبحنا منه يائسين ، وإنا لنقولها ، ونحن على الله متوكلين  أن لفلسطين أهلها ، وهم في الحقيقة كل المسلمين ، قال تعالى : ] ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران 139 .

وللمسجد الأقصى قدسية كبيرة عند المسلمين  ارتبطت بعقيدتهم ، منذ بداية الدعوة . فهو يعتبر قبلة الأنبياء جميعاً قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو القبلة الأولى التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتم تغيير القبلة إلى مكة.

وقد توثقت علاقة الإسلام بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج حيث اسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وفيه صلى النبي إماما بالأنبياء ومنه عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء . وهناك في السماء العليا فرضت عليه الصلاة ، ووصف الله المسجد الأقصى بـالذي باركنا حوله ، يدل على بركة المسجد ، ومكانته عند الله وعند المسلمين . فالأقصى هو منبع البركة التي عمت كل المنطقة حوله ، والمسجد الأقصى هو المسجد الثالث الذي تشد إليه الرحال ، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن المساجد الثلاثة الوحيدة ، التي تشد إليها الرحالة ، هي المسجد الحرام ، و المسجد النبوي والمسجد الأقصى  قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) .  

وللصلاة في المسجد الأقصى ثواب يعادل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد . قال صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة   والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة )  .

وهو المسجد الذي أمر النبي الصحابة بالبقاء قربه روى أحمد في مسنده عن ذِي الأصَابِعِ قَال : ( قلت يا رسول الله إِنِ ابْتُلِينَا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون ) .

 

 

زوال إسرائيل

إن النبوءات والتكهنات، بزوال إسرائيل لا تهدأ ولا تنقطع، بضاعتها أسفار العهدين القديم والجديد وشروحها، والعنصر الحاسم الذي تنفرد به النبوءات ، هو تحديد نهاية دولة إسرائيل بالسنوات، وأن زوالها واقعٌ لا محالة    وأنّ زوالَها قد يسبقُه زوالُ أنظمةٍ عربيّة    وفي الوقت الذي أعلن الأغلبية من ممثلي حزب الليكود في الكنيست ، نيتهم الدفع نحو تدشين "الهيكل" حذر جنرالات وكتاب صهاينة ، من أن السماح بتواصل تدنيس المسجد الأقصى ، من قبل الساسة والجماعات اليمينية اليهودية ، سيفضي إلى زوال إسرائيل   وفي ذات السياق، حذّرت الصحافية مزال موعلام من أن نتيناهو يخاطر بفتح مواجهة خطيرة مع العالم الإسلامي ، قد تفضي إلى تقليص فرص إسرائيل على البقاء، من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة ، وسبق لرئيس جهاز الموساد سابقاً (مائير داغان) القول في مقابلة مع صحيفة (جيروزلم بوست) في أبريل عام 2012: " نحن على شفا هاوية، ولا أريد أن أبالغ وأقول كارثة، لكننا نواجه تكهنات سيئة ، لما سيحدث في المستقبل ". وقد صدرت تصريحات مشابهة ، لقادة ومفكرين صهاينة عقب هزيمة إسرائيل ، في حربها على غزة

وفي عام 2002، أعد مركز الدراسات الاستراتيجية والتقنية الروسي المستقل في موسكو، تقريراً أكد فيه أن المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ، سيواجه الانهيار خلال عشرين عاما ، وأن إسرائيل ستزول عن الخارطة السياسية للشرق الأوسط خلال هذه المدة ، لرفض العرب لها   ولاعتمادها على القوة العسكرية ، وذكر أن العالم سيكون شاهداً في غضون العشرين عاماً القادمة ، على زوال إسرائيل، وأن هذا الكيان سيشهد المصير نفسه ، الذي انتهت إليه الممالك اللاتينية ، التي أقامها الصليبيون ، إبان احتلالهم لفلسطين" . وجاء في تقارير صحفية   أن هنري كيسنجر ، ومعه ستة عشر إدارة استخبارات أمريكية ، اتفقت في الرأي ، على أنه في المستقبل القريب ، ستزول إسرائيل من الوجود، ولم يقدم كيسنجر حلاً لمشكلة الخطر على إسرائيل، ولكنه صرح ببساطة بحقيقة ، يعتقد أنه يراها أمامه ، وهى أنه بحلول عام 2022 ستكون إسرائيل قد زالت من الوجود، وتتفق أجهزة المخابرات الأمريكية مع رأي كيسنجر، ولكنها تختلف معه في تحديده لتاريخ زوال إسرائيل بحلول عام 2022بالتحديد ، وهناك ستة عشر جهاز استخبارات أمريكية ، يبلغ مجموع ميزانياتها السنوية ، أكثر من سبعين مليار دولار، أصدرت تقريراً مشتركاً من 82 صفحة ، يتضمن تحليلاً سياسياً عنوانه: "الإعداد لشرق أوسط بعد زوال إسرائيل". ويلاحظ في التقرير أن السبعمائة ألف إسرائيلي ، الذين استوطنوا بطريقة غير شرعية على أرض فلسطين ، نهبوها بعد حرب سنة 1967، وهى أرض يتفق العالم كله على أنها أرض فلسطينية ، وليست إسرائيلية، وأن هؤلاء المستوطنين ، لن يتركوا هذه الأرض سلمياً، وحيث إن العالم كله ، لن يقبل ضم هذه الأرض المنهوبة إلى إسرائيل ، فإن إسرائيل ، ستكون مثل جنوب إفريقيا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي ، وقد سبق وأن تنبأت المخابرات المركزية الأمريكية   بالسقوط السريع ، وغير المتوقع لحكومة جنوب أفريقيا العنصرية ، وكذلك بتفكك الإتحاد السوفياتي في مطلع عام 1990م. وها هي اليوم تقترح نهاية الحلم بأرض إسرائيل والذي سيحدث عاجلاً أم آجلاً.

هذه الرؤى بزوال إسرائيل عام 2022   جاءت مكملة لروية رقمية ، ذكرها الكاتب بسام نهاد جرار ، في كتابه - نبوءة  قرآنية أم صدفة رقمية -  والغريب العجيب التطابق في تحديد تقريبي لتاريخ زوال إسرائيل ، فقد برهن الكاتب ، بلغة الأرقام في كتابه ، بأن زوال دولة إسرائيل ، سيكون في عام 2022م   استنادا إلى ما ورد في القرآن الكريم ، من إفساد اليهود في الأرض ، وقد تحقق الإفساد الأول ، الذي دفع نبوخذ نصّر عام 586 ق.م لشن حملة من أجل تأديب اليهود   وسمي ذلك بالسبي البابلي ، وتحقق الإفساد الثاني بإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وفي التوراة نبوءة ، تخبر أن عمر الدولة اليهودية ، سيدوم لمدة 76 سنة ، وعندما تحدث ، مناحيم بيغن عام 1982 في مؤتمر صحفي ، أثناء الغزو اليهودي للبنان قال: إن إسرائيل ستنعم بالسلام لمدة 40 سنة ، ثم ستكون المعركة الفاصلة مع العرب ، وعليه فإن حاصل جمع 1982 + 40 = 2022 وهو عام زوال إسرائيل ، وفي التقويم الهجري يكون عام 1948 هو العام 1367 ولو جمعنا 1367 +76 وهو عمر دولة إسرائيل ، كما في نبوءة التوراة ، فإن الناتج هو 1443هجري ، وهو يوافق عام 2022 ميلادي ، وهو عام زوال إسرائيل . وفي سورة الإسراء التي تتحدث عن إفساد اليهود في الأرض ، لو جمعنا كلمات الآيات من قوله تعالى ﴿ وآتينا موسى الكتاب﴾ حتى قوله ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ سيكون الناتج 1443كلمة ، وهو ما يتطابق مع التقويم الميلادي لعام 2022 ، وقد قامت دولة اليهود فعليا ، في حزيران من عام 1948 وعند إضافة 76 سنة لهذا التاريخ ، فإن الناتج هو 26931 يوم ، وعليه فإن اكتمال ال 76 سنة ، سيكون في شهر آذار من العام 2022   وقد تحدث القرآن سورة يوسف ، عن نشأة بني إسرائيل ، وتحدثت سورة الإسراء عن نهايتهم ، وعدد الآيات في كل سورة هو 111 آية , ولو حذفنا المكرر من نهاية الآيات بكلمات سبيلا ووكيلا ، لبقي 76 آية وهو عمر دولة اليهود .

وإذا اعتقدنا بزوال إسرائيل ، فماذا أعددنا لذلك؟ هل قام المسلمون بواجب السعي إلى نصرة المستضعفين في فلسطين ودفع عدوان أعداء اليهود عنهم ؟  إن تطابق الرؤى المستقبلية والرؤى الرقمية لافت للنظر ، وهل يعني هذا التطابق أن يقعد المسلمون انتظاراً لزوال إسرائيل ؟ طبعاً كل هذا لا يعني أن ننتظر انهيار إسرائيل ، لذا يتوجب على الفلسطينيين خاصة ، والمسلمين عامة الاستمرار في خيار المقاومة العسكرية والسياسية، للقضاء على إسرائيل .

إن التغييرات في العالمين العربي والإسلامي   من الممكن أن تجعل الغرب يقتنع بان إسرائيل باتت عبئا ثقيلا يهدد مصالحهما ، يقول الشيخ بسام : إن القران والسنة يكشفان الكثير من غيوب المستقبل ، ونحن نحاول أن نتوصل إلى ذلك ، من خلال قراءة ودراسة الألفاظ القرآنية ، ولا نعتمد إطلاقا على التوراة والإنجيل ، إلا أننا قد نلفت الانتباه إلى وجود بعض الأمور الموافقة لما ورد في القران الكريم ، ولا مانع من ذلك شرعا ، والمعلوم أن تحريف التوراة والإنجيل يعني أن فيهما حقا مختلطا بباطل البشر ، وإلا فما معنى قول العلماء أن التوراة الإنجيل يحتويان على نبوءات تتعلق ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما يمكن القول أنهما يحتويان على النبوءات بزوال إسرائيل  وهنا نتساءل ؟ هل يلزم بالضرورة ضعف أمريكا قبل زوال إسرائيل ؟ على اعتبار أن أمريكا هي من يدعم ويمد إسرائيل بالمال والقوة؟ وهل هذا الضعف ممكن في ظل هذه القوة الأمريكية وهذا الضعف الإسلامي الكبير؟ وهل يكون هدم الأقصى أحد أهم الأسباب لزوال دولة إسرائيل؟ علماً بأنه لا يوجد نصوص إسلامية ، تشير إلى هدم المسجد الأقصى ، وليس هناك ما يشير أيضا إلى عدم هدمه ، والجميع يعلم أن مؤامرة الأقصى قائمة ، وهي خطيرة ، ولا شك أيضا إن التردد الإسرائيلي تجاه الأقصى ، يدل على خشية أن يؤدي المساس بالأقصى ، إلى ردود فعل ، لا يمكن قياس مداها الزمني والمكاني   والأقصى هو الموقع ، وليس البناء فقط   وعليه فليست الخطورة تكمن في الهدم بقدر ما تكمن في مزاعم الأحقية.

والسؤال هنا، لماذا تشن إسرائيل حربها الضروس على المسلمين في هذا الوقت بالذات وبشكل سافر وصريح وعنيف؟! الجواب: لأن زوال دولتهم سيكون على يد المسلمين الذين سيدخلون المسجد الأقصى فاتحين بإذن الله   وعلامات هذا الفتح ، قد اقتربت ، والأخبار موثقه في كتبهم وموروثاتهم الدينية ، الممتدة عبر قرون طويلة ، ومفاده أن زوال دولتهم في النهاية ، سيكون على أيدي المسلمين، فقد ورد في كتاب (كابلا) السري الذي يحتفظ به اليهود المتصوفة ، وكهنتهم الروحانيين، أن زوال دولة إسرائيل أمر محتم ، وذلك حينما تبلغ ذروة القوة والهيمنة على العالم ، وهو الفساد ، والعلو الثاني الذي نعاصره الآن ، بكل ملامحه الشرسة   فاليهود يتوجسون خيفة من قرب النهاية ، فقد كشف الطبيب الفرنسي اليهودي الأصل (ميشيل نوستراداموس) في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ، عن حقيقة زوال دولة إسرائيل على أيدي المسلمين في كتابه-تنبؤات- ذكر فيه أن هناك حرباً عالمية ، تندلع شرارتها في الشرق الأوسط ، بمقتضى تحالفات ، أخذت تتشكل بفعل تنامي الصراع السياسي في المنطقة، مستنداً في تحليله واستنتاجاته إلى القرآن الكريم ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروايات أهل البيت والخلفاء الراشدين ، فكل الأحاديث الواردة تثبت أن زوال دولة إسرائيل ، أمر حتمي على أيدي المسلمين  وبقيادة مصلح عالمي ، من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم   يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعدما ملأت ظلماً وجورا ، وبهذا يعلو دين الله عز وجل ، فوق كل الأديان ، ويتحقق وعد الله الصادق والمؤكد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مطلع الدعوة الإسلامية   قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ الصف 9 .

 

 

من ينصر للأقصى

 شعرت بالأسى والحزن ، وأنا أرى إخوة لنا في العقيدة ، تهان كرامتهم ، وتنتهك حرماتهم   ويبكون أمام أعيننا ، من اليهود ، على أبواب المسجد الأقصى ، فتساءلت إلى متى تبقى الأمة الإسلامية ، هدفًا للأمم الكافرة  والشعوبِ الباغية، يسعَوْن لإبادتها   ويحصدون خيراتِها، وينتهكون مقدساتِها  ومن اليهود المعتدين في فلسطين، الذين سَلَبَوا أرضَها وشرَّدوا أهلها ، وقد تجاوَزَ الاستكبارُ اليهودي حدودَه، وبلغ طغيانَه ، فسفكوا دماء الأطفال الرضَّع، والشيوخِ الركع، والنساء العزل ، وهي في الأقصى تنادي : وا إسلاماه! تطلب الغوثَ والنصرة مما تلاقيه ، وهي تقف بالمرصاد أمام اليهود وأحلامهم، يرابطن ويحتشدن مع من استطاع الدخول من الرجال   إلى المسجد الأقصى ، وسط إجراءات أمنية مشدَّدة ، اتَّخذتْها الشرطة الإسرائيلية لمواجهة المعتصمين، وهذا الفعل أقصى ما يمكن أن يقدَّم من أمثالهم، حين غابتْ جيوش المسلمين عن الوغى وساحات الجهاد.

يَا قُدْسَنَا المَحْبُوبَ عُذْرًا  إِنَّنَا    تُهْنَا عَلَى دَرْبِ الخِلاَفِ كَمَا تَرَى

وَقَفَتْ سُدُودُ الخَائِنِينَ أَمَامَنَا       فَاعْذِرْ فَإِنَّ الشَّهْمَ مَنْ  قَدْ  أَعْذَرَا

مَهْمَا تَعَدَّدَتِ المَشَارِبُ حَوْلَنَا              مَهْمَا تَطَاوَلَ ظَالِمٌ وَتَجَبَّرَا

فَلَسَوْفَ تَبْقَى أُمَّتِي مَنْصُورَة           تَرْنُو بِعَيْنَيْهَا إِلَى أُمِّ القُرَى

أَوَلَمْ يُبَشِّرْهَا الرَّسُولُ بِأَنَّهَا           سَتَظَلُّ أَقْوَى فِي الوُجُودِ وَأَقْدَرَا

سَتَظَلُّ طَائِفَةٌ عَلَى إِيمَانِهَا            مَنْصُورَةً تَبْنِي الكِيَانَ الأَكْبَرَا

 فما نحن فاعلون ؟      

واجبنا رفع راية الجهاد لتحرير الأقصى وكل شبر محتل من أراض المسلمين ، وإعادتها إلى ‏حظيرة الإسلام ، لإعلاء كلمة الله ، وتطبيق شرعه فيها ، ويتحمل كل منا مسؤولية التقصير ، عن القيام بهذا الواجب العظيم، ‏ولا عذر لأحد في التفريط في هذا الواجب ، لا على ‏مستوى الحكومات، ولا على الأفراد والجماعات، وهذا هو شأن أهل الإيمان قال تعالى : ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله  والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾النساء 76 ، وإذا انتهى اللقاء بيننا وبين خصومنا باسترجاع ما احتل ، فإن كان بغير معركة : ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ الأحزاب 25  وقرآننا يقول بعد ضرورة الالتجاء إلى القتال: ﴿ وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله ﴾الأنفال61 وإسرائيل لم تجنح للسلم يومًا،وها هي تعمل اليوم جاهدة ، لتفريغ القدس من أهلها   لتملأها بالمستوطنين ، ومن هنا لا تجوز مسالمتهم ، حتى لو قبل أهلها ، لأن القدس شأن الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى مسلمي العالم أن يرفضوا أي تآمر على القدس والمسجد الأقصى   ومواجهة خطط إسرائيل في إقامة المستوطنات، والترحيل الصامت لأهل القدس، والحفر المتواصل تحت المسجد المبارك  والتدمير المرتقب له ، ولا يكون وقف هذه الاعتداءات ، إلا بالجهاد ، وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث التي وردت في الحثِّ على ذلك قال تعالى:‏ ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ التوبة 41 .

إنّ قضية فلسطين من أهم القضايا التي تشغل أمتنا الإسلامية في هذا الزمان , ولا يصحُّ أن تُهْمَل مهما كانت مشاغلنا وأعمالنا ، وإن نصرة فلسطين جعلها الله ، مقياسًا لإيمان الأمة؛ فلحظات ارتفاع المقاومة للاحتلال  ولحظات الجهاد والنضال ، هي لحظات الإيمان, أمَّا الاستسلام والخنوع فهو إشارة إلى غيابه ، ولن يتغيَّر الحال من الذِلَّةٍ إلى العِزَّة ومن الضعف إلى القوة, إلاَّ إذا اصطلحنا مع الله, ، وطبَّقنا شرعه, وتُبْنَا من ذنوبنا وأخرجنا الدنيا من قلوبنا, وعَظُمَت الجنةُ في عقولنا. وما أروع كلمات عبد الله بن رواحة  وهو يُشَجِّع الناس يوم مُؤْتَة فيقول: "يا قوم  والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة, وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة  وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به" والله لا ينصر إلا من ينصره يقول : ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾الحج40, وعليه فإن المسلمين يجب أن يبحثوا عن الوسائل التي بها ينصرون الله حتى ينصرهم الله , إذ لا يكون نصر مع فساد العقيدة, ولا يكون لمن لا يؤمن بالله ولا برسوله ، وتصحيح العقيدة يحتاج إلى كثير علم وإلى صلاح قلب, وإلى طول مجاهدة وإلى إتباع منهج الله , والسير على طريق رسول الله قال : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾الأحزاب 21 .

ولو أَحْسَنَّا التدبُّر في سيرته لأدركنا متى نسالم ومتى نحارب, ولفقهنا أسباب النصر   وعوامل الهزيمة, وهذا لا يُوَفِّر وقتًا على الأمة فقط, بل يُوَفِّر جهدًا وطاقات هائلة, وإن نصر الله ، ينزل على الراضين بحكم الله, أمَّا المتخاذلين ، فلا مكان لهم في معادلة النصر.

جاء في تفسير السعدي: "إن تنصروا دين الله بالجهاد في سبيله، والحكم بكتابه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ينصركم الله على أعدائكم، ويثبت أقدامكم عند القتال"، أي: إنَّ كلَّ فرد مسلم تقع على عاتقه مسؤولية في تحقيق النَّصر تتمثل في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فإذا أردت نصر الله، فانتصر لدينه على نفسك، وعلى شهواتك، وعلى نزواتك، فالمعصية ليست بالأمر الهيّن، حتى ولو كانت تخص الفرد بنفسه، لأن أثرها يتجاوز الفرد إلى الجماعة.

لقد ترك أهل القدس القاعدين والمتخاذلين وفهموا بأن أمر التحرير ، حاضرا لن يتم إلا بما تم به سابقا، فإلى متى تصمد القلة في مواجهة جبروت الكثرة، وهل سيقبل العرب والمسلمون أن يسقط الأقصى حتى ينتبهوا من غفلتهم؟ أما آن لهم أن يعدوا العدة    لاسترجاع ما احتل من الأرض ، أما آن لهم ألا ينتظروا خيراً ممن ظلمهم حتى لا يكون حالهم كما قال الشاعر:

يرجون من ظلم أهل الظلم مغفرة         ومن إساءة أهل السوء إحسانا

أما آن للأمة أن تعرف عدوها ، وأن لا تثق أو تحسن الظن به ، وكيف ترجوا الأمة السلام مع قادة الإجرام الصهيوني الذين يمارسون الإرهاب ، الذي هو عقيدة قادتهم الذي صرّحوا به منذ القدم ، فقد قال إسحاق شامير : "لا يمكن استخدام الأخلاق اليهودية ولا الأعراف اليهودية كوسيلة لمنعنا من الإرهاب كوسيلة للحرب ، إننا بعيدون جدا عن الترددات الأخلاقية عندما نهتم بالنضال الوطني، فالإرهاب بالنسبة لنا، أولا وقبل كل شيء هو جزء من الحرب السياسية " ويقول بيجن في كتابه الثورة : "ينبغي عليكم أيها الإسرائيليون أن لا تلينوا أبدا عندما تقتلون أعداءكم، ينبغي أن لا تأخذكم بهم رحمة حتى ندمر ما يسمى بالثقافة العربية ، التي سنبني على أنقاضها حضارتنا". وهذا ناتنياهو يقول في كتابه "مكان تحت الشمس":"لا نؤمن بوسيلة سوى القوة والعنف والإرهاب الدموي بأبشع أشكاله من أجل تحقيق أهدافنا وأفكارنا ومعتقداتنا في أرض إسرائيل الكاملة أو في الدولة اليهودية أو في إسرائيل قوية مهيمنة على المنطقة". أما آن لنا أن نعرف عدونا جيدا، وأن نعرف قداسة فلسطين وأنَّها أرض محتلَّة، وأن نعلم خطر المنافقين، وأن ندرك خطر سبيل المجرمين ، وكيدهم ومكرهم للتلاعب بقضيتنا، أليس من العار أن يشاهد العالم العربي والإسلامي في فلسطين وخارجها صوراً مضيئة ومشرقة من صور المقدسيات للمحافظة على المسجد الأقصى والدفاع عنه بأجسادهنَّ  وهل باتت نساء القدس، في دفاعهنَّ عن الأقصى ، أقوى من مدافع الدول وجيوشها ، وإلى متى نبقى لا نتجاوز حال الشجب والاستنكار ، وهذا من أخطر ما أصيب به المسلمون ، أن صارت أعمالهم ردود أفعال ، فاجتمع علينا أشرار اليهود وأراذل النصارى ، يتبعهم أنذال المنافقين ، ليتلاعبوا بقضية الأقصى وبيت المقدس ، فتأمروا عليه ، وأخرجوا القضية عن ثوابتها الشرعية ، وأصولها الإسلامية   وحقوقها التاريخية ، وأمجادها الحضارية ، إلى الشعارات الجوفاء ، والمفاوضات الجرداء   والمراوغات والمساومات البلهاء ، التي تكال بالمكاييل المزدوجة ، والموازين المنعكسة   والمعايير المنتكسة ، فتاهت القضية ، وضاعت الحقوق الشرعية ، بسبب التخبط والضياع الذي تعاني منه الأمة ، وما تجرعته خلال العقود الماضية من تجارب مخزية ، واستجلاب حلول مستوردة ، ما زادت المسلمين إلا ضعفا وذلا وتفرقا ، فكانت قضية المسجد الأقصى هي القضية الفاضحة ، التي فضحت عجز المسلمين في هذا العصر عن حلها، وأبانت عن ذلهم وهوانهم على أعدائهم؛ الذين يقبضون على ناصية القوة والمال ، ويبقى المسلمون يقبضون على ناصية الاحتجاج والأقوال ، ويا ويل فلسطين من الذين يتكلمون ولا يعملون ، والى قول الله لا يستجيبون . ﴿ وقل اعملوا فسوف يرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ .

 

 

 

 

 

الأقصى في خطر

تتعرض مدينة القدس في هذه الأيام ، لمحنة من أشد المحن وأخطرها، فالمؤسسات فيها تغلق، وآلاف المقدسيين يطردون ، وتفرض عليهم الضرائب الباهظة وتهدم عشرات البيوت ، وتغلق المحلات التجارية ، وتقام الحدائق التلمودية ، في محاولة لتزييف التاريخ والحضارة والعمل على تغيير أسماء الشوارع والميادين، ونهب الأرض لبناء الوحدات الاستيطانية ، والعمل على تهويد المسجد الأقصى وتقسيمه ، بعد السماح لليهود بدخوله متى شاءوا تمهيداً لهدمه ، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ما يفرض على أهلنا في القدس وفلسطين ، إعلان النفير العام والمرابطة بالمسجد ، لحمايته بصدورهم العارية ، بعد أن أدار العرب والمسلمون ظهورهم له ، والعالم يغض البصر عما يحدث ، ما يؤكد نفاق المجتمع الدولي ، ودليل على أن لا طائل من انتظار الشفقة منه ، أو انتظار مساعدته   لأنه السبب الذي جعل إسرائيل تتمادى في ممارساتها ، من النيل من المسجد الأقصى ، في محاولات ليست بالجديدة   ولكن الجديد ، هي ردود فعل المسلمين الصامتة ، وهذا ليس غريباً ممن أشغلتهم  دنياهم عن دينهم , ولم يعد يهمهم إلا كرسي وحاشية ! علماً بأن الأقصى ليس بحاجة إلى هؤلاء ، ولكنه بحاجة إلى كل جهد مخلص ، يستطيع نصرته ،إنه ليس بحاجة للمغلوبين على أمرهم ، ممن يدّعون دعم القضية الفلسطينية، واعتبارها القضية المركزية بينما هم، في واقع الأمر، يقوموا بدور القاتل المأجور، والحارس الغيور ، لخدمة إسرائيل   ومن هم وراء إسرائيل. يصْلّون ويرددون قوله تعالى : ﴿ سُبْحَانَ اْلَّذِىَ أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ اْلْمَسْجِدِ اْلْحَرَامِ إلى اْلْمَسْجِدِ اْلأقْصَى اْلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مٍنْ أَيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ اْلسَّمِيعُ اْلْبَصِيرُ ﴾ . دون أن تحرك فيهم الآية إحساساً بالمسؤولية حيال المسجد الأقصى الأسير، ودون أن تُوقظ فيهم مشاعر العزة والكرامة التي خبت ، ودون أن تُثير فيهم روح الدفاع عن الأقصى ، لوقف العدوان عليه    الذي أعلنه زعماؤهم بكل وقاحة ، فهذا " دافيد بن غوريون" يقول : " لا معنى لإسرائيل من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون المسجد الأقصى"، فإسرائيل تستهدف من قديم الزمان الاستيلاء الكامل على المسجد الأقصى ، بحجة البحث عن هيكل سليمان ، وقد دفعها ذلك ، إلى إجراء كثير من الحفريات حول المسجد ، وفي مساحات واسعة محيطة به ، ومن المؤسف أن العرب والمسلمين لم يؤخذوا على حين غرة ، عندما أقدمت إسرائيل على حرق المسجد الأقصى، ولن يؤخذوا  على حين غرة إذا فعلت إسرائيل أكثر من ذلك، لأن النوايا الصهيونية الأثيمة تجاه المدينة المقدسة ، وضد المسجد الأقصى بالذات ومخططهم لإزالته من الوجود ، وإقامة هيكل سليمان على أنقاضه ، نوايا معلومة ومكتوبة ومطبوعة  قبل أن يكون لإسرائيل وجود على أرض فلسطين ، وما أعتقد أن ذلك كان مجهولاً أو خافياً على أحد ، هذه حقيقة، وهناك مستندات تؤيد ذلك وتثبته ، ففي سنة 1918م روى أن "رونالد ستورس" أول حاكم بريطاني للقدس بعد الحرب العالمية الأولى ، روي أنه أقام مأدبة ، جمع فيها بين زعماء العرب في فلسطين ، ولجنة من كبار الصهاينة ، قدمت لتعمل على تطبيق وعد بلفور، فوقف وايزمان ، وألقى خطبة بعد العشاء قال فيها: "إن اليهود لا يأتون إلى فلسطين ، ولكنهم يعودون ، وإنه لمن الخبث والخيانة أن يستمع أحد إلى هؤلاء ، الذين يرددون أن لليهود أي أطماع سياسية في فلسطين ، وكل ما يطمع فيه اليهود ، هو مكان يعيشون فيه بجوار الفلسطينيين ، ثم قدم مصحفاً للعرب في صندوق من الخشب المحلّى بالذهب "    وقال الوزير اليهودي البريطاني "اللورد متشت": إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريباً جداً، وإنني أكرّس ما بقي من حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى ، وها هي أحلام الصهيونية قد خرجت إلى حيز التنفيذ بعد حرب يونيو 1967م، فعمدت إسرائيل إلى تدعيم وجودها في القدس – متحدية بذلك قرارات مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنذ اللحظة الأولى سعت إلى الاستخفاف بالرأي العام العربي والإسلامي وكان من مظاهر هذا الاستخفاف وهذه الإهانة ، استباحة حرمة المسجد الأقصى بالسماح للإسرائيليين والإسرائيليات بدخوله في ملابس فاضحة ، وفي أوضاع مستهجنة ، كأنهم في أماكن الدعارة والفجور ، وقامت بهدم جميع الأبنية الأثرية الملاصقة للمسجد الأقصى ، والقيام بحفريات حول المسجد ، ألحقت أضراراً جسيمة بمبناه ، بحثاً عن آثار عبرانية ، تكشف عن هيكل سليمان ، وقد مهدت الصحف الإسرائيلية لعملية إزالة المسجد الأقصى من الوجود ، حيث كان شعارها يجب الاستيلاء بسرعة على المقدّسات الإسلامية، ووضعها تحت سلطة إسرائيلية ، مهما كان الثمن  لأن الثمن في نظر إسرائيل قليل لا يكلفها شيئاً، إنه استنكار من مجلس الأمن.

وبعد وقوع الحادث المأساوي المفجع ، الذي أصاب المسلمين في أقدس مقدساتهم حين أقدموا على إحراق المسجد الأقصى ، فقد صدرت بعد الحادث الكثير من الصحف والمجلات العربية والإسلامية ، مجللة صفحاتها بالسواد ، وكانت ردود الفعل سيئة في البيانات والتصريحات والنداءات  والبرقيات ، ومعبّرة عن مبلغ الألم الذي تعتصر النفوس، وعن شدة اللهب الذي يغلي في الصدور، وعن الدم الذي نزفته القلوب أسى وحسرة     ولكن ذلك وللأسف ، انتهى ببيانات التنديد والاستنكار ومضى ثلاث وثلاثون سنة ، وما زالت التصريحات والنداءات والبرقيات، والأقصى ينادي يا أمة الإسلام!! ماذا تنتظرون؟ وماذا أنتم فاعلون؟ هل بقي لكم من عذر، أو شبه عذر بعد كل هذا البغي الإجرامي، وبعد أن بلغ السيل الزبى؟ لكنه ما وجد  مناصراً ومؤيد ، لأنه من المحال     أن يقولوا  لإسرائيل كفى ظلماً وعدواناً ، من المحال أن يقولوا قولاً كهذا ، حتى ولو كان مجرد كلام، أو حبراً على ورق ، ولو أحرق المسجد الأقصى ، إذاً ما العمل؟ وماذا ينتظرون؟ ما العمل بعد كل هذا الإثم الذي يرتكبه هذا العدو الغادر الماكر، الذي لم تعرف له أي صفة من صفات الشرف ، في تاريخه الأسود الطويل، وصدق الله العظيم: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) المائدة:82. إن الحرب الصهيونية هي حرب دينية   حدد اليهود مضمونها، وهم اليوم يكشفون عن هذا المضمون ، الذي ما كان يخفى إلا على الأغبياء والواهمين   حرب دينية، لا نملك تغيير أسبابها، لأننا لم نبدأها، ولم نخطط لها، ولم نحدد غاياتها،  ورغم ذلك، ما يزال في العرب والمسلمين من يعلق أملاً على الضمير العالمي والهيئات الدولية، ومؤتمرات جنيف، ومدريد، وموسكو وغيرها، والحلول السلمية؟ أما آن للمسلمين أن يفيقوا من غفلتهم ، وأن يعلموا أن لا سبيل لإنقاذهم ، سواء في فلسطين أو غيرها، إلا بالعودة إلى الله – فإذا عادوا إليه وحققوا تعاليمه وأوامره – فإنه سبحانه لن يتخلى عنهم كما قال في كتابه الكريم: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) سورة محمد: 7، فإذا ما سلكنا هذا المسلك وأحسَنّا البناء، أمكننا حينئذ أن نسير على الدرب التي توصلنا إلى إنقاذ الأقصى من أيدي اليهود ، الذي يخططون لعزل الأقصى عن وجدان المسلمين ، وفرض حقائق على أرض الواقع . في ظل انشغال العرب والمسلمين بحروبهم ونزاعاتهم الداخلية ، وفي ظل تعاون سياسي واقتصادي وأمني وثيق مع الكيان الصهيوني ، وبالعودة للوراء مرة أخرى ، لننظر كيف كان تعامل الدول العربية ، مع التهديدات التي يواجهها المسجد الأقصى ، نلاحظ أنه كان يتم منع العرب والمسلمين من الذهاب إلى فلسطين أو الأقصى ، بدعوى أن ذلك من باب التطبيع مع الكيان الصهيوني , ويا لها من حجة أقل ما توصف به هي السذاجة  فهدف إسرائيل هو أن يصبح الأقصى يهوديا , ولن يصبح كذلك حتى يعتزله المسلمون ويقاطعوه ، وكان أولى بمن يقولوا بذلك ، أن يدفعوا الناس دفعا لزيارة الأقصى والصلاة فيه , تأكيدا على هويته الإسلامية ، ودعما للفلسطينين  وإيصال رسالة واضحة المضمون ، لكل من تُسول له نفسه من الكيان الصهيوني ، محاولة تدميره ، بأن المسجد الأقصى في قلوب وعقول ملايين المسلمين ، وقد أفتى كثيرٌ من العلماء بجواز الذهاب لفلسطين والصلاة في المسجد الأقصى ، حتى وإن كان تحت الاحتلال , لأنه أول القبلتيين ، وأحد المساجد الثلاثة ، التي لا يُشد الرحال إلا إليها  ،كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام   وقد قام الرسول عليه السلام وصحبه الكرام ، بأداء العمرة في الحرم المكي ، وهو تحت سيطرة الكفار ، ولم يُسم ذلك تطبيعا ، بل كان دافعا في اتجاه تحريره من وثن الكفار  ونحن بدل أن نقتدي برسول الله ونعمل على تحريره  تركناه فريسة لليهود ، إلا قلة من المرابطيين الفلسطينيين الشجعان الذين يدفعون حياتهم وحريتهم فداءاً له .  

 إن من الواجب على كل حر وكل من له القدرة أن يزور فلسطين ، وأن يصلي في الأقصى , وإن لم تكن بنية تحريره ودعم المُرابطين فيه ، فلتكن بنية الاقتداء بسنة النبي الكريم – عليه الصلاة والسلام – , إن هدم المساجد وتفجيرها بالآلاف في المنطقة العربية هو أكبر محفز للصهاينة على هدم الأقصى، وهو في حد ذاته جريمة كبرى ترتكب بحق أقدس الأماكن وأطهرها لدى المسلمين، وجامع انطلاقتهم الشعائرية والتربوية، وإجهاضاً لدور المساجد من جهة، وكسراً لنفوس المسلمين وإماتة الروح  الإيمانية لديهم، وخصماً من رصيد الاستعلاء الإيماني لدى البسطاء منهم من جهة أخرى ، وها هي جريمة استهداف المساجد تتصاعد بوتيرة عالية، وتصل للآلاف المساجد  وتمر دون اهتمام إعلامي ودعوي لافت، أو حملات لوضع الجريمة في حجمها الحقيقي، لأن هذه الجرائم تكسر هيبة المساجد عند المسلمين ، وعند غيرهم تدريجياً، وتشجع على جرائم أفدح،  كما وكيفاً، ويتصدر المسجد الأقصى المبارك قائمة المتضررين من هذا الانكسار ، ونظرة إلى تدمير المساجد المستهدفة، يلاحظ أن الأعداء استهدفوا مساجد ذات طبيعة رمزية وتاريخية (المسجد الأموي الأثري في حلب، والعمري في درعا الذي انطلقت منه شرارة الثورة السورية، ومسجد خالد بن الوليد رضي الله عنه بحمص والعمري في جباليا أقدم مساجد غزة وأكبرها، بني عام 27ه في عهد عمرو بن العاص رضي الله عنه وسمي باسمه، وأنس بن مالك في العراق وغيرها، وهذا مضاعف للجرح، وممهد أكبر لإقدام اليهود على هدم الأقصى- لا قدّر الله - .

 

 

 

 

 

مكانة المسجد الأقصى

للمسجد الأقصى قدسية كبيرة عند المسلمين ، ارتبطت بعقيدتهم منذ بداية الدعوة ، فهو يعتبر قبلة الأنبياء جميعاً، قبل النبي عليه السلام،  وهو القبلة الأولى التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم،  قبل أن يتم تغيير القبلة إلى مكة ، وقد توثقت علاقة الإسلام بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج ، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم  من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وفيه صلى النبي إماما بالأنبياء ، ومنه عرج  إلى السماء وهناك فرضت عليه الصلاة .

لقد وصف الله المسجد الأقصى بـالذي باركنا حوله ، فهو   هو منبع البركة التي عمت  المنطقة من حوله ، وهو المسجد الثالث الذي تشد إليه الرحال   فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) وللصلاة في المسجد الأقصى ثواب يعادل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد فقال صلى الله عليه وسلم:( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ) وهو المسجد الذي أمر النبي الصحابة بالبقاء قربه ، روى أحمد في مسنده عن ذِي الأصَابِعِ قَال : ( قلت يا رسول الله إِنِ ابْتُلِينَا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون ) .

لقد تناسى المسلون هذه المكانة الرفيعة ، لتلك البقعةِ المباركة  التي تكفَّل الله بحفظها ، وإعادتها إلى حياض المسلمين ، الذين لا نجد من يحرك ساكنا لنجدته  وكأنهم نيام ، فلا نرى  غير الصمت والاستنكار، الذي ما جلب علينا غير الذل والعار  يرى المسلمون المقدسيون يقتلون ولا يهتمون ، وتناسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) نسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتناسوا الأقصى     ومن ماتوا في الدفاع عنه      كما تقاعسوا عن تلبية نداء الأقصى ،الذي يصرخ صباح مساء ، أملاً أن تلقى صرخاته قلوبا حية ، لنصرة مَن يُطردون من منازلهم ، وتُسْمع صرخاتُهم فلا يُجابون ، ويأتي من بعدهم الصهاينة المستوطنون ، يرقصون ويسكرون ،ويلهون ويلعبون  ويسبون ويلعنون، ويطاردون المصلين ، الذين يستغيثون ، فلا يُسْمعون ، وقد خرس المسلمون فلا ينطقون ، وصُمَّت آذانهم فلا يسمعون، وعميت أبصارهم فلا يرون ، ولا يعلمون ، أن الله تعالى نصر الأتقياء، فإذا لم يكن هناك أتقياء ، فإن نصر الله لن يكون، لأن نصر الله للأقوياء يكون ، ويوم ضاعت التقوى والقوة، ضاع الأقصى وضاعت البلاد والعباد، الذين يعانون  القهر والظلم والاستبداد ، من الصهاينة الذين يزدادون في غيهم وعدوانهم ، ومنع المصلين من الصلاة في مسجدهم قال تعالى : ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ﴾ إن التخطيط لتقسيم المسجد الأقصى ، شديد الخطورة  لأنهم يعدون العدة لهدم المسجد  وبناء هيكلهم المزعوم ، وإذا تم ذلك لليهود، فسوف يكونون كما يحلمون ،سادة العالم ، ومن هنا قال وايزمان : إن بلفور عندما أعطانا وعد تملك فلسطين  كان يترجم في العهد القديم  وبلفور مسيحي بروتستانتي والبروتستانتي يرى أن العهد القديم ، واجب التنفيذ ، وبلفور كان رجل دين أولاً ، ثم كان رجل سياسة ثانيا  وهذه معلومة لا يفهمها كثيرٌ من   المسلمين لأنهم في نوم عميق وسبات طويل  يهتمون بسفاسف الأمور، ويتركون عظائمها ، مما يدل على أن مستقبل الأمة ، ما زال موحشا ، وكيف لا يكون ذلك  وهم لا يلتزمون بدين الله ولا يجاهدون في سبيل الله ، ولو حملوا أمانات الوحي ، لكانوا أرعى الناس لها ، وها هم حملوا هذه الأمانات ، فما رعوها حق رعايتها ، وقد علق القرآن على هذا السلوك فقال الله تعالى : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكُونُنَّ أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذيرٌ ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكرَ السَّيءِ ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله ﴾ فاطر42  إنه لمن العار أن يستغيث الأقصى وأهله ولا يغاثوا ، أم غاب عن الأذهان، أن واجب الدفاع عنه ، واجب جماعي والتزام ديني ، بل إن نجدته من أوجب الواجبات ، لأن قضيته تصب في صميم الإيمان .    

إن أمة الإسلام لا تموت وقد  تطول كبوتها ، ثم تتابع المسيرة  لأن المؤمن من هذه الأمة لا يعرف اليأس ، ولا يفقد الرجاء  لأنه واثق بربه ، ثم هو واثق بحق نفسه ، ثم هو واثق بوعد الله  فإن مرت به محنة ، اعتبرها دليل حياة وحركة ، وما على المسلمين ، إلا أن يكونوا بحجم التحديات ، على صبر وثبات فمَن يسمع استغاثة الأقصى  ومَن ينتصر للمظلومين بعد حطين وصلاح الدين ، ومَن ينقذ الأقصى من التهويد ، ومن الحفر والتنقيب ، والظلم الدفين ، ومن يقود الأمة إلى بشائر النصر والتمكين ، بعد هذه السنوات التي عانى فيها من الصهاينة المحتلين ،وبعد سنوات من ذل المغضوب عليهم ، وظلم الظالمين من العالمين ، ولم ينتصر له أحد من المسلمين ، رغم أن اليهود لجهود السلام رافضين ، فأمعنوا في غيهم ، فماذا أعددنا لإفشال هذا المخطط اللعين ، أم أننا لجهود عملية السلام مؤملين  ناسين أن الله سيسألنا عن عدم نصرته يوم الدين ، وأن واجبنا أن نصمد ونصبر صبر المجاهدين  لا صبر القاعدين المنتظرين  لجهود سلام أصبحنا يائسين نقولها ونحن على الله متوكلين  أن لفلسطين أهلها ، وهم في الحقيقة كل المسلمين ، قال تعالى ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ آل عمران 139

 

 

 

السلام الضائع

إن قضية فلسطين لم تكن أعمق ولا السلام أبعد إلى هذه الدرجة التي وصلت لها اليوم فعمليات القمع و التهديم والتخريب ضد الفلسطينيين قد بلغت حداً لم تبلغه من قبل ، ويحمل إليهم كل يوم جديد نصيبهم من القتلى والجرحى والمنازل المدمرة والحقول والشوارع المخربة ، وإسرائيل تحاصر شعباً شارف على المأساة  وهو يختنق داخل أراضي محاصرة معزولة لا تواصل فيما بينها ، وأما عن سوء المعاملة والتعذيب والإذلال على نقاط العبور والاغتيال فهي دليل على عذاب شعب بأكمله ، وقد تخلى عنه المجتمع الدولي وتخاذل المسلمون عن القيام بواجب الجهاد المفروض عليهم ، ليردعوا هذا العدو عن غيبة وضلاله ونسو أنهم استحقوا عقاب الله بهذا الإهمال ، وأن الجهاد فرض عين على كل مسلم لمقاومة هذا العدو ، امتثالاً لأمر الله بالنفير العام : ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ التوبة 41 . قال صاحب الجواهر في تفسير الآية : " إذا داهم المسلمين عدو يخشى منه على بيضة الإسلام ، أو يريد الاستيلاء على بلاد وأسرهم وأخذ أموالهم ، إذا كان كذلك وجب الدفاع على الحر والعبد والذكر والأنثى والسليم والمريض والأعمى والأعرج إن احتيج إليهم بل على كل من علم بذلك ، وإن لم يكن الاعتداء موجهاً إليه كاتفاقهم على وجوب الصوم والصلاة والحج والزكاة " . فماذا نعمل وقد ابتلينا باليهود أولاً وكبريات الدول ثانياً الذين قتلوا وسجنوا وشردوا الألوف  علينا أن نجاهدهم بكل طاقاتنا فذلك خير لنا لقوله تعالى : ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾. وإن كل مسلم لديه أدنى معرفة من الفقه ، يعلم أن جهاد إسرائيل فرض ديني ويعلم كذلك أن الذي يمنعنا من القيام بهذه الفريضة هم من أبناء جلدتنا ، مما يوجب علينا مجاهدتهم قبل كل شيء لأنهم علة العلل ، ولولا خيانتهم لدينهم وأمتهم ما كان لإسرائيل دولة ولا كيان .

ولو انتظر الشباب الاستشهاديون الأذن لعملياتهم لما قاموا بواجبهم الجهادي ، وهم بعملهم عملوا بقوله تعالى : ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين ﴾ . التوبة 44 ، فلا داعي إذن لطلب الإذن ما دام العدو يحتل أرض المسلمين ويستقر فيها ، لأن الجهاد في هذه الحالة واجب على جميع المسلمين ، وهم يبذلون المهج في مرضاة الله ورسوله لأنهم آمنوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة ) رواه البخاري . قال الزهري خرج سعيد بن المسيِّب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل ، فقال : " استنصر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكنّي الحرب كثّرت السواد وحفظْت المتاع "  وروى أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر فقال له يا عم إن الله قد عذرك فقال : يا ابن أخي قد أمرنا بالنّفر خفافاً وثقالاً من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه .

وإلى الذين يقفون من أحداث فلسطين موقف المتفرج أسوق هذه القصة " روي أن بعض الملوك عاهد كفاراً على أن لا يحبسوا أسيراً ، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم فمّر على بيت مغلق ، فنادته امرأة أني أسيرة ، فأبلغ الملك خبري ، فلما اجتمع به تجاذبا الحديث وذكر له خبر الأسيرة ، فقام الملك من فوره غازيا ، وذهب إلى مكان أسرها واستولى عليه وأخرجها من الأسر " قال ابن العربي بعد سرد هذه القصة لقد نزل بنا العدو فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا ، في عدو هال الناس غزوة وكان كثيراً وإن لم يبلغ ما حددوه فقلت للوالي والمولى عليه هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فكلتن عندكم بركه ولتظهر إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة وليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به ، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له ، فغفلت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى حجره وإن رأى المكيدة بجاره ، ليبق المتخاذلون في جحورهم واليهود يكيدون وهم يستمعون إلى الأنباء التي يراق فيها الدم الإسلامي بلا حساب ويذبح فيها النساء والأطفال والشيوخ بلا حقوق ولا حياء وتُهدم البيوت وتدَّمر المخيمات على أهلها العزل بلا مبالاة والعرب خاصة والمسلمون عادّة في مشرقهم ومغربهم عاجزون عجز الموتى والعالم المتحضر يتفرج على المأساة ولا يحرِّك ساكناً ولا يسكن متحركا ناسين أن الله توعد أمثالها الذين تقاعسوا عن النفير فقال عز من قائل :﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً ﴾ . التوبة 39 .

فإنهم يأملون من الله ان ينصرهم ويعينهم عدوهم ، وقوله تعالى يعذبكم فإن الخطاب هنا ليس لقوم معينين لكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في الله والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده فهو كذلك عذاب الدنيا عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والغلبة عليهم للأعداء مع ذلك الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء وما من أمةٍ تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها جهاد الأعداء .          

 

   

فلسطين الباقية وهم زائلون!

 قال اسحق رابين ذات يوم "أتمنى لو أنني أصحو يوما من النوم فلا اجد غزة أو أجد أنها غرقت في البحر"..

هذا القول أصبح يجري على ألسنة الكثيرين من العرب ، ولو سرا ، فغزة اليوم هي خاصرة تنز في جسم الأمة ، وهم يتمنون أن ينسى الناس هذا الجرح ليستريحوا ، وينسى الناس خذلانهم ومواقفهم المخزية،. في مقابل هذا القول ، تعالوا نتأمل أقوالا أخرى ، رويت عن أعلام في هذا العالم ، ومنهم هتلر الذي قال: أعطني جنديا فلسطينيا وسلاحا ألمانيا وسوف أجعل اوروبا تزحف على أناملها. أما الملك عبدالعزيز فقال: فلسطين لا تحتاج الى رجال فرجالها أهل ثبات وحق ، فلسطين تحتاج الى سلاح ، هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قال: لم أجد في حياتي اعند من رجال فلسطين ، أما فيديل كاسترو فقال: اليهود حمقى لأنهم احتلوا دولة شعبها لا يكل ولا يمل. بيل كلينتون: صدمت بفورة وتحدي هذا الشعب المظلوم في كتب التاريخ ، صدام حسين: في كل نقطة دم فلسطينية يولد مجاهد ، الملك فاروق: كل شبر في فلسطين سيشهد على ظلم البشر لهذا الشعب ، وقال احمد بن بلة: فلسطين لن تنكسر ما دام فيها هذا الشعب الجبار ، أما الملك فيصل فقال: فلسطين عائدة والقدس عائد ورجالها خير رجال ، الأمير عبدالله الفيصل قال: لولا رجال فلسطين لمُسحت كرامة العرب ، أخيرا قال زعيم فلسطيني كبير: المقاومة اصبحت عبثية وتضر أكثر مما تنفع،. نستذكر هذه الأقوال اليوم  في ذكرى مرور عام على ملحمة غزة ، وننظر إلى جانبها الآخر ، حيث الصمود والمناجزة والثبات ، لا الانكسار والبكاء على الأطلال والهزيمة التي أدمن ممارستها بعضنا  متذرعين حينا بالانقسام في الصف الوطني ، وحينا آخر بالعجز عن نصرة غزة وفلسطين ، وحينا آخر بعدم القدرة على تجاوز القوانين والقرارات والمعاهدات الأممية البالية ، غزة هاشم موجودة ، كانت وما زالت وستبقى  كما فلسطين ، وكما اندثر رابين قبل تحقيق حلمه  وكما جلطت شارون فلم يستطع أن يموت إلا بعد حين ، وكما هزمت عددا كبيرا من قادة الصهاينة ، وأحالتهم إلى التقاعد السياسي ، ستصحو غزة ذات يوم كي لا تجد أيا من الطواغيت والظلمة والمتخاذلين ، عربا أو عجما ، فهي الباقية وهم زائلون،.

 

وضع القدس في ظل المفاوضات

للمسجد الأقصى منـزلة عظيمة في عقيدة كل مسلم من حيث أنه أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثالث الحرمين . وأرضه أرض إسلامية لا يملك أحد من المسلمين رقبتها ولا التنازل عنها لأحد ، فما بالنا إذا كان التنازل لليهود ؟  الذين استثناهم عمر بن الخطاب من سكناها عندما أعطى لأهل القدس عهدا ، وما سمي بالعهدة العمرية قال :  "ولا يسكن بإيلياء أي القدس معهم أحد من اليهود " . وعليه فإن الاعتراف بهم يعتبر باطلا شرعا وغبر ملزم للمسلمين .

وقد يقول قائل ما هو البديل ؟ نجد البديل في كتاب الله حيث أرشدنا إلي الطريق الواجب اتباعه فقال : )ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ( وقال : ) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ( وقال : ) فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلون (لقد بلغت الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس والمسجد الأقصى حداً لا يخفى على أحد   والذي تمثل بسن القوانين والتشريعات التي تضمن لهم ذلك ، كتوسيع حدود بلدية القدس لضم أكبر مساحة ممكنة بأقل عدد من السكان العرب  ناهيك عن الإجراءات التعسفية كحل مجلس أمانة القدس العربية وإلغاء القوانين الأردنية واستبدالها بتشريعات إسرائيلية ، وإزالة الكثير من الأحياء العربية ومصادرة الأراضي والعقارات ، وتوالي عمليات الهدم والإزالة ، وفرض الضرائب المتعددة ابتداءاً بضريبة الدخل وانتهاءاً بضريبة الأرنوتا  والتي تصل إلى سبعين دولاراً على المتر المربع الواحد سنوياً ، أضف إلى ذلك رسوم التأمين الوطني ورسوم الإعلام ، وغير ذلك من الإجراءات التي لا يتسع المقام لذكرها ، وما يهمنا هو التذكير بخطورة وضع القدس ، وما يرافق ذلك من التراخي العربي والإسلامي في نصره قضية القدس ، والذي قد يؤدي إلى التنازل عنها بحجة عدم القدرة على حرب اليهود     ونقص الدعم العربي والإسلامي ، ناسين أنها أمانة عظيمة في أعناقهم سوف يسألهم الله عنها ، ولا أدري ماذا ينتظر المسلمون ؟

هل ينتظرون أن يحوَّل الأقصى إلى معبد يهودي ؟

أم أن احتمال تحقيق الوهم العربي بعودتها عن طريق عملية الدجل الكبرى المسماة بعملية السلام سيحول دون ذلك ؟

إن الأحداث الأخيرة في فلسطين ، أثبتت أن الأمة بخير وأنها مستعدة للجهاد ولدى أبناءها كامل الاستعداد للبذل والفداء ، مع أنهم عزّل      ومجردين من السلاح للدفاع المشروع عن أرضهم   إلا من الحجارة .  إن ردة الفعل لزيارة شارون إلى باحة المسجد الأقصى لم تكن متوقعة فقط بل كانت منتظرة من الجيش الإسرائيلي ، الذي أعد نفسه لمثل هذا اليوم فمنذ حادثة النفق عام 1996 وشارون لم يكن ليبادر بمفرده بخطوة كتلك الخطوة البعيدة الأثر على الحكومة الإسرائيلية بأسرها ، لولا أن باراك قد بارك خطوته هذه .

إن من غرائب وعجائب العملية السلمية أنها استمرت ما يقارب العشر سنوات للبحث في كل قضايا الصراع ، إلا المسائل المهمة والخطيرة والمعقدة وهي القدس و العودة و الحل النهائي ... وأخيراً تبـرع الراعي الأمريكي بعشرة أيام في كامب ديفيد للفراغ منها وتكرّم بأربعة أيام أخرى ليكون نصيب البقعة المباركة التي ظلت تحت ظل الحكم الإسلامي أربعة عشر قرناً تحتاج إلى أربعة عشر يوماً لنقل ملكيتها إلى من سرقوها واغتصبوها بصكوك دائمة تحت عنوان الحل النهائي . وقد ظهر عملياً في مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد ، أن القدس كلها كانت في كفة   وما اسماه اليهود جبل الهيكل في كفة  وجبل الهيكل هو الاسم الإعلامي الدولي للمسجد الأقصى والصخرة المشرَّفة ، وأثبت اليهود أن قادتهم من أمثال بن جورين وبيجن وغيرهم ، كانوا يعنون ما يقولون عندما رددوا مراراً أن لا قيمة لإسرائيل بدون القدس  ولا قيمة للقدس بدون الهيكل .  ومن هنا يمكن القول من الناحية الواقعية  أن كامب ديفيد الثانية قد اختُصرت فيها أزمة الشرق الأوسط ، وأعيدت إلى نقطة المركز وهي المسجد الأقصى والسيادة عليها هل هي للمسلمين أم لليهود أم للنصارى ؟ وهو ما صرح بذلك وزير الخارجية الإسرائيلي شلوبن عامي قال :" لقد أصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعاً على أرض المسجد" وهي الحقيقة الدينية الصرفة  التي أفصح عنها الخطاب الإسرائيلي والأمريكي   فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ، أما لخطاب الغربي السياسي والإعلامي ، فقد تكلم باللهجة نفسها بخصوص السيادة على أرض الحرم القدسي ، وقد بدأ الخطاب العربي العلماني هزيلاً وهو يتحدث عن المقدسات والحرمات  . ومن المثير للدهشة أن  يتحدث عن القدسية أقوام انتهك أكثرهم كل شيء مقدس في الدين ، بدءاً من الشريعة المبعدة عمداً وقصداً عن الحياة العملية وانتهاءاً بمحاربة التدين والمتدينين سراً وعلناً . ومن الملفت للنظر أن نسمع عن مغادرة الوفد الإسرائيلي لمكان التفاوض كلما حل يوم السبت احتراماً له ، بينما ما زلنا نرى النظم المعمول بها لا تمانع في أكثر بلاد المسلمين من ممارسة الأعمال الحياتية وقت صلاة الجمعة استهانة بها .

وما حصل أن هبت الروح الإسلامية للذود عن المقدسات بعد إفلاس الزعامات اللادينية وليجد الفلسطينيون أنفسهم بعد خراب مالطة قوة عزلاء شلاّء تقف وجهاً لوجه أمام القوات الإسرائيلية بأسلحتها الفتاكة .

إن المتتبع لتسلسل أحداث القضية الفلسطينية  والتي استندت في النهاية إلى رجل واحد يتكلم باسم أكثر من مليار مسلم بشأن المقدسات  فكانت اللقاءات السرِّية باليهود في العواصم الأوروبية ، التي وافقوا فيها على إلقاء السلاح وأن يستمروا على الخط السياسي .  وأخذ يجتهد نيابة عنهم ويتفاوض ويتفق ويوقع سرّاً وجهراً  مختاراً ومكرهاً بالوكالة والأصالة عن العالم الإسلامي بأسره ، الذي وقف منذ زمن طويل موقف المتفرج على ما أطلق عليه العلمانيون الصراع العربي الإسرائيلي ، وبذلك ذهبت التضحيات النفسية والبدنية والمالية أدراج الرياح  وحقق الغرب الكافر ما كان ينتظره منذ اكثر من أربعين سنة ، بانتزاع اعتراف الفلسطينيين بالدولة اليهودية في فلسطين ، وتوقيع اتفاقية السلام مقابل الأرض ، مما أسفر عن الوضع الجديد الذي أحرق الفلسطينيين بناره ، لأن الوضع الجديد لا يتعدى أكثر من كانتونات هزيلة ممزقة وموزعة هنا وهناك وكأنّها فُصِّلت تفصيلا لحراسة الكيان اليهودي وتحت رحمة حرابه ، علماً بأنه لا تتوفَّر في الضفة والقطاع مقومات الدولة ، وكيف يكون ذلك وما يربط بينهما عبارة عن جسر علوي يسهل نسفه متى أرادت إسرائيل ، إضافة إلى أنها مزروعة بالمستوطنات اليهودية ، كما لا يمكن لهذه الدولة الدفاع عن نفسها وعن أمنها الخارجي ، والذي بقي بيد إسرائيل كما نصت على ذلك  اتفاقية أسلو ، والتي سمحت بإنشاء شرطةٍ قوية مهمتها الحفاظ على الأمن الداخلي وإذا أحكمت إسرائيل الطوق على هذه الدولة التي تعتمد في مواردها على ما يقدم لها من مساعدات ومنح من الدول الغربية ، فإن الناس لا يجدون الطعام ، فهم يعيشون ويقتاتون لهم  ويُعمِّرون ويبنون لصالحهم في ذِلَّةٍ وصغار . وعندما ضعفت الآمال بالسيادة الفلسطينية على القدس طلب باسم السلطة إسناد تلك السيادة إلى العالم الإسلامي    ولكن أنى للمتفرجين المستبعدين طيلة عقود ، أن يتحولوا إلى مشاركين أساسيين في اللعبة التي لم يفهموها أو يشاركوا في صنع تطوراتها ، وقد رُفض الطلب قبل أن يفصح عن المطلوب .

تردد في الأنباء أن كامب ديفيد الثانية تخطت أكثر من 80 % من المسائل المعلقة والمتمعن في مجريات الأحداث السياسية ، يرى أن أخطر الاتفاقات والمعاهدات لم يتم التوصل إليها إلا سرّاً وعبر مفاوضات متكتم عليها ، ثم ترفع المداولة بشأنها لكي تعلن النتائج في وقت أكثر مناسبة لذا أجل إعلان قيام الدولة فلسطين مراراً لأن الوقت لم يحن ، وقد لمست السلطة من دول أوروبا بأن الدولة لأن يؤيدها أحد ما لم يأذن بها اليهود  وعندما يحين وقت تنفيذ القرارات ، سيتوالى الاعتراف الدولي بالقدس عاصمة لإسرائيل  وعندها يكون مسموحاً بالإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس عفواً أبو ديس لأنه حصل ما يشبه الاتفاق على اعتبارها العاصمة حال قيام الدولة ، وقد أطلق عليها اسم القدس  وهذا ما كشفته صحيفة نيوزويك الأميركية في منتصف أيلول سنة 2000 ولم نسمع عن نفي للخبر من الجهات المعنية ، ولم يكشف لنا عن السر في اختيار أبو ديس مقراً للبرلمان الفلسطيني الذي تم بناءه بالفعل في أبو ديس ، والتقطت له الصور ونشرت بالصحف  .

وما يتردد عن الحلول في ظل الشرعية الدولية أي شرعية اليهود والنصارى الذي تطالب به السلطة  فإنه يعيد القضية إلى نقطة الصفر حيث كانت قبل أكثر من خمسين عاماً يوم اتخذ قراراً في المنظمة الدولية بوضع القدس تحت الوصاية الدولية  وهو احتمال وارد فإن العرب يكونوا بذلك قد أحبطوا أنفسهم نصف قرن بجهده وجهاده حرباً وسلماً وكأنك يا أبو زيد ما غزيت .

وهناك اتجاه إلى تقزيم قضية القدس على مستوى العالمين العربي والإسلامي حتى تصيح قضية سلطة بلدية في ظل قيادة فردية ، ولما لمست المنظمة تصلب الموقف الإسرائيلي والأميركي برفض السيادة على القدس ، اقترحت أن تسند السيادة عليها إلى العالم الإسلامي وبالرغم من هذا التنازل فقد رفض الإسرائيليون ذلك .

إن المنظمة التي قامت على أشلاء كثيرين قاتلوا وجاهدوا في الستينات والسبعينات والذين لم يكونوا يقبلون أي سلام مع اليهود ، قد صوَّرت للفلسطينيين بأن الاتفاق مع إسرائيل هو المخرج الوحيد من حياة البؤس والشقاء في مخيمات الذل   وأنه سيعود عليهم بالدعم المالي والمساعدات الدولية من كل جانب ، ولكن زيادة معدلات البطالة مروراً بالغلاء الفاحش إلى إنخفاض مستوى المعيشة كان ذلك مدعاةً للإحباط ، أضف إلى ذلك ما كشفته الأيام عن حقيقة الاتفاق وبنوده وما يترتب عليه ، والذي اتضح مع الأيام من أن المهمة الأولى للدولة الموعودة هي حماية أمن إسرائيل وحدودها وتنفيذ أوامر الموساد والمخابرات الأميركية ، حتى أن أي عملية جهادية يقوم بها فلسطيني ضد إسرائيل تعتبر خرقاً للميثاق وتراجعاً عن العهود . أضف إلى ذلك ما لمسه كل فلسطيني من ضعف هذا الكيان وحجم المأساة التي وصلوا إليها بعد صبرهم الطويل ، وما يزيد من حجم الألم أن أكبر مسؤول لا يستطيع الدخول أو التنقل إلا بإذنٍ من السلطات الإسرائيلية

أما ما يجري في المخيمات الفلسطينية فإنه يهدف إلى تفكيكها وتشتيت الفلسطينيين الذين يعيشون فيها ، وقد وصفتها إسرائيل بأنها مجتمعات الحقد والكراهية وقد خرجت في الآونة الأخيرة دعوات داخل الدول المضيفة لهذه المخيمات  ظاهرها الرحمة والشفقة مطالبةً بإعادة تأهيل هذه المخيمات وتحسين حالة الفلسطينيين فيها  وحقيقتها الاستجابة لمطالب اليهود بتفكيك بنية هذه المخيمات وإزالتها نهائياً .

 إن اليهود ليسوا أكثر من تجار دولتهم تلمودهم  يحملونه حيثما وجدوا وأينما كانوا   فهذا حالهم على مرِّ العصور ، حتى أنه قيل على لسان بن جوريون : "إنه يخشى أن لا يُدفن حفيده في فلسطين " ، إنهم على يقين أكثر منا بأنهم غرباء عن المنطقة وسيغرقون في بحرها ، لولا الخيانات التي ساهمت مساهمة فعّالة في إيجاد دولة اليهود وحمايتها وتثبيتها إلى هذه الأيام

                   

          

              

ماذا قررت مؤتمرات القمه لفلسطين

لقد حذّر الله من المثبطين والمُبَطّئين عن الجهاد فقال تعالى : ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ . فهم يبطئون أنفسهم عن الجهاد ، ويبطئون ويخذلون غيرهم عن النفير  فهؤلاء يخوفون من الأعداء ومن قوتهم وأسلحتهم، ويُدخلون الضعف في قلوب المسلمين بأراجيفهم ، وهم يعلمون أن الله تعالى أمر بالجهاد والتشجيع عليه إن المثبطين جبناء أينما حلوا وأينما ارتحلوا ، يحسبون كل صيحة عليهم  ومن الغريب أن نسمع من بعض الناس من يحمل قادة حماس المسؤولية عما يرتكبه اليهود من مجازر؛ وينسى هؤلاء أن الخسائر الواقعة والمتوقعة ، لن يكون قادة حماس بعيدين عنها ، بل لعلهم الأقرب إلى دائرة الاستهداف الجدي  وليس بدعا في هذه الحركة تضحيتها برموز وقادة كبار في صفوفها استشهدوا ويستشهدون ، ولننسى حماس ، ونسأل أليس الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ما زال يرضخ تحت الاحتلال ؟ وهل توقف اليهود عن الممارسات الاحتلالية والاستيطانية في الضفة ثم أليست مقاومة الاحتلال حقا مشروعا في كل الشرائع ؟! ثم ما وجه المقارنة بين أسلحة المقاومة المحدودة وآلة الحرب الصهيونية؟! فعلام هذا اللوم والتجريم ؟! ألسنا في حالة حرب مع دولة اليهود التي تحتل أرضنا ومقدساتنا  أليس الواجب الشرعي   يوجب علينا قتالهم ولا يجوز بحال ، التنصل من ذلك  تحت ذرائع واهية ومصطنعة . ألا نعيش هذه الفتن التي تعصف بنا والمحن تحيط بنا من كل جانب ، والتي يوقد  نارها كفرةٌ حاقدون ، ويُذكي جذوتَها منافقون متربّصون  إنها أعظم مجزرة تعيش الأمة آلامها ، إنها فصلٌ من فصول الإجرام التي بدأت ببداية الاحتلال ولن تنتهي إلا بدفعه ،  إنك لتفرح حين ترى الشعوب الإسلامية من أقصى المشرق إلى المغرب ، وقد أبدت مشاعرَ اللوم والحزن والغضب لما يقع لإخوانهم في غزة أرضِ الجهاد ، وإذا كان من حق هذه الشعوب أن تلوم المتخاذلين والمتمالئين مع العدو، فإنه من الحق عليها أن تؤديَ الحقَّ الذي عليها من نصرة  المظلومين  وليس في وسع أحد أن يقول : وماذا بيديَّ وأنا فرد مستضعف لا حيلة لي ولا قوة ؟! أما وقد أغلقت في الوجوه الأبواب  وأن اللوم يقع على من عطّل الجهاد وأسهم في الحصار. إن الذين يتكلمون بهذا المنطق لا تُرتجى منهم نصرة، ولا يُنتظر منهم عملٌ ذو بال ، وهم لا يحسنون سوى عملٍ واحد وهو في التنصل من المسؤولية ، وإلقاءِ اللوم على الآخرين. تراهم يتركون ما يستطيعونه ويزهدون فيه ويزهِّدون، ويتمنون ما هم عنه ممنوعون لعلمهم أنهم لن يُجابوا إليه لو سألوه، ولو أجيبوا إليه ما فعلوه، والله أعلم بما يكتمون، يتمنون جهادَ اليهود ولو كان متاحاً ما تمنوه ولا سألوه، ولتكلفوا أعذاراً في التخلف عنه.  يخرج علينا كل يوم مثبط من المثبطين ، من أهل النفاق والخيانة  ويتهم المجاهدين بما آلت إليه الأمور ، لا يبالى أحدهم إن عاش ذليلاً أو عزيزاً  ثم لماذا يتسلحون ؟ وما الفائدة من صرف البلايين من الدولارات لشراء أسلحة تصدأ في مخازنها  ولا تستخدم عند الحاجة الحقيقية إليها ؟ وإذا كان العرب غير مستعدين لاستخدام هذه الأسلحة لردع عدوان إسرائيل  فلماذا لا يزودون المقاومة الفلسطينية بشيء منها ، ليدافعوا عن أنفسهم مثلما تزود أميركا إسرائيل  بكل أنواع الأسلحة المدمرة لتمارس عدوانها ، وهي لا تعرف إلاّ لغة الحرب والدمار والغطرسة ، على الرغم من كل المبادرات السلمية ، ومتى يسارع العرب إلى نبذ خلافاتهم ، والوقوف صفاً واحداً في وجه اليهود الذين يمارسون حرب  الإبادة ضد إخوانهم المجاهدين، وضد النساء والأطفال، وهدم المنازل على رؤوس من فيها ، ودور العبادة عل المصلين ، إن ما يجري في غزة قد أبرز غياب الموقف المساند للحق كما يريد الحق سبحانه ، وقد قرر بعض العرب وهم يرون ما يعاني أهل غزة من ظلم اليهود وبطشهم ، قرروا اللقاء في اجتماع القمة ، وهو لقاء خطير وهام وعظيم ، لأن أي قرار يتخذه لا يدعو إلى إعلان الجهاد ، والتمسك بالدين عقيدة وشريعة لا فائدة منه ، لأنه لا نصر ولا توفيق بدون العودة إلى الله والتمسك بمبادئ الدين ، هذا بالإضافة إلى أن يصدق العمل القرارات التي تتخذ  لأن علامة الصدق في القول أن يتبعه العمل ، ونحن بحاجة ماسة إلى أن يفي الحكام بالواجب الذي رسمه الله لعباده في شريعته التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  والمسؤولية في هذا الاتجاه كبيرة وحاسمة  وهم يعلمون ذلك ولا ينقصهم إلا التطبيق العملي .

فما أحوجهم لأن يتماسكوا ويسيروا على طريق الحق ، طريق القوة والمنعة طريق الإسلام ، الذي دعا الله إلى التمسك به ديناً ومنهج حياة ، وإنا لنرجوا الله أن يعودوا إلى شريعة الله ، ويعملوا على تطبيقها في كل شؤون الحياة ، فكم هو جميل اللقاء الأخوي ، ولكن الأجمل منه اتخاذ القرارات الحازمة التي تتبعها الأعمال الجادة ، بعيداً عن الوقوف عند الوعود والأقوال ، واتخاذ قرارات تعمل على رفع العار والذل ، الذي تعاني منه الشعوب التي تتطلع بشوق ولهفة إلى اتخاذ القرارات التي تحقق للأمة النصر .

لقد سئمت الأمة الكلام والخطب ، وهي تنادي كل ذي قلب يعي أن لا حاجة الآن لأقوال مجردة عن الأفعال ، لأن الأمة بحاجة إلى أعمال إيجابية ، تلبية لنداء الله : ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ﴾ . ففي كل اجتماع أو مؤتمر يعقد  يذاع البيان الختامي الذي يطمئن على أن اللقاءات كانت مثمرة للغاية  وهادفة وناجحة ، تساعد على وحدة الصف والهدف ، ولكن الشعوب في كل مرة يسمعون كلاماً ووعوداً ، لا يلمسون لها حقيقة في واقع التطبيق العملي .  فهل تتخذ في هذه القمة القرارات الداعمة للمقاومة ، وهل يتذكر الذين سيجتمعوا اليوم ومن لم يجتمعوا ، وجوب الالتزام بكتاب الله وسنة رسول الله شريعةً ومنهج حياة ، الذي يخلو منه البيان الختامي في كل قمة عقدت من قبل  وخلا من المطالبة بوجوب إلزام إسرائيل بالكف عن ممارسات القتل والقمع لشعب فلسطين  والتزامها بالقرارات الدولية وإلا فالحرب والمقاطعة ، وإن مواقف البغض تذكرني بقصة أبي جعفر المنصور ، حين وقف يوماً خطيباً في جماعة من الأعراب فقال : " أيها الناس احمدوا الله على أن وهبني لكم ، فإنني منذ وليت أموركم أبعد الله عنكم الطاعون   فقال له أحد الحاضرين " إن الله أكرم من أن يجمع علينا الطاعون والمنصور ". وبقصة ذلك الوالي الذي وقف يخطب الناس فأرْتِجَ عليه فمكث ساعة ثم قال : والله لا أجمع عليكم عيّاً ولؤماً ، من أخذ شاةً من السوق فهي له وثمنها علي " . ما أكثر ما يجمع على الأمة الإسلامية هذه الأيام  من عيّ ولؤم وفساد وإلحاد وعمالة وخيانة ، والمخفي أعظم والله المستعان . فكثيراً ما اجتمعوا ، وكان الإعلان بنجاح ما اجتمعوا لأجله  إلا أن الحقيقة ظلت تائهة ضائعة ، ولو وجد من يقول للمجتمعين عودوا إلى دينكم ، وضمنوا بيانكم الختامي ضرورة الالتزام بالإسلام نظاماً ومنهج حياة ، والعودة إلى الجهاد لحماية الأهل واسترداد ما فقد من الأرض ، أقول لو وجد من يقول ذلك  لأداروا له ظهورهم وقلبوا له شفاههم  وجعلوه سخرية الاجتماع  وأخذوه مأخذ الهزل ، واستخفوا بما قال ، علماً بأننا إن لم نتخذ منهج ربنا دستوراً لحل قضايانا  فإن معالجة ما تعاني منه الأمة داخلياً وخارجياً هو حلم حالم لأن من بين العرب والمسلمين من يؤيدون السياسة الإسرائيلية . وهم كثرٌ ، وبالمناسبة تذكرت قصة الرجل الذي حلف بالطلاق أن الحجاج في النار فأتى ابن شبرمه يستفتيه فقال : يا ابن أخي امضي فكن مع أهلك ،  فإن الحجاج إن لم يكن من أهل النار فلا يضرّك أن تزني  .  كيف نأمل الخير في الاجتماعات واتخاذ القرارات  وقد تخلينا عن قرآننا  فأصبحنا أضحوكة الأمم ومهزلة التاريخ ، فلا نعيش إلا تابعين ولا نحيا إلا موَجَهين  تُرسم لنا الطريق ، ونبحث عن سند وصديق ، متناسيين أن الأقوياء لا صداقة عندهم ، لأن همهم مصلحتهم وما يحقق مجد أمتهم .

إننا نعيش حياة الذل بدل مجد ضيعناه ، ونهوى الهزيمة بدل النصر الذي فقدناه يتفاوض على قضايانا الأقوياء ، حتى غدونا سلعاً تباع في الأسواق ، أسواق السياسة الدولية .  إن عزتنا وقوتنا لن تكون إلا بالإسلام ، لأنه عماد صمودنا وباعث مقاومتنا  ومكون حضارتنا وحافز تقدمنا ، وذخيرتنا التي لا تنفذ مع الأيام ، إننا بالإسلام نتحرر من اليأس ولاستسلام ، لأنه يولِّد فينا الثقة بالنصر والتصميم على الجهاد  ويدفعنا إلى الأخذ بما يحقق النصر وأسبابه ، ويرتفع بنا إلى ذروة التضحية .

لقد عايش المسلمون قديماً أوضاعاً تشبه الأوضاع العالمية هذه الأيام ، كان الروم يومئذٍ يمثلون الدولة الأولى في العالم ، صحيح أن الفرس نازعوهم السيادة ، غير أن حرباً نشبت بين القوتين العظميين انتهت بانهزام الفرس انهزاماً ساحقا ، فانفرد الرومان بالسطوة في أرجاء العالم كله ، تماماً كأمريكا هذه الأيام ، وقد قام الرومان بمطاردة الدعاة الإسلاميين ومنعهم من نشر الدعوة .

وعندما قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم محاربة الروم والتصدي لعدوانهم ، فزع الكثيرون وتثاقلوا عن الخروج ، وقال بعضهم لبعض : أنى لنا مقاومة هذه الدولة العظمى ؟ فنـزل الوحي يقطع دابر الضعف ، ويستأصل روح الهزيمة ، ويطلب إلى المؤمنين أن يسارعوا إلى النفير ، وان يسيروا إلى الروم حيث كانوا دون أي تهيب  وذكَّر المتثاقلين عن الجهاد بأن النصر من عند الله وحده ، لا تمنعه قلة عدد أو عدة  فماذا كانت النتيجة ؟ إن الله لم يخذل من تعلق به واستند إليه ، وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع  راية الحق . فكانت غزوة تبوك  وبعد سنين كانت معركة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون على دولة الروم ، أعتى دول الأرض وأوسعها سلطانا في ذلك الوقت ، والتي كانت  تريد الطغيان بباطلها وجبروتها . إننا في هذه الأيام من المفرِّطين ، والله لا ينصر المفرِّطين ، تماماً إذا تكاسل الواحد منا عن أداء ما عليه وهو قادر ، فكيف يرجو من الله أن يساعده وهو لم يساعد نفسه ؟ وإن ما يجري في فلسطين درس من دروس الجهاد الحية ، يُساق إلى المتواكلين الذين ينتظرون من الله أن يُقدِّم لهم كل شيء ، وهم لم يقدِّموا شيئا : في الوقت الذي يهبُّ فيه الأعداء لاجتياح الإسلام وبلاده   والإتيان عليه من القواعد ، فهل نرفع راية الجهاد للعمل على  ما يخزي أعداء الله ويرد كيدهم في نحورهم ، وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا ، في الوقت الذي يترنح فيه الوضع الدولي في هذه الفترة  والدواء عندنا وحدنا  فهل ننقذ أنفسنا وننقذ العالمين ؟ . إن الذي يسمع ما يسمع ويرى ما يرى، ثم يتخاذل ولا يحرك ساكنًا ، فإن الله سيخذله لما روي عن جابر وأبي أيوب الأنصاري قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ( ‏ما من امرئ يخذل مسلمًا في موطن ينتقص فيه من  عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته ،‏ وما من امرئ ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ) أبو داود‏ والطبراني وعن عمران بن حصين أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال‏:‏( من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره ، نصره الله في الدنيا والآخرة‏ )‏ رواه البزار والطبراني وإلى الذين يعتبرون هذا الموقف الجهادي مغامرة تقود إلى  كثيرٍ من التضحيات نقول لهم وهل انتصر الدين إلا بمواقف وتضحيات الرجال ؟ ألم يحذّر الله تعالى عباده المؤمنين من التأثر بهذه العقيدة الفاسدة في القدر   وما يصيب الإنسان من مصائب وابتلاءات وأكدار في هذه الحياة الفانية فقال سبحانه  : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ . لقد اقتضت حكمة الله أن يبتلى عباده المؤمنين ويمحصهم  ويمحق الكافرين ويهلكهم قال تعالى :﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ . وما يمر بالعبد المؤمن من مصائب وكروب وأكدار إنما هي من الابتلاءات التي يريد الله عز وجل من ورائها أمراً يجهله كثير من الناس ، الذين لا يتدبرون ما وراءها من رفع للدرجات وتكفيرٍ للسيئات ، وعز في الدنيا ورفعةٍ في الآخرة بحيث لو اعتمد الإنسان على علمه وعمله ما استطاع الوصول إليها. عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن عظم الجزاء من عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط) رواه ابن ماجه .

والمجاهدون من جملة المؤمنين وعباد الله الصالحين بل هم من خيرة عباده وأفضل جنده ، إذا ما اتقوا واخلصوا لله وحده لا شريك له ، وما يصيبهم إنما هو من الابتلاء الذي يرفع الله به درجتهم ويعلي به ذكرهم.

إن المجاهدين وهم يحملون أرواحهم على أكفهم، وسلاحهم على ظهورهم، يعلمون أن طريقهم شائك، وليلهم ظلام حالك، وما ينتظرهم يحتاج إلى الصبر والرضى وهم يعلمون أن أمامهم قتل أو كسر أو بتر، أما النصر فهو من الله  وزيادة في الفضل والعطية يأْتي به الله متى شاء ، ويؤتيه لمن يشاء قال تعالى :   ﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ . وهم يعلمون أن الاستشهاد من لوازم الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا يعني هذا بحال من الأحوال خللاً في نهج الجهاد أو صدق المجاهدين  فما من عبد ادعى الإيمان إلا وأخذ نصيبه من الابتلاء على قدر إيمانه وصدقه مع ربه قال تعالى:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .

فاستشهاد أحد المجاهدين يجب أن لا يصيب الآخرين بالضعف والخور والجبن والقعود ، فهذه هي ضريبة العز والمجد والنصر والتمكين ، والأمة التي تريد الرفعة والمنعة والظهور ، لا بد لها من تقديم التضحيات الجسام والبطولات العظام  ومن يريد إعلاء "لا إله إلا الله" لابد له من خوض المكاره واقتحام الصعاب.

ومـا نيل المطـالب بالتمني     ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وما استعصى على قومٍ منالٌ  إذا الإقدام كان لهم ركابا

والاستشهاد لا يعني نهاية المطاف، ولا يعني نهاية الجهاد والمقاومة والعمل، بل الجهاد ماض إلى يوم القيامة والقافلة تسير وما يصيبنا لن يقصم ظهورنا بإذن الله ولن يثنينا بل يقوي عزمنا  ويشد  من أزرنا  مؤمنين بقوله تعالى:﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ .

إن المجاهدين في غزة قد فتحوا اليوم صفحة الجهاد التي طويت في كتاب زماننا هذا، زمان الذل والهوان والخنوع، ونفضوا عنها غبار الذل والصغار، وكتبوا من جديد على صفحات غدنا المشرق وأسطر عزنا المنشود  "اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى " ضاربين عرض الحائط التخاذُل الذي جرَّ على المسلمين الذلة والعار، والذي حاربه الإسلام حربًا شعواء  ولعن من يقبعون في ظلاله الداكنة

قال صلى الله عليه وسلم : ( من أُذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذلّه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ) رواه أحمد وقال : ( مَن خذل أخاه في موطنٍ وهو يقدر على نصرته خذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ) أخرجه أحمد ، وفيما يرويه الرسول الكريم عن رب العزة : ( وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله أو آجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل ) رواه الطبراني في الأوسط والبزار.

 

القضية الفلسطينية في زمن التقصير

نعيش واقعًا مريرًا، نحى فيه حياة الذل والهوان ، ونرضخ لما يملى علينا من أعوان الكفر والإلحاد ، ولا زلنا القصعة المستباحة  للشرق أو الغرب ونعيش الهجمة الشرسة من الشيوعية المادية الملحدة ، والصهيونية العالمية الماكرة، والصليبية الجديدة الخادعة، يساعدهم العملاء والأذناب  وأمتنا شاردة عن رسالتها، غافلة عن غايتها تتخبط ذات اليمين وذات الشمال، وعدوها باسط ذراعيه إليها ، بالفتن والشهوات، وقد مزقتها المؤامرات ، وفي نفس الوقت فإنهم   لا يُريدون لنا أن نبني قوةً ، وكلما حاولنا بناء قوة دمّروها ، ولا يكتفون بإضعافنا  ولكنهم يشغلونا بقضايا وفتن ، ليقتل بعضنا بعضا ، ويشغلونا عن قضايانا الرئيسة، ثم يعملوا على إَخْضَاعنا ، لأساليبهم السياسية والفكرية ، ويطالبونا بتبَنَّى الديمقراطية   التي أَذلَّتنا ، وأخرجتنا من ديارنا، وسلَّمت فلسطين لليهود، ومزَّقت العالم الإسلامي إرْباً وما زالت ، وامتدتْ جرائمها إلى حّدٍ يصعب حصرُه ، كما حصل في المراحل التي عانتها قضية فلسطين ، وأخيراً التنازلٍ الصريح ، عن تحرير فلسطين كلها  والاعتراف بالعجز ، وعدم القدرة على تحقيق ما أُعلن من شعارات، لأننا نريد من عدوّنا أن يقيم لنا دولة، وأن يمنحنا وسائل معيشتها وأسباب حياتها! وأن يعطينا المال! وأن يقيم لنا دولة ، غير قادرين على إقامتها  وتلك مهزلة ، ضاعت فيها العقولُ ، وماتت المبادئ ، في شهوة دولة ميتة  ستكون في أحسن حالاتها ، تابعة لإسرائيل ، فتحوَّل الصراع ، إلى تجارة دنيوية ، يسعى كلُّ فريق فيها ، إلى إثبات وجوده في الساحة، أو كسب نصر دنيوي ، معزول عن أي عقيدة أو قيم أو مبدأ، فامتدّ الوهمُ  وسقطت الشعارات ، ونشطت التجارة بالوطن وبالشعب وبالقضية .  إننا نعيش في نوم عميق ، قد لا نفيق منه ، لأن العرب ينظرون إلى مصالحهم ، وإلى الفائدة التي تعود عليهم، بعيدا عن النظر إلى الشعوب ، الذين يغدر ويمكر بهم ، ونحن واقفون كأننا خشب مسندة  ، نتمنى أن نفيق ، ونستيقظ من نومتنا ، ونصحوا من سباتنا ، ونفتح أعيننا  لندرك ما يدور بالعالم من حولنا ، قبل أن يفوتنا قطار الزمن وأحسبه قد كاد ، وأن ننفض غبار الذل والوهن والعار عن جبيننا ، ونهبّ لاستعادة كرامتنا المفقودة ، وتحقيق وحدتنا المنشودة ، ونتجمع حول ديننا الحنيف الذي أكرمنا الله به ، وندرك قولة عظيمة من رجل عظيم من عظماء هذه الأمة  عمر بن الخطاب  : " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا العزة من غيره أذلنا الله "  ألا يكفنا ذلا ومهانة ، والذئب لا يأكل إلا القاصية من الغنم ، فأين النخوة والشجاعة والكرامة ؟ أين التلاحم والتكافل والتضامن : 

يا ويح أمتنا تساق إلى الردى   ويسومها الخسف الذليل الأرذل

وإذا بساحتها ألمـت نـكبة           يعلـوا صراخ نسائها وتولول

إلى متى سنظل نجري ونلهث وراء السراب ونحن المستهدفون والمظلومون والمقهورون أما آن لنا أن نحزم أمرنا ، ونشد أزرنا ونعتصم بحبل ربنا ، ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾  أما آن لنا أن نكفر بأعدائنا ، ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ هناك خلل كبير في واقع المسلمين ، لا يمكن علاجه بالمسكنات والمجاملات ، ولا بلقاءات تحمل ضعفاً وخلالا ، بسبب دعاة الفوضى والانحراف، والمبشرين بمبادئ العلمانية ، والتحرر الكاذب ، الذين ينادون بسلخ الأمة عن دينها .

إن على المسلمين في لقاءاتهم مسؤولية كبرى ، لتحقيق مصالح الأمة ، والأمن والاستقرار ، والدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية ، ولا يمكن إعفاء الدول العربية والإسلامية ، مما يجري في المسجد الأقصى، ويظهر أن حالة الشجب والاستنكار من العرب والمسلمين ، لم ترق إلى المستوى المطلوب، ولم يلتفت لهم الاحتلال ، فمضى في هجومه واقتحاماته  مما يدل على أنهم مقصرون ، تجاه ما تتعرض له القدس والفلسطينيون ، بدعوى أنّ قضية القدس أكبر من الفلسطينيين   وأنّ الأمة العربية والإسلامية ، هي المقصرة بشكل أكبر تجاه دعمها، والتي تقتصر على الاستنكارات والإدانات ، دون تحرك عربي ودولي جاد وفعال ، يدنس الأقصى أمام مرأى ومسمع العالمين العربي والإسلامي   وما أكثرهم ، وما أقل بركتهم، فلم نر منهم ردات فعل قوية وفاعلة ، ترتفع إلى مستوى الفعل الإسرائيلي ، الذي بدأ يشكل خطراً   كبيراً يهدد القدس ، ومعالمها الإسلامية . وإذا ما توقف المرء أمام دور الرأسمال الصهيوني ، والرأسمال العربي ، يشعر بالغثيان والرغبة بالتقيؤ ، من حال أصحاب المليارات العرب بمن فيهم الفلسطينيون. لأن أصحاب المليارات اليهود ، وغيرهم من أباطرة المال والإعلام، يصبون ثقلهم المالي والإعلامي في خدمة المشروع الصهيوني ويعملون بجد وثبات على تقديم الخدمات المالية الهائلة ، لتصفية الحقوق الفلسطينية في القدس والخليل وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67. فهو يشتري البيوت ، ويدفع ثمنها   ويحولها إلى مستعمرات ، ويبيعها لليهود الذين يجدون الدعم والإسناد ، والتغطية من فتاوى الحاخامات لشراء البيوت، وعدم بيعها أو تأجيرها للعرب الفلسطينيين  وبالتأكيد فإن العرب ليسوا اقل غنى من الصهاينة، ولكن ليس لديهم  انتماء لقضاياهم القومية ، وخاصة قضية العرب المركزية ، فماذا قدم أصحاب المليارات للأقصى لينقذوه من اليهود , إنهم لم ينالوا شرف الدماء التي سالت ، وما تزال تسيل على أرض فلسطين ، ولا يمكن لأيديهم أن تنال شرف مواجهة العدو الصهيوني ، ولا نامت أعين الجبناء ، من الأمة التي كرمها الله ، ولم تحافظ على كرامتها ، إن فلسطين تنتهك ، ولا تجد إلا سواعد رجال ، تحمل السكين والحجارة   لتدافع عن كرامة الأمة ، هنيئاً لمن يدافع عن الدين والأرض والعرض ، ولرافع راية الجهاد ، والخزي والعار لمن يدمر بلاده ، ويقتل شعبه ، من أجل منصب زائل ، وبوركت دماء الشهداء ، التي عطرت تاريخ هذه الأمة ، وبوركت الحجارة والسكاكين ، التي تواجه الدبابة والبندقية   في الوقت الذي توجه فيه بنادق الأمة إلى صدور أبنائها ، وبورك الرجال الذين انتفضوا بوجه الاحتلال ، لينفضوا غبار التخاذل الذي فرض على الأمة ، ممن لم يعرفوا إلا الخيانة والعمالة ، تتهاوى وتتجمع المآسي اليومية ، على هذه الفئة الفلسطينية ، ولا نرى من يحرك ساكنا ، من أهل الحل العقد في بلاد العالم ، فمئات المليارات يمتلكها العرب ، ويتم استخدامها لإنقاذ الاقتصاد العالمي ، وخاصة الأمريكي المتهاوي ، بينما أهل فلسطين ، يبدو أن لا نصيب لهم من هذه المليارات من الدولارات الملعونة  كلعنة طابعيها ومسوقيها ، بلا رصيد اقتصادي حقيقي ، في الأسواق المالية العالمية . فهل يكفي ان يسمع ويشاهد الأهل المنكوبين في فلسطين ، والعالم يتفرج ولا من مغيث ، ونقول للمتفرجين من السلاطين ، وأصحاب الأموال والكنز الدفين ، أعيرونا مدافعَكُمْ ليومٍ ...لا مدامعَكُمْ...أعيرونا وظلُّوا في مواقعكُمْ  بني الإسلام! ما زالت مواجعَنا مواجعُكُمْ  ومصارعَنا مصارعُكُمْ...إذا ما أغرق الطوفان شارعنا...سيغرق منه شارعُكُمْ...يشق صراخنا الآفاق من وجعٍ... فأين تُرى مسامعُكُمْ؟ أترانا هرمنا ؟ فأغلقنا آذاننا بعد أن أغلقنا أفواهنا ، ولم نعد نسمع ، إلا ما أرادوا سماعه ؟ وصدق من قال : يريدون عقولنا معطلة ، وعيوننا أن تبصر ما أرادوا   رؤيته . ورحم الله ابْنُ السَّمَّاكِ إذ قال :هِمَّةُ العَاقِلِ فِي النَّجَاةِ وَالهَرَبِ ، وَهِمَّةُ الأَحْمَقِ فِي اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ ، عَجَباً لِعَيْنٍ تَلَذُّ بِالرُّقَادِ ، وَمَلَكُ المَوْتِ مَعَهَا عَلَى الوِسَادِ ، أَفَلاَ مُنْتَبِهٌ مِنْ نَوْمَتِهِ ، أَوْ مُسْتِيْقظٌ مِنْ غَفْلَتِهِ ، وَمُفِيْقٌ مِنْ سَكْرَتِهِ وَخَائِفٌ مِنْ صَرْعَتِهِ ؟! وَلَكِنْ صُمَّتِ الآذَانُ عَن المَوَاعِظِ .

 

  

 

الصمت على الاغتيالات الإسرائيلية

لقد انتهجت إسرائيلي سياسة الاغتيالات لملاحقة الفلسطينيين خارج وداخل فلسطين ، وليس غريباً من حكومة قائمة في أصلها على سياسة الاغتصاب والاحتلال ، لكن الغريب ، هو الصمت العربي والدولي   والسؤال : لماذا هذا الصمت؟ ولماذا هذا التواري والتملّص؟ أيخشون أن يكونوا في زمرة المعادين لإسرائيل ، والسياسة الغربية الداعمة لها ، وكأن إسرائيل ليست دولة محتلة، ولا مغتصبة، وليست قائمة في تكوينها على ثقافة القتل والقمع  والاغتيال، والإبادة، والتهجير، ولماذا يخشوا نقد إسرائيل ؟ ولماذا يقبلوا أن يكون مشاهدين لسياساتها على مقاعد المتفرجين ؟ ولماذا هذا التواطؤ الذي يعتبر رسالة تأييد لإسرائيل ، أن استمري فنحن صامتون ؟ وهكذا تمر جرائم إسرائيل وعملياتها الإرهابية ، تحت غطاء كثيف من التجاهل الإعلامي ، والصمت السياسي, أما لو كان الاغتيال لدبلوماسي ، أو ضابط موساد إسرائيلي ، لسلطت عليه الأضواء بقوة في وسائل الإعلام ، الأمريكية والأوروبية والعربية أيضا,  منددين بالإرهاب   وواصفين إياه بأنه مناف للإنسانية والأخلاق ، ومعاد لجهود السلام في المنطقة  بينما ملاحقة إسرائيل لمناضل فلسطيني  واغتياله ، وقتل الأطفال والنساء والرجال ، وتدمير المنازل ، وما تقوم به من أعمال عدوانية وقمعية ومصادرة  الأراضي الفلسطينية  وإقامة البؤر الاستيطانية في مدينة القدس ، وحرمان المواطنين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الوطنية   ومواصلة سياساتها العدوانية لاغتيال القادة والنشطاء الفلسطينيين ، ليس إرهابا وإنما هو دفاع عن النفس .

ليست جريمة الاغتيال في هذه الأيام هي الأولى ، التي ينفذها الصهاينة، وعلى ضوء عدم الرد على مثل هذه الجرائم، لن تكون الأخيرة ، ولأنها آمنةٌ من الرد  فإنها تمارس هذه السياسة ، بصورة منهجية ، نابعة من صلب العقيدة الصهيونية  يشجعها على جرائمها البشعة ،سكوت الأمم المتحدة  والهيئات والمحافل الدولية  أضف إلى ذلك الصمت عن كل ما يجري في فلسطين المحتلة ، وترك الشعب الفلسطيني ، يذبح أمام مرأى ومسمع العالم أجمع ، وما دروا الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس ، وما أ كثر الشياطين الخُرس في هذه الأيام ، إذ أصبحوا بالنسبة لما يجري أموات، والذي يبدو أن السكوت الطويل ، على أفعال  إسرائيل وممارساتها العدوانية ، سكوت استراتيجي لدى حلفائها ، واعتبار هذه الأفعال والممارسات دفاعًا عن النفس، ورفض أي حلول سلمية ومحاربة أي مشروع فلسطيني مقاوم للاحتلال الإسرائيلي ، واعتداءاته، وعملوا  ولا يزالون ، على منع المقاومة الفلسطينية من الدفاع عن القضية الفلسطينية ، ومن اللافت للنظر ، أن المجتمع الدولي يغلق عينيه عن كل جريمة ترتكبها إسرائيل، وكأن الفلسطيني  والمقدسات الإسلامية ليسا مشمولين بحقوق الإنسان ، والمعاهدات المنظمة لتلك الحقوق، واحترام المقدسات.

لقد أصبح قتل الفلسطينيين العزل طقساً يوميًّا أو شبه يومي تمارسه إسرائيل، ففي كل يوم يتم اغتيال ، وقتلٌ واعتقال ، بينما لم يتحدث أحد عن ضرورة وقف هذه الجرائم ، وكأنه تفويض مفتوح ، لقتل الفلسطينيين دون محاسبة، وإذا كان الصمت الدولي عن جرائم  إسرائيل ، صمتًا تضامنياً ، ففي أي خانة ، يمكن وضع الصمت العربي ؟ أفي خانة التأييد والدعم؟ أم في خانة النسيان والسكوت  آخذين بالحكمة العربية ، لتشجع على وقف الشجب والاستنكار : "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب " فالسكوت في المثل له قيمة عالية   تعادل الذهب ، عندما يكون في موضعه ، لكن المفهوم الحديث  فإنه يتعامل مع اصطلاح الصمت    باعتباره مرادفاً للسكوت ، بالرغم من أن كلمة السكوت  تحمل مدلولات الحكمة والتريث،  بينما مدلول كلمة الصمت حيال ما يحدث  يحمل مدلولات الاستكانة والقبول بالأمر الواقع ، ولا يقبل يذلك إلا الشعوب الخانعة والخائفة ، التي تتبنى نهج الصمت والاستسلام ، لما هو مفروض عليها  ونحن نعيش في زمن أنظمة سياسية  تشجع على الصمت ، في وقت يلتزم به من ينجو بجلده في أسوء الحالات ، ومن لا يلتزم بالصمت ، فإنه يحظى بتسميات الخائن أو الجهادي أو الإخواني ، وفي بعض الأنظمة ، يكون عقاب عدم الصمت الموت أو الاغتيال، وفي بعضها الآخر السجن ، وقد يكون العقاب من خلال الإقصاء ، والمحاربة في الرزق والوظيفة    وهذا يقودنا ، إلى الحديث عن ضرورة استكشاف طبيعة الثقافة السياسية في هذه الأيام ، ومدى قدرة هذه الثقافة ، على التخلص من الاستبداد والطغيان ، التي أدت إلى قتل روح الكرامة والعزة   واستبدالها ، بمواقف التذلل والتزلف ، إما بهدف السلامة الجسدية ، أو لغايات الوصول إلى مواقع المسؤولية ، وقد ساهمت نزعات الاستبداد والإجرام  في تكريس المزيد من التذلل والتزلف ، وسعت إلى شراء الذمم ، من خلال إدخالها في منظومة الفساد المالي والأخلاقي ، بعد أن تم الإفساد السياسي  فأصبح التعبير عن الهوية السياسية والوظيفية ، محصوراً من خلال الأنظمة التي يخدمونها ، وهكذا يصبح الولاء المطلق والصمت ، هما وسيلة التعبير الوحيدة   إلا إذا كان النطق في سياق التمجيد ، أو تمثيل الإرادات والرغبات ، فسادت قيم الاستسلام للإرادات ، واستباحة المال العام ، مقابل الولآت ، مما أدى إلى عدم المبالاة ، وميوعة المواقف الرسمية ، تجاه ما تفعله إسرائيل  التي لها اليد الطولى في ضمان صمت من حولها ، فقد صرح  عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية عام 2010 عند انتهاء مهامه حيث قال  : " قد أنجزنا خلال الأربع سنوات ونصف الماضية كل المهام ، التي أوكلت إلينا، ونجحنا في ربط نشاط الشبكات العاملة في لبنان وفلسطين وإيران والعراق ،كما أعدنا صياغة عدد كبير من شبكات التجسس لصالحنا في لبنان  أما بين الفلسطينيين ، فنحن الذين أفرغنا السلطة من محتواها، وسيطرنا على معظم قادة منظمة التحرير ، الذين عادوا إلى أراضي السلطة ، وشبكنا معهم أوثق العلاقات، ومنهم من ساعدنا كثيراً في عدد من الساحات العربية، ونسج لنا علاقات مباشرة وغير مباشرة    مع أجهزة وقادة عرب، إلى أن أصبح جزء منهم جزءاً من عملنا .  

إن إقدام إسرائيل ، على أعمالها العدوانية  دليل على حصولها تفويضاَ أمريكياً بالقضاء على الانتفاضة ، وتجاهلت أن الانتفاضة إرادة شعب ، يتوق إلى الحياة بحرية وكرامة  وستضطر إلى الرضوخ لإرادة الشعب الفلسطيني ، سواء أجهزت على قياداته ، أم أبقت على أحدٍ منها ، فذلك لا ينهي الانتفاضة ، لا ننكر أن للقيادات دورها المهم ، لكن المهم ، أن الشعب القادر على استمرار العطاء  بدماء الشهداء ، قادر على استمرار إفراز قيادات، لا تلجأ إلى غير القوة ، لأن سنوات التفاوض ، وما رافقها من تنازلات ، لم تغير من العقلية الإسرائيلية شيئا  وأن الفلسطينيين ، يدركون أن استمرار الانتفاضة ، يهون أمام حال الاستعباد  التي سيواجهونها لو توقفت  ويدركون أنهم يعانون ، من ظلم اليهود وبطشهم   ولا من يهتم ، أو يلتفت لذلك  وإذا كان ثمة اهتمام ، من خلال الشجب والتنديد ، والاستنكار اللفظي ، الذي لا يتعدى الألسنة إلى القلوب ، والذي لا يمكن أن يتحول إلى عمل جدي فعّال على الأرض ، لكن الأغلبية الصامتة من أمتنا   تغلي  وهي لا ترى جدوى من كل السياسات العاجزة ، من مواجه ما يجري على أرض فلسطين ، ولا يضير الفلسطينيين أن العالم وحتى أمتهم ، تتفرّج عليهم ، وهم في اشتباك مع الموت والبقاء ، طالما ظل ممكناً لهم ، أن يتصدوا لعدوهم بصدورهم العارية ، وطالما ظلوا يقاومونه  ويقتلون كما يقتل ، ولو بفارق كبير ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ .      

 

 

تاريخ التآمر على فلسطين

 لقد قامت إسرائيل على ثلاث دعائم : -

1.التخطيط اليهودي الماكر .

2.التآمر الدولي .

3.الخيانات الضالعة بالولاء للشرق والغرب.

والنظر إلى التآمر على فلسطين كان بالإفراط تارةً وبالتفريط أخرى.. إفراطًا يحمل على شمِّ رائحة التآمر في كل شيء  حتى في المواقف البريئة  ، وتفريط يعيش أصحابه في ذهول وغفلة عما يحاك ويدبَّر ،  ونحن أمةٌ  كباقي الأمم ، تجري عليها سنن الله الكونية ، يصيبها ما يصيب الأمم الأخرى ، من وهن وضعف وتمزق واختلاف ، حتى طمع بها الطامعون ، واعتدى عليها المعتدون ، وتحكَّم فيها الكافرون ، فتركت الجهاد وأدمنت واستكانة للرقاد ، وفشا فيها الظلم والفساد ، وأُعطيت المناصب فيها لغير أربابها المستحقين لها ، وأُسندت أعلى المناصب فيها لمن تركوا القتال وأنكروا الجهاد ، فطأطئوا رؤوسهم ، وخرست ألسنتهم ، وانشلّت حركتهم  حتى كاد الجماد يتحرك وينطق  وهم لا ينطقون ،  لأنهم في غيهم يعمهون ، وبالدين والمسلمين لا يعبأون ، وواقع حالهم ينتظرون أن يفعل بهم ما فُعل بأجدادهم من قبل التتار ، حيث كان الرجل من التتار ، يحبس أربعين فرداً من المسلمين ، ثم يقول لهم انتظروني لأحضر سيفي فأشبعه فيكم قتلا ،  فينتظرون ليذبحوا ذبح الشياه ، أمةٌ هذا حالها محالٌ أن تلبي نداء الواجب أو تستجيب لداعي الله ، وها نحن نرى إخواناً لنا في غزة فلسطين ، يذبحون والمسلمون يتفرجون ، وكأنهم يحسّنون للذبيحة ، ولا يتوارون من الفضيحة ، ولا يعبأون بما يجري في غزة الجريحة ، وهم على السرر المريحة وقواهم كسيحة  ويعيشون في حياتهم كالنطيحة ، فلا الأيدي تنطلق ، ولا الألسنة تنطق ، لنخوة ضاعت ، وشهامة فقدت ، وإنسانية مُحيت ، ألا يدعو ذلك للعجب ؟ أن تصبح أمة بيدها كتاب الله في حالة من الفوضى والتخلف ، الذي حذرنا الله منه بقوله : ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ﴾ الحشر 19. أم أنهم تناسوا أن عداوة اليهود للمسلمين هي أشد وأقسى وأعمق إصراراً وأطول أمداً من عداء الذين أشركوا قال تعالى : ﴿ لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ المائدة82 ، وذلك لا يستغرب من اليهود ، فما نراه اليوم من أحداث في غزة ، حيث تسفك في كل يوم دماءٌ الأبرياء ، الذين انضموا إلى أسلافهم الشهداء ، في دير ياسين وكفر قاسم وتل الزعتر وغيرها من المذابح التي ارتكبت بحق شعب فلسطين . ولا يستغرب ذلك إذا علمنا أن الغدر اليهودي ، طبيعة جنس وخصائص دم وميراث أجيال ، وحقيقة لا يمكن إنكارها ولا التغاضي عنها ، واليهود يعلمون من أنفسهم هذا ، وهم مستعدون لقتل مزيد من الأبرياء ، لأن هذه طبيعتهم ، ولا ألومهم ، لكني ألوم الصف المختل والعين النائمة ، من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فأصبحوا في أوضاع متردية مهينة   تجعل الأوغاد يركبوا شعباً بكامله وهم آمنون ، على مرأى ومسمع من العرب والمسلمين ، الذين لم تحرك الأخوة الإسلامية عندهم ساكناً ، وفيهم من يعيش للكبر والرفاهية والشذوذ وسوء الخلق ، وإذا كان هذا حالهم ، فكيف يرتقب منهم الخير ؟ والإسلام نفسه في محنة ، ثم ماذا يُنْتَظَرُ من أناس إذا ملكوا المال استغلوه في خراب الذمم ، وشراء الشهوات واقتناص الملذات ، أشداء على قومهم أذلاء أمام أعدائهم :

ألقاب مملكة في غير موضعها    كالهرِّ يحكي انتفاخاً صُورة الأسد

لقد قام الكيان الصهيوني على العنف ، لأن العنف جزء لا يتجزأ من تفكير الحركة الصهيونية وسلوك قادتها ، وهذا ما أكده المؤرخ أرنولد تويني في موسوعته التاريخية عن أعمال إسرائيل الإرهابية قال : " إن الشرور التي ارتكبها اليهود الصهيونيون مع العرب الفلسطينيين والتي تقارن بتلك التي ارتكبها النازيون مع اليهود ، وهي ذبح الرجال والنساء والأطفال في دير ياسين ... وغيرها من المذابح "  فكيف لو رأى وسمع عما جرى في جنين وغزة الآن ؟ فماذا يا ترى كان يقول في موسوعته .... ؟  إن ما تفعله إسرائيل لا يختلف عما فعله هتلر بتبنية نظرية الشعب المتفوق ، والتي لا تختلف عن نظرية اليهود ، وبينما اعتقد العالم أنه تخلص من النازية ، إذا به يجد نفسه يواجه الحركة الصهيونية ، التي لا تقل عنفاً وتعسفاً واستهتاراً بقيم الإنسان ، وهي تنمو بسرعة فائقة ، لأنها تنعم بالدعم الأميركي السياسي والاقتصادي والعسكري ، وبالمساندة والتأييد  أخذت تعمل على تمييع الهوية الفلسطينية ، وتجاهل وجود الشعب الفلسطيني ، فقد صرَّح بذلك زعمائهم ، قالت غولدا مائير " أين هو الشعب الفلسطيني إنه لا وجود له ". كما أن بيجن وشامير وشارون ينكرون حق هذا الشعب في وطنه ، ويحاولون جعل قضيته عربية فلسطينية لا فلسطينية إسرائيلية ، فلا غرابة إذن بما تقوم به إسرائيل من احتلال الأراضي ومواصلة الاستيطان ، وارتكاب المجازر في غزة ، بدعم خارجي لهذه السياسة ، وغياب في الموقف العربي والإسلامي الموحد والفعّال   فكان رد الفعل ما نراه من بشاعة الممارسات الإسرائيلية القمعية   التي تنفذها يومياً ضد الإنسان الفلسطيني في غزة ، وضد مقوماته ومؤسساته وأرضه ، واستشهاد الكثير من النساء والشيوخ والأطفال ، في الوقت الذي تشتتت فيه الإرادة العربية   وفقد العمل العربي حلاً لما يلاقي الشعب الأعزل ، بل تعقدت سبل التفاهم حول صيغة تمثل الحد الأدنى من التوجه العربي المخلص لهذا الشعب .

وهنا نتساءل : كيف يصف التاريخ هذه الفترة الحزينة ؟ وما سرُّ السكوت والوقوف موقف المتفرج من ممارسات السلطات الإسرائيلية ، التي تستبيح مقدساتنا وتعرِّض أطفالنا وأبناءنا وبناتنا ورجالنا ونساءنا لأنواع البطش والقتل والتعذيب . وهل يكفي عقد الاجتماعات ، لاتخاذ قرارات الإدانة وجمع التبرعات   ومناشدة المنظمات الدولية لوقف ما يجري ؟ لا يا اخوة ، فقد عقد مجلس الجامعة العربية قديماً اجتماعات مماثلة ، لم يتوصل فيها إلى حل يحد من المأساة التي كان يعاني منها شعب فلسطين   ففي أحد هذه الاجتماعات في بيروت سنة 1947 قرر زعماء العرب ما يلي : " يجب أن يترك للفلسطينيين أنفسهم عبء الدفاع عن بلادهم ، على أن تزودهم الحكومات العربية بالمال والسلاح ، فإن الفلسطينيين أخلص لقضية بلادهم واعرف بمداخلها ومسالكها ، وأولى من غيرهم بالدفاع عن ممتلكاتهم وأعراضهم" . ناسين أن فلسطين بلد إسلامي  ومهمة الدفاع عنها وطرد اليهود منها واجب ديني . ويومها قال القائل فيهم :       

قد اجتمعوا وما جمعوا        لهم أمراً فما صنعوا ؟

فكم قالوا وكم صالوا         فما صدقوا وما نفعوا

وبانت فيهم الأحـقاد         والشر الـذي رضعوا

فهذا ينصب الأشراك           يبـغي من بها يقـع

وآخر يدّعي الإخلاص         وهو الكاذب الجشع

أمورٌ تبـعث الأحزان         ليت القوم ما اجتمعوا

وقبل هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية ، كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ، ولهذا لم يكن لها في عهد الحكم العثماني وحدة جغرافية مستقلة ، ولا كيان سياسي منفرد ، ولذلك كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعمل في إطار الحركة الوطنية العربية ، في كل سوريا الطبيعية ، وكان تقسيم سوريا بين بريطانيا وفرنسا ليصبح اسمها سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين ، وكان صدور وعد بلفور الذي تبع الاتفاق على هذا التقسيم ، قد خلقا وعياً جديداً وخوفاً من ضياع فلسطين ، فأخذت تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي تدعو لمقاومة بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين .

إن جوهر المشكلة الفلسطينية ، هو مصير شعب ومصير وطنه  إنه الغزو التدريجي ، والاستيلاء المستمر على البلاد بالقوة العسكرية ، وتجريد السكان الأصليين من ممتلكاتهم بالقوة  وتشريدهم وإخضاع المتبقين منهم ، واستقدام اليهود على نطاق جماعي ، لكي يحلّوا محل المطرودين ، وينشروا لواء الاستيلاء على المهزومين ، واستغلال الأراضي المنـزوعة ملكيتها ، والموارد التي تم الاستيلاء عليها من الشعب المغلوب  بل يمكن القول بأن جوهر المشكلة هو حقاً القضاء على الشعب الفلسطيني ، واستبداله باليهود المنقولين من شتى أنحاء العالم وبصدور وعد بلفور ، يلمس المطلع على الأحداث في ذلك الوقت ، وخصوصاً مراسلات الحسين _ مكماهون التي وُعِدَ فيها العرب بالاستقلال ، لكنه تبين فيما بعد أن العرب خُدِعوا   وأنهم بموقفهم ناصروا عدوهم ، وإن أمل الاستقلال والتزام بريطانيا بتحقيقه ، لم يكن إلا مجرد حبرٍ على ورق ، وإن مرحلة النضال ضد بريطانيا من جهة ، والحركة الصهيونية من جهة أخرى قد بدأت ، وإن طريق النضال الطويل والوصول إلى التحرير ، لن يتحقق بسهولة ويسر ، لذا كثرت الاجتماعات ، وبدأت أعمال المقاومة تظهر في فلسطين ، وفي عام 1919 وصلت إلى فلسطين لجنة كينغ-كرين لتقصي الحقائق ، والتي توصلت إلى أن معنى وطن قومي للشعب اليهودي ، لا يعني أن تصبح فلسطين دولة يهودية ، لأن هذا يعتبر اعتداء على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين ، وأن تعريض سكان فلسطين للهجرة غير المحدودة والضغوط المالية والاجتماعية المستمرة ، من أجل التخلي عن أراضيهم بشكل مخالفة كبيرة لمبدأ تقرير المصير" .  هذا ما كانت تفعله بريطانيا ، بإرسال لجان تحقيق كلما حدثت انتفاضة في البلاد ، فأرسلت اللجنة الملكية البريطانية لتقصي الحقائق حول أسباب ثورة 1936 التي عادت بتقريرها الذي يؤكد أن أسباب الثورة ، هي رغبة العرب في نيل الاستقلال  ومعارضتهم لإنشاء وطن قومي يهودي ،  لكن العرب لا يستطيعون مواجهة القوة الصهيونية ، وكانت زعامة الشعب الفلسطيني تلجأ إلى المؤتمرات الإسلامية ، وإلى قياداتها تماماً كما يحصل هذه الأيام ، التي كانت أكثرية دولها إما ترزح تحت نير الاستعمار أو عبارة عن مناطق نفوذ استعمارية ، وأما الجيوش العربية فلم تكن مستعدة للحرب أصلاً ، بدليل عدم الاستعدادات  والنقص في الأسلحة والذخائر ، وعدم وجود خطط واضحة للعمليات الحربية المزمع القيام بها ، حتى إنه نقل عن المشتركين فيها قولهم : "كنا نشعر بالعجز وتأكد لنا بأن هذه ليست سوى حرب سياسة ". وهو ما أكده قائد القوات المصرية في فلسطين ، اللواء احمد علي المواوي بقوله :" إن النقراشي قال : إن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية  وليست عملاً حربياً ، ويعتقد أن المسألة ستسوى سياسياً بسرعة ، وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل".

ثم كيف يرجى الخير من بعض هذه الجيوش التي دخلت الحرب بقيادة ضباط بريطانيين ، وبريطانيا هي التي عملت على قيام دولة اليهود . وحتى الجامعة العربية التي أُسست بناءً على تصريح بريطانيا على لسان وزير خارجيتها إيدن عام 1943 والذي تحبذ فيه بريطانيا ظهور مبادرة في سبيل الوحدة العربية   فأنشئت الجامعة العربية ، التي لم يشر ميثاقها لا تصريحاً ولا تلميحاً ، إلى الشؤون العسكرية أو الدفاعية ، وحتى الزعماء العرب لم يكن للجانب العسكري عندهم أية أهميه ، بل تغاضوا عنه ، ولم يولوا العسكرية في إطار التعاون أي اهتمام     ولما احتل اليهود القسطل سارع عبد القادر الحسيني إلى دمشق حيث القيادة العربية لمنطقة القدس ، وطالب بالسلاح والرجال   فرفضوا ، فأراد السلاح فقط ، فرفضوا ، فأراد الذخيرة فقط فرفضوا ، فأعلنها "أنتم خونة" وقد قال بالحرف "جئتكم أطلب سلاحاً لأدافع به عن فلسطين أما وقد خذلت ، فأبلغكم أننا لن نرمي السلاح حتى النصر أو الشهادة ، أنا ذاهب إلى القسطل ولن أسأل أحدكم أن يرافقني ، لأنني أعرف حقيقة مواقفكم  ولكني أحذركم بأن التاريخ سيكتب بأنكم خذلتم الأمة وبعتم فلسطين ، وأن التاريخ لا يرحم أحدا " وعاد الحسيني إلى فلسطين ، واستشهد وهو يقاتل اليهود . وها هو التاريخ يعيد نفسه اليوم في حرب غزة .

كما أوضحت بعض الوثائق ، أن الدول العربية عام 1948 حينما قررت دخول جيوشها فلسطين ، لم تتخذ التدابير التي كان لا بد من اتخاذها ، لمواجهة حال الحرب ، بل لم يُتخذ من الإجراءات ما يدل على أن البلاد العربية مقدمة على حرب تحريرية ، ولو أن الدول العربية كانت جادّة بتهيئة وسائل الحرب والدفاع وحسن استخدامها في المعركة مع اليهود   لتحقيق استقلال فلسطين ، في إثر انسحاب القوات البريطانية منها ، لتغير مجرى الأحداث ، والنتائج التي انتهت إليها حرب 1948 آنذاك ، بل لم تكن القوات العربية في ذلك الوقت ترقى إلى مستوى قوات دفاعية للأمن الخارجي ، بل كانت قاصرة على صون الأمن وحماية الأنظمة ، ورغم ذلك فإن إخفاق الجيوش العربية في فلسطين عام 1948 كان سياسياً أكثر مما كان عسكرياً ، وكان في وسع هذه الجيوش رغم تخلف سلاحها وقلته وفساده ، تصفية الحساب مع المنظمات الصهيونية الإرهابية ، والحفاظ على عروبة القدس ، ولكن الظاهر أن تلك القوات الباسلة ، قد دُفعت لخوض الحرب لا لتكسبها بل لتخسرها ، ويومها كتب الزعيم الفلسطيني عوني عبدالهادي وكأنه يستطلع الغيب قال : " أخشى أن نكون في حاجة إلى نكبات أخرى حتى نستفيق ... ويظهر لي أن النكبات التي أصابت العرب منذ 1948 لم توقظنا بعد ، اليقظة التي تجعلنا نستفيق ، أنا مؤمن بأننا سنستيقظ يوماً في المستقبل  ولكن متى ؟ يوم يرجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة رسولهم  لأنهما ماضيه ، وهما حاضره ، الذي يجب أن يكون أساسا لمستقبله ، وما يقوم به الأهل من مقاومة وتضحية وتفانٍ  لدليل على رفضهم التسليم بضياع بلادهم عنوان عزّهم ومجدهم  وإن الهوية الفلسطينية قائمة منذ فجر التاريخ ، وستبقى ما دام هناك شعب يقول كل فرد من أفراده ،  بحزم وعزم وإصرار أنا فلسطيني . إن هذه الطائفة هي الضحية ، وهي المتآمر عليها  ودماء أبناءها هي التي تنـزف ، وأبناؤها هم الذين يُقتلون  ومقدساتها هي محل البحث ، وها هم أبناؤها المخلصين الأوفياء يقاتلون ببسالة من اجل العمل على تخليصها مما هي فيه من مذلَّةٍ ومهانة  .

إن ما يجري في غزّة يفرض على المسلمين ألا يتركوا الضلال يستكبر ، ولا يجد من يقمعه ويردعه ، وإن الإيمان والإرادة الصادقة أقوى من أسلحتهم وأدوات دمارهم ، فلماذا لا يعمل المسلمون على رد كيدهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها ، خير أمة أُخرجت للناس .

ولنعلم أن مواثيق الله التي وعد بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، أن تسليط الأعداء على الأمة المسلمة ليس تسليط استئصال ، وإن إصابتهم للمسلمين وإضرارهم بهم ، ما هو إلا أذى وليس إنهاءاً لهم  لأنهم أمة الرسالة الخاتمة والخالدة  .                               

إن مما يدعو للأسى ، أن هذه الحرب تقابل بالصمت المخزي  من قبل فئة كبيرة من قادة المسلمين ، وكأنهم حيال ما يجري   ضاربين صفحاً عن الإنسانيه وكرامتها، وعن الدين وحرمته  وعن الله ولقائه ، يوم يقال لهم ولأمثالهم ذوقوا ما كنتم تعملون ، أو ما علم هؤلاء وأولئك المعتدون ، أن للضعفاء رباً قهاراً عزيزا ذي انتقام ، إن شاء قصم ظهورهم  وأذل أعناقهم ، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم ، وإن أمهلم فهو لا بد آخذهم مصداقا لقوله تعالى:﴾ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم  هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ الأعراف 147 . وقال تعالى : ﴿ وأملى لهم إن كيدي متين ﴾ الأعراف 183 .

 

 

ملحمة غزة وهزيمة المتخاذلون

أدري أننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه على شاشات التلفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية اليهودية التي فتكت بالبشر، وحولت القطاع إلى خرائب وأنقاض. كأن ما جرى لم يكن اجتياحاً عسكرياً، وإنما كان حملة انتقام وترويع استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيل بهم، حتى يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن يتحدون العجرفة والاستعلاء الإسرائيليين. أدرى أيضا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأن شعورنا بالخزي والعار لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع فعل أي عمل وهم يذبحون، في حين وقفت أمتنا متفرجة عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم وليس معهم أو لهم.

ذلك كله صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخات أطفالهم التي ألهبت ضمائرنا ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلها إذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة الشعب، وصموده الرائع ومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا ينبغي أن نبخسها حقها. يكفي رغم كل ما تعرض له من حمم أمطرته بها آلة الحرب اليهودية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم ، ولم يرفعوا رايات التسليم ، لأنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أن هذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين   ممن يرون أن شرف الأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظل صحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لم تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقين الإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة " الشرق الأوسط" في 19/1، تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون بن بشاي المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أن إسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل في تغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل.

 وهو ما لم يتحقق حين تبين أن حركة حماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو نفس المعنى الذي أكده المعلق السياسي ألوف بن، وكرره جاكي كوخي معلق الشئون العربية في صحيفة "معاريف" الذي قال أن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقى من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء والقتلى التي أوصلت إلى عشرات الملايين في العالم رسالة أكدت تدني الحس لدى الجيش الإسرائيلي. منها أيضاً ما قاله يوسي ساريد الرئيس السابق لحركة ميرتس في مقال نشرته صحيفة "ها آرتس" أن عملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل مهمتها في غزة تدل على أنها هزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن القيادة اليهودية حين قررت تدمير غزة فإنها تأثرت في ذلك بالنهج الذي اتبعه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: ”إذا كنا نريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج، فويل لنا.“

 صحيح أن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر أمام الغارات التي أطلقت فيها إسرائيل أقوى طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها الحقيقية كانت على الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه.

لم تهزم المقاومة القوات اليهودية، لكن كل الشواهد دلت على أنها صمدت أمام تلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت في إفشال مهمتها. ولا تنس أن يوفال ديكسين رئيس المخابرات الداخلية اليهودية كان قد توقع أن يسقط القطاع خلال 36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتى اضطرت إسرائيل إلى وقف إطلاق النار من جانبها في اليوم الثاني والعشرين.

ليلة الاثنين 12/1، والاجتياح في أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد قائد لواء الصفوة (جولاني) والعشرات من جنوده بأن النيران فتحت عليهم عندما كانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم "جباليا" للاجئين شمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحد الفلسطينيين في المنطقة، كان قد تم إخلاؤه من سكانه.

لكن ما إن تجمع الجنود والضباط في قلب المنزل، حتى دوى انفجار كبير انهار على أثره المنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من الجرحى في حالة ميئوس منها. وكانت تلك إحدى صور الاستدراج التي لجأت إليها المقاومة. ذلك أن إطلاق النار أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذي تم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.

موقع صحيفة يديعوت أحرونوت على الإنترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي يرقد في أحد المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي خدم كقائد سرية بسلاح المدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي الإشارة إلى شراسة المقاومة التي واجهتها القوات اليهودية. وفي الحديث الذي أدلى به إلى النسخة العبرية لموقع الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها " حرب أشباح لا نرى فيها مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منا مدينة خفية تعج بالشياطين".

فوجئ الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف روني دانئيل المعلق العسكري لقناة التلفزة اليهودية الثانية بأن قوات الجيش الزاحفة واجهت مقاتلين أشداء، وقال على الهواء أن الإبداع العسكري الذي يواجه به نشطاء حماس الجيش الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق. ونوّه إلى أنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض لها الجنود الإسرائيليون في غزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود على التقدم في كل القطاعات رغم مضي 19 يوماً على الحملة، ورغم إلقاء الطائرات اليهودية مئات الأطنان من القنابل الفتاكة لتقليص قدرة المقاتلين الفلسطينيين على المقاومة.

في هذا السياق نقل إليكس فيشمان المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت عن عدد من الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي سيطر عليهم طول الوقت هو الخوف من الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلى أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة من الأنفاق للمساعدة في محاولات أسر الجنود.

هؤلاء المقاومون البواسل لم يهبطوا على غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب الجبارين، الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت أبناء غزة الذين ظهروا على شاشات التلفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمع واحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه على الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودون استثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات التي حاولت تمييع الموقف وإلقاء تبعة ما جرى على وقف التهدئة تارة أو على حكومة القطاع تارة أخرى. لم يروا إلا عدواً واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم على أن حماس ليست الهدف، وإنما رأس المقاومة هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.

رغم الجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهم الأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهم على الاستمرار والثبات على الأرض. القصص التي تروى عن المدى الذي بلغه الالتحام والتكافل لا تكاد تصدق، وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدث القادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيق ويوزعونها على المعوزين. يتحدثون أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرت مساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت لتوزع على الذين لاذوا بالخيام احتماء من البرد.  أضف إلى ذلك حالة الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقد كانت أجهزة السلطة تتولى طول الوقت الإشراف على توزيع الخبز والبطانيات والكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، إلا أن رواتب الموظفين كانت تصل إليهم في بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلى الاتجاه صوب الحدود المصرية ومحاولة عبورها هرباً من الموت، إلا أن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاق النار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام الأبنية المدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عن الأحياء وانتشال بقايا الجثث.  

لقد كان المقاومون يعرفون جيداً أنهم سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسر العظام، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام على المعركة اسم " الفرقان"، باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق بين الحق والباطل.  وحسب مصادر الحركة، فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من مقاتليها، في حين أن قدرتها التسليحية مازالت جيدة ، بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوى لمدى الصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت الذي تختاره. وأغلب الظن أن إسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها وهي تستنفر أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاح إلى غزة .

غزة لم تهزم، وما حدث ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكن الهزيمة الحقيقية والمأساة التي يندى لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الذين تقاعسوا وولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: ﴿ يحلفون بالله أنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون ﴾ . لا ينكر في هذا الصدد أن المقدمات التي تعرف عليها الناس كانت عنصراً مساعداً على تثبيت الاتهامات وإثارة الشكوك.    وذلك وجه الخطورة في الموضوع. ذلك أن الشعوب التي احتملت الكثير ، يصعب عليها ويهينها ويجرح كرامتها، أن تحتمل طويلاً الممارسات الراهنة، التي تشعر شعوبنا بالذل والعار ، التي تفوق طاقة الصبر عند الناس، وهل يمكن بعد الذي جرى أن يتحدث أحد عن السلام مع إسرائيل؟ لأن الجنون الذي مارسته إسرائيل في ممارساتها الوحشية في غزة، لم يهدم فقط بيوت القطاع لكنه أيضاً هدم كل ما حاولت إسرائيل أن تبنيه من أوهام السلام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة   

والملاحظة الأخيرة في هذا الصدد أن إسرائيل حين أرادت أن تحرق غزة فإنها حرقت أصدقاءها معها، والأهم من ذلك أن الجريمة أعادت اللحمة إلى الصف الوطني الفلسطيني الذي عانى من التصدعات والانقسام.  

 

ميلاد دولة إسرائيل

ترجع بدايات هجرة اليهود إلى الدولة العثمانية إلى عهد السلطان سليمان القانوني عندما أهدى تتار بلاد القرم فتاةً يهودية روسية سبوها في إحدى غزواتهم ، ولشدة جمالها افتتن بها السلطان فاتخذها زوجة له ، وسماها خرَّم السلطان ، وكان اليهود في روسيا يتعرضون للظلم وفي إسبانيا للقتل والتشريد . وبفضل نفوذ خرَّم في قصر السلطان ، حصلت على إذن من السلطان بالسماح لليهود باللجوء إلى البلاد ، حيث بدأ اليهود بالهجرة  وانتشروا في كافة الأقطار العثمانية ، وقد تمكن بعضهم من الوصول إلى فلسطين . 

وفي عهد السلطان عبد الحميد طلب تيودور هرتزل السماح ليهود العالم بالهجرة إلى فلسطين  مقابل رشوة قيمتها خمسة ملايين ليرة ذهبية يقدمها للسلطان كهدية ، فما كان من السلطان إلا أن أمر بطرده واصدر على الفور أمراً يمنع هجرة اليهود إلى فلسطين .   

ولكن جمعية الاتحاد والترقي ، طلبت وبإصرار من السلطان أن يُصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين ، ووعدوه بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة ذهب ، لكنه رفض قائلاً : " لو دفعتم ملء الأرض ذهباً فلن أقبل ، وقد خدمتُ الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة  ولن أسوِّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين ، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي ، ولم اقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي " .

إن إسرائيل نبتة تدين بوجودها إلى اللصوصية الدولية ، التي شجعت هجرة اليهود إلى فلسطين  والذين اصبح وجودهم فيها يهدد المنطقة برمتها  لأن الصهيونية لا تعرف العيش إلا على القتل والسلب والنهب ، وقد ساهمت الدول الكبرى وخصوصاً بريطانيا التي بذلت كل ما في وسعها لتوريط العرب في تأييدها في الحرب العالمية  بجهود الكولونيل لورنس ، فكانت معاهدة الحسين بن علي _ مكماهون التي جرَّت العرب إلى جانب بريطانيا ، مقابل وعد العرب باستقلالهم في نهاية الحرب . وكان الحلفاء رغم الوعود التي قطعوها للحسين ، قد عقدوا فيما بينهم اتفاقيات ومعاهدات سرية أشهرها  اتفاقية سايكس بيكو تقاسمت فيها فرنسا وبريطانيا البلاد العربية ، وجعل فلسطين من نصيب بريطانيا . وبالرغم من أن الصهيونية لم تصبح خطراً سياسياً حقيقياً إلا بفضل المساندة البريطانية فإن الكتاب الأبيض الذي صدر عام 1939 قد أثار سخط اليهود على بريطانيا لأنه عمل على تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والإشراف على بيع الأراضي فيها . وعندما أطلق اليهود العنان لأعمال الإرهاب والاغتصاب والنهب والسلب والقتل من قبل عصابتا الارغون و شتيرن ، وكان من الضحايا البارزة لهذا الإرهاب البربري اللورد موين المندوب السامي البريطاني ، مما أشعر بريطانيا أنها غير قادرة على تحمل الإرهاب الموجه ضدها ، فدعت ما عرف فيما بعد باللجنة البريطانية الأمريكية للتحقيق في الوضع وقد أوصت تلك اللجنة بنـزع سلاح القوات اليهودية غير الشرعية ، وفي عام 1947 اتخذت الجمعية العمومية قراراً أعظم شؤماً وأشد قتلاً  فبدلاً من رفع الظلم وإزالة الحيف اللذين طال عليهما الأمد ، قامت لجنة الأمم الخاصة بفلسطين بربط هذه القضية بمشكلة اليهود المشردين في مختلف المعسكرات الأوروبية ، وأخيراً اتخذت قرار التقسيم بين العرب واليهود. بأن تكون لكل منهما دولة مع اتحاد اقتصادي بينهما ، وإخضاع القدس لنظام خاص ، وقد كان ذلك عملاً ذميماً كما وصفه لورنس سميث عضو الكونجرس الأميركي بقوله : إن مناوراتٍ دنيئة سبقت التصويت على خطة التقسيم .

  ولم يفد العرب جهادهم من أجل حماية وطنهم  وذهب أملهم من أولئك المؤتمرين في سان فرانسيسكو أدراج الرياح ، وذهبوا ضحايا على مذابح الشهوات وسياسات القوة التي فرضت فرضاً على شعب فلسطين ، وقد بذلت محاولات فيما بعد للتملص من وعود ماكماهون في اتفاقية سايكس بيكو ، لكن الحاجة إلى تجنيد التأييد اليهودي خلال الحرب العالمية ، وخشية بريطانيا خطر منافسة الدول الكبرى لها ، وخوفها من قيام دولة عربية قوية ، تضم البلاد العربية تحت راية الإسلام الذي يهدد مصالحها ، ومن أجل الحيلولة دون حصول ذلك ،كان تصريح بلفور بوعده الذي يتحدث عن وطن قومي لليهود في فلسطين  ليكون وجودهم حائلاً دون قيام أية محاولة من هذا القبيل ، وكان قادة الحركة الصهيونية يدركون طبيعة هذا الهدف ، وهذا ما صرح به هرتزل بقوله : " وبالنسبة لأوروبا فإننا سنشكل في البلاد الجديدة نقطة أمامية ضد اسيا إذا تم تقسيم تركيا في المستقبل القريب ، فسوف تقف الدولة التي تقام في فلسطين دولة حاجزا " .  ثم كان ما كان من الصهيونية التي عملت دون ضجر ولا ملل من أجل إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين ، وعملت ما في وسعها من أجل العهدة لبريطانيا بالانتداب على فلسطين  فكان لهم ما أرادوا ، ففي سان ريمو عام 1920 منح مجلس الحلفاء الأعلى الانتداب على فلسطين لبريطانيا ، واتخذ قراراً بعدم السماح للعرب أن تكون لهم حكومة في فلسطين   وتمشياً مع مؤامرة اللصوصية الدولية هذه ، وضعت بنود الانتداب على فلسطين من قبل الصهاينة أنفسهم ، والذي وصف من قبل النقّاد بأنه جريمة نكراء . وبهذا ازدادت الهجرة اليهودية إلى فلسطين أضعافاً مضاعفة ، فأنشئت طائفة يهودية تتمتع بالامتيازات وتضطهد العرب بقساوة بالغة لفتح الطريق أمام اليهود القادمين ، وحتى قرار التقسيم الذي جاء لصالح اليهود لم يرضهم فاعلنوا حرباً إرهابية عدوانية وعندما أعلنت بريطانيا عزمها على الانسحاب عام  1948 ودخلت الدول العربية من أجل حماية شعب فلسطين وبلغ القتال ذروته ، أرسل مجلس الأمن الكونت بيرنادوت ليقوم بدور الوسيط  وقد تمكن من عقد هدنة لمدة أربع أسابيع ، إلا أن اليهود والإرهابيين اغتالوه في القدس ، وبعدها زادت أعمال السلب والنهب وعاث اليهود فسادا وكانت قرارات مجلس الأمن لصالح إسرائيل  وكأنه لا يوجد للعرب حقوق ، تماماً كما يحصل هذه الأيام في قرارات المنظمة الدولية  . هكذا نشأت إسرائيل بتخطيط من الدول العظمى  على أساس محو أمةٍ واثبات أمة أخرى  ومحو تاريخ ورسالة وإثبات تاريخ آخر ورسالة أُخرى  ونظرة إلى ما وقع ويقع نلمس أن هذه الدول كانت ولا تزال تصنع دولة إسرائيل وتروج الإشاعات حول عظمتها وشجاعتها . مع أنه كانت هناك فرصةً سهلة يقدر العرب فيها على هزيمة اليهود ومنع قيام دولتهم ، وهي تشجيع المجاهدين الفلسطينين ، وإمدادهم بالسلاح والسماح لا آلاف المتطوعين الراغبين في الشهادة  وجعل فلسطين كلها جبهة أمامية ، والعالم الإسلامي كله قاعدة خلفية للكر والفر .    

لقد كان الفلسطينيون لا يرجون إلا دعم إخوانهم بالسلاح والرجال ، ولو سلموا من الخيانات لاستطاعوا وحدهم أن يهزموا اليهود أو يقفوا تقدمهم عشرات السنين لكن الاستعمار يساعدهم ناس من جلدتنا كان يريد شيئاً آخر  فقد كان يريد إلحاق هزيمة مزدوجة بالأمة الإسلامية لا بالعرب وحدهم .

إحداها عسكرية والأخرى نفسية ، فدفع بدول الجامعة العربية إلى حرب رسمية أعد مكانها وزمانها بمهارة وارتقب نتائجها بثقة ، ولم لا ؟ وهذه الدول ما تزال تأمر بأوامر الاستعمار وقادتها دُمىً بين أصابعه .  وعندما تسجَّل الهزيمة على الدول العربية فسيكون ميلاد إسرائيل دولياً لا ريب فيه ، ألم تنهزم أمامها حكومات العرب ؟ فكيف ينكر وجودها؟ وحتى هذه الخطة الماكرة كادت تفشل ، لأن بقايا المخلصين ورجولتهم واستبسالهم في طلب الشهادة ، أعان على تشتت شمل اليهود وفتح ثغراتٍ واسعة في صفوفهم ، حتى فوجئت الدول العظمى يومها بالعرب على بعد أميال من تل أبيب عاصمة الدولة المزعومة  ولولا تدخل هيئة الأمم التي فرضت هدنة إجبارية على المقاتلين جميعاً ، لتم الإجهاز عليها  وخلال عشرة أيام من إعلان الهدنة كانت سيول من السلاح والرجال تجئ إلى اليهود  كما وصدرت الأوامر إلى الجيوش العربية بالانسحاب ، واصطنعت هزيمة للعرب كلهم  ويومئذٍ ولدت خرافة أن الجيش اليهودي الذي لا يقهر ، وأوعز الاستعمار إلى سماسرته من أبناء العرب والمسلمين بتضخيم الأكذوبة ونشرها على نطاق واسع لكي تتم هزيمة العرب نفسياً فلا يفكرون في حرب اليهود.

لقد أحس اليهود والصليبية أن خطر الإسلام لا يزال كبيراً  فكان لا بد من العمل على إخراج الإسلام من المعركة واستبقاء اليهودية يتنادى بها الشعب المختار ، ونجح الاستعمار في إنشاء أنظمة عربية تتنكر لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ترفع شعارات إما صريحة في رفض الإسلام ، وإما خرساء لا تذكره في موطن ولا تعتمد عليه في تربية ولا تستمد منه تشريع ولا توثِّق به رباط  ولا تبعث به على تضحية .

وعندما يخرج الإسلام من الميدان فإن اليهود لا يقاتلون عرباً ولا مسلمين ، لأنهم اختفوا باختفاء الإسلام ، ومن بقي بأسماء إسلامية ولا إسلام  فكانت حرب سنة 1967 وما بعدها إعلاناً عن انتحار جماعي لمن ينتمون زوراً إلى العرب والإسلام  وكانت فرصة من ذهب لتوكيد خرافة الجيش الذي لا يقهر   والحق أن الذين أخرجوا الإسلام من المعركة أسدوا يداً طولى لليهود وأكسبوهم نصراً تجاوز الأحلام ، فما كان من اليهود   إلا أن أحرزوا غنائم باردة  وانتصروا من غير قتال ، ومشوا في أرضٍ خلت من الجيوش ، ولكن القدر قد يطاول العصاة بيد أنه لا يهملهم وإن غداً لناظره قريب .

إننا لم نستكمل أسباب النصر ، فإن طائفة من أخلاق الهزيمة التي خذلت اليهود قديماً تسللت إلى صفوفنا واستنـزفت قوانا  ولو صَدَقْنا الله لصَدَقَنا الله ، ولكننا ابتعدنا عن ديننا وأخلدنا إلى الأرض فكان ما كان ومازال ، ولا يتغير الحال إلا إذا تغيَّرت الأعمال لما يرضي الله : ﴿ إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم ﴾  .

       

    

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

مقاومة الشعب الأعزل لليهود

قال تعالى : ﴿ لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}المائدة82  . إن المتمعن في هذا النص القرآني ومقارنته بالواقع التاريخي منذ مولد الإسلام وحتى هذه الأيام ، التي يدنس فيها اليهود أرضنا   ليدل على أن عداوتهم للمسلمين هي أشد و أقسى وأعمق إصراراً وأطول أمداً من عداء الذين أشركوا . ولا يستغرب ذلك من اليهود ، فما نراه اليوم من أحداث في فلسطين ، حيث تسفك في كل يوم دماءٌ الأبرياء الذين انضموا إلى أسلافهم ، في دير ياسين وكفر قاسم وتل الزعتر وغيرها من المذابح التي ارتكبت بحق شعب فلسطين .

ولا يستغرب ذلك إذا علمنا أن الغدر اليهودي ، طبيعة جنس وخصائص دم وميراث أجيال ، وحقيقة لا يمكن إنكارها ولا التغاضي عنها ، واليهود يعلمون من أنفسهم هذا وهم مستعدون لقتل مزيد من الأبرياء لأن هذه طبيعتهم  ولا ألومهم ، لكني ألوم الصف المختل والعين النائمة ، من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فاصبحوا في أوضاع متردية مهينة ، تجعل الأوغاد يركبوا شعباً بكامله وهم آمنون  على مرأى ومسمع من العرب والمسلمين ، الذين لم تحرك الأخوة الإسلامية عندهم ساكناً ، وفيهم من يعيش للكبر والرفاهية والشذوذ وسوء الخلق  وإذا كان هذا حالهم فكيف يرتقب منهم الخير ؟ والإسلام نفسه في محنة .

ثم ماذا يُنْتَظَرُ من أناس إذا ملكوا المال استغلوه في خراب الذمم وشراء الشهوات واقتناص الملذات . وما دام هذا حالهم فلن يستحقوا من الله نصراً ، ولكي يستحقوا النصر ويدخلوا بيت المقدس ،عليهم  أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال : هل سيكونوا كالجبابرة الذين سكنوا بيت المقدس قديماً فبعث الله إليهم يوشع بن نون ، فدَمَّرها عليهم واستوقف الشمس ، فلم تغرب حتى ألحق بهم الهزيمة ؟ وهذا ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يَتْبَعْني رجل مَلَكَ بُضْع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولمّا يبن بها ، ولا أحد يبني بيوتاً ولم يرفع سُقوفها  ولا أحد اشترى غنماً أو خَلفاتٍ وهو منتظر أولادها   فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك ، فقال للشمس : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احْبسها علينا فَحُبِستْ حتى فتح الله عليه  " .

فإذا تخلقّ العرب بأخلاق الجبابرة الأقدمين ، فليأخذوا مصير الجبابرة الأقدمين  أما متى يدخل العرب بيت المقدس ؟ يوم يرون رجلاً كصلاح الدين الذي قالوا بأنه جمع الغبار من معاركه ، وأوصى أن يكون وسادة له في قبره ، حتى إذا حوسب قال للملائكة : هذا الغبار كان في سبيل الله ! ولكي ينتصر العرب مرة أخرى ويسيطروا على فلسطين والمقدسات ، عليهم أن يعلموا أن راية الإسلام وحدها هي التي تجمع الشمل ، وغير ذلك يكون سراباً خادعاً وأملاً كاذباً ، لأن التفريط في دين الله سينتهي بأصحابه إلى الضياع والدمار ، فلا يد من عقيدة دينية تغذّي القتال مع اليهود  لأن قتال اليهود ليس قتال أيام قلائل ، لا أيها الأخوة فما فسد في خمسين سنة أو أكثر أو أقل ، لا يصلح في خمسين ساعة أو خمسين يوماً أو خمسين شهراً ، فالزمن جزء من العلاج وامتنا محتاجة إلى علاج طويل . فلا بد للمسلمين أن يتناصروا على الإيمان ، لأن الدولة في الإسلام تقوم على أن أخوة الدين تناصرٌ وتلاحم وتماسك وأن المسلم أخو المسلم حيث كان ، فقد روي التاريخ قصة المرأة التي أسرها الروم ، وعندما أهينت صرخت وامعتصماه تقصد الخليفة العباسي القائم في بغداد ، فلما رويت القصة للمعتصم جمع المسلمين وهو يقول : يا لبيكاه ! لبى لنداء واقتحم بجيش كثيف ارض الروم ، ودخل في حرب مدمرة معهم حتى استنقذ المرأة الأسيرة بأخوة الإسلام .

أما الآن فإن صرخات المطاردين والمعتقلين والجرحى من أبناء فلسطين لم تجد أذاناً صاغية ، ربَّ وامعتصماه انطلقت لم تصادف نخوة المعتصم ، فقد تلاشت أخوة الإسلام ، فالناس غير الناس والتوجيه غير التوجيه ، ونحن المسلمين نجني العلقم من أناس لا يعرفون في معاملتنا إلا الفتك والاستئصال ففي كل يوم نستمع إلى أنباء القتلى في الانتفاضة وما من متحرك لنجدة هؤلاء ، الذين تُرِكوا وحدهم ليواجهوا مصيرهم .

لماذا لا نكون كاليهودي الذي يغضب لمصاب أخيه في أي مكان في العالم ؟ أتدرون لماذا ؟ لأن اليهودية موجودة  والولاء السياسي لها قائم ، والتنادي باسمها مسموع ، بينما نحن تركنا العدو يمحو ويثبت كيف يشاء من تعاليم ديننا وتقاليدنا وأفكارنا ومشاعرنا ، واصبحنا لا نحس بما يجري حولنا ، وما يحاك ضدنا  وتخلينا عن قيادة الدعوة العالمية للإسلام ، بل تسلمت السلطةَ في أقطار العالم الإسلامي حكومات ترفض الإسلام دولةً وتكرهه نظاما .      

إن السبب الحقيقي لما نعاني ، يرجع إلي استهانتنا بديننا  وتهوين قيمه ومثله وأحكامه ، إضافةً إلى نجاح الغزو الثقافي الذي افلح في إيجاد شباب يُقاد من غرائزه الجنسية ، ويُغرى بعبادة الحياة الدنيا وينسى ربه وآخرته ، ومع شدَّة وقع مطارق الهزيمة التي مُني بها العرب ، فإنهم يُعْرضون عن دينهم مصدر قوتهم ، والذي بدونه لن يكون هناك نصرٌ على عدونا ومع أننا أكثر من عدونا عدداً وأقوى عُدَّةً ، إلاّ أننا لم نحسن القتال بما حملنا من سلاح فكانت هزائمنا فريدة ومخزيةً . فما أحوجنا لأن نكون من أنصار الله ، ونعود إلى الإسلام به نقاتل وبه ننتصر ، وبه نعيش ونحيا وبه نتوحد ، وتحت رايته نقاتل ، عسى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده ، وسيندم كل من تعاون مع اليهود أو قدَّم لهم العون أو المساعدة أو تآمر معهم ضد أمته ودينه .

إن الجولة مع الإسلام آتيةٌ لا محالة ، وستخلع كلَّ باطل ، وتزلزل كلَّ ظالم وخائن حصل في عهده الخزي والعار ، لأن الأمة التي تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة ، لا تحرص على حياة الذل والهوان والمسكنة والاستسلام .  

 

أحداث الضفة

إن ما يجري ضد أهلنا في فلسطين قد أثار سخط واستنكار  العالم أجمع   لفظاعة ووحشية ما يجري ، فقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوفهم   ولا غرابة أن يحصل ذلك من اليهود  لأنهم يحملون قلوباً قاسيةً كالحجارة أو أشد قسوة  كما وصفهم الله بقوله : ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ . فقد طغوا وتجبروا وصبوا حقدهم ونقمتهم ولؤمهم على أهلنا في الأرض المحتلة . إن مسؤولية ما يجري يقع على عاتق جميع المسلمين حكاماً ومحكومين ، والذين تخلوا عن الحل العسكري ، وباركوا اتفاقيات الصلح والسلام مع اليهود ، وإن الدعم المادي واستنكار هذه المذابح ، لا يكفي ولا يعفيهم من العمل على إزالة هذا الكيان من قلب العالم الإسلامي .

إن الاعتداء المتواصل على أهلنا ، لم يكن ليحصل لولا التخاذل والتواطؤ من قبل المسلمين والذي أدى إلى هذا الاستهتار المزري والمذل لأمتنا ، بينما جن جنون إسرائيل لأسر ثلاثة جنود من جيشها وليس قتلهم ، وقد استنكروا ذلك واعتبروه إرهاباً ، وهنا نتسائل : إذا كان هذا إرهاباً فما الذي يفعلونه هم ؟ ثم ماذا نسمي تدمير البيوت وقتل النساء والأطفال والشيوخ وما  يمارس ضد أهلنا ، أليس ذلك اعتداءً وإرهاباً ؟ وهل يحق لإسرائيل بعد المذابح التي مارستها وما زالت تمارسها أن تصف غيرها بالإرهاب وتصف نفسها بالبراءة .  إننا ونحن نقرأه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأه وكأنه يوبخنا إذا رضينا الدنية في ديننا قال صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكَلَةُ على قصعتها ، قالوا : أو من قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينـزعن الله مهابتكم من صدور عدوكم ، وليقذفنَّ في صدوركم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حُب الدنيا وكراهية الموت) . حُب الدنيا الذي جعل المسلمين يستمرئون الذل  فهل ترضى أمة الإسلام أن تبقى غثاءً كغثاء السيل أو تتقدم لتحتل المركز الذي اختاره الله لها واختارها له ﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس ﴾ . فما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم نراه قد تحقق هذه الأيام ، فقد تكالبت دول الكفر على المسلمين تقتل وتشرِّد ، وبالمقابل نرى أنظمتنا العربية والإسلامية قد اتخذت دور المتفرج . إن اليهود يعتبرون القدس جزء من عقيدتهم ، وهذا ما أعلنه زعمائهم مراراً وتكراراً  ، فقد قال بن جو ريون : لا معنى للقدس من غير الهيكل. وقال وزير الأديان : أرض الحرم ملك يهودي بحق الاحتلال أو بحق شراء أجدادهم لها منذ الفي سنة ، وقد درجت الحكومات اليهودية على توسيع الصبغة الدينية في المدينة المقدسة وبناء المستوطنات اليهودية في جميع أجزائها  وكان شعار باراك الانتخابي ، نريد أن نصبغ القدس الشرقية بالطابع اليهودي الخالص . وفي الوقت الذي كان باراك يفاوض الفلسطينيين في كامب ديفيد ، أعلن بوضوح أن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية .

 ولم يرض اليهود ما أبداه المفاوض الفلسطيني من تنازلات كثيرة ، وتخليه عن مسلّمات عديدة منها : تغيير الدستور والميثاق ، وكان التحدث عن السلام مع إسرائيل قبل عشرين عاماً يعتبر خيانة عظمى ، ويعد سلسلة طويلة من التخدير ، اصبح رمزاً من رموز الواقعية واسترداد الحقوق  ومعارضة ذلك يعتبر تطرفاً ، وكان العرب قديماً يطالبون بفلسطين المحتلة ، فاصبحوا لا يتحدثون إلا عن الأراضي المحتلة في عام 1967م ، وكانوا يطالبون بالقدس كاملةً ، فاصبحوا لا يتحدثون إلا عن القدس الشرقية فقط .

إن الحرب مع اليهود ذات طابع ديني من طرف واحدٍ فقط ، إذ نجح اليهود منذ تأسيس دولتهم في عزل الإسلام عن ساحة المعركة ، لأنهم يدركون تماماً أنه لا يمكن أن يقف في طريقهم إلا الراية الإسلامية ، وهذا ما أعلنه بن جوريون يوماً قال : "نحن لا نخشى خطراً في المنطقة سوى الإسلام " .

وقال بيرز بهذا الخصوص : " إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه ، ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد " . فاليهود يدركون خطورة الالتزام بمبادئ الإسلام ، لأنهم جربوا العرب عندما رفعوا الشعارات الثورية ، فكانت هراء محض يراد بها تحقيق مكاسب نفعية حزبية وشخصية يسهل ترويضها وتدجينها ، فهم كما قال القائل :

ألقاب مملكة في غير موضوعها    كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

لهذا جن جنون اليهود عندما أُعلن عن انتفاضة الأقصى المباركة ، جهاداً في سبيل الله بالحجر متمثلين قول القائل:

خرجوا على الأعداء يلقون الحجر    ويكبرون وفي حناجرهم عمر

فـــإذا الحجارة في الصباح قنابل      والطفل ليث في المعارك والخطر

وإن الدعوة لإيقاف هذا المد بدلاً من مساندته يعتبر خيانة ، لأن المسؤولية جسيمة والمنطقة تمر بمنعطف خطير ، والأمر جدّ ليس بالهزل ... فهل نعي ذلك

ليست المصيبة أيها الأخوة أن تجابه الأمة بالتحديات ، فهذه وقائع العلاقات الدولية منذ كانت هناك دول وأمم ، ولكن المصيبة الأعظم الاستسلام للتحديات أو الضعف أمامها فقد واجهت الأمة الإسلامية على مدار التاريخ تحديات صعبة واجتازتها ، واجهت الفرس والروم والصليبيين والتتار وكانت الغلبة النهائية للإسلام والمسلمين ، وليست هذه المحنة بدعاً من التحديات ، فمواجهتها ليست صعبة ومستعصية  وإن ذلك مقدور عليه لمن اخلص العمل وجد واجتهد ، وبذل المهج والأرواح في سبيل الله .  إن كل الدلائل تشير إلى الانحياز الأعمى والدعم غير المحدود من أمريكا لإسرائيل بدأً من الرئيس ترومان الذي اعترف بقيام دولة إسرائيل قبل أن تطلب منه ذلك ، وانتهاءً بكلينتون الذي أعلن مراراً أنه لن يخذل إسرائيل أبدا ، وإن لسان حال الغرب ما دام القتل في المسلمين فليس ذلك جريمةً في قانون بلادهم ، ولوكان ذلك مخالفاً لقوانينهم ما دام الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين ، كما نسي الغرب حقوق الإنسان والقوانين الدولية ما دام القتل والجرائم الوحشية ترتكب ضد المسلمين   واصبح عملهم لا يعدو عقد اً لاجتماع وراء اجتماع ، وتكوين لجنة أو لجان للمساعدة في القتل البطيء للمسلمين .  إنهم يستذلون الأمة ولا يقفون في إذلالها عند حد   لأنهم يريدون السيطرة ويريدون التوسع    فينشئون بذلك رد فعل دائم يتزايد باستمرار  ويسوِّلُ لهم شيطانهم أن يمضوا في العدوان فلا يرجعون ، وحين يحدث رد الفعل ذات يوم  فلمن يتجه الناس ؟ إنه لا متجه لهم إلا الإسلام  مع أن واقع المسلمين وبعدهم الشديد عن حقيقة الإسلام ، سواء في التصور أو السلوك لهو من أشد العوامل التي تصدُّ الناس عن الإسلام ، وكما كان سلوك المسلمين الأوائل الملتزمين بالإسلام  عاملاً من عوامل نشر الإسلام في أكثر بلاد العالم  فكذلك نجد سلوك من ينتسبون إلى الإسلام اليوم من أكبر عوامل الصد عن الإسلام .

ولكنهم يحملون مسئوليتهم مع ذلك ، نحو أنفسهم ونحو البشرية ، ولا يعفيهم كل ما وقعوا فيه من الذل والهوان ، بل إن ذلك ليضاعف مسئوليتهم ، لأنهم ما وقعوا فيه إلا لتفريطهم في هذا الدين الذي قال الله فيه : ﴿ فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراطٍ مستقيم  وإنه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تسألون﴾ الزخرف 42 . فماذا هم قائلون لربهم غداً حين يسألهم ؟ وأي وزر يحملونه إذا احتاجت إليهم البشرية غدا فلم تجدهم في المكان الذي ينبغي أن يكونوا فيه  مكان الأمة التي تحمل الهدي الرباني وتبينه للناس  فأما الله فلن يعجزه تخاذل الذين يحملون اسم الإسلام اليوم وهم عنه غافلون ، وإذا أراد الله أن يهدي البشرية إلى الدين الحق فقد حذَّرهم بقوله تعالى : ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم ﴾ القتال 38 . 

 

         

 

 

إسرائيل والأوضاع العربية

لقد أقام أعداء الإسلام دولة إسرائيل على أرضنا   وقد رافق ذلك تفتت العرب  وإبعادهم عن دينهم ، كما عملوا على تحويل اليهودية إلى عقيدة بعث وبذل وفداء وإخاء ، ثم كرَّسوا جهدهم ليضمنوا لهم التفوق والنصر . أما العرب فيمضون منحدرين إلى القاع ، العقيدة تذبل وتنكمش ، وروح الجهاد مفقودةٌ  وقد أعرضوا عن تعاليم الإسلام وشرائعه أو إهانة حدوده وحقوقه ، الأمر الذي أدى إلى انهزامهم   أمام اليهود في الحروب التي خاضوها معهم ، إن صح أن نعتبر أن العرب خاضوا حروباً حقيقية مع اليهود .

إن السبب الحقيقي لما نعاني ، يرجع إلى استهانتنا بديننا ، وتهوين قيمه ومثله وأحكامه ، إضافةً إلى نجاح الغزو الثقافي ، الذي أفلح في خلق شباب يُقاد من غرائزه الجنسية ، ويُغرى بعبادة الحياة الدنيا ، وينسى ربه وآخرته ، ومع شدَّة وقع مطارق الهزيمة ، التي مُني بها العرب ، سواء على مستوى المعارك أو المفاوضات ، واستماتة البعض في الإعراض عن دينهم مصدر قوتهم ، والذي بدونه لن يكون هناك توفيق ونصر على عدونا رغم أننا أكثر منهم عدداً وأقوى عُدَّةً ، إلا أننا لم نحسن القتال بما حملنا من سلاح ، ولا ثبتنا به  ولا استطعنا إيذاء عدونا ، لذلك كانت هزائمنا فريدة ، فيما نتركه من انطباعات مُخزية .

إننا نستطيع أن نرد مآسينا إلى أسباب خلقية ودينية ، وبما ابتليت به الأمة ، بمن يكذب عليها  فيحدثونها عن تفوق العدو الأسطوري زوراً وكذبا ، فهم والحالة هذه يساعدون عدونا ، على ضياع أرضنا وشرفنا ، ويومنا وغدنا ، كما أحدثوا تخريباً شديدا في ضمائرنا وأفكارنا  فأوجدوا نفوساً تحسب حساباً لكل شيء إلا لله وحده .  إن مما يدعو للأسى أن نتخلى عن رسالتنا ، وننفذ ما يحلو لنا ونهمل مالا تهوى أنفسنا ، في الوقت الذي تعمل اليهودية عملها ، في إذلال المسلمين  تفرض عليهم سياسة التجويع ، وتدوس رؤوسهم بالنعال ، وأبواق الدعاية في الشرق والغرب  تسكت عن هذه الممارسات .  مما يدعوا للتساؤل : هل يباح لليهود أن يفعلوا ما بدا لهم ولا يُباح للمسلمين  رد الأذى ؟ أم يا ترى صار القضاء على الإسلام هدفاً مشروعاً  وأصبحت المطالبة بدفع الأذى عن المسلمين عملاً مستهجناً  ؟  أي لغوٍ وأي إفك هذا  ؟

إن اليهود وراء جميع الأزمات المادية والروحية  التي تدوخ العالم ، وتميل به عن الصراط المستقيم   إن الذين يُحسنون الظن بإسرائيل ، يعلمون أن الوجه الديني لهم ، يخفي وراءه نيات سوداء للبشرية ، وإن إسرائيل تجسيد لكل الأحقاد التي طفحت ضد الإسلام والمسلمين ، وإن تفريط المسلمين ونسيانهم لرسالتهم ، وتحولهم إلى شعوبٍ مُتعطلة مُتبلدة ، هو الذي أوجد هذه الأوضاع المأساوية .

إننا لم نخف الله فخوفنا الله بذباب الأرض   وجعل الأقربين والأبعدين ينظرون بشماتة وازدراء إلي جراحاتنا ، التي لا ينقطع لها نزيف .

إن المصائب تصب على المسلمين من أعدائهم   في وقت توجد فئةٌ منهم ، لو تَسلْلَتَ إلي ضمائرهم لوجدت حالهم يقول بأن اليهود أولى بالأرض من أصحابها ، تلك هي سريرة البعض  الذين يحكمون علينا لا لنا …لماذا  ؟ في تقديري إنه أرفق عقاب ينزله الله بأمةٍ تخلت عن دينه  وأدارت ظهرها لتعاليمه .

إن اليهود يوقنون ببقائهم فوق أرضنا ، بل فوق صدورنا إلي آخر الدهر ، لأنهم في اعتقادهم  انتصروا على المسلمين ، مع أنهم لم ينتصروا بقواهم الخاصة ، بقدر ما انتصروا بفراغ قلوبنا من الإيمان ، لقد تسلل اليهود إلي بلادنا عن طريق شهواتنا ، وإخلادنا إلي الأرض وحبنا للدنيا .

إن المتع التي استوردنا من الغرب ، خلال السنوات الأخيرة ، تكفي لتدمير أمة ناهضه  فكيف بأمة عليلة ؟ إنه ليُخيلُ إلّيَّ أن اليهود لو كشفوا عن خباياهم ، لمنحوا بعض المسئولين في البلاد العربية جوائز سخية ، لأنهم هم الذين مهدوا طريق الغزو ، واطفأوا نار المقاومة   ودمروا روح الإيمان ، ومزقوا أواصر الوحدة  وربوا أجيالاً متنكرةً لدينها ، ولغتها وتقاليدها ومُثلها ، في الوقت الذي يبني فيه اليهود كيانهم على اللغة والدين والتقاليد العبرانية  .

وهنا سؤال : هل هناك نجاةٌ مما نعاني ؟ وكيف ؟ إن النجاة تكمن في معالجة الأمور على منهاج النبوة ، ويوم يكون الدين سلاحاً روحياً ومادياً   يكون الإسلام مطبقاً بالفعل ، وإلا كيف يطلب من المسلمين أن يتجردوا من دينهم في لقاء عدوهم ؟ وهل يصمد المسلمون بقلوب خربة  أمام اليهود الذين لهم دينهم ، الذي يلهب حماسهم ويُغريهم بصنع العجائب  .

أما بقية دول الكفر فما الذي يدفعهم إلى عداوتنا وإيذائنا ؟ إنها بالطبع أسباب دينية ، تجعلهم يجورون علينا ، ويهشون لمصائبنا ، ويشمتون من هزائمنا ، بل يشاركون في صنعها ، إذ بسلاحهم نُقتل ، وبسياستهم نُخْذَل ، في الوقت الذي ابتلينا فيه ، بجماعةٍ مَرَدوا على النفاق ، ولم يعرفوا إلى التوبة طريقا ، واخذوا يُمَنون الأمة بكلام كذب  لا يزيدها إلا خبالا ، وينقلها من كبوة إلى أخرى أسوأ وأبشع ، ومن هنا كان السبب الأول والأخير لهزائمنا المتلاحقة أمام اليهود ، فقدان العقيدة ، وعدم الالتزام بالمنهج ، ونضوب معين الإيمان من قلوبٍ تعلَّقت بالشهوات ، ونسيت المثل والمبادئ .

إن الأمر لا يحتمل الميوعة ولا التسويف ، وعلى المسلمين أن يستيقظوا من غفلتهم ، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم وتاريخهم في وجه الهجمة القذرة  التي تأخذ طابعاً يهودياً مكشوفاً لا ريب فيه . إننا نواجه هجمة عقائدية ، تستهدف إجتثاث جذورنا ، والتطويح برسالتنا ومكانتنا . وإنه لن يحمينا من عدونا إلا الإسلام ، يوم نعتصم به خُلقاً وشرعاً ، وسيرةً ونظاما ، لأنه لا قيمة لأحدث الآلات ، إذا تولت إدارتها قلوبٌ خربة  ولا قيمة لأفتك الأسلحة ، عند قلوبٍ مقطوعة عن الله ، مولعةٍ بالشهوات .

إن بناء النفوس والضمائر ، يسبق بناء المصانع والجيوش ، وكلاهما لا يتم إلا وفق تعاليم الإسلام  تنشئةً تصوغ الأجيال الجديدة ، وتقاليداً تحكم العلاقات السائدة ، ورعاية لظاهر الإسلام وباطنة  للعبادات المفروضة ، ومقاطعةً حاسمةً لكل ما يتنافى مع مبادئ الإسلام . إن إعادة الحياة إلى العقيدة الإسلامية ، لتحتل مكانها أولاً في الضمير ثم في الشريعة ، لترسم خط السير في المجتمع الكبير ، وهو وحده طريق الخلاص مما نحن فيه قال تعالى : ﴿ وما لنا ألا نتوكل على الله  وقد هدانا سُبُلنا ، ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ إبراهيم 12.       

 

العمل من أجل فلسطين

إن واقع الشعوب الإسلامية اليوم عامة  والشعوب العربية خاصة ، محزن ومقلق ومؤسف، ضعف ونزاع، واختلاف وصراع   وأحزان وأوجاع ، في هذا الواقع الأليم ، نتحدث عن واجب الدفاع عن المسجد الأقصى وتحريره، واجب تغافل عنه المسلمون جميعاً، ولكن الأبطال في فلسطين المجاهدة ، يقوموا بواجبهم في الدفاع عن فلسطين عامة، وعاصمتها القدس، وجوهرتها المسجد الأقصى بصفة خاصة، لأنه أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين  كثيرون المتحدثون عن فلسطين وقضيتها  من تجار الشعوب وسماسرة السياسة الذين اتخذوا من فلسطين والشعب الفلسطيني وسيلة لمزايداتهم السياسية ، وقليلون   الذين عملوا لهذه القضية, التي ذَرَفَتْ العُيُون لأجلها ، وحَنَّت القلوب لِتُرْبِة أرضها    لأنها أرض الأنبياء، وأرض الصلة بالله تبارك وتعالى من لدن آدم إلى قيام الساعة  وعندما نذكر الأنبياء الذين زاروا هذه الأرض نتعجب، فسيدنا آدم زار هذه الأرض وأول من بنى المسجد الأقصى، وموسى عليه السلام ، وسيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيي وسليمان وداود ومحمد صلى الله عليه وسلم، وغيرُهمُ الكثيرُ ممن لم تُذكَر أسماؤهم من أنبياءِ بني إسرائيل، وهي الأرض الوحيدة التي تجمّع عليها ودافع عنها كل أنبياء الله ، إنها أرضُ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ  وأرض مَصْرَعُ الدَّجَّالِ ومَقتلُه ، حيثُ يلقاه عيسى عليه السلام، إنها من أرض الشام التي دعا لها رسولُ الله بقوله: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏شَامِنَا ‏‏وَفِي ‏ ‏يَمَنِنَا) ‏وعندما نتحدث عن القدس والأقصى ، نتحدث عن بقعة كأن أحداث البشرية كلها مرتبطة بها  وعندما ننظر إلى الصحابة والتابعين ومدى تعلقهم بها ، نتعجب من مشاعرنا وتبلدنا تجاة هذه الأرض، فكثير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح فلسطين والمسجد الأقصى ذهبوا إلى عمر بن الخطاب يستأذنوه بالاستقرار في الأرض المقدسة، ومنهم أبو الدرداء، وسلمان الفارسي، وبلال، وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة ، يقول الإمام الشافعي: أحب الاعتكاف في المسجد الأقصى أكثر من مسجد النبي والمسجد الحرام. وعندما سألوه: لماذا ؟ قال: أحب أن أكون وسط جميع أنبياء الله. وفي رمضان ، كان يعتكف في ساحة المسجد الأقصى خمسين ألف مسلم، وعندما تَدْخل المسجد تجد أعلى كل عمود اسم قطب من أقطاب المسلمين ،كان يجلس تحته ليُعَلِّم جموع المسلمين، مثل أبي حامد الغزالي، وابن القيم، ما يدل على قيمة وعظمة هذا المكان. الذي مرّ عليه الكثيرُ منْ صحابةِ رسول الله ، والآلافُ منْ أعلامِ الأُمَّةِ وعلمائِها الذينَ أضَاؤُوا في سمائِها بُدورًا ، ولمعوا فيها نجومًا، كمالكُ بنُ دينار وسفيانُ الثَّوري وابنُ شهاب الزّهري والشافعيُّ وغيرُهم ، ومن أجلها تَتَابَعَتِ التَّضْحِيَات، وعظم البذل ، ومن أجلها قال صلاح الدين كلمته الشهيرة : كيف أبتسم والمسجد الأقصى أسير ! إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً وإخواني هناك محاصرون ، وَمِنْ أَجْلِهَا أعد صلاحُ الدِّين عدَّتَه لِيحرِّرَ أرضَ الأقصى، فنصره اللهُ وفتحَ بيتَ المقدس ، ولما ابتسم عند موته قال : الآن يبتسم صلاح الدين، فقيل له : تضحك وأنت تموت، قال : أموت والمسجد الأقصى ليس بأسير ، ومن أجلِ بيت المقدس ، صاحَ المظفَّر قُطُز صيحتَه الشهيرة ، وا إسلاماه ، ومن أجل فلسطين ضحّى السلطان عبدُ الحميد بعرشِه وملكِه وقال: لا أقدِرُ أنْ أبيعَ ولو شبراً واحدًا من فلسطين ، ومِنْ أجلِها في العصر الذي نعيش انتفضَ أبناءُ الحجارةِ يحمِلُون حصَى أرضِها وترابها ليَرْمُوه في وجوهَ اليهود   فماذا فعل المسلمون من أجلها ، يوم بُحَّتْ أصواتُ المنادِين والمستغيثينَ ، يوم احتلها اليهود وذبحوا أهلها ، وما مِن ناصر ولا مجيبٍ ، أما آن لهذه الأصوات أن تُحرِّكَ العزائمَ إلى نُصرةِ فلسطين التي تبكي عربا نائمين في سكون ، ولنجدتها لا يتحركون   تاركين أهلها من أجل حمايتها يستشهدون .

وإلى متــــــــــى الرقاد والنوم عما يدبر يُحاك ، وإلى متـــــــــى تستمر غفلتنــــا ويستمر لهونا ، وإلى متـــــــــــى يستمر ابتعادنا عن طريق نصرنا لإنقاذ قدسنا ، وحماية أقصانا من مخاطر التقسيم والتهديم ، أما آن بعد الدماء التي سفكت وتسفك ، والنفوس التي أزهقت  والمقدسات التي انتهكت، والبيوت التي دمرت! أما آن لجيوش المسلمين أن تتحرك لنصرة من يستنصرهم ؟ أما آن لهذه  الجيوش أن تتحرك لتضرب الأعداء فتشفي صدور قوم مؤمنين؟! أما لها أن تستجيب للأصوات الهادرة ، التي خرجت من باحات المسجد الأقصى تناديها وتستصرخها لإنقاذه وتحريره ، أما آن لنا أن نفيق قبل وقوع الكارثة وهدم الأقصى، وإذا كنا لا نغضب لهذا ، فمتى نغضب؟ فقد انتهكت المحارم ، ونسفت المعالم ولم نغضب   كما قتلت الشهامة ، ودهست الكرامة   ولم نغضب ، إذن متى نغضب؟ هم يخططون وينفذون، وأراذل قومنا يلهثون ويركضون لاسترضائهم، هم يهوّدون والمفاوضون من شعبنا  يلهثون وراء المفاوضات ، التي أعطت الإسرائيليين  فسحة أطول من الوقت لمزيد من التهويد وفرض الحقائق على الأرض. وربما لم يبق إلا القليل من الأرض. ولكن في المقابل بقي الكثير من مشاعر العزة والكرامة   وحب الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس في نفوس أبناء فلسطين ، ورغم هذا المصاب والبلاء، نعلم يقيناً لا تخميناً، بأن حقنا لن يضيع، وان النصر حليفنا طال الزمن أم قصر، وبأننا وان كنا نعيش أياماً حالكة، وان كنا نخسر جولة وجولات، إلا أن المعركة ستحسم لصالح الحق، ولصالح أصحاب الأرض المتجذرين فيها ، الذين يؤمنون بأن إزالة أسباب الخذلان والهوان ، أهم وأولى عندهم من إزالة آثار العدوان   وأن هذا الطغيان لن يوقفه إلا الإسلام، وان مَيْل الميزان لا يعدله إلا القرآن .

فلسطين الحبيبة كيف أغفو      وفي عيني أطياف العذاب

فلسطين الحبيبة ‍ كيف أحيا   بعيدا عن سهولك والهضاب

تناديني الشواطىء باكيات  وفي سمع الزمان صدى انتحاب

تناديني مدائنك اليتامى           تناديني قراك مع القباب

ويسألني الرفاق ألا لقاء         وهل من عودة بعد الغياب

غدا سنعود والأجيال تصغي    إلى وقع الخطى عند الإياب

نعود مع العواصف داويات     مع البرق المقدس والشهاب

مع الرايات دامية الحواشي      على وهج الأسنة والحراب

أجل ستعود آلاف الضحايا   ضحايا الظلم تفتح كل باب

 

نصرة الفلسطينيين فرض

ها هي إسرائيل تهاجم الفلسطينيين وتفرض عليهم حصاراً ظالماً ، وهم يستغيثون ويستنصرون ولا مجيب لهم ، ولكنهم أثبتوا أن بطن الأرض خيرٌ من ظهرها لأمة كل مواقفها وفق هوى إسرائيل ومصلحتها ، وتحولوا عن مواقع النصر في داخل أنفسهم إلى مواقع الهزيمة أمام أعدائهم ، وأمام هذا الجبن والتخاذل المريب   اعتمد الفلسطينيون على أنفسهم في مواجهة هذه الهجمة الشرسة   التي أحرقت ومزقت ودمرت وأخرجت العديد من بيوتهم ، وقسماً كبيراً منهم وقع في الأسر   إنها حملة ظالمة خلَّفت وراءها الكثير من المآسي  من بكاء الثكالى والأرامل إلى  ما رأيناه من الأوصال المقطعة ، إلى الأطفال الذين لا يجدون ما يسد رمقهم  والجرحى الذين لا يجدون الدواء  بل منع عنهم الإسعاف فمات الكثير منهم  ورغم ذلك ترى عجبا رغم القصف بالصواريخ والدبابات والحصار المحكم ، فإنهم يتصدون لليهود بقوة وصلابة وبطولات فائقة ، ويوقعون في صفوفه ما يؤلمه ويخزيه  وذلك بما قدمه ويقدمه الشباب الاستشهادي من بطولات فذة  ستكون مضرب الأمثال على مدار التاريخ ، وقد كانت أم الشهيد فرحات مثالاً رائعاً وهي تودع ابنها الذي انضم إلى قافلة الشهداء الأبرار ، كان لها موقفاً عزّ أن يكون مثله في التاريخ المعاصر .  أما تاريخنا القديم فقد كان لها فيه سابقة ، إنها الخنساء كما روى المؤرخون  أنها شهدت حرب القادسية تحت راية سعد بن أبي وقّاص ، وكان معها بنوها الأربعة ، فجلست إليهم وهي تحثهم على القتال والثبات ، وكان من قولها لهم :" أي بنيّ إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين . . وقد تعلمون ما اعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين  واعلموا أن الحياة الباقية خيرٌ من الدار الفانية ، والله تعالى يقول : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ آل عمران 200  فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائكم مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرّت عن ساقها فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم في دار الخلد " .

فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية وأنوف حميَّة ، إذا فتر أحدهم ذكّره أخوه وصية الأم العجوز ، فزأر كالليث وانطلق كالسهم والصاعقة ، ونزل كقضاء الله على أعداء الله وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحداً بعد واحد . وبلغ الأم نعي الأربعة في يوم واحد فلم تلطم خداً ولم تشق جيباً ، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين وصبر المؤمنين وقالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". فما الذي جعلها تقف هذا الموقف ؟ إنه الإيمان صانع المعجزات .  فماذا قدم العرب والمسلمون ، ولماذا لا تحارب   جيوشهم اليهود ، أم أنها أعدت للعرض والاستعراضات ، وقمع الاضطرابات والمظاهرات  والمحافظة على أمن الحكومات ، ولماذا يصمت المفكرون والمفكرات ، أم أن مهمتهم اقتصرت على  حقوق المرأة وحوار الأديان والتفاهم بين الحضارات ، ولماذا الأمة تائهة حيرى لا تسأل عما يجب فعله لنصرة المجاهدين في فلسطين أم أنها لا تعلم بأن نصرتهم فرض على المسلمين قال تعالى: ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾ الأنفال 73 ، فإذا لم يجانبوا المشركين ويوالوا المؤمنين  وقعت الفتنة في الناس ووقع الفساد في الأرض  بطغيان الجاهلية على الإسلام ، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ، ويصبح الناس عبيداً للعباد ، وهذا هو أفسد الفساد  الذي يتحمل المسلمون تبعته  ويتحملون نتيجة تنكرهم لما فعله الإيمان بأمة العرب   الذي حولهم من رعاة غنم إلى رعاة أمم  ومن قبائل بداوة إلى أمة حضارة ، والذي يرجع إلى الإيمان الذي صبه محمد صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه ، فنقلهم من حال إلى حال ، وفي تاريخنا الأمثلة الكثيرة على صدق ما نقول ، فهذا عمر بن الخطاب الذي رووا أنه بلغ من انحراف العقل أن عبد إلهاً من الحلوى ثم جاع يوماً فأكله ، ومن انحراف العاطفة ، أن وأد بنتاً صغيرة له كانت تمسح الغبار عن لحيته وهو يحضر لها مكانها في التراب ، عمر هذا يبلغ من سمو العاطفة ورقة قلبه وخشيته لله ، ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم وغير المسلم ، بل للإنسان والحيوان حتى قال : " لو عثرت بغله في العراق لسألني الله عنها لم تصلح لها الطريق يا عمر " . ومثال آخر لما فعله الإيمان من الأقدام إلى التضحية بالنفس في سبيل الله ، يتمثل في إقدام البراءُ بن مالك الأنصاري ، عندما التقى جيش المسلمين بجيش مسيلمة على أرض اليمامة في نجد  ورجحت كفةُ مسيلمة وأصحابه ، وتراجع المسلمون عن مواقعهم ، واقتحم أصحاب مسيلمة خيمة خالد بن الوليد ، واقتلعوها من أصولها وكادوا يقتلون زوجته لولا أن أجارها واحد منهم ، عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الداهم   وأدركوا أنهم إن يهزموا أمام مسيلمة ، فلن تقوم للإسلام قائمةٌ بعد اليوم ، وهب خالد في جيشه فأعاد تنظيمه ، حيث ميز المهاجرين عن الأنصار  وميّز أبناء البوادي عن هؤلاء وهؤلاء وجمع أبناء كلِّ أب تحت راية واحدة منهم ، ليُعْرَفَ بلاءُ كُلِّ فريقٍ في المعركة ، وليُعُلَمَ من أين يُصابَ المسلمون ، ودارت بين الفريقين رحى معركة لم تعرف حروب المسلمين لها نظيراً من قبل  وكانت هناك بطولات خارقة ، كان من أكثرها إقداماً ما قام به البراء ، وعندما حميت المعركة واشتدت   التفت إليه خالد بن الوليد وقال له : إليهم يا فتى الأنصار فالتفت البراءُ إلى قومه وقال يا معْشر الأنصار لا يُفكِرَنَّ أحد منكم بالرجوع  إلى المدينة  فلا مدينة لكم بعد اليوم ، وإنما هو الله وحده ثم الجنة ، ثم حمل على المشركين وحملوا معه وبدأت الهزيمة على مسيلمة وأصحابه فلجأوا إلى الحديقة ، التي عرفت في التاريخ باسم حديقة الموت ، لكثرة ما قتل فيها في ذلك اليوم ، لأن مسيلمة وجيشه لجئوا إليها واغلقوا أبوابها  وحصنوا أعالي جدرانها ، وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها التي تساقطت على المسلمين تساقط المطر ، عند ذلك تقدم البراء بن مالك وقال يا قوم  ضعوني على ترس وارفعوا الترس على الرّماح ، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريباً من بابها فإما أن استشهد وإما أن أفتح لكم الباب  وفي لمح البصر جلس على ترس وكان ضئيل الجسم ورفعته عشرات الرماح ، فألقته في حديقة الموت بين الآلاف المؤلفة من جند مسيلمة فنـزل عليهم نزول الصاعقة ، وما زال يجالدهم أمام باب الحديقة ويُعْملُ في رقابهم السِّيف حتى قتل عشرة منهم وفتح الباب وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم أو ضربةٍ بسيف ، فتدفق المسلمون على حديقة الموت ، ودخلوها وقتلوا مسيلمة والكثير جداً من جنوده ، وحُمل البراء ليداوي ، وأشرف خالد بن الوليد على علاجه لمدة شهر حتى أذن الله له بالشفاء . ومثال آخر في معركة بدر عندما دنا المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) فقال عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ فقال : نعم ! قال : بخٍ بخٍ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قول بخٍ بخٍ ؟ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها   قال فإنك منهم قم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة ، قال فرمى ما كان معه من التمر  ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله .  بمثل هذه المواقف الجهادية التي سار استشهاديوا فلسطين على نهجها ، وقدموا من التضحيات ما تعجز عنه الشعوب المعاصرة  التي تعيش حياةً كلها أقفالاً معقدة وأبواباً مغلقة ، وعقولاً مقفلة أعيا فتحها الحكماء والفلاسفة ، و ضمائراً مغلقة أعيا الوعاظ والمرشدين فتحها ، وقلوباً مقفلة أعيا فتحها الحوادث ، أقفال وأقفال أخفق الكبار وفشلوا في فتحها ، لأن القفل لا يفتح بغير مفتاحه ، وقد ضّيعوا المفتاح وجربوا غيره ، فإذا هو لا يوافق الأقفال ، والمفتاح الذي نقصده هو الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ، الذي تخلى عنه المسؤولون المتخاذلون ، وسمحوا للعدو يصول ويجول ، متجاهلين نصرة إخوانهم الذين يعانون أبشع أنواع البطش والظلم والقتل . أخرج أبو داود والبيهقي والطبراني بإسناد حسن عن جابر وأبى أيوب الأنصاري قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من امرئٍ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته ، إلا خذله الله في موطن يجب فيه نصرته ، وما من امرئٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يجب فيه نصرته ) . وفي هذا دليل على وجوب نصرة المسلم المحتاج إليها  والنصرة تكون بتجهيز المقاتلين ومشاركتهم في قتال الأعداء وقول الحق والدعاء لهم ، لا الوقوف وقوف المتفرج على ما يجري  ولا ندري متى يفيق المسلمون من غفلتهم ويثوبوا إلى رشدهم . وما علموا أن في قتل الإسلام  توسيعٌ لسطوة الإلحاد ، وإعانة لليهود على شعب فلسطين . اللهم أنت القادر على أن تفتح قلوبنا لذكريات أمتنا في الرجال ، وأن تأخذ بأيدينا إلى مواطن القوة والنصر ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

                      

 

 

معاناة شعب فلسطين في رمضان

إن ما يجري في فلسطين من تطورات خطيرة يتطلب من القائمين على أمر الأمة وقف المفاوضات مع اليهود ، لأنها ليست إلا صورة للاستسلام المذل والتفريط المستمر في حقوق الأمة العربية والإسلامية في المقدسات . لقد هب شعب فلسطين الأعزل لمواجهة العدو وسقط منهم من سقط شهيداً وجريحاً ، وبقي الواجب علينا كمسلمين شعوباً وحكومات أن نقدم الدعم والمساندة لتحرير قدسنا وأقصانا ، والثأر للدماء التي أُزهقت على يد اليهود ، وليس الاكتفاء بالشجب والاستنكار أو تقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن .

 وإذا كان المسلمون قد فاتتهم وحدة الصف ، فلماذا لا يجتمعون على وحدة الهدف ، حتى يعملوا على وقف هذا الاعتداء المتواصل على المسلمين في فلسطين وغيرها ، يُنال منهم ولا ينالون ويُجار عليهم ولا يجيرون ، وذئاب الشرق والغرب تُغير عليهم فتفترس ما شاءت دون أن يحرَّك ساكنا ، وكيف يتوقع ذلك من أناس أيديهم هي السفلى  أليسوا مدينين لهم ؟ فكيف يريدون لنا خيراً ؟

إن الإسلام لا ينتصر بنا ، لأننا وصلنا إلى درجةٍ لسنا بعربٍ ولا مسلمين ، فإن كنا عرباً ، فإن العرب الأوائل كانوا يرفعون راية الإسلام ، أما هذه الأيام فهم يتنكرون لها ، بل انضموا إلى الأعداء يعاونونهم على وأد الإسلام وقتل شرائعه إنهم مسؤولون عما يقع الآن للإسلام والمسلمين من مصائب ، إن تفرقهم قديماً هو الذي فتح الطريق إلى بيت المقدس وجعل الجثث فيها أكواماً وهم يكررون الخطأ القديم بل زادوا إلى ذلك تقطيع الصفوف وتوهين العقيدة .

لقد أراد الله أن يكون العرب رؤوساً بالإسلام قادةً برسالته ، فإذا عادوا إلى جاهليتهم وآثروا الانتماء إلى قوميتهم فنحن ننذرهم بقول الحق : ﴿ إن يشأ يذهبْكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾ النساء 133 .

 وحتى العرب قبل الإسلام فقد كان الواحد منهم إذا أصابته هزيمة حرَّم على نفسه مباهج الحياة وأفراحها حتى يدرك ثأره ، وفي هذا يقول تأبط شرّاً وقد قُتل خاله ولم يستطع أن يدرك ثأره .

إن بالشِّعب الذي دون سَلْع     لقتيلاً دمه ما يـُـطَـلُّ

خلَّــف العبء علىَّ وَوَلي        أنا بالعـبء له مُسْتَقِـل

ووراء الثأر مني ابـنُ أخـتٍ      مَصِعٌ عُقْدَتُـه مـا تُحَلُّ

فلما أدرك ثأره قال :

حلَّت الخمْر وكانت حراما        وبلأيٍ ما ألمـــت تَحِلُّ

فاسقنيها يا سوادَ بنَ عمروٍ      إن جسمي بعـد خالي لخلُّ

إنها نفسها الطبيعة العربية التي جعلت أبا سفيان يقول عند هزيمته في بدر : لا أغتسل من جنابة حتى أدرك ثأري من محمد ، وجعلت هند بنت عتبة تقول : لا يمس جلدي طيب حتى أدرك ثأري من محمد .

بينما نرى المسلمين مهزومون في فلسطين وفي أماكن لا حصر لها في أنحاء العالم وكأن الانتماء إلى الإسلام أصبح تستباح معه الدماء والأموال والأعراض ، وكأن الساسة والقادة يتآمرون على ديننا ، وإلا فما معنى الاكتفاء بالشجب والإدانة وجمع التبرعات ونيران اليهود تقتل وتجرح من المسلمين في كل يوم ، إن هذا لا ينبغي إن كنا عربا ً أما إذا كنا مسلمين ، فينبغي أن يكون لنا بصلاح الدين قدوة ، فقد رُئي وهو متجهم الوجه فقيل له : ما أحزنك ؟ قال : وكيف أبتسم والمسجد الأقصى أسير في أيدي الصليبيين ؟ وها هو أسير الآن والناس والمسئولون يضحكون ولا يكترثون . إننا نرجو من الله أن تتخلص امتنا من اليهود وهذا الذل الذي وقعت فيه ، ولا يكون ذلك إلا بالإيمان الذي يملأ فراغها ويعمر خرابها . وهنا أورد لكم مثالاً من قصص القرآن للإيمان الذي يفعل الأفاعيل  سحرة فرعون لم يخطر ببالهم اتباع موسى ، فقد كانوا طلاب مال وأصحاب جشع ورغبة في المكافآت والجوائز يتملقون ملكهم ويحلفون بعزته قال تعالى : ﴿ فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين ؟ قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين ﴾ الشعراء 43 ، هكذا كان شأنهم شأن من يعبد الدنيا ، ويعبد فيها المال والوجاهة ، ولكن ذلك تغير عندما ألقى موسى عصاه قال تعالى : ﴿ فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يؤفكون  فألقى السحرة ساجدين ، قالوا آمنا برب العالمين ، رب موسى وهارون ﴾ الشعراء 45 . تصور يا أخي المسلم عندما شرح الله بالحق صدورهم وتلاقت أشعة الإيمان في نواصيهم إذا هم شيءٌ آخر ، إنه صنع الإيمان  

إن الإيمان يصنع العجائب ولكن الناس غفلوا عن وظيفته , وتعلقوا بالظواهر الفارغة والقشور التي لا تغَيِّر واقعا ، فهو الذي حوّل سحرة فرعون من أنانيين لا يفكرون إلا في أنفسهم إلى ربانيين يغضبون لله ويتحملون في ذات الله التقتيل والصلب وضياع الدنيا وفقدان كل شيء .

وهناك وقفة أخرى في قصة موسى مع فرعون  فقد خرج موسى بقومه فلحقهم فرعون بجيشه فسرت الشكوك عند البعض وتزلزلت أقدامهم وظنوا أنهم أدركوا و أُحيط بهم وهنا يختبر الإيمان  فمن كان متعلقاً بغير الله اضطربت نفسه وسرت الهواجس التي تخوفه ، أما من كان راكناً إلى الله فقد بقي ثابتاً مؤمناً أنه مع اشتداد الظلمة ، سيطلع الفجر ، ومع تضاعف الحرج ، سيجيء اليقين قال تعالى : ﴿ فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا إن معي ربي سيهدين  فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفتا ثم الآخرين  وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ﴾ الشعراء 66  وبهذا انتهت قصة البطش وأسطورة الألوهية الكاذبة  وكم سجل التاريخ من مآس لمن غالبوا الله فغلبهم وقاوموه فهزمهم فلنتدبر قصص القرآن الكريم ، إنها مصباح تنطلق أشعته منه ، لكي يعرف الناس الطريق الصحيح فلا يزيغوا ولا يضلوا ، ولا بد للناس أن تعلم أن المفاسد إذا استقرت في أمة فلن تكون أهلاً للنصر ، ولا بد حتى تستجمع أسباب السيادة والنصر أن تصطلح مع الله .

ذكر التاريخ أن هولاكو دخل بغداد وقتل نحو مليون من الناس ، حتى أن الفرات احمّرت مياهه من كثرة الدماء التي سفكت ، فقد كان المسلمون يومئذٍ أهلاً للهزيمة وكانوا جديرين بها كما هو حالهم هذه الأيام .

ثم جاء وقت على المسلمين كانوا يثأرون لأنفسهم مما نزل بهم ودخل المسلمون القسطنطينية وجعلوها عاصمة الإسلام . فقد انتصروا عندما صلحت أحوالهم واصطلحوا مع الله . وكان الفارق كبيراً بين الخليفة العربي الذي قتل مع قومه في بغداد ، وبين الخليفة الذي انتصر على أعداء الإسلام وفتح القسطنطينية ، فقد روى أن محمد الفاتح كان رجلاً صواماً قواما ، وكان كثير القراءة للقرآن ، وقبل أن يموت جمع أولاده وأوصاهم بأن يظلوا مجاهدين لنصرة الإسلام   وأن لا يشغلهم شيء عن مرضاة الله .

إن العرب والمسلمين في هذه الأيام يلقون الويل والاحتقار والمذلة والإهانة لأنهم يحاولون الانسلاخ من الإسلام . الذي جاء رحمة  للناس وخروجاً بهم من الظلمات إلى النور قال تعالى :﴿ كتاب أنزلناه لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ﴾ إبراهيم 1 .

 

 

       

 

 

 

 

مستقبل إسرائيل

قال تعالى : ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل لتفسدُنَّ في الأرض مرتين ﴾ قلنا في الجمعة الماضية بأن الإفساد ين كانتا في مهد الإسلام فكان الأول في بنقضهم العهد مع رسول الله الذي أخرجهم من المدينة فقتل من قتل وسبى من سبى وعندما ما تخلى المسلمون عن منهج الله وتحاكموا إلى القوانين الوضعية سلط الله عليهم عدوهم ليؤدبهم فأصبحت الغلبة لهم قال تعالى :( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) وقلنا بأن الكرة لن تدوم لهم على المسلمين بدليل قوله تعالى ( فإذا جاء وعد الآخرة أي وقت الإفساد الثاني بدليل قوله تعالى : ﴿ لتفسدُنَّ في الأرض مرتين ﴾ الإسراء 4 ، وفيها بشارة إلى أن الكرة ستعود للمسلمين على اليهود بدليل قوله تعالى : ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ الإسراء . وسيدخلون المسجد الأقصى وينقذونه من أيدي اليهود بدليل قوله تعالى : ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ . وذلك عندما يكون المسلمون أهلا لنصر الله لهم عندها تكون لهم الكرة الأخيرة لقوله تعالى : ﴿ إذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ﴾ وهذه بشارة بتحقيق وعد الله وأن ما يحدث الآن من تجمع اليهود في أرض فلسطين هو تريب رباني لأن تجميعهم يسهل على تتبعهم والقضاء عليهم وتكون الغلبة في النهاية للإسلام والمسلمين وليس بيننا وبين ذلك إلا أن نعود إلى الله ونتجه إليه سبحانه كما قال تعالى : ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾  . وهناك إشارة في القران إلى أن اليهود سيظلون في مذلة ومسكنة بحيث لا يرتفع لهم رأس إلا في ظل حبل من الله وعهد منه وحبل من الناس الذين يعاهدونهم على النصرة والتأييد والحماية قال تعالى : ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾ فقوله ربكم إي المتكفل بضمان مقومات الحياة .  وقوله :( أن يرحكم ) والرحمة تكون للإنسان إذا في موقف يستحق الرحمة فيه , واليهود لن تكون لهم دولة ولن يكون لهم كيان , بل يعشون في حضن الرحمة الإيمانية الإسلام التي تعطي لهم فرص التعايش مع الإسلام المعايشة , كالتي كانت لهم في مدينة رسول الله , يوم أن أكرمهم وتعاهد معهم .

وقد وصلت هذه المعيشة لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرده أن يقترض لا يقترض من مسلم , بل من يهودي , وهذا لان المسلم قد يستحي أن يطالب رسول الله إذا نسى مثلاً , أما اليهودي فسوف يلح في طلب حقه وإذا نسى رسول الله يذكره . لذلك كان اليهود كثيرا ما يجادلون رسول الله ويغالطونه مرارا , وقد حدث أن وفى رسول لأحدهم دينه , لكنه أنكره وأتى يطالب به من جديد ,وأخذ يراجع رسول الله ويغالطه وينكر ويقول : ابغني شاهدا . ولم يكن لرسول الله شاهد وقت السداد , وهكذا تأزم الموقف في حضور أحد الصحابة , واسمه خزيمة قائلا : أنا يا رسول الله كنت شاهدا , وقد أخذ هذه اليهودي دينه , فسكت اليهودي ولم يرد ولم يجادل , فدل ذلك على كذبه , ويكاد المريب أن يقول : خذوني .  لكن رسول الله عندما اختلى بخزيمة بعد أن انصرف الدائن قال : يا خزيمة ما حملك على هذا القول , ولم يكن أحد معنا ,وأنا أقضي دينه ؟ فضحك خزيمة وقال يا رسول الله أأصدقك في خبر السماء , وأكذبك في عدة دراهم ؟

فسر رسول الله من اجتهاد الرجل , وقال : ( من شهد له خزيمة فحسبه ) . ثم يهدد الحق سبحانه بني إسرائيل , فيقول : ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ أي إن عدتم للفساد ,عدنا , وهذا جزاء الدنيا .  وبعد أما وقد فرط المسلمون في المحافظة على دينهم فإن لكل تفريط هزيمة وبكل هزيمة عار , عار إلغاء الخلافة وعار ضياع القدس وفلسطين وأخيرا عار احتلال العراق وإن وراء كل عار فرار وتوليه وإدبار وقد توالت الهزائم وفرارنا أمام الأعداء مع أن الله تكفل لنا بفرار الأعداء من أمامنا إذا واجهناهم مستقيمين على أمره مطعين لمنهجه قال تعالى : ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ) الفتح . وقال عن اليهود خصوصا: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ثم لا ينصرون ﴾ آل عمران . ولا يمكن أن يصمد المسلمون بقلوب خربة أمام اليهود , وأن الله لا ولن يتولى عنا حرب إسرائيل وإن صلينا ورجوناه لأن أفضل أنواع العبادة عنده هي التضحية بكل القدرات والطاقات ضد الظلم والطغيان والفساد والعدوان . وإننا نملك القدرة على ذلك إن رجعنا إلى منهج ربنا وقاتلنا عدونا كما أمرنا ربنا بقوله : ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم ﴾ البقرة 191 . 

مأساة فلسطين تتكرر في كوسوفا

بدعوى حماية سكان إقليم كوسوفا والدفاع عن حقوق الإنسان  قامت أمريكا بالضربات الجوية ضد الصرب ، رغم الصمت المريب على المذابح والانتهاكات التي تتم ضد هؤلاء السكان منذ عشر سنوات تقريباً ، كما فعلت أمريكا وحليفاتها مع العراق ، عندما وجدت فرصتها السانحة بدعوى تحرير الكويت ، لتدمير العراق وبنيته العسكرية ، وبدعوى توفير الحماية والأمن ودرء الخطر العراقي نهبت أموال الخليج .

كما أن المأساة هي نفسها ، التي مارسها اليهود في فلسطين والتي لم تتوقف حتى اليوم ، فما زالت الأخبار تروي لنا كيف تهدم الجرافات البيوت في فلسطين ، كما أن الأنباء تروي لنا ممارسات اليهود ضد الفلسطينين من الاعتقال والتعذيب والطرد  

إن أشدَّ ما نخشاه هو أن خطر التهجير الذي لاقاه شعب فلسطين ، قد يواجه لاجئي كوسوفا ، وأن إفراغ كوسوفا من أهلها ، سيتيح للصرب إعادة ترتيب الأوضاع وتغْييرها ، كما حدث تماماً في فلسطين ، عندما انشغل المعـنيون يومها بتوفير الخيام للمهاجرين من فلسطين ، بدلاً من إعدادهم ومساعدتهم في استراد ديارهم وأرضهم التي سلبت منهم بالقوة ، وحُرِمَ الكثير منهم من العودة إلى بلادهم حتى اليوم .

وتتكرر المأساة مع شعب كوسوفا حيث يتفرق نساؤه وأطفاله في بقاع مختلفة من الأرض ، كما لا نتوقع عودة الكثير منهم إلى ديارهم ، بل إننا نخشى أن يندمجوا في تلك المجتمعات الجديدة ويذوبوا فيها .  وهذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المسلمين في العالم لمنع تكرار المأساة ، لأن مسلمي البلقان جزء من الأمة الإسلامية ، لذا فإن قضيتهم هي من قضايا الأمة ، وليست قضايا شعوب منفصلة عن الأمة وعلينا واجب النصرة ، وواجب النصرة هذا يجب أن يتعدى الحماسة والانفعال النفسي إلى ضرورة الفهم والتدبر والتصبر في السباق المحيط لهذه المأساة ، وما يتطلبه هذا الفهم من مواقف تتعدى الإغاثة الإنسانية ، وهنا يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات المتعلقة بتاريخ منطقة البلقان وتوازناتها  وما تقدمه لنا من أنماط متكررة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين بصفة خاصة . إن تاريخ الأزمات الكبرى التي تصادمت فيها الدولة العثمانية في مرحلة ضعفها وشعوب البلقان والتي لعبتها الدول الكبرى يومها ، والذي أدى إلى أمور أساسية ، منها تعرض منطقة البلقان لإعادة تشكيل لتوازناتها في المراحل الانتقالية التي يمر بها النظام الدولي ، مما يجعل المنطقة نفسها وعمليات إعادة تشكيلها  ساحةً مهمةً وأساسيةً لاختيار التوازنات الأوروبية بصفة عامة  وحول المنطقة بصفة خاصة ، آخذين بعين الاعتبار الكيفية التي تشكل فيها مصير البلقان وشعوبها  تحت وطأة نتائج الحروب السابقة في تلك المنطقة  وبحلول قسّرية تفرض طبيعتها ، حالةُ التوازنات الكبرى ، وليس حمايةً لحقوق المصير أو منعاً لانتهاكات حقوق هذه الشعوب ، التي تتعرض وخاصةً مسلميها من البوسنيين والألبان إلى موجات متتالية من التنكيل والتهجير ، فاقت ما تعرضت له غيرها من الشعوب ، فكما أن تحالف القوى غير المسلمة مع الدولة العثمانية في مواجهة روسيا ، كان تحالفاً تكتيكياً وليس لحماية المصالح الاستراتيجية للطرف المسلم ، حيث أدت هذه التحالفات في النهاية إلى التصفية التدريجية للدولة العثمانية ، واستقلال شعوب البلقان في دولة مستقلة والذي لم يوفّرْ الاستقرار إلى المنطقة  بقدر ما وضع بذور التفجير المتكرر طوال القرن الحالي .

ولهذا فإن تدخل الناتو تحت مبرر حماية ألبان كوسوفا ، ليس إلا تكتيكاً لن يكون في الأجل الطويل لصالح وجودهم المستقر في المنطقة ، بقدر ما هو خدمة لمصالح استراتيجية كبرى لا علاقة لها بحماية هوية البان كوسوفا ، أو حماية وطنهم أو حتى حمايتهم من الفناء والتشتت ، في ظل واحدة من اسوأ مآسي ما يسمى بالتطهير العرقي في التاريخ المعاصر .

ومن هنا فإننا بحاجةٍ ماسةٍ الى المنهج الإسلامي لإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، والذين يعدلون عنه الى أي منهج آخر  يقوم على أي قاعدةٍ أُخرى من القوم أو الجنس أو الطبقة  هم المعنيون بقوله تعالى : ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ، ذلك جزاؤهم جهنَّم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ﴾ الكهف 103 .            

    

ماذا ننتظر من اليهود

إن أخطر ما اتصف به اليهود حبُّهم وتعطشهم للدماء ، حتى قتلوا الأنبياء :   ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ آل عمران 21 . لذا حذَّرنا الله منهم مع أول جريمة قتل تقع، فعندما ذكر قَتْل قابيل لهابيل، قال سبحانه بعدها: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ المائدة 32. وقلوب اليهود لا تلين ولا يدخلها الرحمة؛ لأنها مغلَّفة بالبغض والحقد للمسلمين، وهذا باعترافهم أنفسهم : ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ البقرة 88 . والواقع يُبرهن بُرهانًا جازمًا لا يَقبلُ الشكَّ على قسوة قلوبهم، حيث  قتلوا الأطفال الأبرياء  وذبحوا النساء والشيوخ بلا رحمة : ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ التوبة10، فهم لا يعرفون إلا لغةَ القوة وإيقاد نار الحرب : ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾   المائدة 64 . بل إنَّهم من أشدَ الناس عداوة للذين آمنوا : ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ المائدة:82 . يؤيد هذا ما نراه من أحداث دمويَّة، وجرائمَ بربرية اقْتَرَفَتْها أيديهم ، بدافع من عقيدتهم الدينية ، وهذا ما أكده رجالاتهم ، قال الحاخام الأكبر : "إبراهام شابير" في رسالة وجَّهها لمؤتمر شبابي صِهْيَوْني عقد في "بروكلين"  في الولايات المتحدة : "نريد شبابًا يهوديًّا قويًّا أو شديدًا نريد شبابًا يهوديًّا يدرك أن رسالته الوحيدة هي تطهير الأرض من المسلمين ، الذين يريدون منازعتنا في أرض الميعاد، يجب أن تثبتوا لهم أنكم قادرون على اجتثاثهم منَ الأرض، يجب أن نتخلَّص منهم كما يتم التخلص من الميكروبات والجراثيم". وصرح الحاخام "مردخاي إلياهو" الحاخام الشرقي الأكبر سابقًا، في خطاب أمام عدد من منتسبي المدارس الدينية العسكرية : "لنا أعداء كثيرون وهناك مَن يتربَّص بنا وينتظر الفرصة للانقضاض علينا وهؤلاء بإمكاننا - عبر الإجراءات العسكرية - أن نواجههم ، لكن ما لا نستطيع مواجهته هو ذلك الكتاب الذي يسمونه "قرآن"، هذا عدونا الأوحد، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية مواجهته". وقال الحاخام "إسحاق بيريتس"، أمام عدد من المجندين الجدد : إذا استمر ارتفاع الأذان الذي يدعو المسلمين للصلاة كل يوم خمس مرات في القاهرة وعمان والرباط، فلا تَتَحَدَّثُوا عن السلام .

غاب عن الذهن العربي والإسلامي والعالمي أن ما ارتكبته  إسرائيل ليس أبداً مجرد فعل حماقة، ولا يمكن أن تزول آثاره باعتذار ، بل إنه سياسة مقصودة ، حاولت  إسرائيل أن توجه عبر جريمتها هذه رسالة قوية لتركيا والعالم ، وكان واضحا في هذه العملية القصد اليهودي في الانتقام من اليقظة الإسلامية التركية ، فقد ساءهم ما يقوم به الأتراك من دور فعال في الدفاع عن حقوق المستضعفين من المسلمين ، وفي كل اعتداء يتكرر فقد تعودت إسرائيل على فرض ما تريد ، بالإرهاب والقوة والبطش والوحشية ، دون تململ أو تراجع , إذ لم تر من العرب أو المجتمع الدولي أي قوة حاسمة تفرض عليها التراجع أو التوقف, وبسبب ذلك تمادت في غيها وطغيانها على كل ما هو فلسطيني وعربي وإسلامي ولسان حالها  لا نرى كبيراً في المنطقة ، إلا نحن ونحن فقط!!.‏

 هذه القوة الإسرائيلية وهذا التجبر وهذا العنف لا يمكن لإسرائيل أن تقوم به إلا إذا كانت واثقة تماماً أن هناك من يحميها ويقف خلفها ، أضف إلى الضعف من الطرف الآخر ، الذي أتاح المجال لإسرائيل بالقيام بكل مجازرها دون الخوف أو الخشية على أمنها أو على سمعتها في العالم  وهي تدرك تماماً بعدم القيام بأي رد فعل بناء وفعال ، مما يدل على أن ضعف الأمة ، هو الذي يخول إسرائيل القيام بكل المجازر الدنيئة التي تقوم بها ، وإذا استبعدنا عالمنا العربي والإسلامي من الآثار المترتبة على الحادثة ، نجد أن المصالح الأوروبية ، ومصالح بعض دول العالم الأخرى مع إسرائيل أعلى وأكبر ، من أن تتعرض للضرر بسبب هذا الحادث الإجرامي ، باستثناء دول أخرى مقاومة ومناصرة للحق ، كدولة تركيا ، التي حاولت أن تقيم العالم ولا تقعده مطالبة بعقاب إسرائيل ، ليس بالكلام فقط بل بالفعل أيضاً ، حيث أن تركيا اتخذت بعض الإجراءات الفعلية ، وأعلنت أن إعادة التطبيع مع  إسرائيل مرتبط تماماً بإنهاء الحصار عن غزة ، كما أنها أوقفت ثلاث مناورات عسكرية مشتركة معها .  وفي تقرير لكبير مراسلي صحيفة الاندبندنت عن العملية الإسرائيلية ضد القافلة تحت عنوان إسرائيل وتضليل الذات ، قال إن نزعة التشكيك لدى الإسرائيليين بقدرات الجنرالات والساسة الإسرائيليين تراجعت خلال العقود القليلة الماضية ولذلك يشعرون الآن بالحيرة والدهشة وهم يرون أن جميع الحروب والعمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل خلال هذه العقود انتهت بالفشل ، ودون تحقيق مكاسب سياسية منذ حرب اكتوبر 1973 انتهاء بالهجوم على سفن قافلة الحرية   وأضاف قائلاً : إن المواجهة الإسرائيلية مع منظمي القافلة انتهت بنصر ، لم يكن يحلم به هؤلاء إذ أصبح الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة في مركز اهتمام العالم وتزايدت الدعوات الدولية لإنهائه بعد تراجع اهتمام العالم به مؤخرا .  إن إسرائيل لم يكن بمقدورها ارتكاب مثل هذه الجريمة وغيرها من الجرائم على امتداد تاريخها لولا دعم الولايات المتحدة ومن هم في ركابها ، لأنها لا تستطيع أن تخرج من تحت عباءة الصهيونية، تبيعنا الوعود والكلام المعسول  وتقدم كل الأدوات والإمكانات التي تمكنها من ذبحنا ، ولولا التهاون معها، لما كانت قادرة على الوصول بعدوانيتها إلى مثل هذا التطاول ، الذي أوصلها إلى حدود الاستباحة المفتوحة ، بلا رادع ولا مانع  وعندما تصل الأمور إلى مجلس حقوق الإنسان ؟ لتفريغه من أي مضمون. وهذا ما حصل ، فبعد 12 ساعة من المداولات ، انتهى المجلس عند قرار باهت غير ملزم  يوصي بفتح تحقيق والإفراج عن السفن والمعتقلين ، وقد جاءت ردود الأفعال مخيبة للآمال ، فالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ، كانت تصريحاته سخيفة وتصريحات البيت الأبيض كانت مثيرة للشفقة ، أما توني بلير فاكتفى بالتعبير عن أسفه الشديد فقط لا غير !ولذلك ما تغير شيء على ارض الواقع بصدور القرار ، بل إن النسيان سيطوى ذكرى القتلى الذين سقطوا وهم يسعون إلى فك الحصار عن غزة كما طوى النسيان مقتل غيرهم  ، وكانت الدلائل الأولية نتيجة هذه العملية ، مثيرة لليأس   فالمبادرة لفتح معبر رفح للأغراض الإنسانية مبادرة ذات أهداف سياسية ، لان ما تحتاجه غزة ليس المساعدات الإنسانية فقط ، بل ما حملته السفن من مواد مثل الحديد والاسمنت ليتمكن سكان غزة من إعادة  إعمار المنازل التي دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة . قد يتساءل المرء : هل يمكن أن تكون هذه نهاية إسرائيل بعد 1300 شهيد فلسطيني قتلتهم في الحرب على غزة و1000 شهيد لبناني أبادتهم في الحرب على لبنان، و20 شهيد قتلتهم يوم الاثنين في قافلة الحرية ، هل سيعني كل ذلك أن العالم لن يتحمل بعد الآن البلطجة الإسرائيلية؟! بالطبع لا، لأن تصريحات البيت الأبيض جاءت "تبحث في ظروف ما حدث وتحاول فهم وقائع المأساة" هكذا فقط.. دون كلمة واحدة تدين ما حدث أو تدين إسرائيل! ، وسفن الحرية وما حدث لها يذكرني بما حدث في عام 1948 عندما قام القادة الأمريكيون والبريطانيون بإنشاء جسر جوي لبرلين ، لمساعدة شعب جائع ، مع أنه كان قبل سنوات عدوا لأمريكا وبريطانيا ، لكن شعب ألمانيا كان محاصرا وقتها بجيش روسيا الذي حاصر المدينة تماما ، وتم اعتبار الجسر الجوي وقتها من أعظم لحظات الحرب الباردة ، التي حاول فيها قادة  الغرب إنقاذ أرواح الألمان ، لأن الأمر كان أخلاقيا وإنسانيا أكثر منه سياسيا   ومن السخرية أنه في الوقت الذي كان الحكام الغربيون في 1948 يسعون لإنهاء الحصار على أهل برلين بالجسر الجوي ، كانت فلسطين العربية يتم تدميرها على مسمع ومرأى من هؤلاء القادة ، وأين كانوا عندما كانت إسرائيل تقتل المدنيين الذين جاءوا من شتى أنحاء العالم من أوروبا وأمريكا وتركيا، وكان منهم أيضا ناجين من محرقة الهولوكوست النازية، لكنهم لم يجدوا خيارا آخر سوى الذهاب إلى غزة ، لأن قادتهم خذلوهم وفشلوا في إنقاذ أرواح الفلسطينيين ،  الذين لا يجدون أدنى احتياجاتهم الأساسية بسبب الحصار الإسرائيلي.

لقد اعتاد الغرب أن يرى الإسرائيليين يقتلون العرب فتطور الأمر ليقتلوا الأتراك  وقد كان لذلك الأثر البالغ في نفوس شعوب الشرق الأوسط والعالم ، الذي لم يعد يتحمل صفاقة إسرائيل ، باستثناء السياسيين الغربيين  الصامتين إلى الأبد . وحادث سفن قافلة الحرية يذكرني بإغراق السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي عام 67 حيث قتل في الحادث حوالي 48 أمريكيا ، ولم تتحرك أمريكا أو تبدي امتعاضا  فكيف نتوقع  أن تفعل هي والغرب شيئا لإسرائيل ، وهم الذين أقاموها وربوها  لا أمل في نصرتهم ، وإن لم نثأر لأنفسنا وكرامتنا ، فمن يثأر لها وقد قيل :

اليهود والغرب مقبرة العدالة كلما  رفعت يدا أبدى لها السكينا

الغرب يحمل خنجرا ورصاصة         فعـلام يحمل قومنا الزيتـونا

أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه      ولكن اللوم لوم المسلم المفتونا

وألوم أمتنا التي مشـت           على درب الخضوع ترافق التنينا

وألوم فينا نخوة لم تنتفض               إلا لتضربـنا على أيـدينا

يا مجلس الأمن المخيف إلى متى     تبقى لتجار الحروب رهينا

لعبت بك الدول الكبار فصرت    في ميدانهن اللاعب الميمونا

يا مجلسا غدا في جسم عالمنا       مرضا خفيا يشبه الطاعونا

شكرا لقد أبرزت وجه حضارة       غربية لبس القناع سنينا

يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا    سيريك ميزان الهدى ويرينا

إن كنت في شك فسل فرعون  عن غرقه وسل عن خسفه قارونا

إسرائيل فعلت فعلتها ، ولكن المصيبة فينا نحن ، فنحن لا نملك من أمرنا شيئا  حتى قتلنا وسفك دمائنا ، أصبح لا يحرك لنا ساكنا ، وكأننا نتمثل قول من وصل الخطر إلى بيته : حايد عن ظهري بسيطة فأنا في السليم ، وهذا لسان حال الكثيرين منا ، طالما القتل في غيرنا مش مهم ، وقديماً كان المغول يجدون مجموعة من المسلمين فيقولون لهم انتظروا حتى نأتي بالسيف لنقتلكم ، فيظلوا في مكانهم من الخوف حتى يأتي المغول ويقتلونهم! فما فعلته إسرائيل لها وليس عليها لأننا لن نستمر في حمل لعب الأطفال وعلب الحلوى لهم  ولكن قريبا سيحمل رجال تدفعهم نخوة القتال من أجل الحق والخير والسلام  سلاحهم الأول إرادتهم وحمولتهم سلاح وذخيرة ، فإسرائيل قتلت وسفكت دماء ودماء   ولن يدوم الانبطاح ولن يدوم الصمت طويلا ولن يدوم هذا الانفصال بين الحكومات الإسلامية والعربية وشعوبها حتما ستتوحد إرادة الحكومات يوما ما ، مع إرادة شعوبها وعندها سيعلمون أن حرمة دم الإنسان أعظم عند الله من حرمة بيوت الله المقدسة  وعلينا أن نعلم علم اليقين ، بأن لا جنة بدون جهاد ولا تحرير لفلسطين إلا بالجهاد ولا عزة ولا مهابة للمسلمين إلا بالجهاد والأمة بغير جهاد جثة هامدة وغثاء كغثاء السيل لا وزن لها ولا قيمة ولا اعتبار: ﴿ فأما الزبد فيذهُب جُفاءً وأما ما ينفعُ الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال  ﴾ الرعد 17 .

 

 

 

 

 

لا خلاص من اليهود إلا بالجهاد والاستشهاد

لو ُربي شباب الأمة على الجهاد في سبيل الله ، لقاتلنا اليهود ولما كانت هذه أحوالنا ، إننا والألم يعتصر قلوبنا ، نرى شباباً رُبي على موائد الشرق مرةً فألحد  وعلى موائد الغرب أخرى فانحل  فأين المفر وكيف المخرج ؟ المخرج في الاقتداء برسول الله الذي ربى رجالاً أقاموا دولة الإسلام خفاقةً قوية سادت ثلاثة أرباع العالم ، بينما نحن هذا اليوم حيث نامت النفوس وأخلدت إلى الشهوات بين غفوة الضمير وقسوة القلب ، فترى الكثير من المسلمين لا يعرف الواحد منهم من الإسلام إلا اسمه ولا من المصحف إلا رسمه ، همهم بطونهم وقبلتهم نساءهم لم يوقظهم تجبر اليهود وظلمهم ، ومن بيدهم الأمر يلهثون وراء المخططات السياسية التي رسمها الغرب .  بينما الشباب المخلصين يتسابقون على طلب الشهادة ذات المنـزلة الرفيعة عند الله والتي حدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما التقى بجابر بن عبدالله بن عمرو ، وقال له يا جابر إن الله تعالى ما كلم أحداً إلا من وراء حجاب ، ولكنه كلّم أباك  بدون حجاب ، وعبدالله مات شهيداً يوم أحد ، فسالت دماؤه الزكية الطاهرة في ميدانها ، قال رب السماوات والأرض ، يا عبدالله تمن علَّى أعطيك ما تشاء ، أتدورن ماذا قال هذا الشهيد لربه ؟ ويا نعم ما قال : أتمنى أن أعود إلى الدنيا لأخبر إخواني بما أنا فيه من النعيم ، ثم أقتل في سبيل الله مرةً أُخرى ، هذا دليل فرحه بالمنـزلة التي أعدها الله للشهداء ، فأحب أن ينال إخوانه ما نال من الفضل والكرامة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم خلفهم ﴾ آل عمران .  فماذا قال له مولانا تبارك اسمه ؟ قال له يا عبدالله ؟ لقد حقَّ القول مني أنهم إليها لا يرجعون ، من جاء إلى هنا لا يعود إلى هناك .

دخل رجل مدينة البصرة فسأل إبراهيم بن أدهم وقال له يا شيخ أين العمار في هذا البلد ؟ فقال له الشيخ سر أمامك ، فسار الغريب أمامه وظل سائراً حتى وجد نفسه وسط المقابر ، فقال أين العمار يا شيخ ؟ فقال له : أنت الآن بين العمار ، قال له : بل أنا بين المقابر ، فقال له الشيخ : هنا العمار لأنه ليس واحد من الذين هنا سيعود إلى هناك ، إنما كل الذي هناك يأتون إلى هنا ، فهنا العمار هنا العمار . ويروى أن سليمان بن داود سأل البومة لماذا لا تشربين الماء ؟ قالت : لأن الله أغرق قوم نوح بالماء ، وقال لها : لماذا لا تأكلين الزرع فقالت : لأن آدم أكل من الزرع فخرج من الجنة ، فقال سليمان : أيتها البومة لماذا تسكنين المقابر ؟ فقالت : لأنني أرى فيها عظمة لله ، أرى الملوك والعظماء وأصحاب الجاه والسلطان والجبابرة والقياصرة والأكاسرة ، أرى من عمّر ومجّد وبنى وشيد أرى قوم ثمود وعاد وكلّ جبار عنيد ، يوم يقال لهم لمن الملك اليوم فيقولون لله الواحد الغفار .  

قال الشهيد لربه من يخبر إخواني بما أنا فيه من النعيم المقيم ، فقال له تعالى يا عبدالله أنا أخبرهم قال تعالى : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله  ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلقهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون  يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ آل عمران 169 . ظاهر الآية أن الشهداء أحياء في الحال ، ولكن الموت يُصيب المجاهد والقاعد ، والشجاع والجبان ، ولا يرده حرصٌ ولا حذر ، ولا يُؤجله جبنٌ ولا قعود ، ولا يوجد هناك دينٌ أو أمةٌ رفعت من شأن الشهداء في سبيل الله والحق والعدل كما رفعه الإسلام . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها ) وقال : ( الجنة تحت ظلال الأسنة ) التي تقضي على الظلم والجور والشرّ والباطل ، أما المستشهدون في سبيل الحق فهم والحق سواء في نظر الإسلام ، لأن من يستهين بحياته من أجل الحق يكون تقديسه تقديساً للحق بالذات . إن الله تعالى لما خلق الجنة وشقَّ فيها أنهارها وغرس فيها أشجارها وزينها للناظر ، قال لها تكلمي بإذني قالت الجنة قد أفلح المؤمنون ، قال لها الله وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل أبدا ، أقلُّ واحد من أهلها يأخذ منها نصيباً يسير فيه ألفي سنة وأعلى واحد فيها يرى الله كل يوم مرة ، أو مرتين بكرة وعشيا ، ويتجلى الله على أهل الجنة ، ويقول لهم يا عبادي هل رضيتم ؟ فيقولون : كيف لا نرضى يا ربنا   وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ؟ ألم تغفر ذنوبنا ألم تثقل موازيننا ؟ ألم تدخلنا الجنة ؟ ألم تجرنا من عذاب النار ؟ فيقول لهم الواحد المقتدر ، أنا أعطيكم أفضل من هذا ، فتقول الخلائق وما أفضل من هذا يا رب ؟ وعندئذٍ تزال الحجب بينهم وبين ذات الله فلا ينظرون إلى أحد غير الله ما داموا ينظرون إلى ذات الله ، إنها الجنة إنها الجنة إنه نعيمها .

لم يدر بخلد شهداء الإسلام ، الذي رووا ديار الإسلام بدمائهم وطهروها من الرجس والدنس ،لم يدر بخلدهم أننا سنضيِّعُ الأرض التي حرروها ورفعوا عليها راية الإسلام ، ونضيِّع قدسنا وأقصانا ، ونصبح أذلاء بين الأمم ، لماذا ؟ لأننا تركنا الجهاد في سبيل الله وأخلدنا إلى الأرض ، فأذلنا الله بذباب الأرض اليهود .

إن زعيم الصهيونية يتودور هرتزل عندما عقد المؤتمر الصهيوني العالمي في مدينة بال في سويسرا عام 1896 قال : بعد خمسين عاماً سأقيم للصهيونية دولة في فلسطين ، وما مرّت خمسون عاماً حنى رفرف علم إسرائيل على ربوع فلسطين وقال : قبل أن نقيم دولة إسرائيل لا بد لنا من اتخاذ الخطوات التالية :  لا بد من إسقاط الخلافة الإسلامية ولا بد من قيام إسرائيل ولا بد من إبعاد الإسلام عن المعركة مع إسرائيل .  وتحقق ما قال وتحالفت روسيا وأميركا على قيام دولة إسرائيل ، أميركا أمدتها بالسلاح وروسيا أمدتها بالشباب ، أميركا أمدتها بالأموال واعترفت بها فور قيامها ، وروسيا اعترفت بها بعد خمس دقائق من قيامها . وقد تختلف روسيا وأميركا ، أما إذا كان العدو هو الإسلام فلا خلاف ، بل يصيران سمناً على عسل . إن اليهود يحاربوننا عن عقيدة ، وبهذا صرح قادتهم في أكثر من مناسبة ، أن الأمة اليهودية قامت على التوراة وعلى أرض المعاد ، ويوم حاربونا كان حاخاماتهم يتقدمون جيش إسرائيل وهم يحملون التوراة .

لسان حال إسرائيل يدل على أنها لا تريد حلاً   وتصم الأذان للحلول التي تطرح وشعب فلسطين الضحية ، ولن يعيد ألف مليون مسلم المسجد الأقصى إلى حظيرة الإسلام ما داموا بعيدين عن الإسلام ، ولن تعيده المفاوضات ولا اللجوء إلى أميركا ، لن يعيد المسجد الأقصى إلا الشباب حين يتربوا في معسكر التوحيد ، ثم يُسلح بالتقوى ويزود بالحديد والنار بقدر الاستطاعة ، عندها يسيروا في الطريق الصحيح لإعادة الأقصى ، وعندها يتحقق النصر قال تعالى :﴿ ولينصرن الله من ينصره ﴾ الحج 40 . وإذا لم نرجع إلى الله فلن ينصرنا الله وألف مليون من المسلمين يقفون من الأقصى موقف المتفرج ، لأنهم في تقديري تمسكوا بالشكل من الإسلام وتركوا الجوهر  احتضنوا الإسلام أسماء ونبذوه مسميات ، ورثوا عن الفرس والرومان أبهة الملك ومظاهر السلطة ، وورثوا عن الفراعنة إدعاء الألوهية ، واسترقاق الشعوب  وتحويلها إلى أشباح آدمية ، تهتف وتصفِّق ، وقطعان من الماشية تستجيب للعطاء والسوط ، ولم يعنيهم ما آل إليه حال الإسلام والمسلمين ، ما دام سلطانهم قائماً  وما دامت عجلة الترف تدور ولا تتوقف وما دامت الدساتير التي صاغتها الأهواء لحسابهم ، تجيز لهم أن يحكموا أو يملكوا معا ودون أن يُسألوا عما يفعلون . يقفون موقف المتفرج على النـزيف الدموي صباح مساء ، ومئات القتلى وآلاف الجرحى ، والمشردين بلا مأوى لحساب إسرائيل .

فمتى تنتهي هذه المأساة ؟ تنتهي يوم يجتمع المسلمون على قول لا إله إلا الله  وهو ما اجتمع عليه أسلافنا فسادوا وخافهم العالم وحسب لهم ألف حساب    فقد روى التاريخ أن خالد بن الوليد أرسل إنذاراً حربياً إلى كسرى عظيم الفرس قال : يا كسرى اسلم تسلم وإلا جئتك بقوم يحرصون على الموت كما تحرصون على الحياة . فأرسل كسرى إلى إمبراطور الصين يطلب منه النجدة والمدد فقال له : يا كسرى إنه جيش خالد بن الوليد ، وأنا لا قبل لي بقوم لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها   فماذا جرى بين ما كانوا عليه وبين ما صرنا إليه ؟ يمكن أن نعرف الإجابة من أبي الدرداء ، بعد ما فتح المسلمون جزر البحر المتوسط وفتحوا جزيرة رودس  كان المسلمون في حالة نشوة وفرح ، إلا أبا الدرداء بعد النصر كان يبكي   فقالوا له : أتبكى يا أبى الدرداء واليوم يوم فرح ؟ فقال : نعم . قالوا : فما يبكيك ؟ قال اسمعوا : أليس هؤلاء القوم الذين قهرناهم ونصرنا الله عليهم أليسوا كانوا في قوة ومنعة وطمأنينة ؟ قالوا : هو كذلك . قال لهم أبو الدرداء فلما عصوا الله هانوا على الله ، فأمكننا الله وأخشى أن يأتي اليوم الذي نعصي فيه الله فنهون على الله فيمكن الله الكفار من رقابنا ".                          

وها هي الأيام تدور دورتها فعصينا الله فهنا عليه فتمكن منا اليهود .

إن الخروج من هذه المأساة بيَّنة لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كلمات قال :" لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام فإذا طلبنا العزة في غير الإسلام أذلنا الله"  فالصلح مع الله علاجنا ودواؤنا .

 

 

 

لا بد من القوة لمواجهة اسرائيل

روى أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ) . وجاء في حديث آخر عن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ومن علمه الله الرمي فتركه رغبه عنه فنعمة كفرها رغبة عنه )  أي كراهيةً فيه ، وكفرها أي جحدها ، فقد جاء الخطاب بالرمي في زمنه ، أما في العصر الحديث فيدخل في معناه ما استحدث الآن من الرمي بالبنادق والمدافع والقنابل ونحوها ، وكل ما يُحَدَّث من آلات القتال في كل زمان ومكان ، لأن الآية تدل على وجوب صنع الآلات الحربية  ففي زماننا يكون بصنع المدافع والدبابات والطائرات والسفن الحربية المدرعة والغواصات ، والدلالة على وجوب صنعها لا شرائها مصنوعة من الأعداء ، وفي الآية ما يدل على وجوب تعلم العلوم والفنون والصناعات التي يتوقف عليها ذلك ، وما أصابنا التأخر والانحطاط وطمع بنا الأعداء إلا لأننا أهملنا هذه المهمات  ولم نعد العدة التي ترهبها قوى الكفر فتخشى من مهاجمة دار الإسلام ، والإسلام يدعو المسلمين لأن يتخذوا للنصر عدته حتى يمنعوا الأعداء من الاعتداء على الإسلام والمسلمين قال تعالى: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم  ﴾ الأنفال 60 .

فالاستعداد بما أمكن فريضة تصاحب فريضة الجهاد ، والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها و أسبابها ، حتى يُرْهِبَ المسلمون  أعداء الله وأعداء دار الإسلام ، التي تحميها القوة التي تحفظ المجتمع الإسلامي من الفوضى  وتردع الطغاة الأقوياء من التلاعب بحياة الناس واستغلالهم ، لأن وجود قوة في قبضة أهل الحق والعدل ، تردع بها أهل الظلم والباطل  وتخضعهم لحكم الله وشريعته . أما وقد غابت هذه القوة فإن حربهم الملعونة على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها مستمرة ، فجاسوا خلال الديار يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأرض لقواعدهم العسكرية ، والهيمنة على الدول وثرواتها ، وما تنتجه أراضيهم لتكون غذاءً لشعوبهم ، ومواد خام لمصانعهم ومعاملهم ، يبحثون عن ذلك وبين أيديهم الدبابات وفوق رؤوسهم الطائرات التي تقذف بقنابلها ، ووراء ظهورهم الألوف من العساكر المدربة ، يقطعون على البلاد سبل رزقها ، وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة ، يريدون بذلك أن يهيئوا وقوداً لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهاباً ، ويكفي مثالاً على هذه القوة التي تملكها أمريكا  وتستغلها في الاعتداء على الشعوب الضعيفة ، والسلب والنهب دون رادع وزاجر إلا نضال الشعوب العزلاء ، كما يجري في فلسطين هذه الأيام .

يقول نيكولاس سبيكمان في كتابه الاستراتيجية الأمريكية في السياسة العالمية يقول :"مسموح لنا نحن الأمريكيين بكل أشكال الجبر والقسر بما فيها حروب الدمار ، أن نملي أرادتنا ونفرضها بالقوة على الذين لا قوة لهم " . 

ويقول ليو ويلتش الأمريكي : " واجبنا أن نحقق زعامتنا الإيجابية بالقوة على العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ولا ينبغي أن يكون ذلك إلى أجل مسمى  إنه واجب أبدي لا يجوز التفريط فيه " . ولا سرّ لهذا التعاظم من أعداء الله والجهر بالعدوان على عياله وعباده من غير مبالاة ، إلا عدم الخوف والرهبة من القوة الرادعة ، التي تجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى ، وأما عن سذاجتنا وبله رجالنا ، فحدِّث ولا حرج  فقد وصل الحال إلى تحريف الكلم عن مواضعه ، فسمعنا من يقول ما لنا وللقتال إنما نحن دعاة ومبشرين ، ندعو إلى دين الله دين الأمن والسلامة والدعة بالحكمة والموعظة الحسنة ، لسان حالهم نبلِّغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش ، ونجادل من يعارضنا بالخطب والمقالات والتصريحات والإدانات ، وأما الجهاد والقتال فلا يفكر فيه ولاة أمور المسلمين ، الذين تنازلوا عن الجهاد رسمياً في مؤتمر دكار ، واقتصر الجهاد عندهم بمواصلة المطالبة بالحقوق باللسان والقلم ، أما المدافع والدبابات والطائرات وغيرها من الآلات فهم أحق بها وهم أهلها ما لنا ولها فكانت النتيجة كما نرى ونسمع ، أن نصَّبوا أنفسهم المسيطرون على الأمم والشعوب ، يأمروا بالذي يريدون ويفعلوا ما يشاءون ، فكان ذلك مبعث الفساد في الأرض الذي تفجَّرت منه ينابيع الشرِّ والطغيان ، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الأمة تخلّت عن الجهاد واستبعدته من حساباتها  وكم أقلقهم وأخافهم وأرهبهم اندفاع الشباب الاستشهادي الذي لبى نداء الواجب ، ساخراً من الدنيا وزينتها وزخرفها ، طامعاً بالثواب العظيم الذي أعده الله للمجاهدين . روى أحمد في مسنده عن عتبة بن عبد الله السُّلمى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القتلى ثلاثة ، رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل ، فذلك الشهيد المُفْخَرَ- من الفخر _ في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة  ورجل مؤمن قَرَفَ -أي عليه ذنوباً أرتكبها- على نفسه من الذنوب والخطايا ، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقْتَلْ ، مُحيت ذنوبه وخطاياه ) . إن النـزاع مع إسرائيل قد يطول سنين ، وإني على يقين بأن توقف هذه الحرب متوقف على قدر ما يثوب المسلمون إلى رشدهم ، ويعودوا إلى دينهم ، فلو فرضنا جدلاً رجوع المسلمين إلى دينهم اليوم ، فإن النصر على اليهود سيكون غدا .  إن لسان الحال يدل على أن المسلمين لا يعتبرون قضية فلسطين إسلامية ، لأنهم ابتعدوا عن الإسلام ، واستمروا في تعاونهم مع أعداء الدين  رغم أنهم يعلمون أن الحرب مع إسرائيل لن تنتهي  بل ربما قامت لإسرائيل إمبراطورية على حساب أراضٍ أخرى مجاورة ، وإن أي نصر لإسرائيل لا ولم يكن فخراً لها ، بقدر ما كان هذا الانتصار خزياً لنا ، وإن ما يجري في فلسطين يدل على أن الموضوع ليس موضوع استئصال شعب بقدر ما هو محاولة للإجهاز على الدين الإسلامي وإحلال دينٍ آخر ، هذه هي حقيقة المعركة ، ومن اجل ذلك تدعم أمريكا إسرائيل ، وتدافع عنها  وتتعصب لها وترسل إليها الأسلحة ، وهي بدورها تضرب بها الفلسطينيين ، وها هو شعبنا يتحدى إسرائيل ويصبر على مواجهة مكرها ومؤامراتها ، ويمضي في تحديها ، بالجهاد البطولي الذي لم نر أشرف ولا أزكى ولا أطهر منه  والذي لم نشهد له مثيلاً في العصر الحاضر ، إنهم رجال لا يملكون ما يوجعون به عدو الله غير أجسادهم ، يواجهون بها ترسانة التسلح الإسرائيلي ، في الوقت الذي يقف العرب والمسلمون منهم موقف المتفرج ، لأنهم يعيشون في هذه الدنيا لأنفسهم لا لربهم ، بل لا يفكرون في مرضاته أو ضبط سلوكهم وفق هداياته .

وأخيراً وليس آخراً فإن حبل الجهاد يطول والامتحان يتكرر ، ولا بد لأهل الحق من الثبات قال تعالى : ﴿ ولَنبْلُوَنَّكم حتى نعلم المجاهدين منكم ﴾ محمد 31 .

وإن ما يجري على يد هذه الفئة المؤمنة ، بشارة من بشائر النصر والظفر على أعداء الله ، ولن يحبطها الله ولا يبطلها ، ولن يسلبهم حلاوتها ، ولن يحرمهم ثوابها إن شاء الله وصدق الله الذي قال : ﴿ ولن يتركم أعمالكم  ﴾ محمد 35 . 

 

قضية فلسطين

مرَّ جيلان من الفلسطينين لا يعرفون فلسطين ، ولم يروا بيوتهم المغتصبة فيها  لكنهم متمسكون بها كوطن وحق وتراث ، وإن الممارسات الإسرائيلية تزيدهم صلابة وإصراراً وتمسكاً بحقهم في إقامة دولتهم المستقلة ، وقد انعكس هذا بما يجري من مقاومة اليهود لاقتناع الفلسطيني بحقه   ورفضه أن يَضيع هذا الحق ويستمر الباطل   وكما نلاحظ هذه الأيام فإن القضية تمر بمرحلة دقيقة على الصعيد الدولي ، والحديث جاري عن الحلول السلمية والمبادرات الكثيرة من جهات مختلفة . إن هذا الجيل بحاجة ماسة ليفهم كيف نشأت الدولة اليهودية ، وما هو ثمن ذلك للغرب والشرق ، في وقتٍ تقف بريطانيا وأميركا بكل ثقلها خلف الحركة الصهيونية التي تتعارض فلسفتها مع تطلعات العرب إلى قيام دولتهم وتحرير أرضهم ، مما زاد ممارسة الحركة الصهيونية من أجل الدولة اليهودية في التعسف الذي أدى وما زال إلى المذابح والحروب ، فأثبتت هذه الحركة بأعمالها وممارساتها ، أنها جسم غريب في المنطقة العربية .

ونظرة إلى هذا الاحتلال وما سبقه وما رافقه إلى المزيد من التوسع ومصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات عليها ، حيث لا حق لهم أن يكونوا هناك أصلاً ، لكننا نرى مع الأيام زيادة الأعمال التعسفية ، مما يدل على أن إسرائيل اليوم لا تريد أقل من الاختفاء الكامل للشعب الفلسطيني بكل ما تملك من قوى ووسائل  

إن ما تفعله إسرائيل لا يختلف عما فعله هتلر  بتبنية نظرية الشعب المتفوق   والتي لا تختلف عن نظرية اليهود ، وبينما اعتقد العالم أنه تخلص من النازية ، إذا به يجد نفسه يواجه الحركة الصهيونية  التي لا تقل عنفاً وتعسفاً واستهتاراً بقيم الإنسان  وهي تنمو بسرعة فائقة ، لأنها تنعم بالدعم الأميركي السياسي والاقتصادي والعسكري وبالمساندة والتأييد   أخذت تعمل على تمييع الهوية الفلسطينية ، وتجاهل وجود الشعب الفلسطيني ، فقد صرَّح بذلك زعمائهم ، قالت غولدا مائير " أين هو الشعب الفلسطيني إنه لا وجود له ". كما أن بيجن وشامير وشارون ينكرون حق هذا الشعب في وطنه ، ويحاولون جعل قضيته عربية فلسطينية لا فلسطينية إسرائيلية  فلا غرابة إذن بما تقوم به إسرائيل من احتلال الأراضي ومواصلة الاستيطان بدعم خارجي لهذه السياسة وغياب في الموقف العربي الموحد والفعّال  فكان رد الفعل من شعبنا ما تشهده الأراضي المحتلة اليوم من انتفاضة شعبية تهز الكيان الصهيوني ، وما رافق ذلك من بشاعة الممارسات الإسرائيلية القمعية التي تنفذها يومياً ضد الإنسان الفلسطيني ومقوماته ومؤسساته وأرضه  واستشهاد الكثير من الشباب الفلسطيني ، في الوقت الذي تشتتت فيه الإرادة العربية ، وفقد العمل العربي المجدي لحل ما يلاقي الشعب الأعزل  بل تعقدت سبل التفاهم حول صيغة تمثل الحد الأدنى من التوجه العربي المخلص لهذا الشعب . وهنا نتساءل : كيف يصف التاريخ هذه الفترة الحزينة ؟ وما سرُّ السكوت والوقوف موقف المتفرج من ممارسات السلطات الإسرائيلية ، التي تستبيح مقدساتنا وتعرِّض أبناءنا وبناتنا ورجالنا ونساءنا لأنواع البطش والقتل والتعذيب . وهل يكفي عقد الاجتماعات لاتخاذ قرارات الإدانة وجمع التبرعات ، ومناشدة المنظمات الدولية لوقف ما يجري ؟ لا يا اخوة ، فقد عقد مجاس الجامعة العربية قديماً اجتماعات مماثلة لم يتوصل فيها إلى حل يحد من المأساة التي كان يعاني منها شعب فلسطين ، ففي أحد هذه الاجتماعات   في بيروت سنة 1947 قرر زعماء العرب ما يلي : " يجب أن يترك للفلسطينيين أنفسهم عبء الدفاع عن بلادهم ، على أن تزودهم الحكومات العربية بالمال والسلاح ، فإن الفلسطينيين أخلص لقضية بلادهم واعرف بمداخلها ومسالكها  وأولى من غيرهم بالدفاع عن ممتلكاتهم وأعراضهم" . ناسين أن فلسطين بلد إسلامي  ومهمة الدفاع عنها وطرد اليهود منها واجب ديني . ويومها قال القائل فيهم :

قد اجتمعوا وما جمعوا        لهم أمراً فما صنعوا ؟

فكم قالوا وكم صالوا         فما صدقوا وما نفعوا

وبانت فيهم الأحـقاد        والشر الـذي رضعوا

فهذا ينصب الأشراك        يبـغي من بها يقـع

وآخر يدّعي الإخلاص        وهو الكاذب الجشع

أمورٌ تبـعث الأحزان          ليت القوم ما اجتمعوا

وقبل هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية ، كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ، ولهذا لم يكن لها في عهد الحكم العثماني وحدة جغرافية مستقلة ولا كيان سياسي منفرد ، ولذلك كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعمل في إطار الحركة الوطنية العربية في كل سوريا الطبيعية ، وكان تقسيم سوريا بين بريطانيا وفرنسا ليصبح اسمها سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين ، وكان صدور وعد بلفور الذي تبع الاتفاق على هذا التقسيم ، قد خلقا وعياً جديداً وخوفاً من ضياع فلسطين ، فأخذت تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي تدعو لمقاومة بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين .

إن جوهر المشكلة الفلسطينية هو مصير شعب ومصير وطنه ، إنه الغزو التدريجي والاستيلاء المستمر على البلاد بالقوة العسكرية ، وتجريد السكان الأصليين من ممتلكاتهم بالقوة وتشريدهم وإخضاع المتبقين منهم ، واستقدام اليهود على نطاق جماعي لكي يحلّوا محل المطرودين ، وينشروا لواء الاستيلاء على المهزومين  واستغلال الأراضي المنـزوعة ملكيتها ، والموارد التي تم الاستيلاء عليها من الشعب المغلوب ، بل يمكن القول بأن جوهر المشكلة هو حقاً القضاء على الشعب الفلسطيني  واستبداله باليهود المنقولين من شتى أنحاء العالم وبصدور وعد بلفور يلمس المطلع على الأحداث في ذلك الوقت وخصوصاً مراسلات الحسين _ مكماهون التي وُعِدَ فيها العرب بالاستقلال   لكنه تبين فيما بعد أن العرب خُدِعوا وأنهم بموقفهم ناصروا عدوهم ، وإن أمل الاستقلال والتزام بريطانيا بتحقيقه ، لم يكن إلا مجرد حبرٍ على ورق ، وإن مرحلة النضال ضد بريطانيا من جهة  والحركة الصهيونية من جهة أخرى قد بدأت ، وإن طريق النضال الطويل والوصول إلى التحرير لن يتحقق بسهولة ويسر . وقد كثرت الاجتماعات  وبدأت أعمال المقاومة تظهر في فلسطين ، وفي عام 1919 وصلت إلى فلسطين لجنة كينغ-كرين لتقصي الحقائق ، والتي توصلت إلى أن معنى وطن قومي للشعب اليهودي لا يعني أن تصبح فلسطين دولة يهودية  لأن هذا يعتبر اعتداء على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين ، وأن تعريض سكان فلسطين للهجرة غير المحدودة والضغوط المالية والاجتماعية المستمرة من أجل التخلي عن أراضيهم بشكل مخالفة كبيرة لمبدأ تقرير المصير" .  هذا ما كانت تفعله بريطانيا ، بإرسال لجان تحقيق كلما حدثت انتفاضة في البلاد  فأرسلت اللجنة الملكية البريطانية لتقصي الحقائق حول أسباب ثورة 1936 التي عادت بتقريرها الذي يؤكد أن أسباب الثورة ، هي رغبة العرب في نيل الاستقلال ومعارضتهم لإنشاء وطن قومي يهودي  لكن العرب لا يستطيعون مواجهة القوة الصهيونية ، وكانت زعامة الشعب الفلسطيني تلجأ إلى المؤتمرات الإسلامية ، التي كانت أكثرية دولها إما ترزح تحت نير الاستعمار أو عبارة عن مناطق نفوذ استعمارية ، وأما الجيوش العربية فلم تكن مستعدة للحرب أصلاً ، بدليل عدم الاستعدادات ، والنقص في الأسلحة والذخائر وعدم وجود خطط واضحة للعمليات الحربية المزمع القيام بها ، حتى إنه نقل عن المشتركين فيها قولهم : "كنا نشعر بالعجز وتأكد لنا بأن هذه ليست سوى حرب سياسة ". وهو ما أكده قائد القوات المصرية في فلسطين ، اللواء احمد علي المواوي بقوله :" إن النقراشي قال إن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية وليست عملاً حربياً ، ويعتقد أن المسألة ستسوى سياسياً بسرعة  وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل".

ثم كيف يرجى الخير من بعض هذه الجيوش التي دخلت الحرب بقيادة ضباط بريطانيين وبريطانيا هي التي عملت على قيام دولة اليهود .

وحتى الجامعة العربية التي أُسست بناءً على تصريح بريطانيا على لسان وزير خارجيتها ايدن عام 1943 ، والذي تحبذ فيه بريطانيا ظهور مبادرة في سبيل الوحدة العربية   فأنشئت الجامعة العربية ، التي لم يشر ميثاقها لا تصريحاً ولا تلميحاً إلى الشؤون العسكرية أو الدفاعية ، وحتى الزعماء العرب لم يكن للجانب العسكري عندهم أية أهميه ، بل تغاضوا عنه ، ولم يولوا العسكرية في إطار التعاون أي اهتمام ، وها هو التاريخ يعيد نفسه  ، لقد أوضحت بعض الوثائق ، أن الدول العربية عام 1948 حينما قررت دخول جيوشها فلسطين ، لم تتخذ التدابير التي كان لا بد من اتخاذها لمواجهة حال الحرب ، بل لم يُتخذ من الإجراءات ما يدل على أن البلاد العربية مقدمة على حرب تحريرية ، ولو أن الدول العربية كانت جادّة بتهيئة وسائل الحرب والدفاع وحسن استخدامها في المعركة مع اليهود لتحقيق استقلال فلسطين في إثر انسحاب القوات البريطانية منها  لتغير مجرى الأحداث والنتائج التي انتهت إليها حرب 1948 آنذاك .

ولم تكن القوات العربية ترقى إلى مستوى قوات دفاعية للأمن الخارجي ، بل كانت قاصرة على صون الأمن وحماية الأنظمة ،  ورغم ذلك فإن إخفاق الجيوش العربية في فلسطين عام 1948 كان سياسياً أكثر مما كان عسكرياً ، وكان في وسع هذه الجيوش رغم تخلف سلاحها وقلته وفساده ، تصفية الحساب مع المنظمات الصهيونية  الإرهابية والحفاظ على عروبة القدس .

ولكن الظاهر أن هذه القوات الباسلة ، قد دُفعت لخوض الحرب لا لتكسبها بل لتخسرها ويومها كتب الزعيم الفلسطيني عوني عبدالهادي وكأنه يستطلع الغيب قال :"أخشى أن نكون في حاجة إلى نكبات أخرى حتى نستفيق ... ويظهر لي أن النكبات التي أصابت العرب منذ 1948 لم توقظنا بعد اليقظة التي تجعلنا نستفيق ، أنا مؤمن بأننا سنستيقظ يوماً في المستقبل ، ولكن متى ؟ يوم يرجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم ، ويومها لا بد أن يستعيد الشعب حقوقه وقيمه ما دام متمسكاً بهما ، فهما ماضيه وهما حاضره الذي يجب أن يكون أساسا لمستقبله ، وما يقوم به الأهل من مقاومة وتضحية وتفانٍ ، لدليل على رفضهم التسليم بضياع تراثهم وترابهم  وإن الهوية الفلسطينية قائمة منذ فجر التاريخ   وستبقى ما دام هناك شعب يقول كل فرد من أفراده  بحزم وعزم وإصرار أنا فلسطيني .

إن الأمة هي الضحية وهي المتآمر عليها ، ودماء أبناءها هي التي تنـزف  وأبناؤها هم الذين يُقتلون ، ومقدساتها هي محل البحث ، وهي بانتظار المخلصين الأوفياء من اجل العمل على تخليصها مما هي فيه من مذلَّةٍ ومهانة  .

 إن هذا الواقع يفرض على المسلمين ألا يتركوا الضلال يستكبر ، ولا يجد من يقمعه ويردعه  وإن الإيمان والإرادة الصادقة أقوى من أسلحتهم وأدوات دمارهم  فلماذا لا نعمل على رد كيدهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها  خير أمة أُخرجت للناس . ومن مواثيق الله التي وعد بها رسوله صلى الله عليه وسلم أن تسليط الأعداء على الأمة المسلمة ليس تسليط استئصال ، وان إصابتهم للمسلمين وإضرارهم بهم ، ما هو إلا أذى وليس إنهاءاً لهم ، لأنهم أمة الرسالة الخاتمة والخالدة  .                                            

 

الحرم الإبراهيمي ينادي

قال تعالى :] إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصُمَّ الدعاء إذا ولَّو مدبرين [النمل 80 . هل يمكن لعاقل أن يرجو خيراً من الأموات ؟ وهل نتوقع من عالم لا يسمع ولا يرى أن يقدم لنا شيئا ؟ً وإن كانوا يسمعون ويشاهدون فما أدري ماذا ينتظرون ؟ وحتى متى هم صامتون ؟ ولماذا لا يحركهم الجور الذي فشا ، والعدل الذي عفا . وطغيان اليهود الذي غلا وعتا ؟ وتجاوز كل الحدود ، وتجرأ على البلاد والعباد ، بل أمعن في الطغيان والعناد ، أما آن لهم أن يخرجوا عن صمتهم غضباً لله ؟ أما يحرِّك ضمائرهم سفك الدماء وانتهاك محارم الله والمقدسات ؟ أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، وليلِ الليل الطويل أن ينجلي؟! أما آن للأمة تفيق من غفلتها ؟! أما آن لها أن تعمل على حماية مقدساتها ، أما علمت أن اليهود يستفيدوا من تفككها ، ففي غفلة سرقوها ، وقاموا بالاستيلاء على مسجدها الإبراهيمي ومسجد بلال ، لأنهم يعلمون أن ردة الفعل  لا تتجاوز المسيرات والتنديدات ، فقد ارتكبوا من قبل جريمة التطهير العرقي بحق المقدسيين وبيوتهم وأحيائهم الإسلامية، وعملوا ويعملون على إغلاق القدس بجدار الفصل العنصري ، بهدف تحويلها إلى مدينة يهودية خالصة ولا يوجد من يعمل على إنقاذها ، أما آن لنا أن نتحرر من رق العبودية والخضوع لليهود ومن والاهم ، أما آن لنا أن نتحرر من سجن الشهوات وحب الذات ، أما آن لنا أن نعمل على نصر الله لينصرنا قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[ محمد7 .

أما آن لنا نستجيب لقوله تعالى : ] قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ[ التوبة14 . وإنا والله لو استجبنا وتوكلنا على الله ، وانتهينا عن ذنوبنا ومعاصينا، لكان النصر والغلبة على الأعداء ، بالمستطاع من الإعداد حليفنا قال تعالى : ] وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ الأنفال60 .

أم أن النخوة والإحساس قد ماتا في داخلنا ، حتى أصبح العبث بمقدساتنا على مرأى منا ، ونراه بأعيننا ليل نهار على شاشات التلفاز وفي كل وسائل الإعلام ، دون أن نحرك ساكناً ، وهل تجمد أو تبلد الإحساس داخلنا ؟ حتى أصبح ما يدور حولنا ويمس عقيدتنا وهويتنا العربية والإسلامية لا يحرك مشاعرنا ، وكأننا فقدنا الوعي عما يدور حولنا ؟

وكما تعلمون ماذا حدث من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني هو استيلائها على الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح باسم التراث الصهيوني ، رغم انه لا يمت بأي صلة لتراثهم ، وقد صادق نتنياهو على ضم هذين الأثرين الإسلاميين ، إلى قائمة التراث الصهيوني ، وأبلغ مجلس وزرائه بأن القائمة النهائية للتراث الصهيوني لم ننتهِ منها بعد ، وقد  فسّر المقربون منه كلامه هذا ، بأنه يقصد بذلك ضم قبر النبي يوسف ، الذي طالب به مجلس المستوطنات والآثار الصهيوني من قبل ، وقد أكد نتنياهو للصحفيين والإعلاميين أن وجود كيانهم ، ليس مرتبطاً بالجيش فقط بل هناك شيء مهم لا يقل أهمية عن هذه الأسباب والأهداف ، وهي تعزيز وتأكيد وتثبيت شعوره القومي تجاه وطنه ، وللأسف فقد اعتمد في ذلك على ما حدث من قبل في منتصف التسعينات ، عندما تم تقسيم الحرم الإبراهيمي قسمين احدهما للمسلمين والآخر لليهود   بعد المجزرة التي ارتكبت في عام 1994 وأسفرت عن استشهاد ما يقرب من 30 مصلياً فلسطينيا ،  واليهود بهذا يحاولون تغيير الهوية الفلسطينية ، وطمس الحقائق ومحاولة تهويد فلسطين ، وليس المقدسات فقط ، على مرأى من امة المليار ونصف مليار مسلم ، إذ يعتبر اليهود هذه الإجراءات غاية الأهمية بالنسبة لهم ، لأنهم يبحثون عن تأصيل حقهم في أرض فلسطين ، وقد جاء الرد العربي والإسلامي بتصريح لا يرقى إلى حجم هذه الخطورة التي تهدد المقدسات بتصريح مفاده  : " إن هذا القرار الصهيوني نعتبره توطئة للانقضاض على المسجد الأقصى المبارك " واليهود كعادتهم يراقبون ردة الفعل العربية ، فإذا ما اقتصرت على التنديد والاستنكار ، فإنهم يستمرون في مخططاتهم العدوانية على القدس ، وما حصل فقد صدرت عشرات البيانات عن أحزاب (وفصائل) فلسطينية ومؤسسات أهلية ودينية وحقوقية وشعبية  وشخصيات ونواب، وهيئات متفرقة بالإضافة إلى بيانات رسمية  من عدد من الدول العربية ومنظمات إسلامية عبَّرت جميعها عن سخطها تجاه القرار الصهيوني   ورفضها المطلق لتزييف التراث الإسلامي وسرقته علانيةً  وقد شهد محيط الحرم حضورًا إعلاميًّا كبيرًا من مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية؛ لتغطية ردود الأفعال على الجريمة الصهيونية، التي توافقت مع الذكرى السادسة عشرة لمجزرة الحرم الإبراهيمي ، ومن الجدير بالذكر ، أنَّ الحرم الإبراهيمي بُني قبل أربعة آلاف عام على يد سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وأحضر الحجارة الملك "هيرودوس" ملك الأدوميين العرب ، وأقام سورًا بطول ثمانين ذراعًا وعرض أربعين ذراعًا حول مقابر الأنبياء، وبنى 13 مدماكًا، ثم جاءت الملكة "هيلاني" سنة 324 ميلادية وأمرت بسقفه، لكنَّ الفرس هدموه ثم أعاد بناءه الرومان ، وفي عام 15 هـ حوَّل المسلمون -مع الفتوحات الإسلامية- البناء إلى مسجد؛ لأنه بُني مسجدًا أصلاً؛ بدليل أنه بني باتجاه القبلة قبل الإسلام، وطوال عهدَي الأمويين والعباسيين بقِيَ المسجد مسجدًا إسلاميًّا حتى الحروب الصليبية حين حوَّله الصليبيون إلى كاتدرائية لمدة تسعين عامًا، ثم حرَّره صلاح الدين الأيوبي سنة 587هـ، وثبت عشر عائلات في الخليل لتشرف على سدانة الحرم وخدمته ، وبقِيَ المكان إسلاميًّا حتى عام 1967م، حين وضع الاحتلال عليه العلَم الصهيوني ، لكنه بقِيَ مسجدًا إسلاميًّا حتى عام 1994م حين وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي ، ومنذ ذلك الوقت توالت الاعتداءات على المسجد، وكثيراً ما يمنع رفع الأذان منه . إن الاعتداء بضم الحرم الإبراهيمي وجامع بلال بن رباح في فلسطين ، إلى ما يسمى التراث اليهود بزعم باطل يجافي التاريخ الإسلامي والشرائع السماوية التي أكدت أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام أبو الأنبياء كان حنيفا مسلما كما نص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: ] ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً [ وقوله سبحانه وتعالى على لسان نبي الله إبراهيم  ] إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [ .

والسؤال : إلى متى يتقاعس المسلمون أمام الغطرسة اليهودية التي تقتحم المقدسات ، وهل يدرك المسلمون هذه الأخطار الجسيمة، التي تتعرض لها مقدساتهم   ليعملوا جاهدين على إنقاذها ، أم يظلوا على ما هم عليه  ينشغلون بتوافه الأمور، ولا يبالوا بعظائمها :

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ   مَا لِجُرْحٍ   بِمَيِّتٍ  إِيْلاَمُ

وهل للمسلمين في نملة سليمان أسوة ؟  يقول محمد عبد الشافي القوصي: يحكى أنه عندما اجتاحت جحافل التتار عاصمة الخلافة (بغداد) واستباحت بلاد الشام, احتدم الجدل بين أكبر فقيهين في الأُمة حول (نملة سليمان) أهي ذكر أم أنثى ، يقول : سمعت هذه القصة قبل عقدين من الزمان, وانشغلت بالتنقيب عنها في بطون الكتب , ولما أعياني البحث هرعتُ إلى شيخي, علّني أجد عنده جواباً شافياً عن فحواها..فنظر إليّ الشيخ نظرةً فاحصة مملوءة بالحسرة والقلق! قلت: أرجو ألاّ تغضب مني -يا شيخي الجليل- ولا تهزأ بسؤالي..فصاح بصوتٍ عالٍ: كيف أهزأُ -يا فتى- وأنت تسأل عن أمرٍ جلل! لقد سألت عن نملة عزيزة علينا, محببة إلينا منـزلتها عندنا بمنـزلة الرأس من الجسد! حسبها شرفاً أنها استمتعتْ برؤية نبي الله سليمان بن داود عليه السلام ، في عزه ومجده وموكبه ، وخاطبته وحاورته ثم اعتذرتْ إليه بأدب دونه كل أدب ، لقد أدخلت الفرح والسرور والبهجة إلى قلبه ، فجعلته يتبسّم ضاحكاً من جمال منطقها, وروعة بيانها, وكريم طباعها, وحسن تصرفها ، ثم أقسم -الشيخ- بأغلظ الأيمان أن هذه النملة الصغيرة, لأعقل من كثير مما نرى من الآدميين ، الذين يؤذون الأنبياء ويهملون المقدسات ، بلْ ويسخرون من الذات الإلهية ] سخِر الله منهم ولعنهم في الدنيا والآخرة [ لقد أُوتيتْ النملة عقلاً راشداً, وقلباً نابضاً فعرفتْ ما لها وما عليها, وأدركتْ ما يلزم وما لا يلزم, وفهمتْ كيف تتأدّب في حديثها مع نبيّ الله.. فلم تسفّه كلامه ، ولم تردّ قوله كما يفعل -دعاة العلمانية- في زماننا, ولم تتطاول عليه ، وعلى ما أُوحيَ إليه من ربه كما يحلو للماديين الظانين بالله ظن السوء, ولم تقذفه بالحجارة وتصدّ عن السبيل ، كما فعل السفهاء القدامى مع أنبيائهم, ولم تزعم أن التديّن سبب البلاء الذي حلّ بالبلاد والعباد  ،كما يعتقد الجاهليون الجدد .

ما أحوجنا في هذا الزمان إلى مثل هذه النملة الحكيمة لتُعَلِّم المثقفين والمتحضرين والمتفلسفين ، دروساً في أدب الحديث, وفن الحوار, والأخلاق العامة, وآداب الطريق, وتوقير أهل العلم والصالحين! وربما لا تصدّق -يا بُنيّ- أن هذه النملة ، مجرد نملة عاديةً, فلا يمكن أن نعتبرها مثقفة بالمعنى الأكاديمي, ولا أظن أنها من حملة الرسائل العلمية ، أو على دراية بالنظريات والفلسفات الغربية, ولا هي بحاجة إلى محاضرات في أكاذيب العلمنة ، إنها بفطرتها تعرف للدين قداسته, وللأنبياء حرمتهم, وللعلماء مكانتهم     وتعرف أن لكل ذي قدر قدره, فلا ترجم بالغيب, ولا تخوض مع الخائضين, ولا تكذّب بيوم الدين, ولا تملأ الصحف الصفراء والحمراء ومواقع الانترنت بسخيف القول وحامض الفكر ، بل اكتفتْ بتوجيه الأمر إلى أتباعها بأن يدخلوا مساكنهم, ويلزموا حدود الأدب والسكينة ، كانت مهذّبة فلم تعرف فن المتاجرة بالشعارات, ولا وقت عندها لزعزعة النفوس وإثارة القلاقل , وصرف الناس عن قضاياهم المصيرية ، لأنها   مشغولة بقضايا أهم, وأمور أبعد ، مشغولة بإصلاح وإعمار وادي النمل, وبناء المساكن, وتنظيم العمل, واستثمار الطاقات المعطلة, وترشيد الإنفاق, وطرح حلول للبطالة والغلاء, ومحاصرة شبح الفقر والجهل والمرض, ورسم خطط مستقبلية لتوفير الغذاء والدواء والأمن ، ولم تكن تلك النملة تجيد أساليب النفاق والمداهنة والتسلّق والوصولية والانتهازية,  لقد كانت تلتزم الصدق وتؤدي الأمانة, وتهدي إلى الخير, وتحافظ على المال العام, وتتقن العمل وتأخذ بالأسباب, وتتوكل على رب الأرباب ، فبلغت بذلك مبلغاً جليلاً من عزة النفس وسمو الخلق والعفة والطهارة والنـزاهة, فلم ترغب في تشتيت عقول قومها, وتوهين عزائمهم, وتضييع أوقاتهم, وتبديد أموالهم ، بل إنها كسائر جنود سليمان عليه السلام في عمل دؤوب ، يكفيها فخراً أن القرآن الكريم عطّر ذكرها, وأورد قصتها, في مقام الإجلال والإكبار والاعتبار ليظل الصالحون يتعبدون بقراءتها إلى يوم الدين ، فما أجملها -يا بُنيّ- من نملة عاقلة ذكية نبّهت قومها, وأمرتهم بالطاعة والامتثال, ونصحتهم بالتي هي أحسن.. وما عليك إلا أن تفتح آذان قلبك, فتستمع وتتأمل معي قوة موعظتها, ودقة رسالتها, وجمال خطبتها, كلمة كلمة وحرفاً حرفا ً: ] يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم, لا يحطمنّكم سليمان وجنوده, وهم لا يشعرون [ ، وأخيراً, أخشى أن تُتهم النملة بالسلفية أو يُظن أنها من الإسلاميين المتشددين ، ثم مَنْ أنا -يا بُنيّ- حتى أسمح لنفسي بالحديث عن فقه تلك النملة.. وهي من هي! فما مثلي ومثلها في علمها وفطنتها إلا كمثل النملة ذاتها وسليمان! .

وحتى ننتصر فلننظر إلى أسلافنا بأي سلاح انتصروا! وبأي قلوبٍ خاضوا المعارك! ثم انظروا بعين البصيرة إلى أوضاعكم، وارقبوا أحوالكم، وقارنوا بين ماضيكم العريق وواقعكم الغريق ، ولن يتغير إلا بتغير الأحوال . 

 

 

 

قضية فلسطين

مرَّ جيلان من الفلسطينين لا يعرفون فلسطين ، ولم يروا بيوتهم المغتصبة فيها  لكنهم متمسكون بها كوطن وحق وتراث ، وإن الممارسات الإسرائيلية تزيدهم صلابة وإصراراً وتمسكاً بحقهم في إقامة دولتهم المستقلة ، وقد انعكس هذا بما يجري من مقاومة اليهود لاقتناع الفلسطيني بحقه   ورفضه أن يَضيع هذا الحق ويستمر الباطل   وكما نلاحظ هذه الأيام فإن القضية تمر بمرحلة دقيقة على الصعيد الدولي ، والحديث جاري عن الحلول السلمية والمبادرات الكثيرة من جهات مختلفة . إن هذا الجيل بحاجة ماسة ليفهم كيف نشأت الدولة اليهودية ، وما هو ثمن ذلك للغرب والشرق ، في وقتٍ تقف بريطانيا وأميركا بكل ثقلها خلف الحركة الصهيونية التي تتعارض فلسفتها مع تطلعات العرب إلى قيام دولتهم وتحرير أرضهم ، مما زاد ممارسة الحركة الصهيونية من أجل الدولة اليهودية في التعسف الذي أدى وما زال إلى المذابح والحروب ، فأثبتت هذه الحركة بأعمالها وممارساتها ، أنها جسم غريب في المنطقة العربية .

ونظرة إلى هذا الاحتلال وما سبقه وما رافقه إلى المزيد من التوسع ومصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات عليها ، حيث لا حق لهم أن يكونوا هناك أصلاً ، لكننا نرى مع الأيام زيادة الأعمال التعسفية ، مما يدل على أن إسرائيل اليوم لا تريد أقل من الاختفاء الكامل للشعب الفلسطيني بكل ما تملك من قوى ووسائل  

إن ما تفعله إسرائيل لا يختلف عما فعله هتلر  بتبنية نظرية الشعب المتفوق   والتي لا تختلف عن نظرية اليهود ، وبينما اعتقد العالم أنه تخلص من النازية ، إذا به يجد نفسه يواجه الحركة الصهيونية  التي لا تقل عنفاً وتعسفاً واستهتاراً بقيم الإنسان  وهي تنمو بسرعة فائقة ، لأنها تنعم بالدعم الأميركي السياسي والاقتصادي والعسكري وبالمساندة والتأييد   أخذت تعمل على تمييع الهوية الفلسطينية ، وتجاهل وجود الشعب الفلسطيني ، فقد صرَّح بذلك زعمائهم ، قالت غولدا مائير " أين هو الشعب الفلسطيني إنه لا وجود له ". كما أن بيجن وشامير وشارون ينكرون حق هذا الشعب في وطنه ، ويحاولون جعل قضيته عربية فلسطينية لا فلسطينية إسرائيلية  فلا غرابة إذن بما تقوم به إسرائيل من احتلال الأراضي ومواصلة الاستيطان بدعم خارجي لهذه السياسة وغياب في الموقف العربي الموحد والفعّال  فكان رد الفعل من شعبنا ما تشهده الأراضي المحتلة اليوم من انتفاضة شعبية تهز الكيان الصهيوني ، وما رافق ذلك من بشاعة الممارسات الإسرائيلية القمعية التي تنفذها يومياً ضد الإنسان الفلسطيني ومقوماته ومؤسساته وأرضه  واستشهاد الكثير من الشباب الفلسطيني ، في الوقت الذي تشتتت فيه الإرادة العربية ، وفقد العمل العربي المجدي لحل ما يلاقي الشعب الأعزل  بل تعقدت سبل التفاهم حول صيغة تمثل الحد الأدنى من التوجه العربي المخلص لهذا الشعب . وهنا نتساءل : كيف يصف التاريخ هذه الفترة الحزينة ؟ وما سرُّ السكوت والوقوف موقف المتفرج من ممارسات السلطات الإسرائيلية ، التي تستبيح مقدساتنا وتعرِّض أبناءنا وبناتنا ورجالنا ونساءنا لأنواع البطش والقتل والتعذيب . وهل يكفي عقد الاجتماعات لاتخاذ قرارات الإدانة وجمع التبرعات ، ومناشدة المنظمات الدولية لوقف ما يجري ؟ لا يا اخوة ، فقد عقد مجاس الجامعة العربية قديماً اجتماعات مماثلة لم يتوصل فيها إلى حل يحد من المأساة التي كان يعاني منها شعب فلسطين ، ففي أحد هذه الاجتماعات   في بيروت سنة 1947 قرر زعماء العرب ما يلي : " يجب أن يترك للفلسطينيين أنفسهم عبء الدفاع عن بلادهم ، على أن تزودهم الحكومات العربية بالمال والسلاح ، فإن الفلسطينيين أخلص لقضية بلادهم واعرف بمداخلها ومسالكها  وأولى من غيرهم بالدفاع عن ممتلكاتهم وأعراضهم" . ناسين أن فلسطين بلد إسلامي  ومهمة الدفاع عنها وطرد اليهود منها واجب ديني . ويومها قال القائل فيهم :

قد اجتمعوا وما جمعوا        لهم أمراً فما صنعوا ؟

فكم قالوا وكم صالوا         فما صدقوا وما نفعوا

وبانت فيهم الأحـقاد        والشر الـذي رضعوا

فهذا ينصب الأشراك        يبـغي من بها يقـع

وآخر يدّعي الإخلاص        وهو الكاذب الجشع

أمورٌ تبـعث الأحزان          ليت القوم ما اجتمعوا

وقبل هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية ، كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ، ولهذا لم يكن لها في عهد الحكم العثماني وحدة جغرافية مستقلة ولا كيان سياسي منفرد ، ولذلك كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعمل في إطار الحركة الوطنية العربية في كل سوريا الطبيعية ، وكان تقسيم سوريا بين بريطانيا وفرنسا ليصبح اسمها سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين ، وكان صدور وعد بلفور الذي تبع الاتفاق على هذا التقسيم ، قد خلقا وعياً جديداً وخوفاً من ضياع فلسطين ، فأخذت تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي تدعو لمقاومة بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين .

إن جوهر المشكلة الفلسطينية هو مصير شعب ومصير وطنه ، إنه الغزو التدريجي والاستيلاء المستمر على البلاد بالقوة العسكرية ، وتجريد السكان الأصليين من ممتلكاتهم بالقوة وتشريدهم وإخضاع المتبقين منهم ، واستقدام اليهود على نطاق جماعي لكي يحلّوا محل المطرودين ، وينشروا لواء الاستيلاء على المهزومين  واستغلال الأراضي المنـزوعة ملكيتها ، والموارد التي تم الاستيلاء عليها من الشعب المغلوب ، بل يمكن القول بأن جوهر المشكلة هو حقاً القضاء على الشعب الفلسطيني  واستبداله باليهود المنقولين من شتى أنحاء العالم وبصدور وعد بلفور يلمس المطلع على الأحداث في ذلك الوقت وخصوصاً مراسلات الحسين _ مكماهون التي وُعِدَ فيها العرب بالاستقلال   لكنه تبين فيما بعد أن العرب خُدِعوا وأنهم بموقفهم ناصروا عدوهم ، وإن أمل الاستقلال والتزام بريطانيا بتحقيقه ، لم يكن إلا مجرد حبرٍ على ورق ، وإن مرحلة النضال ضد بريطانيا من جهة  والحركة الصهيونية من جهة أخرى قد بدأت ، وإن طريق النضال الطويل والوصول إلى التحرير لن يتحقق بسهولة ويسر . وقد كثرت الاجتماعات  وبدأت أعمال المقاومة تظهر في فلسطين ، وفي عام 1919 وصلت إلى فلسطين لجنة كينغ-كرين لتقصي الحقائق ، والتي توصلت إلى أن معنى وطن قومي للشعب اليهودي لا يعني أن تصبح فلسطين دولة يهودية  لأن هذا يعتبر اعتداء على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين ، وأن تعريض سكان فلسطين للهجرة غير المحدودة والضغوط المالية والاجتماعية المستمرة من أجل التخلي عن أراضيهم بشكل مخالفة كبيرة لمبدأ تقرير المصير" .  هذا ما كانت تفعله بريطانيا ، بإرسال لجان تحقيق كلما حدثت انتفاضة في البلاد  فأرسلت اللجنة الملكية البريطانية لتقصي الحقائق حول أسباب ثورة 1936 التي عادت بتقريرها الذي يؤكد أن أسباب الثورة ، هي رغبة العرب في نيل الاستقلال ومعارضتهم لإنشاء وطن قومي يهودي  لكن العرب لا يستطيعون مواجهة القوة الصهيونية ، وكانت زعامة الشعب الفلسطيني تلجأ إلى المؤتمرات الإسلامية ، التي كانت أكثرية دولها إما ترزح تحت نير الاستعمار أو عبارة عن مناطق نفوذ استعمارية ، وأما الجيوش العربية فلم تكن مستعدة للحرب أصلاً ، بدليل عدم الاستعدادات ، والنقص في الأسلحة والذخائر وعدم وجود خطط واضحة للعمليات الحربية المزمع القيام بها ، حتى إنه نقل عن المشتركين فيها قولهم : "كنا نشعر بالعجز وتأكد لنا بأن هذه ليست سوى حرب سياسة ". وهو ما أكده قائد القوات المصرية في فلسطين ، اللواء احمد علي المواوي بقوله :" إن النقراشي قال إن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية وليست عملاً حربياً ، ويعتقد أن المسألة ستسوى سياسياً بسرعة  وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل".

ثم كيف يرجى الخير من بعض هذه الجيوش التي دخلت الحرب بقيادة ضباط بريطانيين وبريطانيا هي التي عملت على قيام دولة اليهود .

وحتى الجامعة العربية التي أُسست بناءً على تصريح بريطانيا على لسان وزير خارجيتها ايدن عام 1943 ، والذي تحبذ فيه بريطانيا ظهور مبادرة في سبيل الوحدة العربية   فأنشئت الجامعة العربية ، التي لم يشر ميثاقها لا تصريحاً ولا تلميحاً إلى الشؤون العسكرية أو الدفاعية ، وحتى الزعماء العرب لم يكن للجانب العسكري عندهم أية أهميه ، بل تغاضوا عنه ، ولم يولوا العسكرية في إطار التعاون أي اهتمام ، وها هو التاريخ يعيد نفسه  ، لقد أوضحت بعض الوثائق ، أن الدول العربية عام 1948 حينما قررت دخول جيوشها فلسطين ، لم تتخذ التدابير التي كان لا بد من اتخاذها لمواجهة حال الحرب ، بل لم يُتخذ من الإجراءات ما يدل على أن البلاد العربية مقدمة على حرب تحريرية ، ولو أن الدول العربية كانت جادّة بتهيئة وسائل الحرب والدفاع وحسن استخدامها في المعركة مع اليهود لتحقيق استقلال فلسطين في إثر انسحاب القوات البريطانية منها  لتغير مجرى الأحداث والنتائج التي انتهت إليها حرب 1948 آنذاك .

ولم تكن القوات العربية ترقى إلى مستوى قوات دفاعية للأمن الخارجي ، بل كانت قاصرة على صون الأمن وحماية الأنظمة ،  ورغم ذلك فإن إخفاق الجيوش العربية في فلسطين عام 1948 كان سياسياً أكثر مما كان عسكرياً ، وكان في وسع هذه الجيوش رغم تخلف سلاحها وقلته وفساده ، تصفية الحساب مع المنظمات الصهيونية  الإرهابية والحفاظ على عروبة القدس .

ولكن الظاهر أن هذه القوات الباسلة ، قد دُفعت لخوض الحرب لا لتكسبها بل لتخسرها ويومها كتب الزعيم الفلسطيني عوني عبدالهادي وكأنه يستطلع الغيب قال :"أخشى أن نكون في حاجة إلى نكبات أخرى حتى نستفيق ... ويظهر لي أن النكبات التي أصابت العرب منذ 1948 لم توقظنا بعد اليقظة التي تجعلنا نستفيق ، أنا مؤمن بأننا سنستيقظ يوماً في المستقبل ، ولكن متى ؟ يوم يرجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم ، ويومها لا بد أن يستعيد الشعب حقوقه وقيمه ما دام متمسكاً بهما ، فهما ماضيه وهما حاضره الذي يجب أن يكون أساسا لمستقبله ، وما يقوم به الأهل من مقاومة وتضحية وتفانٍ ، لدليل على رفضهم التسليم بضياع تراثهم وترابهم  وإن الهوية الفلسطينية قائمة منذ فجر التاريخ   وستبقى ما دام هناك شعب يقول كل فرد من أفراده  بحزم وعزم وإصرار أنا فلسطيني .

إن الأمة هي الضحية وهي المتآمر عليها ، ودماء أبناءها هي التي تنـزف  وأبناؤها هم الذين يُقتلون ، ومقدساتها هي محل البحث ، وهي بانتظار المخلصين الأوفياء من اجل العمل على تخليصها مما هي فيه من مذلَّةٍ ومهانة  .

 إن هذا الواقع يفرض على المسلمين ألا يتركوا الضلال يستكبر ، ولا يجد من يقمعه ويردعه  وإن الإيمان والإرادة الصادقة أقوى من أسلحتهم وأدوات دمارهم  فلماذا لا نعمل على رد كيدهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها  خير أمة أُخرجت للناس . ومن مواثيق الله التي وعد بها رسوله صلى الله عليه وسلم أن تسليط الأعداء على الأمة المسلمة ليس تسليط استئصال ، وان إصابتهم للمسلمين وإضرارهم بهم ، ما هو إلا أذى وليس إنهاءاً لهم ، لأنهم أمة الرسالة الخاتمة والخالدة  .                                             

 

فلسطين عبر التاريخ

جاء اليهود ليقولوا نحن أصحاب فلسطين ، فقد كانوا أصحاب فلسطين يوماً  ولكن قبل أن يكونوا أصحابها ، كانت مُلكاً للعرب وكان العرب ينتشرون في جنوب الجزيرة ووسطها وشمالها وفوق الشمال ، لكنهم اختبروا كي يكون لهم دين يحيون به ، فلما تمردوا على هذا الدين ، حلَّ بهم من عقوبات السماء ما سوّد وجوههم   وما يسمى أورشليم هو في الحقيقة أورسليم أو يبوس أي بلد سليم أو محلة سليم ، وهو اسمٌ مكونٌ من مقطعين سالم أو شالم وهو اسم إله كما يعتقدون ، وأورو وهي كلمة تعني أسس أو أنشأ فيكون معنى أورسالم أسسها سالم  ويعتبر الاسم عموريا ، والعموريون والكنعانيون منشئو مدينة القدس ، وهما من الشعوب السامية التي خرجت من جزيرة العرب ، وكان هنا مكان للعرب ولهم وجود في فلسطين ، وكانوا هم الجبابرة الذين يسكنون هذه الأرض ، وهؤلاء الجبابرة امتداد لإخوانهم في جنوبي جزيرة العرب ، حيث كانت توجد ديار الأحقاق وفيها عاد : ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ وفيها سبأ التي أغرقت لما كفرت ، وفي شمال الجزيرة نجد ثمود ومدائن صالح و الخراب الذي حلَّ بها لما كفرت بنبي الله صالح  بعد أن كفر إخوانهم في الجنوب بنبي الله هود ، ثم نصعد فنجد مَدين التي كفرت بشعيب ، ونصعد فنجد قرى المؤتفكة في الأردن التي كفرت بنبي الله لوط  ونصعد فنجد فلسطين والجبابرة الذين سكنوها من العرب الكنعانيين   ونصعد فنجد الفينيقيين وهم جيل سامي امتداد للجنس العربي ، ولما ترك العرب النبوة والدين وشرائع السماء دُمِّر كل ما بنوا  ، حتى جاءت النبوة الخاتمة ، لكي تجعل من العرب جنساً آخر  وكان لهم بعد أن شَرّفهم الله بالإسلام تاريخ آخر  نشير إليه بعد أن نتعرض لتاريخ اليهود الذين ملكوا القوة فحاول موسى عليه السلام  بمنطق الإيمان أن يزحف بهم إلى فلسطين يوم كان العرب الجبابرة يسكنوها فغلبهم الجبن وقالوا : ﴿ لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ . أيُّ كرامة لكم يوم يدخلون فلسطين وليس فيها أحد من العرب ، ولذلك قال موسى : ﴿ رب إني لا املك إلا نفسي وأخي  فافْرُق بيننا وبين القوم الفاسقين قال  فإنها محرَّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ المائدة 25  تاهوا في سيناء أربعين عاما ، حتى هلكت الأجيال الجبانة ونبت جيل آخر قاده نبي الله يوشع ، ودخل فلسطين وقهر الجبابرة وأقاموا دولة لهم ، وما هي إلا فترة حتى أخذت الطبيعة الرديئة تبرز وغرائز السوء تطفح  وإذا اليهود يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء  و يملأون أقطار دولتهم بالظلم   

فسلط الله عليهم بُختنصرَّ ، فهزم دولتهم وهدم هيكلهم ، وساق عشرات الألوف أسرى إلى بابل   وفي السجن البابلي أذيقوا أشد العذاب ، ثم عفا الله عنهم ويسَّر لهم حاكماً ردهم مرة أخرى إلى بلادهم ، وسرعان ما عادت إليهم طباعهم السوء  فانقضَّ عليهم الرومان وأمر قائدهم تيتوس بتدمير الهيكل .

فاليهود مفتاح شرٍّ وفساد ، فقد حاولوا قتل عيسى عليه السلام وفشلوا ، وحاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم وفشلوا ، وإن كانوا قد نجحوا في قتل أنبياء آخرين ، إلا أن الله هيأ للإنسانية مستقبلاً آخر   فنقلت قيادة الوحي من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ، ونقلت لغة الوحي من العبرية إلى العربية ، ونقلت عاصمة الوحي من بيت المقدس إلى مكة والمدينة ، وعاد العرب إلى بيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي دخل بيت المقدس في موكب الفاتحين وفي أبهة المنتصرين   ولو أراد المسلمون ألا يبقى غيرهم في الشرق الأوسط ما بقي أحد ، لكنهم أبقوا لأن الإسلام لا يعرف الإكراه ولا يعرف الغضب والجبروت  ومضى العرب في طريقهم يحملون أمانات الوحي ، ويبلغون رسالات الله  ولما انشغل العرب بالشهوات والملذات والاختلاف على المناصب والرياسات ، كانت النتيجة أن هجم الصليبيون على بيت المقدس ودخلوه ، ولو اشتبك معهم أي جيش إسلامي لهزمهم ، لأنهم قطعوا مراحل استهلكوا فيها ، حتى روي أنهم أكلوا الجيف من الجوع ، ولكن التاريخ قال : سكتت دمشق وسكتت القاهرة وسكتت بغداد وسكتت مكة المكرمة والمدينة بل سكت العرب ، وتركوا هؤلاء ينفردون ببيت المقدس ليذبحوا فيها سبعين ألف مسلم ، وليؤسسوا فيها إمارة لاتينية ظلت تسعين سنة يُعَّينُ باروناتها من باريس ويبارك هذا التعيين بابا الفاتيكان . ثم جاء رجل مسلم ليس بعربي وهو صلاح الدين الذي شعر بأسباب الهزيمة ، فبدأ بعملية إحياء العقائد بين جماهير الناس ، ولجمع العوام على معاقد الأخلاق ومكارم الشيم وهل تنتصر أمة دون عقيدة ؟ وهل يقوم مجتمع بدون أخلاق ؟ ثم خرج ليقاتل الأعداء بالمسلمين وهو على ظهر فرسه ، ولما تحقق له النصر هوى عن ظهر فرسه ساجداً لله ، فقد كان وهو يقود المسلمين في القتال إمام في محرابه تدمع عينه ، وتخشع جوارحه ، وينتظر من رب السماء أن يعينه ، فجاءت المعونة وجاء النصر وعاد بيت المقدس .  ثم عاد الأوروبيون هجمتهم ، وتسللوا في الفراغات الموجودة بين الشعوب الإسلامية ظلم الترك العرب ، وخان العرب الترك ، وانقسمت الشعوب الإسلامية انقسامات مرة .  فتسلل في هذا الفراغ الإنجليز والفرنسيون ، وعادوا مرةً أخرى إلى بيت المقدس عادوا ليقول الجنرال الفرنسي جيرو وهو يقف إلى جوار قبر صلاح الدين ، يا صلاح الدين ها نحن قد عدنا ، ويقول الجنرال اللنبي : الآن انتهت الحروب الصليبية . ما انتهت هذه الحروب ، وإنما هي الأيام مدٌّ وجزر ، عاد هؤلاء ليسلموا الأرض مرةً أخرى إلى اليهود . نسمع منهم في المؤتمرات كلاماً معسولاً وقراراتٍ حلوة ، ولكن العمل في الظلام هو الذي يُنَفَّذ ، والحقد على الإسلام هو الذي يُمْلي إرادته . والعداء ضد المسلمين يُنَفَذُ في صمت ودون ضجيج .

إن الإسلام ختام الرسالات السماوية ، وتاريخ الأولين في كتابه يحتلُ أكبر جزء منه وذلك لنعرف لماذا هلكت أمم ونجت أخرى ؟ ويبدوا أنَّ المسلمين يقرؤون قصص القرآن للتسلية ويسمعون أنباء الحضارات المدبرة والأمم الهالكة وكأن الكلام لغيرهم ، وها هم هذه الأيام قد سكنوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، وهم يرجون الخير رغم ما يقع منهم من مخالفات ، وهنا سؤال : بماذا ينتصر العرب على اليهود مرةً أخرى ؟ لنرجع إلى التاريخ مرةً أخرى ، ونسأل : هل مكن الله لآبائنا عاد وثمود – العرب العاربة – ؟ لا فقد دفنهم في أنقاض مخازيهم ومآسيهم وإلى حيث ألقت .  واليوم ماذا تكسب الحضارة الإنسانية من عرب إذا ملكوا المال استغلوه في خراب الذمم وشراء الشهوات واقتناص الملذات ، ماذا يفعل الله بهم ؟ لا بد أن يدفنهم في أنقاضهم . والعرب بطريقتهم التي يعيشون بها الآن لن يضربهم اليهود وحدهم   بل تضربهم كلاب الأرض كلها ، كما أنهم بهذه الطريقة التي يعيشونها لا يستحقون نصراً ، ولكي يستحقوا النصر ويدخلوا بيت المقدس ويعودوا إلى فلسطين ، يجب أن يعودوا إلى دينهم وليعلموا أن راية الإسلام وحدها هي التي تجمع الشمل ، وأن هذا الدين لا يموت وهو باق إلى قيام الساعة   وعندما ينتظر أعداؤه أن تُشيَّع جنازته يبدأ شروق شمسه من جديد ، وإن انتصارنا وانكسارنا لا يرجع إلى قوة أعدائنا أو ضعفهم ، إنما يعودان إلى الأمة نفسها فإذا لزمت أمر ربها واتبعت منهجه وأقامت حقه نصرها قال تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ محمد 7 .  إن ما يجري في فلسطين قد ملئنا غماً وهما ، لا لأن أناساً ماتوا ويموتون في كل يوم رغم أن الموت نفسه مصيبة ، بل لهوان الأمة الإسلامية على نفسها وعلى الآخرين ، ولعنة الله على من أوصل أمتنا إلى هذا الدَّرك ، فجعلها تُضرب ولا تضرب وجعلها يُجار عليها ولا تستطيع أن تثبت وجودها ولا أن ترفع رأسها ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).

فهذا المصير المتعب الفاجع كفارة للخطايا   ورفعة للدرجات إن شاء الله . لكن يبقى أن اليهود وصفهم الله بقوله : ﴿ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ . اليهود شعب جزار ، مصاص للدم ، والعرب والمسلمون في غيبوبة عميقة    فهم كالمنافقين قديماً يقول الله فيهم : ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ ولا يمكن للمسلمين أن ينتفعوا بالآلام والمصائب ما داموا بعيدين عن الإسلام وما دام الإسلام بعيداً عن المعركة ، ومبعداً عن التشريع والتثقيف ، ولا يمكن للمسلمين أن يحرزوا النصر إلا يوم أن يكون الإسلام صيحتهم وجبهتهم ورباطهم وسياجهم  وذلك لا ولن يكون بالكلام الأجوف ، إنما يكون بعمل حقيقي يسوق الشباب إلى دين الله ، ويمنع الرجس الذي ملأ القلوب الفارغة بالضياع وشتت القوى وجعل اليهود ينالون منا على هذا النحو الشائن .

  

                  

          

 

على من تعدو الذئاب

أعجبني هذا العنوان في مجلة إسلامية ، ليكون موضوع هذا الأسبوع ، وردت قصة في كتب الأدب القديمة ، تحكي قصة امرأة ذات شرف وتقى ، كانت في موسم الحج تخرج وحدها للطواف والصلاة في البيت الحرام ، وجعل رجل يتبعها كلما غدت أو راحت ، فأحرجها وضايقها مجونه ، فقالت لزوجها لو ذهبت إلى الحرم ، انتظرني حتى أخرج معك ففعل ، فخرجت معه متعلقةً بذراعه ، مائلة عليه ، وسارا على الطريق نفسه الذي كانت تسلكه ، أما الرجل الذي كان يضايقها لما رآها مع زوجها ، فقد ترك الطريق وانصرف ،  فأسرعت إليه حتى أدركته وقالت له : اسمع يا فتى وتمثلت بقول الشاعر :

تعدوا الذئاب على من كلاب له    وتتقي سورة المستنفر الحامي

هذه القصة تذكرنا بعربدة شارون وجنوده الذين يمارسون شتى صنوف الإجرام في حق الشعب الفلسطيني ، غير مكترثين بالدول العربية والإسلامية ، وكأنها دول حياد تام ، ولا يحق لجيوشها أن تتحرك ، إلا لتزيل الصدأ عن أسلحتها القديمة في الوقت الذي تمارس فيه دول الكفر لعبة التخويف على المسلمين ، بإصدار قوائم إرهاب بين الحين والحين ، وترفض هذه الدول التفريق بين الإرهاب وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها ، ذلك لأن المسلمين ضعفاء لأنهم لم يعدو العدة التي أمرهم الله بها ، حتى يرهبهم الأعداء ، ولأنهم يواجهون الدنيا في كبوة من تاريخهم ، وانفصال عن أنفسهم ورسالتهم   فتكالب عليهم الأعداء ، وأصبحوا هدفاً سهلاً يُغار عليهم ولا يُغيرون ، ويُعتدى عليهم ولا يردون ، ولأن الواقع الذي يعيشونه جعل بعضهم ينكر بعضاً ، ويرحم الله أياماً كانت الشعوب الإسلامية فيها أسرة واحدة ، تظلها راية واحدة   فأصبحت تعيش في عصر تقاسي فيه من محن قاسية فمنذ سقطت الخلافة وعربدت قوى الكفر في بلاد الإسلام ، أصبح المسلمون في دول صُنِعت صناعة ليكون السلطان فيها بعيداً عن الطريق المستقيم ، ويعيشون في جوٍ من الفتنة والإرهاب تستهدف إذابة العقيدة الإسلامية ومحو معالمها ، فالمسلمون على مدار التاريخ لا تنتهي أمامهم سلسلة المتاعب ، بل لا بد أن يواجهون الصعاب التي شرعت من أجلها فريضة الجهاد ، أما إذا تركوا المترفين يرتعون في الفسق ويستهترون بالقيم والمقدسات دون رادع ، فإن الأمة تفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها   فتهلك ويصيبها الدمار والهلاك ، وتكون هي المسؤولة عما يحل بها ، لأنها لم تضرب على أيدي المترفين ، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين ، وقد عرف علتنا هذه شارل مار تل ، فكان ذلك سبب نهاية المسلمين في الأندلس   فكيف كان ذلك ؟ عندما أتم عبدالرحمن الغافقي أمير المسلمين في الأندلس عدته ، وأخذ يرسل طلائعه إلى قلب فرنسا ، وقد كانت مقاومة الشعوب الأوروبية للفتح الإسلامي ضعيفة   فاندفع المسلمون صوب حدود فرنسا الشرقية في حركة جريئة يحاولون بها اجتياز ألمانيا ، عندها قرر الغربيون أن يجمعوا كلمتهم ، وأن يبذلوا آخر ما لديهم من جهد ، وأن يلقوا بمصيرهم في معركة حاسمة ، تستسلم بعدها أوروبا قاطبة أو يرتد بعدها العرب الفاتحون على أعقابهم وانتخبوا شارل مار تل قائداً لهم في هذه المعركة ، وسلموا له مقاليد أمورهم ، وكان ذا كياسة ودهاء  فقرر أن يحتال لقومه ، وأن ينتهز الفرصة السانحة ليشترك في المعركة التي يضمن نتائجها ويطمئن إلى نهايتها ، وقد ضمن سياسته مع المسلمين في خطبته التي قال فيها :  "الرأي عندي ألا تعترضوا العرب ، فإنهم كالسيل المنحدر يجرف ما يصادفه   وإنهم في إقبال أمرهم عقدوا نيتهم وجمعوا أمرهم ، فأصبح الرجل فيهم يغني عن كثرة العدة  واتحدت قلوبهم فصارت أشد من حصانة الدروع   فأمهلوهم حتى تمتلئ الأيدي من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا على الرياسة ويستعين بعضهم على بعض ، فإذا كان ذلك فإنكم ستتمكنون منهم بأيسر ما تبذلون .. ". أسمعتهم ما ورد في هذه الخطبة ، لقد عرف هذا القائد الداهية علتنا  فاستعان على بلوغ غايته بيده وأيدينا ، وما حصل فقد لاحت بوادر الفتنة في جيوش المسلمين ، وبدأ كل قطر يذكر نفسه ويرفع رأسه على حده ، واستيقظت صيحات الجاهلية الأولى التي طالما عمل الإسلام على سحقها ، وتطهير النفوس من رجسها  واستبدت دنيا الأهواء بكثرة الناس ، فقل الصالحون المخلصون  وتطلعت الأعين للدنيا ، وضاع أدب الدين بين حب المال والجاه ، وبهذه الروح المعنوية كانت جيوش عبدالرحمن الغافقي تستعد لملاقاة جيوش شارل مارتل التي جمعها ونظمها ، وتحالفت جيوش ألمانيا وفرنسا على دفع جيوش المسلمين   وظل القتال سبعة أيام ، وكان اشتباكاً مروعاً بين الشرق والغرب ، وصراعاً له ما بعده من آثار بعيدة ، وقد عرف الغربيون ذلك فاستعدوا له ، على حين كان جيش المسلمين في الأندلس هو الذي يخوض وحده غماره   ويتحمل وحده نتائجه ، وقد قتل عبدالرحمن   وأصابت المسلمين خسائر جسيمة ، وحلت الهزيمة بالعرب والبربر وسائر الأحزاب المتكالبة على الدنيا ، المتباعدة عن هدي الإسلام  . ومن المؤسف أن المسلمين اليوم يكررون الغلطة نفسها ، ويكرر عدوهم الدور نفسه : ﴿ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾  .النحل 33 . ذكر التاريخ الإسلامي أن المتصور الخليفة العباسي ، طلب من طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع ، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين فقال : أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريك فيها ومتعاوناً على الإثم والعدوان . تصور يا أخي المسلم هذا الموقف ، وقارنه بمواقف المسلمين في أيامنا هذه المساندة لدول الكفر في موقفها ضد الإسلام والمسلمين ، كانوا في مواقفهم يتمثلون قول الله تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ . وقارن هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان ، وهذا التعفف عن المشاركة في نظام غير صحيح ، من أدنى مساعدة لهدف لا يتفق ومصالح الأمة الإسلامية أو يعود عليها بالضرر  أو أي موقف فيه غش وخديعة للأمة ، قارن هذا بما نراه من المساعدة والتعاضد الذي تتمتع به حكومات دول الكفر من المسلمين ، ولكن ماذا نقول لأمة لا يتعدى نظرها ولا يسمو فكرها عن الحصول على اللباس والطعام ، والركون إلى حياة الذل والدعة ، وقد عبر الشاعر العربي باللعنة على من هذا حاله فقال :

لحا الله صعلوكاً مناه وهمه    من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً

نعم لقد سادوا يوم كانوا نماذج عالية لما ينشده الإسلام من فضائل ، ولما دعا الناس إليه من سيرة ومعاملة ، وقد ضاع المسلمون هذه الأيام لأنهم اتخذوا القرآن مهجورا . وقد أدرك الإنسان الفلسطيني هذا الموقف المزري للمسلمين من قضيته  فقرر الاعتماد على النفس ، دون انتظار الدعم من أحد ليأسه من ذلك متمثلاً قول القائل :

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي   فدعني أبادرها بما ملكت يدي

إن الذين يتحدثون عن الإرهاب ويتهمون غيرهم به ، هم من أكثر الذين عرفتهم الدنيا بأسرها إرهاباً واعتداء ، لقد أرخص الغربيون كل شيء في بلاد المسلمين لترسيخ أقدامهم ،  وطمس تاريخ المسلمين وتلويث ينابيعهم الفكرية ، لأنهم عندما اصطدموا بتعاليم الإسلام الموروثة وتقاليده الباقية بين أهله  عملوا على إماتته ، بإبعاد شرائعه واحتقار تقاليده ، وبدلاً من أن نعمل على مقاومته  الغرب ، وصلنا إلى ما أغرى بنا الأعداء وأضعف أمل الأصدقاء .

أما شعب فلسطين فإنه اليوم يقف وحيداً في الساحة ، يقدِّم في كل يوم الشهيد تلو الشهيد   ويقاوم جبروت اليهود الضاغط على أعناقهم  ، دون أن يُلَبى لهم صريخ أو تُسْمَع لهم استغاثة  إنهم ينازلون اليهود مجردين من ابسط أنواع السلاح  ويكتبون بدمائهم سطور حرياتهم   ويرفضون الهجمة الشرسة على ديارهم ودينهم بل وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم . ويقاتلون استجابة لقوله تعالى  :   ﴿ قاتلوا في سبيل الله  الذين يقاتلونكم ﴾ البقرة 189 .

 

 

عداوة اليهود

قال تعالى : ﴿ لتجدَنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ المائدة 82 .  إن المتمعن في هذا النص القرآني ، ومقارنته بالواقع التاريخي ، منذ مولد الإسلام وحتى هذه الأيام التي يدنس فيها اليهود أرضنا ، ليدل على أن عداوتهم للمسلمين ، هي أشد وأقسى واعمق إصراراً وأطول أمداً من عداء الذين أشركوا . ولا يستغرب ذلك من اليهود ، فما نراه اليوم من تعنت وتشدد في المواقف ، يدل على هذا العداء والكيد الذي دلت عليه الآيات القرآنية في كثيرٍ من الإشارات والتقريرات ، والذي فيه ما يكفي لتصوير تلك الحرب المريرة ، التي شنها اليهود على الإسلام في تاريخه الطويل ، والتي لم تهدأ لحظة واحدة ، وما تزال حتى هذه الأيام . لقد استخدموا كل الأسلحة ، والوسائل التي تفتقت عنها عبقريةُ المكر اليهودية ، ابتداءً من قرون السبي في بابل ، والعبودية في مصر، والذل في الدولة الرومانية   لم يجد اليهود لهم ملاذاً إلا دار الإسلام ، الذي وسعهم بعد ما ضاقت بهم الأقطار على مدار التاريخ ، ولكنهم ردوا للإسلام جميلة أقبح الكيد والألم والمكر ، فقد ألبوا على الإسلام والمسلمين ، كلَّ قوى الجزيرة العربية المشركة ، وراحوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب الجماعة المسلمة ، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا . ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق ، يوم أن كان الناس مطبقين للإسلام ، استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه ، ولم يسلم من ذلك الدس ، إلا كتاب الله الذي تكفل الله بحفظه .

لقد كانوا يكيدون للإسلام ، بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمي الأقطار . ويكيدون له أيضاً بتأليب خصومه عليه في أنحاء العالم ، حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة ضد الإسلام في كل شبر على وجه الأرض ، وهم الذين يسخرون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة ضد الإسلام ، وظل ذلك شأنهم منذ بداية دولة الإسلام في المدينة المنورة وحتى دولة الخلافة الأخيرة في الآستانة ، فقد كان اليهود وراء إثارة النعرات القومية ووراء الانقلابات ، التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم ، واستبدال الدستور في عهد السلطان عبد الحميد ، وانتهت أخيراً بإلغاء الخلافة جملة على يد اتاتورك اليهودي .  إن الحرب التي شنها اليهود على الإسلام ، أطول أمدا وأعرض مجالا  من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون على ضراوتها قديماً وحديثاً ، وليس هناك عداءً  يماثلة عداء اليهود للإسلام في طول الأمد ، إلا معركة الصليبيين . إن اليهود هم هذه الجبلةِ الشرِّيرة ، التي  تحقد على الإسلام وأهله ، ولن يخلّص العالم منهم ، إلا الإسلام يوم يفيءُ أهلهُ إليه . لقد سجل التاريخ أن اليهود كانوا من أشد من وقف في وجه هذا الدين ، حرب أصرّوا عليها ودأبوا وما يزالون يُصرَّون ، فقد استخدموا من ألوان الحرب والكيد والمكر ، أضعاف ما استخدموه  طوال القرون الماضية ، وفي هذه الفترة بالذات ، تعالج الصهيونية إزالة هذا الدين بجملته ، وتحسب أنها تدخل معه معركته الأخيرة الفاصلة ، لذا فهي تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في الماضي ، بالإضافة إلى ما استحدثته منها جملة واحدة ، هذا في الوقت الذي يقوم فيه ممن ينتسبون إلى الإسلام ناسٌ يدعون في سذاجة ، إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان  الذين يَذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان ، ويشنون عليهم حرباً تتسمُ بشاعةً لا يمكن تصورها . إن هناك مؤامرة على المسلمين ، هدفها ضرب كرامتهم ومقومات وجودهم  وبالتالي إخضاعهم . إنهم يعملون كلَّ ما يسعهم عمله ، لتحل محل الإسلام عقائدُ ومذاهبُ علمانية  تعمل على تطور الأخلاق ، لتصبح هي أخلاق البهائم  والعمل على  تطوير الفقه ، لتحليل الربا ، والاختلاط الجنسي ، وسائر المحرمات التي حرَّمها الإسلام . إن عمل اليهود ينصبُ دائماً على تلبيس الحق بالباطل وكتمان الحق ، بقصد بلبلة الأفكار في المجتمع المسلم ، وإشاعة الشك والاضطراب   وقد زاول اليهود هذا التلبيس وكتمان الحق في كل مناسبة عرضت لهم ، وكانوا على مدار التاريخ عامل فتنه وبلبلة في المجتمع الإسلامي ، وعامل اضطراب وخلخلة في الصف المسلم . وعلى هذا فإن من واجبنا تحذير المسلمين من كيدهم ومكرهم ، فلا ننخدع بأموالهم ووسائلهم الماكرة في الفتنه والتضليل والمكر والدس ، وما يزالون يضللون الأمة عن دينها ، ويصرفونها عن قرآنها ، فهم في أمن ما دامت الأمة الإسلامية بعيدة عن دينها و قرآنها ، لأنهم يعرفون العقيدة الإيمانية ، والمنهج الإيماني ، والشريعة الإيمانية هي الطريقة والخلاص ليس غير .

إن طبيعة اليهود تحس أن كل خير يصيب سواها ، كأنما هو مقتطع منها ، فهم يريدون كل شيء ، مقابل لا شيء . إنهم يتربصون بالبشرية الدوائر ، ويكنون للناس البغضاء ، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن ، ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد ، فتناً يوقدونها ، وحروباً يثيرونها بين الشعوب ، إنهم متعصبون لأنفسهم  وجنسهم ، يكرهون أن يمنح الله شيئاً من فضله لسواهم .

إن المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض ، وفي كل وقت ضد المسلمين  هي معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها ،  لقد جربوا حماس المسلمين لدينهم وعقيدتهم ، حيث واجهوهم تحت راية العقيدة ، ومن ثم استدار الأعداء فغيروا أسلوبهم ، فلم يعلنوها حرباً باسم العقيدة خوفاً من حماس العقيدة ، إنما أعلنوها باسم الاقتصاد والسياسة ومراكز القوى العسكرية وما شابه ذلك . ثم القوا في روع المخدوعين الغافلين منا ، أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة ، فإذا ما ذكرت ضرورة العمل  لإعادة الخلافة ، نظروا إليك باستهجان واستغراب  فلا يجوز رفع رايتها وخوض المعركة باسمها ، حتى يأمنوا جيشان العقيدة وحماسها .

إن معركتنا معهم هي معركة العقيدة ، وليست معركة الأرض ، ولا المراكز العسكرية ، ولا هذه الرايات المزيفة كلها ، يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين  ليخدعونا ويصرفونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها ، والله يحذرنا ونحن نبتعد عن توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته وهو أصدق القائلين : ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ﴾ البقرة 120 ، ذلك هو الثمن الوحيد الذي يريدونه وهو ما حذَّرنا الله منه في الأمر الجازم الذي يتمثل في قوله تعالى : ﴿ قل إن هدى الله هو الهدى ﴾ الأنعام 71 ، ذلك على سبيل الحصر والقصر هدى الله هو الهدى ، وما عداه ليس بهدى ، فلا  ترضية على حسابه ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، والحذر كل الحذر من الميل إليهم أو مصادقتهم أو التودد إليهم ، وقد هدد الله وتوعد المخالفين فقال تعالى : ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم  ما لك من الله من وليٍ ولا واق ﴾ الرعد 37 . وإذا كان هذا موجهاً لنبي الله ورسوله وحبيبه فسيكون ذلك أشد لبقية الخلق : ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ﴾ .                                                                                                           

           

        

 

صرخات شعب فلسطين وا إسلاماه ولا مجيب

إننا ومنذ بداية أحداث الانتفاضة ، ونحن نتناول هذا الموضوع لبث الحزن والأسى ونكتفي بالشجب والاستنكار ، مع أن الواجب أن نتداعى لقتال اليهود تحت راية الجهاد الذي قرر حكام المسلمين في إحدى مؤتمراتهم إلغاءه    ناسين أن أمة الإسلام أمة مجاهدة على مدار التاريخ ، ولا يعجزها اليهود الذين قال الله فيهم : ﴿ وإن يقاتلوكم يولكم الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ . الله يخبرنا بأنهم لا يستطيعون ثباتاً في قتال أمام المسلمين ، وحكامنا يقولون بأننا لا نستطيع قتال اليهود ، ولم تقنعهم المجازر التي ترتكب كل يوم بأن يتجهوا إلى طريق الرشد والصواب ، فيعلموا أن فلسطين أرض مباركة رواها المسلمون بدمائهم ، وأن التفريط بشبر منها جريمة كبرى بل ومن المدهش مناشدة المجتمع الدولي بتدارك الأمر حفاظاً على استمرار العملية السليمة . وتعطيل شرع الله والجهاد في سبيله وتحريف الكلم من بعد مواضعه فالله يقول : ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ﴾ . وهم يقولون سنفاوض ونساوم ونسالم والله يقول: ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾ . ولسان حالهم يقرر التنازل عن كل الأرض مقابل الانسحاب عن نسبةٍ صغيرةٍ منها لإقامة كيان هزيل عليها . 

إنها صفحة سوداء في تاريخ العرب المعاصر ، أن يُقصف شعب أعزل بالأسلحة الخفيفة والثقيلة والطائرات ، على مرأى ومسمع مئتي مليون عربي ، وسكوت منظمة الأمم المتحدة التي ثارت لعقاب العراق منذ سنوات ، حيث تداعت أساطيل الكون لمعاقبته وتدميره ، بينما كل ما فعلته هذه المنظمة إزاء ما يجري في فلسطين ، هو الدعوة لإصدار مجرد بيان إدانة وليس عقاب أو وقف مشروع تهويد القدس ، وممارسة ابشع أنواع القتل  ثم يأتي المندوب الأميركي فيخرسها بالفيتو ، وإسرائيل تهزأ بكل قرارات الأمم المتحدة بل وبقرارات واتفاقيات العالم العربي والإسلامي.  وفي ظل هذه المواقف المخزية سواء على مستوى العالم العربي والإسلامي أو على مستوى العالم أجمع ،فإن الشعب الفلسطيني يتعرض لشتى ظروف القهر والإبادة بأيدي النازية الجديدة وارتكاب المجازر اليومية بحق أطفالنا وشيوخنا ونسائنا ،حتى وصلوا إلى حد العمل على تدمير البنية التحتية والبيوت الآمنة ، والتجريف الجائر والمجحف بقطع الأشجار وتدمير المشاريع الخاصة بالبنية التحتية ، وعدم السماح بنقل النفايات والذي يتسبب بمخاطر بيئية كبيرة على الشعب المسكين ، الذي لا يدري من وين يتلقى ، هل من المستوطنين الذين اصبحوا دولة داخل دولة ؟ أم من الدولة التي تدفعهم كما جرى في المسجد في حوسان حيث أصيب ثلاثون فلسطينياً ، في مجزرة متعمدة شأن غيرها من المجازر وإذا لم تكن تدفعهم فهي تتواطأ معهم بالسكوت عنهم ، وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فإن ذلك يعني أن الجيش في جانب والدولة في جانب والأمن في جانب آخر  والكل يصبُّ نقمته وحقده على هذا الشعب الأعزل المسكين .

وحول هذا الموضوع نشرت مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية في الولايات المتحدة بياناً في جريدة الجريدة جاء فيه :"مع تزايد عدد الإصابات وانعدام حالة الأمن فقد ظهرت آثار نفسية بالغة الصعوبة لدى اسر الضحايا والمصابين  أضف إلى ذلك التدهور في القطاعات الحيوية والتراجع في الناتج الزراعي وزيادة الفقر وتفشي البطالة ، حتى أصبح العشرات من الفلسطينيين بلا مأوى بعد هدم منازلهم ، وبلا عمل بسبب الحصار المفروض عليهم ومنعهم من الذهاب إلى أماكن عملهم . لك الله يا شعب فلسطين وقبّح الله الذين يقفون موقف المتفرج مما تعاني ، وسيكتب التاريخ عن تخاذلهم وتآمرهم ما تشمئز منه النفوس وتقشَعِرُّ له الأبدان لأنهم فشلوا حتى في تبني الحد الأدنى لمواجهة الغطرسة الصهيونية واستهتارها بقيمة كل ما هو عربي .

ولكم انتظرنا وننتظر منهم أن يتوصلوا ولو إلى صيغة اتفاق مشترك صغير يقضي بوضع حد لما يجري ، ولكن كعادتهم خرجوا علينا بقرارات وتوصيات ، لم تغيّر شيئاً من الواقع الأليم ، وكأن ما يجري في واد وهم في واد آخر ، بينما تمشي قوافل الشهداء في كل يوم لتعبّد لنا طريق العزة والكرامة .

إن شعب فلسطين يقف وحيداً في الذود عن الشرف العربي في فلسطين وأطفاله الضحية وقد أوردت بعض الصحف أن العدو الصهيوني أقدم على حقن أطفال فلسطين بالأمراض المستعصية  فقد سربت صحيفة بديعوت أحرنوت الإسرائيلية بعض تفاصيل العملية ، كما ذكرت صحيفة الشبكة العربية بأن حكومة العدو حقنت أطفالنا بمرض الإيدز ، وهؤلاء الأطفال لا يجدون من يعيد لهم حقهم الإنساني ، ولم نسمع عن حكومة عربية ترفع صوتها لإثارة هذا الموضوع ، الذي من شأنه أن يكشف وجه إسرائيل البشع أمام شعوب العالم أجمع . وقد كتبت بعض الصحف العربية كالأهرام عن هذه الجريمة الشنعاء تحت عنوان " إسرائيل حقنت 305 أطفال فلسطينيين بفيروس الإيدز"  وقد يكون التعتيم على هذا الموضوع الخطير حتى لا يؤثِّر على مفاوضات السلام .

إننا نواجه التحدي الكبير بالتخلي عن أمضى الأسلحة في المعركة وهو الدين ونقف ضالين تائهين مسوقين إلى الذبح كالخراف ، فمتى نصحو وإلى متى هذا الضياع الذي تعيشه الأمة حتى أصبحت غرضاً سهلاً وهدفاً هشاً للأعداء ؟ إن الذين يعملون على تدمير كيان الأمة وتمزيق شملها والنيل من عقيدتها وإبعادها عن دينها يمهدون للعدو سبيل النصر عليها ، في حين يهتف القادة اليهود في كل مناسبة أن تعاليم أنبيائهم تملي عليهم أن يعيدوا هيكل سليمان فوق أنقاض المسيحية والإسلام ، وقد صرّح بذلك قادتهم بأنه لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس من غير الهيكل .

وقد دلت خرافة البقرة الحمراء ، على تمسك اليهود بهذه المقولة ، فقد ذكرت الأخبار أنه تم الكشف في إسرائيل عن ولادة بقرة حمراء اسمها ميلودي  ويقول المبشرون اليهود إن هذه البقرة تحمل المواصفات التي بشرتهم بها كتبهم الدينية ، التي تقول بأنه بعد ولادة هذه البقرة بثلاثة أعوام   على اليهود أن يطهروا القدس من النجس القائم  وأن يقضوا على كل ما هو غير يهودي ، وأن يعيدوا بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى ، ويرجعوا مملكة إسرائيل .

قد نفهم من هذا الخبر أن هذه الكذبة قد انطلقت تحت الغطاء الديني ولم يعد هناك ما يمنع من تنفيذها سوى التغطية السياسية الدولية  والموضوع ليس بنكتة أو مزاح وإن بدا كذلك  وإنما هي خطة جاهزة تمت التعبئة لها على الصعيد الديني في المجتمع اليهودي ، ولم يعد ينقصها سوى اللمسات الأخيرة التي قد تجعلنا نشهد خسارة المسجد الأقصى الذي ينادي ولا مجيب 

    

                  

 

 

الرصاص الإسرائيلي الغادر

كان الإرهاب الإسرائيلي وما يزال أحد المقومات الأساسية للحركة الصهيونية ، ومن أهم الأساليب التي لجأت إليها لتحقيق أغراضها ، وقد اقترن انشاء دولة اسرائيل باستخدام أبشع أشكال الإرهاب ضد الفلسطينين ، من طرد وتعذيب ومصادرة للأراضي ، وقد أخذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الإرهاب فكراً وممارسة ، ولم يكن من المستغرب أن يكون الإرهاب هو السمة البارزة للكيان الصهيوني ، فقد برع زعمائه بما لهم من خبرة في هذا المجال بداية من بيغن وانتهائاً بشامير ، وتتواصل هذه الممارسات حيث أوغلت إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني ، فقتلت وهدمت واقتلعت وحاصرت وأرهبت وصادرت  وكان رد الفعل أن أشبعها العرب والمسلمون نقداً ، وهي تواصل عملها ويواصلون كلامهم ونقدهم ، يقفون عند هذا الحد ولا يتعدونه ، فما العمل ؟

لا أحد يستطيع الإحاطة بتفاصيل الجريمة المروعة ، فالدم يمتد على مساحة فلسطين بامتداد الرصاص الإسرائيلي الغادر ، وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل ليس سوى جزء يسير من ممارسات اليهود البشعة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل ، فما يروى من قصص دامية ومشاهد تهز المشاعر والقلوب في فلسطين ، ليس على مستوى ذلك الاستنكار الغريب ، لما جرى في أميريكا وحتى ذلك فإنهم يشيروا بأصابع الاتهام إلى الإسلام والمسلمين ، مع أنهم يعلمون أن الجماعات التي تقوم بعمليات العنف في العالم  وراءها أصابع صهيونية ، فهي التي تقوم بتصعيد العنف ، وهي التي تهيء المسرح العالمي للظهور بأنها الضحية ، مما يستلزم وجود ردات فعل يائسة ، والصهيونية تجرجر شعوب العالم  والمسلمون من بين هذه الشعوب إلى مواقف خطرة ، تدفعهم إلى اليأس والإحباط ، فتاتي ردود فعلهم على شكل إرهاب . مع أنه يمكن أن نعتبر أن جذور الفتنة والإرهاب ، تكمن في الربا الذي يتخذه اليهود وسيلة لاستعباد البشر ، وهو أساس العنف والإرهاب في عالم اليوم . لذلك فإن الانتفاضة في ايرلندا توقفت بعد 900 عام عندما نسف الثوار الايرلنديون مركز المال في لندن ، لايمانهم أن كل الشرور في العالم تعشش في حي المال في لندن ، والذي يشعر أربابه بالسعادة عندما تقتل الشعوب بعضها البعض , وبذلك نجحوا في تحديد مكان العدو الحقيقي ، فكان تفجير حي المال في لندن هو التفجير الوحيد المبرر بالنسبة لهم لأنه لم يكن موجهاً ضد الناس الابرياء وإنما ضد رأس الأفعى .

 إن الإسلام يواجه أكبر حملة إعلامية ظالمة ضده   واكبرها من الغرب الذي يصف اتباع الإسلام بالتطرف ، اضف إلى ذلك تشويه الكثير من أحكام الإسلام ، ورغم ذلك يشق الإسلام طريقه بقوته ، وليس بفضل الأموال التي تنفق ولا الكنائس الفخمة التي تُشاد ، ثم لا تجد من يزورها   حتى قيل : إن النصرانية دعوة بلا دين والإسلام دين بلا دعوة .

إننا على ثقة بأن الإسلام سيسود يوماً ، رضي الأعداء أم سخطوا ، اتهموا المسلمين بالإرهاب أم لم يتهموا ، فوعد الله بنصر دينه قائم قال تعالى : ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق , أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ فصلت 53 . إنهم يعاملونا أسوأ معاملة ، فكل حسن مأخوذ من الغير   وكل قبيح يشنّع به علينا ومع أنهم يعلمون أن الإسلام ينبذ الإرهاب ولا يقرّه ، لكنه يحارب الظلم والاعتداء فلماذا تقام الدنيا وتقعد إذا ما نالهم اعتداء ، بينما لا يحرّك ساكناً إذا كنا نحن المعتدى علينا .

سمعنا عن انفجارات في ايرلندا ومنذ نصف قرن ، كما سمعنا عن انفجارات الأمس القريب ، فلماذا لا يقال هذا إرهاب كاثوليكي أو بروتستانتي ، وما يفعله اليهود في فلسطين أليس إرهاباً واعتداءً صارخا ؟ فلماذا لا يقال إرهاب صهيوني بينما إذا ما استعمل السلاح مسلماً صرّح الإعلام بأن ذلك إرهاب إسلامي  وكأن الإرهاب صار حكراً على المسلمين في الإعلام الغربي ، وحيثما حصل انفجار أو اطلقت رصاصة يسارعوا إلى اسناد الفعل للمسلمين ، قبل أن يعرف الفاعل   فلماذا يحصل هذا ؟ يحصل هذا في تقديري لأنها شهادة مزورة تتعافى منها رائحة العنصرية النتنة ، ولأن الأمة من جهة أخرى واقعة في مناخ الفتنة والهزيمة النفسية   وتربية حواس الذل في الأمة ، والتطبيع على الهزيمة والمنكر وتأليفه للنفوس ، وانعكاس هذا التطبيع على فهم النصوص الداعية إلى القوامة على الحق والتضحية في سبيله والجهاد من أجله ، وتأويل النصوص الشرعية بما يكرِّس الهزيمة ويوطِّن الفساد   ويمكن له في الأرض ، ويؤذن بتتابع الأزمات وخراب البلاد ، في وقت تتلاعب الدول الكبرى بالقوانين وفقاً لحاجاتها ، ولإثبات شرعية هيمنتها إذا ما تعرضت لأي اهتزاز ، مما هيء الظروف لليهود أن يمارسوا القتل والتخريب دون رادع ولأن الساحة خلت من رجلٍ كصلاح الدين الذي التزم الصمت وما ضحك أبداً والقدس في قبضة الصليبين ، وعندما سأله احد قادته عن ذلك قال : إنني استحي من الله أن أضحك ومدينة القدس اسيرة بين يدي الصليبين ، السلطان يستحي من الله ، وفي أيامنا هذه لا يستحي الكثير من قادة الأمة من الله ولا من الناس ولا من أنفسهم حين الغوا كلمة الجهاد في المؤتمر الذي عُقد في داكار عاصمة السنغال . إن الأمة غافلة عما يراد بها من كيد ، وما دامت في غمرة الرجفة ، فعسير إن لم نقل مستحيل أن تدرك واقعها . وما دام الذي يبرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته  فلا غرابة أن تنهزم الصورة ، وإن اعتقد الناس أنها هزيمة الإسلام وخذلانه ، فذلك لأن الناس تجاهلوا أن حقيقة الإسلام لم تتقدم الى الحرب منذ أن هدمت الخلافة . لذا فإن المسلمين بحاجة الى حكومة تمثله تمثيلاً صحيحا  

 وتقوم على أساس الدعوة والهداية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام . 

 

إلى متى طغيان اليهود

قال تعالى : ﴿ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصُمَّ الدعاء إذا ولَّو مدبرين وما أنت بهادي العُمْىِ عن ضلالتهم إن تُسْمِعُ إلا من يؤمنُ بآياتنا فهم مسلمون ﴾ النمل 80 . هل يمكن لعاقل أن يرجو خيراً من الأموات ؟ وهل نتوقع ممن لا يسمع ولا يرى أن يقدم لنا شيئا ؟ً وإن لم يكونوا أمواتاً ويسمعون ويشاهدون فما أدري ماذا ينتظرون ؟ وحتى متى هم صامتون ؟ ولماذا لا يحركهم الجور الذي فشا والعدل الذي عفا وطغيان اليهود الذي غلا وعتا ؟ وتجاوز كل الحدود وتجرأ على البلاد والعباد  بل أمعن في الطغيان والعناد ، والعرب والمسلمون يتفرجون وقد استحوذ عليهم شيطان الخيانة فأضلهم أعمالهم  أما آن لهم أن يخرجوا عن صمتهم غضباً لله ؟ أما يحرِّك ضمائرهم سفك الدماء وانتهاك محارم الله ؟ أما يستفزهم النهب والسلب والتقتيل والتهديد والتشريد ؟ ألا يكفي كل هذا لتحريكهم وإخراجهم عن صمتهم ؟ أم أنهم اعتادوا عادة الأذلاء والتولي يوم النـزال مع الأعداء ؟ ألا يؤمنوا بقول الله تعالى : ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ﴾ الأحزاب 19 ، ألا يكفيهم أنهم تركوا الجهاد في سبيل الله  ومداهنة الظالمين في أمر الله وهناً وذلا ، ولكنهم كما قال القائل :

جاروا عن القصد والإسلام واتبعوا   ديناً يخالف ما جاءت به النُذُرّ

إن لكل شيءٍ آفة ولكل أمر عاهة ، وإن آفة هذه الأمة هؤلاء العيابون الطعانون يرونكم ما تحبون ويسرّون ما تكرهون ويقولون لكم ما لا يفعلون  أمثالهم أمثال النعام يتبعون كل ناعق ولا يقوم لهم رائد ، أعيتهم الأمور ووضعوا أيديهم بيد من وطئهم برجله وضربهم بيده وقمعهم بلسانه  فدانوا له بالخيانة والعمالة والنذالة وتركوا الدين والدنيا واسلموا الحلائل والبنينا ، وتجاهلوا أن شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر ضلَّ وضُلَّ فأمات السنة المعلومة وأحيا البدعة المتروكة ، عن علي بن أبي طالب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :﴿ يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر  فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدرو الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم  ﴾ .

لقد خذلنا المسؤولين عن أمر هذه الأمة في الحرب التي تشن علينا ، يكادون ولا يكيدون وينتقصون ولا يتحاشون لأنهم في غفلة ساهون لاهون تولى زمام أمرهم الكافرون يصدق فيهم قول القائل :

ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ     ونام عنها تولى رعيها الأسد

إن أشد بلاء أصيبت به الأمة هو عزلها عن دينها الذي يدعوها للقيام بواجبها الجهادي لتقف في مواجهة قدرها عارية من وازع الشرف وحافز الإيمان ، فلا تتقي البلاء ولا تدفع عن نفسها المكارة ، فتعثرت في خطاها وضاعت هويتها الذاتية ، واتسعت الشقة بينها وبين حاكميها ولم تستنفر جيوشها لقتال الأعداء بل لحماية الحكم والحكام ، تداعوا لعقد المؤتمرات ، والعدو يعتقل ويفتك ويقتل  تناسوا الواجب وغضوا الطرف عن الخطر الداهم ، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ، كل حزب بما لديهم فرحون . ليس لهم مثيل في تبرير الهزائهم وافتعال الانتصارات  يكذبون على أنفسهم يكذبون ويكذبون حتى يصدقوا الأكاذيب ، يناقشون ويجادلون في الصين لنتخلى عن فلسطين يناضلون كلاماً وخطباً لا جداً وجهاداً ، لذا كانت كل المساعي فاشلة والآمال باطلة وكل جهد خائب  لأنهم لم يعرفوا معنى حي على الجهاد . يتنادون للجد وهم يضمرون الهزل في ردهات الجامعة  مسكينة هذه الجامعة فما هي إلا صورة لدولنا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا ، جلسوا فيها لستر الخذلان ببعض القرارات المترهلة والعدو يدق الأبواب ويدك المدن والقرى والمخيمات ، وكأن القرارات وضعت لأمة أخرى في معركة مصيرها  اجتمعوا لشيء وقرروا عكسه  بل لمسنا تملص القادة من مسؤولياتهم ، يظهرون الإشفاق ويضمرون التشفي والإهانة والإذلال ، أليس في ذلك ضحك على الذقون ؟ أليست هذه واجهات تخفي وراءها الخيانات التي يندى لها الجبين تجاه أكبر تحد تواجهه أمتنا وحضارتنا وعقيدتنا ؟ يقفوا إزاء ما نواجه مشلولين هازلين بل متفرجين على الجرحى والمقتولين والمحاصرين ، الذين استغاثوا بهم فأصموا الآذان وأغمضوا العيون ، لم يستثيرهم هتك الحرائر والممارسات الفاضحة  ولم يستفزهم لبوس الخزي والعار  إنهم يتآمرون بسكوتهم ضد أنفسهم مع عدوهم ، وهو ماض في الاحتلال  والاقتحام ، يعدُّ العدة ثم يشن الغارة ويستكين ثم ينقض ، يتقدم ونتراجع   يتوسع ونتقلص ، يزهو علينا ويستهين بنا ، ولو كانوا رجالاً ما زها ولا استهان  يقول الله تعالى : ﴿ وأما تَخَاَفَنَّ من قوم خيانة فانْبِذْ إليهم على سَوَآء ﴾ الأنفال 58 . يكره الإسلام الخيانة ويحتقر الخائنين الذين يتفرجون على الهجوم الغادر   بحجة المحافظة على العهود والمواثيق المبرمة ، فلا يجيزون لأنفسهم نقضها أو نبذها  وتحف الخيانة فلا ننبذ على سواء ، بل ننشد مكاناً قصيّاً قال تعالى:﴿ وأخذت الذين ظلموا الصيحةُ فاصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ هود 94.

مضوا وأصرّوا على مواقفهم غير مبالين بطي صفحتهم في الوجود وفي القلوب ، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ،  لكن المؤمنين في فلسطين لا يقنطون من رحمة ربهم يجاهدون هذا العدو اللئيم ، وقد سطروا ملاحم البطولة والفداء   لسان حالهم يقول للعرب والمسلمين كفاكم عاراً أن الدويلة المسخ قد هزمتكم وأنتم أربع عشرة دولة ومليار من الخليج إلى المحيط ، ويذكرهم بخيبتهم وقلة حيلتهم . فيا أهل فلسطين لا ترجو الخير إلا من الله ، لأن من حولكم زُينت لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، فزادهم الله رجساً إلى رجسهم ، لقد برهنتم وأنتم تقاتلون الطغاة أعداء الله أنكم لا تخشونهم فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله ، آمنتم بما جاء فيه : ﴿ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين   قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصُرْكُمْ عليهم ويَشْفِ صُدورَ قوم مؤمنين ﴾ التوبة 13 . إن الله قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تشرف بكم على الخير والإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله ، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن وابشروا بحب الله ، لأنه أخبر أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص واستعينوا بالصدق والصبر ، فإن الله ينـزل النصر بعد الصبر . وإن المتخاذلين الخائنين لأمتهم ولدينهم إن سلموا من سيف العاجلة فلن يسلموا من سيف الآخرة ، ولا يهولنكم أيها الأخوة ما ترونه من صبر إخوانكم في فلسطين ، فو الله ما ترون فيهم إلا حمية العرب والمسلمين ، وصبراً تحت راية لا إله إلا الله ، وإنهم لعلى الحق يجاهدون محتسبين  حتى يحكم الله بينهم وبين اليهود وهو خير الحاكمين .  إن عدائنا لليهود هو عداء مزدوج لا هوادة فيه  وإنهم يستخفون بعقولنا ويستهزئون بنا ، فمنذ سنة 1948 صدرت ألوف القرارات التي تدين إسرائيل  ولكن دون جدوى  فهم مستمرون اليوم وغداً بالاستهزاء بنا والاستخفاف بعقولنا ، يتباكون على السلم ويفجرون الصراع  يريدون سلماً بشروطهم هم وإلا فهم ماضون دون هوادة في عدوانهم ، يحاورون ويداورون ويطاولون ونحن نلهث وراء السراب   نؤمن بعدالة الدول الكبرى وقدسية ميثاق الأمم المتحدة  ونتصعلك على عتبات البيت الأبيض ، فيا أيها المخدَّرون إن كان عندكم استعدادا لأن تسمعوا  إن لم نكن ذئابا أكلتنا الذئاب ، وما أخذ اقتدارا لا يسترد إلا اقتدارا ، ذاك هو منطق التاريخ في دنيا مجنونة ، وكل منطق خلافه خورٌ وجبنٌ وانحلال ، أما آن لكم أن تتحركوا ؟ إنكم إن لم تفعلوا لن يبقى وطن ، أم أنكم تعتبرون أهل فلسطين كبش فداء لترموهم بدائهم وتنسلّوا  ولكن شعب فلسطين أثبتوا للعام أجمع أنه مهما غلا الثمن وعظمت التضحيات ، ورغم وسائل القمع والتعذيب والاضطهاد الذي يمارسه اليهود ضد هذا الشعب الصامد ، إلا أنهم فشلوا في ثلم صلابة الإيمان في نفوس المجاهدين في فلسطين الذين قرروا أن يموتوا عند مقدساتهم في وطنهم الجريح  وقد برهنوا للعالم بأنهم أكثر صموداً وثباتاً من مجموع الدول العربية التي واجهت إسرائيل ، فهم أصحاب القضية وقد تولوا أمرهم بأنفسهم مؤمنين بالمثل السائر : ما حك جلدك مثل ظفرك .   

 

أحداث الضفة

إن ما يجري ضد أهلنا في فلسطين قد أثار سخط واستنكار  العالم أجمع ، لفظاعة ووحشية ما يجري ، فقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوفهم ، ولا غرابة أن يحصل ذلك من اليهود  لأنهم يحملون قلوباً قاسيةً كالحجارة أو أشد قسوة  كما وصفهم الله بقوله : ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ . فقد طغوا وتجبروا وصبوا حقدهم ونقمتهم ولؤمهم على أهلنا في الأرض المحتلة . إن مسؤولية ما يجري يقع على عاتق جميع المسلمين حكاماً ومحكومين ، والذين تخلوا عن الحل العسكري ، وباركوا اتفاقيات الصلح والسلام مع اليهود ، وإن الدعم المادي واستنكار هذه المذابح ، لا يكفي ولا يعفيهم من العمل على إزالة هذا الكيان من قلب العالم الإسلامي . إن الاعتداء المتواصل على أهلنا ، لم يكن ليحصل لولا التخاذل والتواطؤ من قبل المسلمين والذي أدى إلى هذا الاستهتار المزري والمذل لأمتنا ، بينما جن جنون إسرائيل لأسر ثلاثة جنود من جيشها وليس قتلهم ، وقد استنكروا ذلك واعتبروه إرهاباً ، وهنا نتسائل : إذا كان هذا إرهاباً فما الذي يفعلونه هم ؟ ثم ماذا نسمي تدمير البيوت وقتل النساء والأطفال والشيوخ وما  يمارس ضد أهلنا ، أليس ذلك اعتداءً وإرهاباً ؟ وهل يحق لإسرائيل بعد المذابح التي مارستها وما زالت تمارسها أن تصف غيرها بالإرهاب وتصف نفسها بالبراءة . 

إننا ونحن نقرأه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأه وكأنه يوبخنا إذا رضينا الدنية في ديننا قال صلى الله عليه وسلم : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكَلَةُ على قصعتها ، قالوا : أو من قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينـزعن الله مهابتكم من صدور عدوكم ، وليقذفنَّ في صدوركم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حُب الدنيا وكراهية الموت) .

حُب الدنيا الذي جعل المسلمين يستمرئون الذل فهل ترضى أمة الإسلام أن تبقى غثاءً كغثاء السيل أو تتقدم لتحتل المركز الذي اختاره الله لها واختارها له : ﴿ كنتم خير أمة أُخرجت للناس ﴾ .  فما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم نراه قد تحقق هذه الأيام ، فقد تكالبت دول الكفر على المسلمين تقتل وتشرِّد ، وبالمقابل نرى أنظمتنا العربية والإسلامية قد اتخذت دور المتفرج .

إن اليهود يعتبرون القدس جزء من عقيدتهم ، وهذا ما أعلنه زعمائهم مراراً وتكراراً . فقد قال بن جو ريون : لا معنى للقدس من غير الهيكل. وقال وزير الأديان : أرض الحرم ملك يهودي بحق الاحتلال أو بحق شراء أجدادهم لها منذ الفي سنة .

وقد درجت الحكومات اليهودية على توسيع الصبغة الدينية في المدينة المقدسة وبناء المستوطنات اليهودية في جميع أجزائها  وكان شعار باراك الانتخابي ، نريد أن نصبغ القدس الشرقية بالطابع اليهودي الخالص . وفي الوقت الذي كان باراك يفاوض الفلسطينيين في كامب ديفيد ، أعلن بوضوح أن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية .

 ولم يرض اليهود ما أبداه المفاوض الفلسطيني من تنازلات كثيرة  وتخليه عن مسلّمات عديدة منها : تغيير الدستور والميثاق   وكان التحدث عن السلام مع إسرائيل قبل عشرين عاماً يعتبر خيانة عظمى ، ويعد سلسلة طويلة من التخدير ، اصبح رمزاً من رموز الواقعية واسترداد الحقوق  ومعارضة ذلك يعتبر تطرفاً ، وكان العرب قديماً يطالبون بفلسطين المحتلة ، فاصبحوا لا يتحدثون إلا عن الأراضي المحتلة في عام 1967م ، وكانوا يطالبون بالقدس كاملةً ، فاصبحوا لا يتحدثون إلا عن القدس الشرقية فقط .

إن الحرب مع اليهود ذات طابع ديني من طرف واحدٍ فقط ، إذ نجح اليهود منذ تأسيس دولتهم في عزل الإسلام عن ساحة المعركة ، لأنهم يدركون تماماً أنه لا يمكن أن يقف في طريقهم إلا الراية الإسلامية ، وهذا ما أعلنه بن جوريون يوماً قال : "نحن لا نخشى خطراً في المنطقة سوى الإسلام " .

وقال بيرز بهذا الخصوص : " إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه ، ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد " .

فاليهود يدركون خطورة الالتزام بمبادئ الإسلام ، لأنهم جربوا العرب عندما رفعوا الشعارات الثورية ، فكانت هراء محض يراد بها تحقيق مكاسب نفعية حزبية وشخصية يسهل ترويضها وتدجينها ، فهم كما قال القائل :

ألقاب مملكة في غير موضوعها  كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

لهذا جن جنون اليهود عندما أُعلن عن انتفاضة الأقصى المباركة  جهاداً في سبيل الله بالحجر متمثلين قول القائل:

خرجوا على الأعداء يلقون الحجر  ويكبرون وفي حناجرهم عمر

فـــإذا الحجارة في الصباح قنابل ، والطفل ليث في المعارك والخطر ، وإن الدعوة لإيقاف هذا المد بدلاً من مساندته يعتبر خيانة ، لأن المسؤولية جسيمة والمنطقة تمر بمنعطف خطير ، والأمر جدّ ليس بالهزل ... فهل نعي ذلك .

ليست المصيبة أيها الأخوة أن تجابه الأمة بالتحديات ، فهذه وقائع العلاقات الدولية منذ كانت هناك دول وأمم ، ولكن المصيبة الأعظم الاستسلام للتحديات أو الضعف أمامها فقد واجهت الأمة الإسلامية على مدار التاريخ تحديات صعبة واجتازتها ، واجهت الفرس والروم والصليبيين والتتار وكانت الغلبة النهائية للإسلام والمسلمين ، وليست هذه المحنة بدعاً من التحديات ، فمواجهتها ليست صعبة ومستعصية  وإن ذلك مقدور عليه لمن اخلص العمل وجد واجتهد ، وبذل المهج والأرواح في سبيل الله . إن كل الدلائل تشير إلى الانحياز الأعمى والدعم غير المحدود من أمريكا لإسرائيل بدأً من الرئيس ترومان الذي اعترف بقيام دولة إسرائيل قبل أن تطلب منه ذلك  وانتهاءً بكلينتون الذي أعلن مراراً أنه لن يخذل إسرائيل أبدا ، وإن لسان حال الغرب ما دام القتل في المسلمين فليس ذلك جريمةً في قانون بلادهم ، ولوكان ذلك مخالفاً لقوانينهم ما دام الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين ، كما نسي الغرب حقوق الإنسان والقوانين الدولية ما دام القتل والجرائم الوحشية ترتكب ضد المسلمين ، واصبح عملهم لا يعدو عقد اً لاجتماع وراء اجتماع ، وتكوين لجنة أو لجان للمساعدة في القتل البطيء للمسلمين . إنهم يستذلون الأمة ولا يقفون في إذلالها عند حد   لأنهم يريدون السيطرة ويريدون التوسع ، فينشئون بذلك رد فعل دائم يتزايد باستمرار  ويسوِّلُ لهم شيطانهم أن يمضوا في العدوان فلا يرجعون ، وحين يحدث رد الفعل ذات يوم  فلمن يتجه الناس ؟ إنه لا متجه لهم إلا الإسلام  مع أن واقع المسلمين وبعدهم الشديد عن حقيقة الإسلام ، سواء في التصور أو السلوك لهو من أشد العوامل التي تصدُّ الناس عن الإسلام ، وكما كان سلوك المسلمين الأوائل الملتزمين بالإسلام  عاملاً من عوامل نشر الإسلام في أكثر بلاد العالم  فكذلك نجد سلوك من ينتسبون إلى الإسلام اليوم من أكبر عوامل الصد عن الإسلام .

ولكنهم يحملون مسئوليتهم مع ذلك ، نحو أنفسهم ونحو البشرية ، ولا يعفيهم كل ما وقعوا فيه من الذل والهوان ، بل إن ذلك ليضاعف مسئوليتهم ، لأنهم ما وقعوا فيه إلا لتفريطهم في هذا الدين الذي قال الله فيه : ﴿ فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراطٍ مستقيم  وإنه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تسألون ﴾ الزخرف 42 . فماذا هم قائلون لربهم غداً حين يسألهم ؟ وأي وزر يحملونه إذا احتاجت إليهم البشرية غدا فلم تجدهم في المكان الذي ينبغي أن يكونوا فيه  مكان الأمة التي تحمل الهدي الرباني وتبينه للناس  فأما الله فلن يعجزه تخاذل الذين يحملون اسم الإسلام اليوم وهم عنه غافلون ، وإذا أراد الله أن يهدي البشرية إلى الدين الحق فقد حذَّرهم بقوله تعالى : ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم ﴾ القتال 38 . 

 

         

 

 جرح الأقصى الدامي

 عجبت كيف يهنأ المسلمون والقدس أسير بأيدي اخوان القردة والخنازير ، فأين الرجال ؟ هل ماتوا من زمان وخلت منهم الأوطان ، أم خلف من بعدهم خلف هممهم ضعيفة واهتماماتهم سخيفة وأحلامهم خفيفة ، أم رجال بيوتهم المقاهي ، ما بين مغنٍ ولاه ، ومن بماله يباه   ومن وقع في الدواهي ، صدق فيهم القائل :

كنا أسوداً ملوك الأرض تَرْهَبُنا      والآن أصبح فأر الدار نخشاه

فهل يكون لنا في القدس لقاء ، يكون في يوم نطيع رب الأرض والسماء ، ونخلص في الدعاء ونتدرب على الجهاد صباح مساء ، حتى نخفف عن أهلها الذين يعيشون في الهموم والأحزان ، منهم من سجن في زنازين الطغيان ، وصفهم من قال :

من حاله وهي في حبس تُزلزله      مصائب البين لا يُرثى له أحد

القدس تئن من البلاء والمصيبة والأحوال العجيبة ، تصرخ صباح مساء ، إذا لم تكن عندكم حمية إسلامية فاين النخوة العربية  :

ألإِسْرائيل تعلو رايةٌ              في حمى المهد وظل الحرم

ودعي القادة في أهوائها          تتفانى في خسيس المغنم

ربَّ وامعتصماه انطلقت           ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها            لم تلامس نخوة المعتصم

أمتي كم صنمٍ مَجّدَتْهُ             لم يكن يحمل طُهْرَ الصَّنَمِ

لا يلام الذّئبُ في عُدوانه      إن يكن الرّاعي عدّو الغنم

فاحبسي الشكوى فلولاك لما   كان في الحكم عبيد الدرهم

    لو سمع عمر صرختها ، لجند الجنود ولداس اليهود ، ولو طرقت سمعه وا أماه ، لأخرج فلسطين من زنزانة الطغاة ، مضى ستون عاما ونحن نرى أيتاما ، ونشاهد أيامى ، ونبصر آلاما ثم نتعامى ، ولا يحرك قينا هذا كله إيهاما ، ستون عاما مؤتمرات أو مؤامرات ومشاورات أو مشاجرات ، ومناورات أو مهاترات ستون عاما ما أخبرتنا هيئة الأمم بمن ظلم وهدم الحرم ، وما علموا أن فلسطين لا تعود بالكلام ولا بحفلات السلام ، ولكنها تعود بالحسام وتمريغ الباطل بالرغام ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله إنه سميع مجيد . 

 

من هم أهل غزه

هم من يحيا في نور العزة.. وغيرهم يموت في ظلام المهانة..هم من يحيا مرفوع الرأس..وغيرهم يموت منكس الهامة..هم من يسبَح في بحور الكرامة..وغيرهم يغْرَق في مستنقع الذلة والعمالة..هم من يضرب أروع الأمثلة في الصمود والتحدي...وغيرهم يضرب أروع الأمثلة في الخنوع والتردي..هم من أعطى صور الفداء والثبات والتضحية...وغيرهم من أعطى صور المطامع الشخصية والمنافع الذاتية.. هم خط الدفاع الأول في مواجهة الكيان الصهيوني...وغيرهم يمارس خط النفاق والتواطؤ ، هم القدوة والمثال الذي يحتذى لفداء فلسطين وأهلها بدمائهم وأنفسهم وأموالهم ..هم من أجبر شعب إسرائيل وقائدها بالنزول إلى الملاجئ ..هم الأمل في الوقت الذي فقد فيه الأمل في الأنظمة التي تقبل الخزي والعار...والذل والصغار..وتنفذ تعليمات الأعداء بالحصار وتكميم الأفواه ..خوفاً من أن تهتز عروشهم وكراسيهم ، فلماذا يلام العدو الصهيوني لحصاره غزه وهو عدو معلوم العداء...ولا يلام من يساعد ويشدد ويطبق الخناق على أهل غزة ، فهل يا ترى هم يمثلون طوق النجاة للصهاينة أم أنهم يمثلون طوق الخناق للفلسطينيين؟ إن العرب والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية لم يتخذوا موقفاً حاسماً تجاه ما يجري لإخواننا في غزة... في حين يصحو ضميرهم المطاط حين يقتل جندياً في ساحة القتال...بينما ينام مستريح البال أمام تجويع وحصار وقتل شعبٌ بأكمله... وإننا نتضرع إلى الله أن ينصر أهل غزة البواسل ، الذين أعطوا لكل مناضل صورة مشرقة تتجلى فيها أسمى معاني الإصرار على المطالب الشرعية والتاريخية في الأرض والعودة والقدس الشريف..غزة التي أثبت أبناؤها البواسل للعالم أجمع أن مقاومتهم لا تضعف، وأن عزيمتهم لا تتراجع، وأن عنوانهم التضحية والفداء من أجل تحرير فلسطين، المقاومة في غزة التي أرعبت إسرائيل التي تعد أقوى دولة على مستوى الشرق الأوسط التي تمتلك الترسانة النووية والجيش الأقوى وبالتسلح الحديث المتطور بدعم عسكري ومعنوي من قبل الدول العظمى في العالم .

ما أروع تلك المقاومة التي تجسد العزة والكرامة التي حققوها في مقاومتهم ومواجهاتهم للعدو الصهيوني ، فقد صرح ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي : " نقصف سوريا وبكل قوتنا فل يُرد علينا أبدا ، ونقصف المواقع الإيرانية في سوريا ولم يتجرئوا على اطلاق رصاصه واحدة علينا ، ثم نقصف لبنان ولم نتلقى أي طلقه من أحد ، فقط يكتفوا بالتهديدات ، وعندما نقصف أرض زراعية خالية في أقصى الجنوب بقطاع غزة تمطرنا الفصائل الفلسطينية بمئات من الصواريخ البعيدة والمتوسطة والقصيرة المدى ، ويبات أكثر من ثلاث مليون إسرائيلي في الملاجئ وكأنها حرب عالمية ، وتدوي صفارات الإنذار في كل شبر من إسرائيل وتغلق الشوارع والمطارات وتتعطل الدراسة في بعض الجامعات  وكأن غزة هي القوة الضاربة في العالم " هذه غزة التي تفتقر إلى الامكانات اللازمة لمعالجة الجرحى، وانقطاع الوقود والتيار الكهربائي وصعوبة عبور المساعدات الإنسانية والإغاثية من المعابر والمنافذ ، إلا أنهم صامدون صمود الجبال،  ولا زالوا يقاومون مقاومة الأبطال الذين أثبتوا أنهم لن يقهروا، ولن يتراجعوا، ولم يرضحوا لأي ضغوط كانت، وأن امقاومتهم هي التي تصنع التحرر لأنه لا تحرر بدون مقاومة وتضحية .

 

 

 

 

 

نعيش المآسي التي تصابحنا وتماسينا وتراوحنا ، وتصك أسماعنا أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ، مآسي وفتن كلما جاءت فتنةٌ غطت على التي قبلها ، حتى اعتبرنا التي قبلها أمراً هينا ، مآسي ومؤامرات يتعرّض لها أهل فلسطين ، استيلاء على الأراضي وشعبٌ يصفّى جسديا ، وتهدّم منازله ، وتجرّف مزارعه ، وتدمر صناعاته ، ليس غريباً ما جرى وما يجري ، لأن الإرهاب كان وما يزال أحد المقومات الأساسية للحركة الصهيونية فقد اقترن قيام دولة اسرائيل بأبشع أشكال الإرهاب ضد أهل فلسطين ، من طرد وتعذيب ومصادرة للأراضي ، لأن اسرائيل تمارس الإرهاب فكرا ، وها هي تهدم وتقتل وتحاصر ، والمسلمون لا يتحركون واقتصر رد الفعل على نقل الأخبار لا يتعدونه ، إنها جريمةٌ لا يستطيع أحد الإحاطة بتفاصيلها ، فالدم يمتد على مساحة فلسطين بامتداد الرصاص والقذائف وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل ليس سوى جزء يسير من المشاهد التي تهز المشاعر ، وولاة المسلمين يفضلون متاع الدنيا وشهوة الجاه الرخيص والطموح السخيف على الكرامة والنخوة والجهاد ، وكأن نصر عدونا انعكاساً للواقع الأسود الذي نعيش .
إن الذين يتآمرون علينا صليبيون حاقدون ، وبهذه العنصرية الحاقدة والاتباع الخونة يتعاملون مع المسلمين إنهم لا يعرفون إلا الدماء ، إنها المصائب التي تحل بالمسلمين الذين انفرط عقدهم ولا أحد يدافع عنهم ، لأن مظلة الخلافة التي كانت تجمع المسلمين وترهب أعداء الدين قد هدمت ، فأصبح المسلمون بلا سلطة تجمعهم وضيعت السياسة علمائنا ، فاصبحنا بلا علماء يسمع لهم ، فاجترأ الأعداء علينا والعمل على طمس ديننا ، ولكن هيهات فالاسلام باق قال تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون } .

دروس وخطب

نقدم بين يديكم مجموعة من الدروس والخطب والمواعظ 

واسال الله ان يتقبل منا جميعا