السنة النبوية

السنة النبوية

 

منكري السنة

 السنة لغة : الطريقة أو السيرة، حسنة أو سيئة .

وفي الاصطلاح : عند المحدثين : ما أثر عن النبي  صلى الله غليه وسلم  قول أو فعل أو إقرار أو صفة خلقية أو سيرة قبل البعثة أو بعدها . وعند الفقهاء : الصفة الشرعية للعقل المطلوب طلباً غير جازم، بحيث يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه . وبما أن السنة في المصطلح تعني الحديث ، وكلاهما وحي إلهي  والوحي يشمل القرآن ، ويشمل ما ثبت من السنة النبوية الصحيحة ، لتواتر الأدلة الدالة على هذا  فيكون الحديث إذا صح وثبت عن النبي g فهو حجة ودليل ، وهو المصدر الثاني للتشريع ، يجب الأخذ به قال تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) كلام عام لكل زمان ومكان و (ما) هي من صيغ العموم والشمول وتعني : كل ما آتاكم ويستدل بهذه الآية على حجية السنة النبوية المطهرة.

ومنكري السنة : هم طائفة من الناس تنادي بعدم الاحتجاج بالسنة ، وهم أصلاً من علماء الهند   وكانوا إحدى حركتين منهما القاديانية التي نشأت سنة 1900م بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي  بقاديان ، إحدى قرى البنجاب الهندية   ومؤسسها ميرزا غلام أحمد ، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد  بشكل خاص، حتى لا يواجهوا المستعمر باسم الإسلام، رأى فيهما المشروع الإنجليزي في الهند ، نوعاً جديداً من مناوأة الإسلام باستدراج عدد من الدعاة، وضمهم إلى صفوفه السياسية ، مع كثير من القساوسة المنصرين لتحريف الإسلام ، وذلك بالدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن  ويطلق عليهم اسم (القرآنيون) أو (منكري السنة) والثانية : أثارها عبد الله الجكر الوي البنجابي  علماً بأنه قد غرس بذرتها قبله بكثير طائفة الطبيعيين  أما عبد الله الجكر ، فإنه قد سقى تلك الشجرة الملعونة  فنمت وازدهرت ، ولم تكن طائفة الطبيعيين  تبدي هذه العقيدة ، لكن عبدالله الجكر أظهر خرافاته  ومعتقداته الباطلة  دون احتشام واستحياء  واتخذ لها أسلوباً فيه شيء كثير من الإلحاد والكفر والزندقة  فلذلك كله نسبت إليه فتنة إنكار الحديث ونحن بحاجة إلى كشف شبهات منكري الحديث  وما يتشبثون به من أباطيل ، حتى لا يغتر بهم أحد  خصوصا وأنهم يسمون أنفسهم بالقرآنيين ، وهي كلمة حق لمن عمل بمقتضاها ، لكنهم أرادوا بها الباطل ، فلو كانوا قرآنيين ، لما تعاموا عن الآيات التي توجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  ، ويمكن التأريخ لنشأة فرقة منكري السنة ، بظهور فرق الشيعة وموقفهم العدائي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتيجة للشبهات التي خلفها الشيعة والخوارج والمعتزلة  وجد في الأمة من يدعو إلى إلغاء السنة بالكلية، أو قبول بعضها ورفض بعضها، وعدم الاعتداد بها في مصدرية التشريع لأحكام الإسلام ، وقد أفاد الإمام الشافعي ، بأنه وجد في زمانه من كان ينكر الحجة بالسنة كلها، ويقول بالاعتماد على القرآن وحده  ولكنهم أصبحوا بعد ذلك في ذمة التاريخ، لمدة اثني عشر قرناً من الزمان على وجه التقريب، يقول أبو الأعلى المودودي: ما إن حل القرن الثالث عشر الهجري، حتى دبت الحياة في هذه الفتنة من جديد فكانت ولادتها في العراق وترعرعت في الهند    وليس غريباً فقد جاء في القرآن والسنة ما يشير إلى منكري السنة النبوية ، وأنهم سَيَلُفُّون باطلهم بثوب من القرآن الكريم ، ليُضلوا أتباعهم قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون  ولِتَصْغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ولَيرْضَوه ولَيَقْتَرِفوا ما هم مقترفون ﴾ الأنعام  112 . في الآيات ما يدل على أن هناك شياطين من الإنس والجن ، يتعاونون في إلباس الباطل ثوب الحق مزوقاً  يزخرفون القول  ويتظاهرون بالعلم ، ويدّعون أنهم على الحق  ويحاولون الأخذ بيد الناس إلى ما هم عليه من الضلال ، إلا أن باطلهم هذا لا يقبله إلا أمثالهم من أصحاب القلوب المريضة ، ولذا فإن في الآية تحذير لكل مسلم من دعوة الضلال ، ومن فكر الأبالسة الذين يزينون القول ، وعلى المسلم أن يحذر المفسدين  وقد حذرنا الله منهم فقال : ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ البقرة 12. رفضوا أن يكون الإفساد صفة لهم ، فأثبته الله عليهم ! ووصفوا الصالحين بالسفه ، فسجل الله السفه وصفاً لهم ، في آية أخرى يقول الله تعالى : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ الأنعام 121 .

فأتباع الشياطين تلقنهم شياطينهم الكثير من الأباطيل  يجادلون ، ويُلبسون الباطل ثوب الحق في إشهاره  ومن اتبع هؤلاء الضُّلاَّل فقد أشرك ؛ فإن الحكم والأمر والنهي إنما هو لله وحده ، ومن اتبع غير حكم الله فقد أشرك .

 وقد أخبر الرسول  صلى الله عليه وسلم عن منكري السنة ، وأنهم سيظهرون ، وحذر منهم : فعن أبي رافع عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته  يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) .

وعن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله  فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله  صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ) فمن أنكر أي حديث متواتر يكفر ، لأنه ثبت بطريق جماعي ، يستحيل فيه وقوع الكذب   ومن أنكر حديثا صحيحا ظنيا ، وهو ما ثبت بطريق الآحاد ، فانه يكون عاصيا وفاسقا وضالا ، وقد تكلم السلف عن منكري السنة ، وأبانوا أنهم ضلال وأنهم ليسوا على ملة الإسلام ، لأنهم سيتركون الكثير من الدين ، وسيعجزون عن امتثال أمر الله   وسيهجرون الكثير مما هو معلوم من الدين بالضرورة

وتعجبوا منهم : كيف لا يقبلون بيان القرآن من رسول الله  سلى الله عليه وسلم  ، ويقبلون بيانه من عند أنفسهم . يقول أيوب السختياني : ( إذا حدّثت الرجل بالسُّنَّة فقال : دعنا من هذا ، وحدثنا من القرآن  فاعلم أنه ضال مضل ) .  وقال ابن حزم : ( ولو أن امرأ قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن ، لكان كافراً بإجماع الأمة ) . ومن ينكرون السنة ، ليسوا من علماء الإسلام ، ويبدو أنهم يُختارون بعناية  بحيث تتوافر فيهم صفات ، تُعَمِّي على المسلم الذي لا يعرفهم ؛ فهذا ابن شيخ كبير ، وآخر شقيق داعية فاضل ! ويحملون ألقاباً تتفق مع ألقاب العلماء  فيكون أحدهم حاصلاً على دكتوراه في علم غير علوم الإسلام ، أو يحمل لقب أستاذ ، مما يجعل بعض الناس يظن أنه يحمل الدكتوراه أو الأستاذية في علوم الإسلام . فكيف يقبل قول قسيس في القرآن والسنة ؟ وكيف يُقبَل كلام مهندس لا يحفظ القرآن الكريم ؟ وكيف يقبل كلام رجل أمضى عمره في خدمة القوانين ، ولست أدري كيف يتكلم هؤلاء في دين الله ؟ ويعيبوا الأئمة الأعلام ، إنه الضلال والبُعد عن الفكر السليم والمنهج القويم  وهناك من يكتب ثم يشير إلى نفسه بألقاب لا أصل لها ، يقصد بها التعمية على المسلمين مثل : الكاتب الإسلامي أو المفكر الإسلامي ، وهذه ليست مستنداً يؤهل للكتابة في انتقاد أئمة الإسلام كالإمام الشافعي  والإمام أحمد بن حنبل ، فيعترض على هذا  ويعيب هذا ؟ بل غالى البعض فعاب الأمة وانتقد أهل السنة والجماعة ، ويوهمون القارئ بأنهم سيتبعون الأسلوب العلمي و  الفكر الحر و النظر الثاقب و تحرير المسائل إلى غير ذلك من الكلمات البراقة  ، التي توهم القارئ أنهم سيحققون في المسائل تحقيقاً لم يسبقهم إليه أحد .

وهناك نوع آخر من التلبيس ؛ يستعمل أصحابه النظريات التي درسوها في كتاباتهم لتكون فوق أسلوب القارئ ، فراحوا يرددون أقوال أعداء الإسلام ، على أنها طعنات للإسلام عامة ، وللسنة خاصة ، وينسبونها لأنفسهم زوراً ، مع أنها جزء من الحملة المعادية للإسلام .

وفرية إنكار السنة التي يرددها المعاصرون ، لم تتغير منذ زمن الشافعي الذي عاش في القرن الثاني الهجري  ومن راجع كتاب الرسالة عرف أن الفرية هي نفسها  فقد ظهرت هذه البدعة في ذلك الزمن ، وكانت تدعو إلى الاكتفاء بأحد مصدري التشريع الإسلامي  وهو القرآن الكريم ، والاستغناء عن المصدر الثاني  وهو السنة النبوية المطهرة ،بحجة أن القرآن الكريم منقول إلينا بالتواتر القطعي الثبوت ، المحفوظ من الله تعالى بينما السنة ظنية الثبوت , ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بها ، وبهذا المنطق الفاسد ، شكك منكرو السنة في علم الحديث برمته ، دراية ورواية, واتهموا الرواة ، وقدحوا في الصحابة الكرام    والأئمة الأعلام ، واتهموهم بالكذب و التدليس  ومخالفة نصوص القرآن القاطعة الدلالة من وجهة نظرهم !! وانتهى بهم الأمر إلى إنكار كل معلوم بالدين بالضرورة ، والذي اتفق عليه علماء الأمة سلفاً وخلفاً , وافتروا على أئمة الإسلام ، فإذا صوَّر الأئمة إشكالاً وأجابوا عليه ، أخذ هؤلاء الإشكال  ورددوه في كتبهم ، وأغفلوا  الجواب ، كما تراهم  يكذبون في إيراد الحقائق : ذكر أحدهم خبراً نقله من كتاب الإحكام لابن حزم مفاده : أن عمر بن الخطاب حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدرداء في المدينة على الإكثار من الحديث ، فابن حزم ذكر الخبر كما ورد في الكتاب (ج 2 ، ص 249 طبعة العاصمة) وحكم عليه بالكذب ، فإذا بهم يستدلون بها بدون تكذيب الرواية ، وهذا يدل على أنهم يتعمدون الكذب في سبيل بلوغ غايتهم ، التي لا يصدّقها إلا من ليست عنده دراية ولا علم بأن القرآن الكريم قد حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ، ونص على بعضها صراحة، وترك بعضها الآخر لرسوله  صلى الله عليه وسلم  فمنها ما أحكم فرضه بكتابه ، وبين كيف هو على لسان نبيه  صلى الله عليه وسلم ، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه . وسنتابع بيان دفع شبهات منكري في الأسابيع القادمة إن كان في العمر بقية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السنه ومنزلة الاقتداء

السنة هي الركن الثاني في الدين ، وهي المصدر الذي يلي القرآن في التشريع . وسيرته صلى الله عليه وسلم لا يمكن ان تكون الا حقا ، وقد ينسب اليه من السنن ما لم يصح ثبوته عند علماء الحديث ، خذ مثلا هذه المناسبة الشائعة هذه الايام وهي مناسبة النصف من شعبان فان الاحاديث الواردة بخصوصها اما ضعيفة او موضوعه كحديث : (اذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها) . رواه ابن ماجه وسنده ضعبف

وقد قال اكثر العلماء بانها بدعه ، ولم يثبت فى قيامها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم واما حديث صلاة النصف فهو باطل كما العراقي ، وهومن الاحاديث الموضوعة كما ذكر ابن الجوزي ، وقال النووي صلاة رجب وشعبان بدعتان منكرتان . قد تناقل بعض الناس احاديث كثيره في موضوعات عظيمه الخطر  كعلاقة المؤمن بالدنيا والرجل بالمرأة والمسلم بالكافر .

 ولكن معرفة الله وانفاذ أمره هي الضمان الاول والاخير لمصالح الناس ، ولو ترك الناس لأهوائهم لعاشوا بعيدا عن شرائع الله التي يحتاج فكر كثير من الناس الى تصحيحٍ لمساره وفهمه حيالها ، لأنه لا يجوز أن يبني نقده على اوهام وخيالات .

 ومن هذا شأنه اما غير مطلع ليعرف الصحيح من الخطاء في الاحكام ، واما معاند متعصب لآراء أمليت عليه لا يجوز في نظره لغيره ان يخالفها  وهذه اسوأ حالا من الاولى .  ان تحرير العقل اساس الايمان المحترم ، والعقيدة المقبولة    وايمان التقليد لا خير فيه عند علماء الاسلام ، وان الفكرة السائدة في الفقه الاسلامي : " ان العقل اساس النقل " .  وان ما يشيده الوحي من تعاليم ، انما يقوم على مهادة من العقل المجرد والتفكير السليم . وان من اهداف الاسلام اصلاح النفس  وايجاد الضمير المهذب الذي يحمل على تقوى الله في السر والعلانية ، ولن تقوم لنا قائمة اذا لم تستقم الضمائر   ولن يكون ذلك ما دامت هناك قلوب عليلة ، لذلك قال عليه السلام : ( التقوى ها هنا كررها ثلاثا يشير الى صدره ) . إن السنة تضمنت احكاما كثيرة  والاحكام قيود توضع على تصرفات الناس والقيد عندما يجيء في مكانه الذي يناسبه ، لا مجال للتبرم به والانكار عليه .

إن اكثر الظلم الذي وقع على السنة اصابها من حديثا من الاحاديث ، قُدّر له ان يعمل في نطاق معين ، فجاء بعض القاصرين وحرفه عن موضعه بالتعميم والاطلاق . إن شرائع الاسلام كثيرة ، والاركان الخمسة هي بعض الاسلام لا كله ، والاسلام خضوع تام لكل صغيرة وكبيرة جاء بها الوحي .  ولا يتم اسلام المرء الا اذا آمن بكل ما اوصى الله به سمعا وطاعة امتثالا لقوله سبحانه :      ﴿ سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وأليك المصير ﴾ البقرة 285 . والسنة من مصادر التشريع ، يجب التصديق بها اعتقادا وسلوكا . اما ما مدى تدخل هذه السنن في الشؤون العادية  ؟ اذا تدخلت فان ذلك بقدر وفي الحدود التي يراها كفيلة بصيانة الاخلاق وحفظ المصالح ، وقد أخطأ البعض في فهم العلاقة بين الدين وعادات النبي صلى الله عليه وسلم والأفعال الخاصة به ، فمن الناس من أولها على انها دين واستحب الاستمساك بها تعبدا او تقربا الى الله .

 اما هل العادات التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر دينا يبر فاعلها ويأثم تاركها ؟ في ذلك خلاف . لقد اتفقوا على ان فعله صلى الله عليه وسلم في حدود طبيعته البشرية الخاصة لا صلة للأمة به ولا تكلف باتباعه فيه . روى ان ابن عمر كان يتحرى الطرق التي كان يسير فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسير فيها ، وهذا من ابن عمر لزوم ما لا يلزم وأن جمهور الصحابة لم يلتفت لهذه الاعمال ولم يرو في الأخذ بها أدنى قربة الى الله تعالى .

 اما ما هو موقفنا من مثل هذه السنن التي لم يظهر فيها قصد التقرب الى الله تعالى ؟ قال بعض العلماء يندب فعلها . وقال آخرون يباح الفعل والترك . وتوقف البعض . والحق ما ذهب إليه الآمدي في الاحكام بقوله : "إن حض الفعل لا يدل على ان الفعل قربه ، بل يدل على انه ليس بمحرم فقط " وأما كونه قربه على الخصوص فذلك شيءٌ آخر . إن الصحابة وهم أعلم الناس  بالدين وأحرصهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يقرِّب الى الله كانوا يشاهدون من النبي صلى الله عليه وسلم أفعالا ، ولما لم يظهر لهم فيها قصد القربة ، لم يتخذوها دينا يتعبدون به ويدعون الناس اليه كاتخاذه صلى الله عليه وسلم طريق الساحل عندما  هاجر الى المدينة ، فلو كان ذلك قربى للزم كل مسافر من مكة الى المدينة ان يسلك تلك الطريق  وكاختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ومكثه فيه أياما ، فلو كان هذا يفيد الندب لذهب الصحابة الى الغار كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصة ماء بدر  وقول الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمنزل أنزلكه الله أم هو الرأي ... والقصة تشير الى ان من أعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقوم على الاجتهاد الخاص ، ولا أثر للوحي فيه  ومثل هذه الاعمال لا يجب على المسلمين أن يتقيدوا بها . بل ان التزيد بالإتباع في هذه العادات ليس الا تغطية لقصور البعض في القيام بالواجبات الأصلية .

ترى البعض يترك السنه في اقتفاء اثر الرسول  صلى الله عليه وسلم في تزكية النفس وجهاد العدو ليجعل من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم للحلوى او استحسانه الثياب البيض لاتقاء الحرارة وارخاء العذبة على مؤخرة الرأس لتقيه وهج الشمس ، يجعل من هذه وأمثالها سنه يتمسك بها ، مع ان بعضها لا يناسب سكان المناطق البارده ، وإن اعتبارها من الدين هو الزام بقيود لا يلزم بها الاسلام . علما بأن كثيرين ممن احترموا هذه القيود ، افلتوا من قيود الكمال الروحي والذهني التي هي لباب هذا الدين . فوهنت صلتهم بالدين والدنيا على السواء ، لذا فان العلماء لا يرون حمل جميع افعال النبي صلى الله عليه وسلم على التعبد الذي يجب فيه التأسي ، لأن كثيرا منها عادي لا تعبد فيه ولا يطلب فيه التأسي . ومعنى التأسي : أن يكون الفعل مثل فعله صلى الله عليه وسلم ومن أجله  وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الواجب والمندوب والمباح ، فبأيهما نأخذ في المسألة  حتى يكون فعلنا مثل فعله ومن أجله ، فإن جاء به مندوباً كان القيام به مندوباً ، وإن جاء به مباحا كان القبام به مباحا ، فيكون اتباعه صلى الله عليه وسلم بأفعاله حسب ما جاء بها ، وإن اوجبنا على انفسنا أفعالاً لم يوجبها علينا فذلك يكون مخالفة. 

وكثير من الافعال امتنع عن فعلها ، وهي مباحة في الأصل ، فقد امتنع عن سماع الزمارة وامتنع عن اكل الضب والجراد والكليتين وعن أكل البصل والثوم ، وكان يحب من الشاة الذراع والكتف ، هذه وأمثالها لا تصير الى الحرمة لمجرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع عن فعلها ، كما في مصافحة النساء فقد قال : (اني لا اصافح النساء) فلا يوجد في قوله هذا أي قرينة تدل على التحريم ، فالنص لا يفيد النهي حتى نقول بالتحريم ، ولا يفيد الأمر حتى يكون للوجوب  فلم يبق إلا أنه امتنع عن مباح ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح لغيره بالمصافحة ، لما روي عن أم عطية قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل اليهن عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام ، فقال أنا رسول الله اليكن ، ألا تشركن بالله شيئا ، فقلن نعم ، فمد يده من خارج البيت ، ومددنا أيدنا من داخل البيت ، ثم قال اللهم اشهد . 

وروي عنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال جلس الى الصفا ومعه عمر أسفل منه فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن .

وعليه ففي المسائل الخلافية بين العلماء فإن للمرء منا ممن لم تحصل لديه أهلية الاجتهاد أن يتبنى أو يقلد ما شاء منها ، دون النظر الى مخالفيه فيها  من غير تفسيق أو تكفير أو غير ذلك ، لأنه سيصبح كل واحد من الفريقين منهم بذلك أمام صاحبه ، أعاذنا الله من ذلك .         

 

 

 

تدوين السنة

ذكرنا في الاسبوع الماضي ، أن من أنكر أي حديث متواتر يكفر ، لأنه ثبت بطريق جماعي يستحيل فيه وقوع الكذب ، ومن أنكر حديثا صحيحا ظنيا لأنه ثبت بطريق الآحاد ، ولم يبلغ حد التواتر فهو صحيح ومصدق ، فانه يكون عاصيا وفاسقا وضالا  ولذلك راجعني أكثر من واحد بخصوص ذلك  وللتوضيح فإن هذا الرأي لم يكن من اجتهادي   وإنما هو ما روي عن جمهور العلماء : أن من أنكر السنة المتواترة بإثبات واجب أو محرّم فقد كفر  وأغلب السنن العملية متواترة كما يقول محمد الغزالي ، واختلف العلماء في السنة الآحادية بإثبات واجب أو محرم ، وهي ما رواه عدد دون التواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب الشافعية ومن تبعهم إلى أن من أنكر ذلك في الأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج والزكاة فهو كافر ، ومن أنكر ذلك في الأحكام العلمية كالهيابات والرسالات وأخبار الآخرة والغيبيات فهو غير كافر ، لأنها لا تثبت إلا بدليل قطعي من كتاب الله أو سنة رسوله المتواترة  وذهب الحنفية ومن تبعهم إلى السنة الآحادية لا تستقل بإثبات واجب أو محرّم سواء كان علمياً أو عملياً ، وعليه فلا يكفر منكرها ، وهذا ما ذهب إليه علماء أصول الفقه الحنفي ، وذكر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر أن من أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم ، فهو منكر لشيء اختلف فيه الأئمة ، ولا يعد مما علم من الدين بالضرورة فلا يعد كافرا . في صحيح البخاري 2600حديث غير المكرر ، جاء من أثبت منها أربعين حديثاً ، حكم عليها بالشذوذ ، مع أن أغلبها صحيح الإسناد   لكن في متونها مخالفات ، فهل هذا يسمح لنا أن نطعن بصحيح البخاري جملة ، وان وجد بعض النقد لبعض الروايات ، كما لا يسمح لنا ان نشكك بسنة رسول الله ، فلا نرد بلا دليل ولا نطعن بل مرجعية علمية , كما لا نقبل   افتراءات أعداء الإسلام  الذين يكثرون الكلام عن كتابة السنة ، ويقولون : إنها لم تدوّن إلا على رأس المائة الأولى ، وبقيت مائة عام بدون كتابة ، مما جعلها عرضة للزيادة والنقص   

والدارس لتاريخ السنة يقول : نعم إن السنة لم تدون إلا على رأس المائة الأولى الهجرية ، إلا أن هذا لا يفيد أنها لم تكتب طيلة هذا القرن ؛ فالتدوين شيء والكتابة شيء آخر . فالتدوين : ترتيب المعلومات  بمعنى أن ترتب الأحاديث على موضوعاتها ، أما الكتابة فهي : مطلق خط الشيء ، وعليه فقول العلماء : إن السنة لم تدون إلا على رأس المائة الأولى  معناه أنه لم تظهر الكتب المرتبة ، والمراجع المصنفة  إلا في ذلك الوقت ، أما مطلق الكتابة ، دون ترتيب على الأبواب - فكان موجوداً ومتوفراً للسنة في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد كتب صلى الله عليه وسلم كتباً وأرسلها إلى حكام البلاد المجاورة ، وكتب إلى أمرائه وعماله كتبًا حددَّ لهم فيها الأنصبة ، ومقادير الزكاة والجزية والديات ، وكتب الصحابة أمامه ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم وأمر بالكتابة لبعضهم ، وكان علماء الحديث   يتسابقون مع الزمن خشية حضور الأجل، وتركوا لنا هذه الثروة مقرونة بآلة الحكم على الحديث وهي السند ، فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة في تدوين ما ينزل من القرآن ، واتخذ لذلك كتاباً من الصحابة  فكان القرآن يكتب كله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرِّقاع والأضلاع والحجارة وسعف النخيل   وكانت الآية من القرآن تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كاتب الوحي بكتابتها ، في موضع كذا من سورة كذا ، واستمر الأمر على هذه الحال حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن محفوظ مكتوب لا ينقصه إلا الجمع في مصحف واحد ، أما السنة فلم يكن شأنها كذلك ، حيث إنها لم تدون جميعها تدوينًا رسميًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما دُون القرآن ، ولم يأمر النبي أصحابه بذلك ، وقد ذكر العلماء أسباباً عديدة لعدم تدوين السنة في العهد النبوي : منها أن النبي  صلى الله عليه وسلم عاش بين أصحابه بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة ، فكان تدوين كل كلماته وأقواله وأفعاله ، وكتابتها فيه من العسر والمشقة الشيء الكثير ، وذلك يحتاج إلى تفرغ كثير من الصحابة لهذا العمل الجليل ، ونحن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم ، لم يكونوا جميعا يحسنون الكتابة ، بل كان الكاتبون منهم أفراداً قلائل    وكان تركيز هؤلاء الكتبة من الصحابة على كتابة القرآن ، دون غيره من السنة ، حتى يؤدوه لمن بعدهم تامًا مضبوطًا ، لا يُنْقص منه حرف ، ومن الأسباب : الخوف من حدوث اللبس عند عامة المسلمين ، فيختلط القرآن بغيره من الحديث  وخصوصاً في تلك الفترة المبكرة ، التي لم يكتمل فيها نزول الوحي ،  وكان القرآن ينزل فيها مفرقاً حسب الوقائع والأحداث ، إضافة إلى أن العرب كانوا أمة أمية ، وكانوا يعتمدون على الذاكرة فيما يودون حفظه واستظهاره ، ولذلك عُرفوا بقوة الذاكرة وسرعة الحفظ ، وكان نزول القرآن مفرقاً على آيات وسور صغيرة ، أدعى للتفرغ لحفظه واستذكاره ، والاحتفاظ به في صدورهم ، أما السنة فكانت كثيرة الوقائع متشعبة النواحي شاملة لأعمال الرسول وأقواله منذ بدء الرسالة ، إلى أن توفاه الله عز وجل ، فلو دونت كما دون القرآن ، للزم أن ينكبَّ الصحابة على حفظ السنة مع حفظ القرآن  وفيه من الحرج والمشقة ما فيه ، فكان لا بد من توفرهم على كتاب الله حفظاً ودراسة وتفهما    وذلك من أسباب عدم تدوين السنة في العهد النبوي ويمكن أن نفهم سر النهي عن كتابتها في الحديث الوارد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عندما قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) وهذا لا يعني أبداً أن السنة لم يكتب منها شيء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم   فقد وردت آثار صحيحة تدل على أنه قد وقع كتابة شيء من السنة في العصر النبوي ، كما ثبت أن بعض الصحابة كانت لهم صحف خاصة يدونون فيها بعض ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يسميها بالصادقة ، وكانت عند علي رضي الله عنه صحيفة فيها أحكام الدية وفكاك الأسير ، كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  كتب لبعض أمرائه وعمَّاله كتبًا حددَّ لهم فيها الأنصبة ومقادير الزكاة والجزية والديات ، إلى غير ذلك من القضايا المتعددة التي تدل على وقوع الكتابة في عهده عليه الصلاة والسلام .

إذاً فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تدون السنة تدويناً كاملاً كما دون القرآن ، ثم جاء عهد الخلفاء الراشدين ، فلم يدونوا الحديث في الصحف كراهة أن يتخذها الناس مصاحف ، يضاهون بها صحف القرآن ، وأحجموا عن كتابة السنة وتدوينها مدة خلافتهم ، حتى إن عمر رضي الله عنه فكر في أول الأمر في جمع السنة ، فاستفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال : " إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني- والله - لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً " ، وكان هذا الرأي من عمر متناسباً مع حالة الناس في ذلك الوقت ، فإن عهدهم بالقرآن لا يزال حديثاً ، وخصوصاً من دخل في الإسلام من أهل الآفاق ، ولو أن السنة دونت ووزعت على الأمصار ، وتناولها الناس بالحفظ والدراسة لزاحمت القرآن ، ولم يؤمن اللبس به على كثير منهم ، ولم يكن في هذا الرأي تضييعاً للأحاديث ، فقد كان الناس لا يزالون بخير ، ولا تزال ملكاتهم قوية  وحوافظهم قادرة على حفظ السنن وأدائها أداءً أميناً  وقد تتابع الخلفاء على سنة عمر رضي الله عنه ، فلم يعرف عنهم أنهم دونوا السنن ، أو أمروا الناس بذلك ، وهكذا انقضى عصر الصحابة ، ولم يُدَوَّن من السنة إلا القليل ، حتى جاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، فأمر بجمع الحديث لدواع اقتضت ذلك ، بعد حفظ الأمة لكتاب ربها ، وأمنها عليه أن يشتبه بغيره من السنن . لكن هذا التأخر في التدوين فتح مجالاً للوضع ؟! وهي من الشبه التي يثيرها كثير من المستشرقين وأذنابهم ، للطعن في السنة والتشكيك فيها وفي حجيتها ، وأعطى فرصة للمسلمين ليزيدوا فيها وينقصوا ، ويضعوا بذلك أحاديث تخدم أغراضهم ، وقد أراد المستشرقون من وراء هذه المزاعم ، إضعاف الثقة باستظهار السنة وحفظها في الصدور ، والتشكيك في صحة الحديث واتهامه بالاختلاق والوضع على ألسنة المدونين ، وأنهم لم يجمعوا من الأحاديث إلا ما يوافق أهواءهم .

والمتتبع لتاريخ السنة ودواوينها ، يجزم بأنه لم يخل عصر من عصور المسلمين من كتابة الحديث وتقييده  بدءاً بعصر النبي صلى الله عليه وسلم فما بعده ، بل إن الروايات بالأسانيد الثابتة التي تدل على كتابة الحديث في عصره  صلى الله عليه وسلم تبلغ درجة التواتر .

فقد أذن صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالكتابة ، وأمر بعضهم بها ، ومن ذلك أن رجلاً من أهل اليمن قال في فتح مكة : اكتب لي يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اكتبوا لأبي شاة ) كما عند أبي داود . وأخرج البخاري من حديث وهب بن منبه عن أخيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : " ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " ، وكان عبد الله بن عمرو قد استأذن رسول الله  صلى الله عليه وسلم في أن يكتب بيده ما سمعه منه فأذن له ، يقول عبد الله: " كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله  صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : ( اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ) رواه أبوداود . وكتب صلى الله عليه وسلم للملوك والعظماء كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام . أما أحاديث النهي عن الكتابة كحديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم وفيه يقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) فإن هذا النهي كان في أول الأمر حين خيف اشتغال الصحابة عن القرآن ، واختلاط غيره به  ولتوجيه جهود الصحابة الذين كانوا يحسنون الكتابة إلى كتاب الله ، وقد " استقر الإجماع بعد ذلك وانعقد - كما يقول الحافظ ابن حجر - على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم " .

فقد قام جماعة من الصحابة بكتابة ما سمعوه من النبي وبعضهم كتب ذلك في صحف خاصة كالصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكصحيفة جابر بن عبد الله وغير ذلك ، وقد ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب - في كتابه " السنة قبل التدوين " - جملة كبيرة مما كتبه الصحابة رضي الله عنهم في صدر الإسلام ، ومما كتبه التابعون رحمهم الله كصحيفة همام بن منبه ، حتى كثرت الكتابة وانتشرت . أضف إلى ذلك ما كان يتمتع به الصحابة رضي الله عنهم من قوة الحافظة وصفاء الذهن ، فلم يكونوا بحاجة إلى تدوين الحديث بفضل ما وهبهم الله من هذه الصفات ، فحفظوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع حفظهم لكتاب الله ، وأدوه أداءً أميناً لمن بعدهم ، وكانت صدورهم أوعية للحديث استغنوا بها عن استيداعه القراطيس ، ومع ذلك فقد وجد من يكتب ، وبذلك تضامنت الذاكرة والأقلام جنباً إلى جنب في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما التدوين الذي حصل في أوائل القرن الثاني على يد عمر بن عبد العزيز فهي مرحلة متقدمة من مراحل التدوين ، وهو تدوين السنة تدويناً رسميا ً من قبل الدولة ، بحيث تكون مرجعاً يعتمد عليه الناس ويتداولونه فيما بينهم ، وكان أول من استجاب له الإمام الزهري ، فهذا التدوين الرسمي العام لا ينافي أن السنة كانت تكتب قبل ذلك ، ولا ينافي ما كتبه الصحابة وقيده التابعون من قبل ، إذ إن تقييد الحديث ،لم ينقطع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أودع في المصنفات المختلفة .

وبذلك يتضح أن الحديث كان محط أنظار المسلمين ومحل عنايتهم ورعايتهم في مختلف العهود منذ عهد النبي  صلى الله عليه وسلم ، فكان في كل عهوده محفوظاً في الصدور  ومكتوباً في السطور ، وقد تناقله المسلمون بكل حرص وأمانة جيلا بعد جيل بالمشافهة والكتابة ، حتى أودع المصنفات والكتب والمسانيد ، وبذل علماء الإسلام غاية الجهد في خدمته ، فميزوا صحيحه من ضعيفه  وأودعوا ذلك كتباً ظلت موضع قبول الأمة وإجماعها إلى يوم الناس هذا كالصحيحين وغيرهما ، فظهر بذلك كذب هؤلاء المستشرقين وتهافت ادعاءاتهم وافتراءاتهم  والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف حفظت السنة النبوية من الضياع

لقد بعث الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودين الحق    وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة ، وتَكَفَّلَ سبحانه بحفظ هذا الكتاب من التبديل والتغيير فقال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾  ومقتضى ذلك أيضا أن يحفظ الحق سبحانه وتعالى مجمل السنة – التي هي شارحة للقرآن ومبينة لمعناه – من التبديل والتغيير العام . وقد وَكَلَ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مهمة البيان للقرآن  فقال عز وجل : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقال: ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام : يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ ، ويُقَيِّدُ مطلقه ، ويشرح ألفاظه ، ويُوَضِّحُ أحكامه ومعانيه   فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سُنَّتَه التي بين أيدينا .

ولما كان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم بياناً لكتاب الله ، فإنه كان مؤيداً في ذلك من الله عز وجل ، وكانت سُنَّتُه وحياً من عند الله ، كما قال سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى). قال ابن حزم الظاهري : " فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي ، والوحي بلا خلاف ذكر ، والذكرُ محفوظ بنص القرآن " . فصح بذلك أن كلامَه صلى الله عليه و سلم كلُّه محفوظ بحفظ الله عز وجل ، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء  إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء ، فهو منقول إلينا كله ".  الإحكام في أصول الأحكام 1/95 . وقال : " والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيِّه : من قرآنٍ ، أو سُنَّةٍ ". الإحكام في أصول الأحكام"  1/115 . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ولكن هذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله ، كما قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فما في تفسير القرآن ، أو نقل الحديث ، أو تفسيره ، مِن غلط : فإن الله يقيم له من الأمة مَن يبينه ، ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب  فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة ، إذ كانوا آخر الأمم ، فلا نبي بعد نبيهم ، ولا كتاب بعد كتابهم "   الجواب الصحيح  3/38-39 . وقد علق الملا علي القاري في " شرح نخبة الفكر " ص/446 لما قيل لابن المبارك : هذه الأحاديث الموضوعة ! قال : يعيش لها الجهابذة - أي نقاد الحديث وحذاقهم - قال الله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وإنه لمن تمام حفظ الذكر العظيم ، أن يكون بين المسلمين دائماً علماء يستهدون بهداهم في معرفة هذا الذكر، ويسالونهم ويستفتونهم. وإنه لمن أعظم ما يتميز به هؤلاء العلماء الهداة ، هو معرفة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون".

إن بداية عموم الضلال ، أن يذهب من على وجه الارض أمثال هؤلاء العلماء فيذهب بذهابهم العلم بكتاب الله تعالى مع وجود نصوصه فقال عليه السلام :"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا" . وحين يحدث هذا لا تبقى من فائدة في وجود النص القرآني  لأنه لا يكون آنذاك ذِكْراً؛ ولهذا فإن الله تعالى يرفعه إليه، ثم يأذن بقيام الساعة  وكأنه أراد أنه من جملة حفظ لفظ الذكر في قوله تعالى : ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ حفظُ معناه ، ومن جملة معانيه : الأحاديث النبوية الدالة على توضيح مبانيه ، كما قال تعالى : ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ ففي الحقيقة تكفّل الله تعالى بحفظ الكتاب والسنة . قال ابن القَيِّم : " فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فَالْكِتَابُ : الْقُرْآنُ ، وَالْحِكْمَةُ : السُّنَّةُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ "  مختصر الصواعق المرسلة 2/371  .

وإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته صلى الله عليه وسلم : ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر ، وعمل دؤوب مُضْنٍ ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها ، ووضع القواعد التي تضبط روايتها ، وتحدد قبولها من ردها  وتمحص أحوال نقلتها ورواتها . فالسنة تكفل الله بحفظها عن طريق هؤلاء الرواة الذين سخرهم لحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن رجب : " فأقامَ اللّهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقواماً ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم والغلطِ ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ ، وحفظوه أشدَّ الحفظِ ".  تفسير ابن رجب الحنبلي1/605 .

والحاصل : أن السنة محفوظة من الضياع ، وكل ما تحتاجه الأمة منها قد نقله العلماء وحفظوه في الصدور والسطور .

وعلى الرغم من الكم الهائل من الكتب التي تم إتلافها على أيدي التتار في بغداد  إلا أن هذا لم يؤثر على حفظ السنة شيئاً ، فالسنة النبوية محفوظة في صدور العلماء قبل كتبهم ، فضلا عن انتشار كتب الحديث ونسخه في كافة أصقاع العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه.

 غير أننا ننبه هنا إلى أمرين :

الأول : أنه ليس معنى ذلك أن كل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فقد حفظت ونقلت لنا ، وهي بين أيدي الناس الآن ، بل المراد أن كل ما يحتاجه الناس في أديانهم من أحكام وشرائع ، فهي محفوظة بحفظ الله ، لم يضع منها شيء .

الثاني : أنه ليس معنى ذلك أن كتابا واحدا قد ضمها ، أو ضم الميسور في أيدي الناس منها ، أو أن عالما واحدا قد جمعها وحواها ، حتى لا يخفى عليه منها شيء ؛ بل المراد أن علم جميعها موجود في الأمة ؛ فإذا ذهب علم شيء منها على عالم ، وجد عند غيره ، وإذا خفي في بلد ، ظهر في غيره .   

 أن السنة النبوية الصحيحة السالمة من كل شذوذ وعلة؛ هي المصدر الثاني للتشريع . وأن صحيحي البخاري ومسلم؛ هما أصح كتب السنة على الإطلاق وأدقهما إتقاناً وانتقاءً، وأن الأصل إذا جاء الحديث في الصحيحين أو أحدهما أنه صحيح، إلا إن يبين أحد أهل العلم ملحظاً آخر في ذلك، فالقضية تكون محل اجتهاد . وإن قضية التصحيح والتضعيف والتعليل والنقد الحديثي بعامة قضية اجتهادية، لها قواعدها وضوابطها، لكن ميدان الاختلاف فيها قائم ومسوّغ شرعاً وواقعاً، وحسبنا في ذلك مئات الأحاديث التي اختلفت أقوال الأئمة فيها أو في أسانيدها أو في ترجيح بعض رواياتها على بعض عند الاختلاف. وأن الأصل الذي اتبعه جميع أئمة النقد الحديثي هو شدة التحري والتدقيق، لأنهم إذ يناقشون حديثاً ما؛ إنما يناقشون الرواة الذين نسبوا هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن يناقش واحد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وشواهد ذلك كثيرة جداً. ومن الأصول المتفق عليها واقعياً وعملياً أن الدين بجميع أحكامه وفروعه وتفصيلاته قام واستقام واكتمل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا واكتمل كل شيء وعلم الصحابة بمجموعهم هذه الأحكام قاطبة، وطبقوها عملياً، وتناقلها الفقهاء والمحدثون عنهم، فلا يمكن أن يأتي أحد من المتأخرين ليكتشف شيئاً جديداً، ومن ثم فلقد قام واستقام فقه الأئمة المتبوعين في أزهى عصور المسلمين عصر الفتوحات، وكل ذلك قبل تدوين البخاري ومسلم لصحيحيهما. بل ونجد أئمة الفقه قد تركوا العمل بأحاديث لسبب ما؛ مع أن البخاري أو مسلم أو كلاهما قد خرجا ذلك في كتابيهما، والعكس، بل قد يأتي الحديث الذي صح سنده ويقول لك بعض أئمة الحديث: ليس عليه العمل ـ وبقطع النظر عن موافقة الأئمة له ـ كما قال الترمذي في مقدمة العلل الصغير في حق حديث الجمع في الحضر. وإذا كان ما ذكر محل اتفاق إجمالي بين أهل العلم، فإني أعتقد أن هذه القضايا صالحة لتكون أساساً لحوار علمي جاد، بعيداً عن التنابز والتنافر وإساءة الظن وتوزيع الاتهامات والافتراءات والشتائم وتحريف القول عن سياقه وتقويل الآخرين ما لم يقولوه وتهويل الأمور وإثارة عواطف الآخرين بفزاعات الحفاظ على السنة والدفاع عنها، وادعاء الحرص ونفيه عن الآخرين، وتوظيف نُقُولٍ عمن نحبهم كما نشاء، وتأويلها وفق رغبات خاصة، وتنزيل نصوص أخرى منقولة عن رجال ـ مهما كان شأنهم ـ وكأنها قرآن يتلى، لنجعل منها حجة على الآخرين ومصدر إلزام، وأن يكون مصدرنا الوحيد الكتاب والسنة ! .

وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من التذكير ببدهيات:

1. ليس لأحد كائناً من كان أن يدعي احتكار الحقيقة، أو الفوز بها ـ  وعلينا أن نتعامل مع المخالف على هذا الأساس.

2. ليس لأحد أن يدّعي حرصاً على الحق والخير ونصرة السنة، وينفي ذلك عن الآخرين، وكأنه عالم بالغيب وبما في قلوب العالَمِين.

3. ولا يجوز أن يكون مجرد الاجتهاد في حديث ما إثباتاً أو نفياً، أو رأيُ فقيه، أو تفسيرُ آية؛ سبباً في خصومة أو اتهام أو نسبة الآخرين إلى بدعة أو انحراف، ما دام قد التزم الأصول المتفق عليها، المعلومة من الدين ضرورة  ودار الاختلاف والنقاش حول ما هو محل اجتهاد.

4. وليس لأحد أن يدعي أن ما ورد بحديث آحادي أصبح قطعياً لا يمكن مناقشته، وإلا لما جاز أن يرد البخاري أحاديث صححها مسلم، والعكس، أو أن يرد بعض الصحابة أحاديث منسوبة لرسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهذا بقطع النظر عمن هو صاحب الحق في ذلك، وبقطع النظر عن حجمها وعددها، إذ المقصود المبدأ والمنهج. 

5. كما أن أي حوار علمي لا بد أن يلتزم بآداب القرآن وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أما توزيع الشتائم والتسلح بالسباب والافتراءات ونسب المخالفين إلى بدع الروافض واتباع المستشرقين أو نعتهم بالجهل والغرور لمجرد مخالفة رأي في حديث؛ فهذا أبعد ما يكون عن التحقيق العلمي والأدب النبوي.

ولا يمكن أن يكون الاجتهاد في حديث مهما كان المصحح له مقتنعاً بصحته سبباً لعداء أو اتهام بالعداء للسنة أو التشكيك فيها، فهل كان البخاري عندما رد حديث التربة أو حديث كتابة السنة عدواً للسنة ؟ أم هل كان الألباني عندما ضعّف العشرات من الأحاديث في صحيح مسلم عدواً للسنة ؟ ومرة أخرى أقول: هذا بقطع النظر عمن يكون الصواب معه.

إنه لمن الإرهاب الفكري الخطير أن يجرد أحدهم سطوة لسانه وقاذع شتائمه وألوان افتراءاته على الآخرين باسم الانتصار للسنة، وكأنه المنصب للدفاع عن الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.

 

 الرد على منكري أهمية السنة

على من يؤمن بالقرآن الكريم ، عليه أن يؤمن بالسنة النبوية ، فالقرآن نقل في بداية الأمر عن طريقه صلى الله عليه وسلم وكذلك السنة النبوية قال تعالى : ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ فما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية هو إيحاءٌ من الله تعالى إليه ، ولكن لفظه من عند رسول الله أو على لسان الصحابة عند وصفهم لصفاته وأفعاله، وهي تختلف عن القرآن الكريم بأنّها غير معجزةٍ كالقرآن الكريم من الناحية اللغوية ، وأنّ قراءتها لا تعتبر عبادةً كالقرآن الكريم، وأمّا من ناحية الإعجازات الأخرى فنجد في السنة النبوية العديد من الإعجازات المختلفة التي توسع فيها العلماء ، لهذا فإن السنة هي الأصل المعتمد بعد كتاب الله عز وجل بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط فقد ضل ضلالاً بعيداً، وكفر كفراً أكبر، وارتد عن الإسلام ، وبهذا الاعتقاد يكون قد كذَّب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله وجحد أصلاً عظيما فرض الله الرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به وأنكر إجماع أهل العلم عليه، وكذب به وجحده .  

إن أهمية السنة بالنسبة للقرآن من ناحيتين الأولى : تبيين الكتاب لقوله تعالى : ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ فلا يمكن العمل بالأحكام الشرعية التي تضمنها القرآن بدون السنة النبوية التي تفصل المجمل وتوضح المشكل وتقيد المطلق ، فكيف نعرف أوقات الصلاة وعدد ركعاتها وسجداتها وما يقيمها وما يبطلها ، إلى سائر أحكامها وكثير أنواعها ، وما الذي تخرجه من زكاة مالك إذا لم تسترشد بالسنة وكيف تؤدي مناسك الحج ، لهذا فالقرآن بحاجة إلى السنة ورحم الله الأوزاعي إذ يقول : " الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب  ولا عجب فإن المجمل في حاجة إلى البيان " .

وأما الثانية : الاستدلال بتشريع الأحكام ، لقوله تعالى : ﴿ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ ، ثم كيف ننكر استقلال السنة بتشريع الأحكام ، وقد أخرج أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يوشك رجل منكم متكئاً على أريكته يحدِّث بحديث عني فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل الذي حرّم الله ) زاد أبو داود ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ) . وقد حرّمت السنة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ، ولا ننسى ما في السنة من آداب واخلاق وقصص ومواعظ وجملة القول أن الكتاب والسنة ينبوع هذا الدين .  

  رد الطعن في السنة النبوية

 كان الإسلامُ ولا يزال يُبتلى بمَنْ يُناصِبُه العداوةَ في جهلٍ وغرورٍ مِنْ دُعَاةِ تلميع الباطل وتمييع الحقِّ وترويجِ الإلحاد إلى يوم الناس هذا، والحمدُ لله الذي قيَّض لهذه الأمَّةِ رجالًا أُمَناءَ مِنْ أهل السنَّة يدافعون عن الحقِّ ويذبُّون عن السنَّة، ويكشفون مَكْرَ أهل الباطل ومكايدَهم، ويرفعون الغطاءَ عن سرائرهم وما تخفي صدورُهم وما تُضْمِرُ قلوبُهم، فيَقْعُدون لهم ولِمَا يروِّجونه مِنْ فسادٍ وإفسادٍ كُلَّ مَرْصَدٍ، فيَقْطَعون عنهم ـ فيما وَسِعَهم ـ حَبْلَ إغوائهم، ويحفظون الأمَّةَ مِنْ عدوى أمراضهم، فيذهب باطلُهم زاهقًا، وتبقى كلمةُ الله هي العليا.

 لقد حفظ الله عز وجل دينه من عبث العابثين، وكيد الكائدين، وتمثل هذا الحفظ في صور عديدة وأشكال مختلفة، ولا يخفى هذا الأمر على منصف خلع العصبية المقيتة، وتحلى بالعدل الذي هو ميزة العقلاء، فإن كتاب الله قال الله عنه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر:9.

فهذا المصحف الذي نسخ منه مئات الملايين من النسخ، وعبر الأزمان المتفاوتة، منذ نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ، مع كل هذا محروس من الزيادة والنقصان، فلو أخذ إنسان نسخاً من القرآن من مكتبات الدنيا كلها لوجدها متفقة لا اختلاف بينها.

أما السنة النبوية التي هي بمثابة الشرح للقرآن، فقد هيأ الله من يحفظها من جهابذة الرجال، الذين بذلوا أنفسهم لهذا الشأن العظيم من أمثال الإمام البخاري الذي بدأ طلب الحديث في بلده بخارى ، فأخذ العلم عن شيوخها  ثم سافر من بخارى إلى بلخ ومن بلخ إلى مرو ، ومن مرو إلى نيسابور   ومن نيسابور إلى الري ، ومن الري إلى واسط ، ومن واسط إلى البصرة  ومن البصرة إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى بغداد ، ومن بغداد إلى المدينة المنورة ، ومن المدينة إلى مكة ، ومن مكة إلى جدة ، ومن جدة إلى عيذار بحراَ ، ومن عيذار إلى الفسطاط ، ومن  الفسطاط إلى عسقلان ، ومن عسقلان إلى قيسارية ، ومن قيسارية إلى دمشق ، ومن دمشق إلى بغداد  ومن بغداد عاد البخاري إلى بلاده بنفس الاتجاه ، وقد بلغ مجموع المسافات التي قطعها البخاري أربعة عشر الف كيلو متر قطعها ، ما بين المشي على الاقدام وبين المشي على الدابة ، لذا نرى من الظلم الطعن في إمام هذا حاله ، قد أمضى ستة عشر سنة يقطع فيها هذه المسافات مرتحلاَ من بلد إلى بلد ليروي لنا كتابه الصحيح عن الشيوخ والرواة ، ومما يثير الدهشة أن الطاعن في صحيح البخاري إلا ما ندر لا يحفظ عشرة أحاديث بأسانيدها كاملة ، بل واتحدى الطاعنين إلا ما ندر أن يكون قرأ صحيح البخاري ، فتراهم يرددون نفس الشبهات ونفس الأحاديث ونفس الاشكالات التي كتبها النصارى وكتبها المستشرقون ، وكررها الباطنيون وجاء العلمانيون والقرآنيون بنفس الاشكالات يرددون  فالطاعنون لم يضيفوا شيئاً لأنهم لم يقرأون بل يرددون ما قيل كالببغاوات ، وحتى الابداع في النقد لا يفهمون ، لأنهم لا يدرون ماذا صنع البخاري عندما انتهى من كتابه ، لقد عرضه على كبار علماء الاسلام ، وأبرز حفاظ السنة وأئمة الدين في عصره ، الذين شهدوا له ، فقد قرأوا كتابه كله ثم امتحنوا الإمام البخاري ، فكانت النتيجة أن استحسن العلماء كتابه وشهدوا له بالصحة والاتقان ، وانتقدوه فقط في أربعة أحاديث ،  نسبة لا تذكر ، ثم إن نقد أولئك العلماء ومن جاء بعدهم كان نقداً علمياً يناءاً على الشروط الشديدة التي وضعها البخاري نفسه وهي هل الأحاديث متوافقة مع شروط البخاري أم لا ، ومع ذلك بعد مراجعة العلماء لصحيحه ، أعاد النظر في كتابه عدة مرات وتعاهده بالتهذيب والتنقيح ، مما يدل على أنه لم يكن عملاً فرديا بل كان عملاً جماعيا بكل دقة واحترافية ، ومع ذلك لا يقال أن البخاري معصوم فهو يصيب ويخطئ في حياته العادية ، لكنه كما يقول احد الدعاة كان الإمام البخاري إذا أخذ مجلسه ومسك قلمه فإنه لا يخطئ ليس لأنه معصوم ولا لذاته بل لكمال منهجه فقد اختار الأحاديث وفق منهج شديد وشرطه لقبول الأحاديث شرط شديد ، فقد سار على ذلك المنهج وذاك الشرط ، فمثلاً الآلة الحاسبة ما بالها تصيب في كل عملية حسابية أهي معصومة أم الذي اخترعها معصوم لا يخطئ  لا يقول بذلك أحد ، فالحديث ليس عن العصمة ، بل الحديث عن الاتقان ، فكما أتقن المخترع اختراعه كذلك أتقن البخاري كتابه ، لذا قال عنه أبو الطيب حاتم بن منصور الكسي - كما في السير للذهبي -: محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم.

وقال رجاء الحافظ: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، وقال: هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض. ويقول محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل (البخاري). ولذا كان صحيحه،

وصحيح الإمام مسلم الذي قيل في ترجمته ما قيل في الإمام البخاري من حيث الحفظ والإتقان والزهد والعبادة محل قبولٍ عند الأمة، وذلك لجلالة هذين الإمامين ورسوخ أقدامهما في معرفة الحديث ورجاله ، ولتوافر شروط الصحيح فيهما في أعلى درجاته، ولا يطعن فيهما إلا مبتدع ضال، يهدف من وراء تشكيكه فيها إلى هدم مبنى الشريعة، وأنى له ذلك، وكلام السلف والخلف رادع له ولأمثاله، وإليك بعض نصوصهم:

قال الإمام النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول.

ويقول الشهرزوري: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع، والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقة. انظر صيانة صحيح مسلم: 1/85. ويقول أبو المعالي الجويني: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنّثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. صيانة صحيح مسلم: 1/86.

وبعض المبتدعة يرد نصوص السنة بحجة أنها آحاد لا يلزمه اتباعها، أو ظنية الدلالة فلا يلزمه قبولها، وهو بذلك يحرم نفسه نور الوحي، وهدي الله ، وما علم أن القرآن وإن كان قطعي الثبوت، فأكثره ظني الدلالة، والسنة أكثرها ظني الدلالة ظني الثبوت ، توضيح ذلك - قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ، وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ ، فهذا معنى ما كان من النصوص قطعي الثبوت والدلالة وهو ما لا مجال للاجتهاد فيه، وما كان ظني أحدهما أو ظنيهما فهو مجال اجتهاد العلماء  - فمن اشترط للاحتجاج بالأدلة أن تكون قطعية الثبوت والدلالة، فقد رد معظم الشريعة وناقض إجماع الأمة. يقول الإمام ابن عبد البر في التمهيد (1/2): وأجمع أهل العلم من أهل الفقة والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل ، وإيجاب العلم به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، وعلى هذا أجمع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج، وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافاً، وخبر الواحد - هو الرواية أو الحديث الذي لم يصل إلى حد التواتر ولا يفيد العلم بنفسه، بل بانضمام القرائن إليه ، ومعنى التواتر : أن يكون العدد كثيراً بما يحقق استحالة تواطئهم على الكذب - وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما يعلمه. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر ، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده. وعلى ذلك جماعة أهل السنة. وقال الإمام القرطبي في تفسيره (2/152): وهو مجمع عليه (أي قبول خبر الآحاد) من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحاداً للأفاق ، ليعلموا الناس دينهم، فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي. والله أعلم.

ومن المعلوم عند أهل العلم الثقات ورثة العلم الصحيح عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البخاري ومسلماً قد اشترطا أعلى درجات الصحة، ومن هنا فقد جعل هؤلاء العلماء أعلى مراتب الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري...إلخ.

وقد قام بعض العلماء بانتقاد أحاديث يسيرة في الصحيحين كالإمام الدارقطني في كتاب الإلزامات والتتبع، وقد تصدى للرد عليه جمع من علماء الحديث كالحافظ ابن حجر والإمام النووي، وبينوا أن الحق في أغلبها مع الإمام البخاري، قال الإمام النووي في مقدمة شرح مسلم: قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما، ونزلت عن درجة ما التزماه ، وكم هنالك من الفرق بين انتقاد الدارقطني وغيره وبين طعن الطاعنين على البخاري، بل وعلى الصحابة رضي الله عنهم، بل وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما يتكلم بعض العلماء على بعض الأحاديث في الصحيحين ولو بالضعف فذلك لا يقلل من مكانة هذين الكتابين، إذ لم يجعل الله العصمة إلا لكتابه، ثم إن هؤلاء العلماء إنما يتكلمون عن أسس وقواعد سليمة، ويمكن الحوار معهم من منطلق هذه القواعد، أما أن يتكلم الطاعنون الضالون فهذا أمر عجيب لأنهم يختلفون معنا أساساً في أصول التلقي، فهم يكفّرون أكثر الصحابة لا يستثنون منهم إلا النزر اليسير، إذن فالأمر عندهم ليس تضعيف بعض الأحاديث في صحيح البخاري، بل الطعن في البخاري نفسه، ومن يروي عنهم بسنده إلى الصحابي نفسه، وعلى هذا فمدار الحوار مع هؤلاء ليس في هذا الأمر المسؤول عنه، بل في تلك الأصول التي لو رجعوا فيها إلى الحق لهان الأمر بعد ذلك، وأمكن البحث عن مدى صحة القول بوجود أحاديث غير صحيحة في صحيح البخاري.

أما كلام الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في قوله: إن في الصحيحين أحاديث منتقدة صحيح، ولكنها قليلة وأغلبها لم يكن الانتقاد فيه مسلَّمًا. والله أعلم.

 

 من يقود الهجوم على السنة النبوية  

هناك جهات تقود ضد الإسلام حرباً فكرية تدعمها بالمال والإعلام والتزييف والتدليس والقهر السياسي.

يأتي في هذا الإطار ، الهجوم على السنة النبوية ، وعلى كل ثوابت الإسلام؛ هجوم على الشريعة بالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وهجوم على أهل السُّنة والجماعة بمسمى محاربة الوهابية والتطرف ودعم الصوفية، وهجوم على عقيدة الولاء والبراء بدعوتي (التسامح والتقارب بين الأديان)، وهجوم على كل شيء له علاقة بالإسلام الحقيقي، وفي المقابل طرح إسلام بديل بلا قواعد ولا ضوابط يسمى الإسلام الليبرالي؛ يتوافق مع المضمون العَلماني الغربي ولا يحمل من الإسلام نفسِه سوى الشعار، ومن ثَمَّ يتخلص الغرب الأمريكي من صراعه الحضاري مع الإسلام بحسب تصور قادة الفكر لديه من أمثال ليونارد لويس وفوكوياما  وهينتنغتون.

فإن الهجوم على السُّنة النبوية ، يستهدف القضاء على الإسلام بالكامل؛ لأنه يستهدف الهجوم على القرآن أيضاً بشكل مباشر؛ لأن إسقاط السُّنة يعطي الفرصة لكل مغرض وحاقد على الإسلام أن يفسر القرآن تبعاً لما يمليه عليه هواه؛ لأن السُّنة «هي التي تبيِّن مجمله، وتقيد مطلقه وتخصص عامَّه... وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر فتُعيِّن السُّنة أحدهما» .

  السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص 344 د. مصطفى السباعي-  وها هو المتحدث باسم القرآنيين المصريين (عصابة القرآنيين، أو الأحق: زاعمو القرآنية) المدعو عثمان محمد علي ابن أخ زعيمهم أحمد صبحي منصور يؤكد ما نقول؛ حيث يذهب إلى أنه بإسقاط السُّنة «أصبحت المحرمات والمسلَّمات والثوابت السابقة المزعومة مادة ممكنة للبحث والاستنباط والتمحيص والمناقشة واستخراج سوءاتها وسيئاتها وتعريتها وتعرية رجالها؛ لنتعلم من أخطائها، ولنفرق من خلالها بين الإسلام والمسلمين وبين ما في القـرآن وما طبَّقـه المسلمون، ولنتعلم أن نقف مع الحق ولو كان ذلك على حساب رجال كنا نعدهم من الصالحين ظاهرياً مثل الصحابة والتابعين والفقهاء» موقع القرآنيين.؛ فأين هذا الإيمان بالقرآن لدى رجل يسخر من كل الثوابت والمحرمات والصحابة؟

إن الأمر لا يعدو كذبة مزعومة للتستر على الإلحاد والعمالة ومن ثَمَّ ليس غريباً أن يكون أحمد صبحي منصور زعيم مدعي القرآنية أحد المشاركين الرئيسيين في مؤتمر أمريكي حول (الكفار المسلمين). هكذا بكل صراحة؛ حيث نشرت وكالة الأنباء الأمريكية خبراً جاء فيه: «إن حركة القرآنيين تعتزم تنظيم مؤتمر غير مسبوق هو الأول في أمريكا (للكفار من المسلمين سابقاً) حسب ما بثته الوكالة، كما نشرت مضمون بيان أصدرته يقول: (إن المؤتمر سيُعقَد في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية تحت اسم «الاحتفال بالكفر... التفكير الناقد من أجل الإصلاح الإسلامي)، وجدير بالذكر أن مؤتمر «الاحتفال بالكفر» جاء في إطار سلسلة متواصلة من المؤتمرات والفعاليات المناهضة للإسلام في الولايات المتحدة، ومن أبرز تلك الفعاليات مؤتمر «انتقاد القرآن» الذي رعاه كبار المحافظين وشارك فيه عدد من الليبراليين الجدد» شبكة محيط: 15 سبتمبر 2010م..

 إن حركة منكري السُّنة قد نشأت برعاية الاستعمار الإنجليزي من خلال فرقة (القاديانية) وفرقة (أمة مسلمة) التي أسسها أحمد الدين أمر تسري بمدينة أمستر الهندية، فقد كان من الطبيعي أن تحتضن الولايات المتحدة فرقة زاعمي القرآنية التي هرب زعيمها أحمد صبحي منصور إليها بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجون المصرية، وكان أيضاً تحت الرعاية الأمريكية قبلها؛ من خلال مشاركته في مركز ابن خلدون (المشبوه).

وفي عام 2004م أصدرت مؤسسة راند تقريرها الشهير الذي أصدرت معه ملحقاً خاصاً سمي (حرب الأحاديث) جاء فيه: «إن معظم الجهود الحالية لإصلاح الإسلام ترتكز حول الخلاف على أحكام وممارسات محددة فيه هي محل انتقاد من غير المسلمين؛ خاصة أنها لا تتناسب مع العصر الحديث» الإسلام الديمقراطي المدني، موقع ترجمات الزيتونة ديسمبر 2004م.، وتضيف الدراسة «أن القرآن بشكل عام فوق النقد (وإن كان الأمر غير متفق عليه عالمياً)؛ إلا أنه هناك قضايا كثيرة لم يتطرق إليها، أو أنه يشير إليها بغموض؛ ولذلك فإن الخلاف بين التيارات الإسلامية يقوم على أساس رؤيتهم وتفسيرهم للحديث الشريف» نفس المرجع السابق .

ثم تنتقل الدراسة إلى التشكيك بأهم مصادر الحديث الشريف مثل صحيح البخاري، والطعن في قدرة البخاري نفسه على التوثق من صحة الأحاديث، وتَخلُص الدراسة بعد ذلك إلى أنَّ «احتضانَ إسلامٍ أكثر ديمقراطية يتطلب العمل على ثلاثة خطوط متوازية في ما يتعلق بموضوع الحديث الشريف: أولاً: يجب تثقيف العامة وتعليمهم بشكل أفضل كيفية فهم دينهم بأنفسهم دونما حاجة إلى البقاء تحت رحمة سلطة دينية غير نزيهة وغير مثقفة نصَّبت نفسها بنفسها.

ثانياً: حتى يحدث ذلك يجب توفير مادة من الأحاديث المناقضة لما هو بين يدي العامة لهؤلاء الذين يريدون مجتمعات أكثر تسامحاً ومساواة وديمقراطية وهم مقتنعون أن هذه التغيرات التي يسعون إليها (غير إسلامية).

ثالثاً: تشجيع الاجتهادات الفقهية التي يقوم بها بعض الفقهاء هنا وهناك، ممن لم يحصروا أنفسهم بمدرسة فقهية معيَّنة، بل إنهم يمزجون القوانين الإسلامية بالقوانين المدنية ليَخرُجوا باجتهادات جديدة... مثل هذه الجهود المتفرقة يجب جمعها ووضعها بين يدي الفقهاء والمهتمين من الجمهور في العالم الإسلامي» نفس المرجع السابق .

وما لبثت هذه المخططات أن وجدت صداها العملي على أرض الواقع؛ ففي الأربعاء تشرين الأول من عام 2004م عقد مركز ابن خلدون مؤتمراً سياسياً ودينياً «يدعو إلى إصلاح الدين الإسلامي بحضور سفارَتَي (أمريكا وإسرائيل) وهيئة المعونة الأمريكية» شبكة البصرة: الخميس 21 تشرين 2004م.. ومن المهم ذكر بعض الأسماء التي حضرت هذا المؤتمر لنعرف أن المسألة ليست مسألة فكر واجتهاد، بل هي مسألة إلحاد وعمالة؟ خصوصاً أن من بين الأسماء أناساً ما زالوا يموِّهون على الناس ارتباطهم بالإسلام   هذه الأسماء هي: سيد القمني، وجمال البنا، ومحمود المراغي (قيادي في الحزب الناصري)، والصادق المهدي (رئيس حزب الأمة السوداني)، ومحمد شحرور (كاتب سوري)، وصلاح الدين جورشي (كاتب تونسي)، وإبراهيم عيسى. ومما هو لافت للنظر أن سعد الدين إبراهيم وجه الدعوة لأكثر من أربعين شخصية عامة لكنها قابلت الدعوة بالتجاهل.

ويعلق الأستاذ سيد ياسين (الرئيس السابق لمركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام) على المؤتمر فيقول: غير أن أخطر توصية تبناها المؤتمر هي دعوته إلى تنقية التراث الديني من الحديث النبوي الشريف، والاعتماد فقط على نصوص القرآن مرجعية وحيدة، والتصدي لأفكار المؤسسات التي تحتكر الحديث باسم الدين، وخلق مدرسة اجتهاد جديدة في القرن الحالي.

ومن هنا يمكننا القول: إن هذه التوصيات تكاد تكون إعادة إنتاج (شكلاً ومضموناً) لتوصيات شيرلي بيرنار في تقرير مؤسسة راند، وخصوصاً في ما يتعلق برأيها في السُّنة وخطورة الأحاديث النبوية. ومعنى ذلك بكل بساطة: أن المؤتمر الذي نظَّمه مركز ابن خلدون وموَّلته الولايات المتحدة، كان تطبيقاً عملياً لتوصيات تقرير راند عن الإسلام المدني الديمقراطي. ومما يلفت النظر بشدة: أن هذا المؤتمر لم يقنع بإصدار هذه التوصيات المثيرة للجدل الشديد، ولكنه خطا خطوة أبعد لها دلالة مهمة؛ حين اعتبر بيان المؤتمر الحاضرين فيه نواةً أساسيةً لحركة جديدة تسمى الإسلاميون الديمقراطيون في العالمين (العربي والإسلامي)، وتجري دعوتهم بصفتهم الشخصية مرتين في العام لمتابعة التوصيات الختامية للمؤتمر. ومعنى ذلك أن توصيات التقرير الذي نشرته مؤسسة راند الأمريكية التي تمثل العقل الإستراتيجي الأمريكي لشيرلي بيرنار عام 2003م جرى تطبيق توصياته باسم الإسلاميين الديمقراطيين كما أوصت بذلك شيرلي بيرنار؛ حين دعت لتوحيد صفوف الإسلاميين الحداثيين، بل وبعض الإسلاميين التقليدين، الذين يوافقون على تحديث الدين الإسلامي بناءً على الرؤية الأمريكية   المرجع السابق. ومما يسترعي الانتباه أن الأستاذ السيد ياسين يذكر في هذا المقال أن سعد الدين إبراهيم وصف جمال البنا في المؤتمر بأنه (دينمو العمل)، وحق هذا؛ فقد وصفتُ الرجل أيضاً في كتابي (الإسلام الليبرالي) بأنه (المهندس الفكري للمشروع الأمريكي في هدم الإسلام). وللرجل طبعاً أعماله المتعددة في هذا الاتجاه، ولكن ما يهمنا بعد إدراكنا لعلاقته المباشرة والعميقة بالمخطط الأمريكي هو إبراز جهوده المتواصلة في الهجوم على السُّنة النبوية. في أواخر التسعينيات أصدر جمال البنا كتابه (السُّنة) الذي حشد فيه كل شبهات المنكرين للسُّنة في القرن العشرين وبعد أن كرر هجومه في عشرات الكتب التي أصدرها بعد ذلك، خصص كتاباً غاية في التطاول على الإسلام هو (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم)، ولماذا لا يفعل هذا إذا كانت الدعاية الأمريكية له جعلته من خلال القنوات الإعلامية التابعة لها (قنوات فضائية، صحف، مواقع إنترنت) أشهرَ مفكر في الواقع المعاصر رغم أنف الجميع؟

ومما تجدر الإشارة إليه هنا ، هو فضح أكذوبة الهجوم على الأحاديث النبوية والدفاع عن القرآن؛ وأن هؤلاء على علاقة بالرعاية الأمريكية في هجومهم على الإسلام؛ فكثير من الأحاديث النبوية التي هاجمها جمال البنا في كتابه تتطابق تماماً مع بعض آيات القرآن الكريم أو مع المعنى العام لها، مثال ذلك: إنكاره لحديث : ( من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبه ) أخرجه البخاري. حيث قارن هذا بقوله تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}القدر: ٣، وحديث: ( يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعةً، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ) أخرجه مسلم . ورفضُه هنا مبعثه أن الحديث يذكر صفةً للذات الإلهية على حد قوله؛ مع أن الآية القرآنية تقول:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}القلم: 42. ومن هذا المعين الأمريكي يدفع بهذا أو ذاك ليردد مقولات هذا التراث العفن نفسها في الهجوم على السُّنة النبوية، وهو الذي جرى الرد عليه مراراً وتكراراً من العلماء والمفكرين.

 

 

 

   الحملة المفتراة على صحيح البخاري أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن  

كثرت السهام التي توجه للإسلام ، وللقضايا المسلَّمة ، عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان ، وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام  كقول المفترين : إن السنة ليست مصدراً للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم ، وقولهم : إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي صلى الله عليه و سلم بلفظه بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى ، وقول بعضهم : إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات . وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها قديماً وحديثاً . 

أما علموا أن الأمة تلقت  صحيح البخاري منذ اثني عشر قرنا بالقبول والرضا جيلا بعد جيل، الخاصة منها والعامة حتى إن الناس إذا أرادوا أن يهونوا من خطأ وقع فيه إنسان قالوا: "إنه لم يخطئ في البخاري" وجاء من يفتري ويقول:  "صحيح البخاري ليس كله صحيحا- وليست هذه الأحاديث مفتراة بل منكرة". افتراء تقشّعرُّ له الأبدان من سمع به أنكره واستبشعه، والعجب أن الافتراء المثير سلك للتدليل عليه منهجا غير مستقيم، منهجا لا يرضى عنه العلم، ولا يرضى عنه الخلق، ولا يرضى عنه الدين.

فقد مهد المفتري للحملة على صحيح البخاري بذكر جملة من الأحاديث الموضوعة أو التي لا أصل لها بالإجماع، مع عدم الحاجة إلى ذكر هذه الأحاديث، فقد وئدت في مهدها بفضل جهود أئمة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في سبيل خدمة السنة النبوية، وتنقيتها من زيف المزيفين، وانتحال المبطلين، وقد قيل للإمام عبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة! فقال: "تعيش لها الجهابذة" وصدق عبد الله فقد عاشوا لها، وماتت هي ولله الحمد، وحفظ الله دينه، وصدق وعده:﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ الحجر:9. ولا ريب أن حفظ الذكر "القرآن" إنما يتم بحفظ ما يبيّنه ويشرحه، وهي السنة التي خاطب الله صاحبها بقوله: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ النحل:44. لم يكن من الجد أن يحشر المفتري  مجموعة من الأباطيل المكشوفة مثل .."عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا" ونحوه، فإن أصل الموضوع الذي جرت فيه المناقشة هو تنقية كتب التفسير والحديث مما فيها من شوائب وإسرائيليات فما لهذه الكتب ومثل "اتخذوا الحمام المقاصيص.." ..الخ؟؟  إن إيراد ذلك في مثل هذا المقام يوهم القراء أن كتب الحديث روت هذه الأباطيل أو اعتمدتها، أو سكت علماء الحديث عن بيان درجتها، وهو إيهام غير صحيح قطعا. وهو يدل على أن الغرض من وراء هذه الحملة إنما هو التشويش والتشكيك في الإسلام ومصادره وأئمته بالجد والهزل والهدم بكل معول تناله اليد. وأغرب من ذلك أن الذي ذكر هذه الأحاديث الباطلة المفضوحة بلا شك،  وقال المفتري : إن في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمر، في مخالفة أمر ما أمر الله به عباده وأنزله في محكم كتابه".

فهل يعقل أيها المفتري أن صحيح البخاري وكتب الحديث فيها أدهى وأمر من الأحاديث المكذوبة المفتراة التي ذكرها !! أما والله لو صح ذلك لكان هذا أعظم المكتشفين في العصر الحديث، لأنه كما يزعم أزاح الستار عن حقائق غابت عن الأمة الإسلامية اثنى عشر قرنا، حتى أتى هو آخر الزمان بما لم تستطعه الأوائل!! فما هذه الأحاديث التي رواها البخاري وهي أدهى وأمر مما ذكر من الأكاذيب والأباطيل؟ لقد تمخض الجمل ولم يلد شيئا، فقد ذكر حديثين رواهما البخاري (كما يقول) زعمهما مخالفين لكتاب الله.  

الحديث الأول: رواه البخاري في كتاب الحيض عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) وقال : ونسبوا مثل ذلك إلى "ميمونة" إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم . يرى ذلك مخالفا للآية الكريمة :﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾.

وكان عليه أن يجلو لنا وجه المخالفة والتعارض بين الآية والحديث، وذلك لا يكون إلا ببيان المراد من الاعتزال المأمور به في الآية، والمباشرة المروية في الحديث، ليبين للقارئ أهما متعارضان حقا أم لا؟ فالذي يبدو أنه إما فسر المباشرة بأنها الجماع، فقد تطلق على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ البقرة:187. وإما أنه فسر اعتزال المرأة في الحيض بأنه اعتزال فراشها وتحريم جميع بدنها على الزوج!!وكلا التفسيرين خطأ. أما تفسير المباشرة بالجماع، فيرده لفظ الحديث نفسه، إذ تقول عائشة (يأمرني فأتزر فيباشرني) والاتزار: شد الإزار على الوسط وأمرها بذلك يبين المراد من المباشرة . يؤيد ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة نفسها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب) ومثله عن ميمونة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض) . ولو رجع المفتري  إلى مصدر قريب في اللغة أو التفسير، أو غريب الحديث، أو شروحه، لاتضح له معنى المباشرة الذي أزعجه، وأقض مضجعه، جاء في القاموس: باشر المرأة… جامعها أو صارا في ثوب واحد، فباشرت بشرته بشرتها "وإذا كان المفتري لا يعرف طريقة الكشف عن الألفاظ في القاموس واللسان ونحوهما ، فيستطيع أن يتناول أحدث معجم أخرجه المجمع اللغوي في القاهرة ليجد هذا "المعجم الوسيط" يقول: (باشر زوجه مباشرة وبشارا، لامست بشرته بشرتها… وغشيها). وقد وردت المباشرة في القرآن بمعنى الجماع، وبمعنى القبلة والملامسة، وذلك في آية واحدة، والقرينة والسياق مع السنة النبوية هي التي تحدد المراد . قال تعالى: ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا..﴾  إلى أن قال: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ . فالمباشرة المنهي عنها حالة الاعتكاف في المساجد هي القبلة والملامسة ونحوهما فهي التي يمكن أن تقع مع الاعتكاف في المساجد . والمباشرة المأمور بها ليلة الصيام هي الجماع بدلالة السياق: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال القرطبي وغيره في قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ المباشرة كناية عن الجماع ، وسمى الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه. من هنا نعلم أن إطلاق المباشرة على الجماع ليس إطلاقا حقيقيا بل مجازيا، والمجاز لا ينفي الحقيقة ولا يعارضها، بل الحقيقة هي الأصل حتى يقوم دليل على خلافها. وإذن يكون فهم المباشرة في حديث عائشة: بأنها "الجماع" فهما خاطئا بلا جدال. وإذا لم يكن المفتري قد فهم المباشرة هذا الفهم الخاطئ، فلا بد أن يكون قد أتى من قبل فهمه للاعتزال في آية ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ . وعيب المفتري أن يتعجل لغرض في نفسه في فهم النصوص باتباع الظن ثم يبني على فهمه نتائج يريد إلزام الناس بها، وإطراح دينهم وسنة نبيهم من أجلها.

وكان لزاما على المفتري ليعرف المراد من هذه الآية الكريمة أن يتبين ويتثبت ويرجع إلى مصادر العلم، ويسأل أهل الذكر، ولا يتسرع في القول بالرأي والهوى، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه: " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم " ؟! وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار) (رواه الترمذي والنسائي وأبو داود). فإن من الآيات ما بينت السنة المراد منه، ومنها ما يظهر معناه بالقرائن والملابسات وأسباب النزول، وكان الصحابة أعلم الناس بذلك، وعنهم أخذ تلامذتهم من علماء التابعين، فلا جرم أن الرجوع إلى علم هؤلاء والاستفادة منه واجب حتما.

أما ادعاء المعرفة، وإهمال هذه الثروة، والتهجم على القرآن، والقول على الله بغير بينة، فهو خطأ في المنهج لا يقره العلم ولا الدين. وفي الحديث: (من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ). قال ابن كثير: لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، فلن يكون أخف جرما ممن أخطأ (مقدمة تفسير ابن كثير).

وأصح ما يكون هذا الرجوع إلى المصادر حين يقف الإنسان موقف المستدرك على أئمة الإسلام، المخطّئ لمثل البخاري في أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن، المتهم للأمة في سائر الأعصار بالجهل والبلادة والغفلة، بتصحيحها ما ليس بصحيح، وتقديمها ما لا يستحق التقديم.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره، فإذا قال الله تعالى:﴿ يسألونك عن المحيض قل: هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ فقد يحتمل مورد الاعتزال في الآية عدة أفهام … قد يفهم منه اعتزال فراش المرأة مطلقا، وترك مساكنتها كما كان اليهود يفعلون، وقد يفهم منه اعتزال جميع بدنها فلا يباشره الرجل بشيء من بدنه بغير حائل، وإن لم يعتزل فراشها، وقد يفهم منه اعتزال الفرج الذي هو موضع "الأذى" الذي علل به الأمر بالاعتزال، وقد يفهم منه اعتزال جزء معين من البدن -ما بين السرة والركبة مثلا- فالذي يحدد المراد من ذلك هو السنة القولية والعملية : ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ .

ونحمد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل شيئا ليخفيه عن الناس، بل كانت حياته الخاصة والعامة ملك الأمة جميعا، وما فعله في ليله ونهاره، وفي خلوته ، فقد نقله نساؤه صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من بعده، لأنه تشريع لهم، ولهم فيه أسوة حسنة. ومن ذلك علاقته بهن في فترة الحيض، فهي التي تفسر الآية كما يفسرها ما ورد عنه من أقوال في ذلك.

وجاءت أحاديث عائشة وميمونة وغيرهما من أمهات المؤمنين مبينة لما أراد الله باعتزال النساء في المحيض، فليس هو اعتزال اليهود الذي كانوا يهجرون نساءهم في الحيض ولا يساكنونهن في البيوت، وقد تأثر بهم الأنصار بحكم المجاورة سنين طوالا، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل وما يحرم في هذا الأمر، فنزلت الآية وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله.

وكانت أمهات المؤمنين حريصات على تبليغ المسلمين هدى رسولهم في كل أحواله وعلاقاته وتصحيح كل خطأ أو غلو يخرج عن سنة الرسول ويعلمن به. روي عن بدرة مولاة ابن عباس قالت: (بعثتني ميمونة بنت الحارث، وحفصة بنت عمر -وهما من أمهات المؤمنين- إلى امرأة ابن عباس رضي الله عنهم وكانت بينهما قرابة من جهة النساء، فوجدت فراشه معتزلا فراشها، فظننت أن ذلك عن الهجران فسألتها، فقالت: إذا طمثت "حضت" اعتزل فراشي، فرجعت فأخبرتها بذلك فردتني إلى ابن عباس وقالت: (تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه، وإنها حائض وما بينها وبينه إلا ثوب ما يجاوز الركبتين) أحكام القرآن لابن العربي جـ1، ص163). وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر نساءه بالاتزار أثناء الطمث، فإنه لم يلزم أصحابه بذلك، وصح أنه أباح الاستمتاع بالبدن كله ما عدا موضع الأذى "الفرج" فدل على أن الأمر بالاتزار للاستحباب، لأخذ الحذر والاحتياط.

ففي صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن (أي ساكنوهن) في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي فأنزل الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ إلى آخر الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). فبلغ ذلك اليهود فقالوا… ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن الحضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا… أفلا نجامعهن؟ (أي مخالفة لليهود) فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم… وقال القرطبي… قال علماؤنا: "كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعوهن في الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين" (تفسير القرطبي جـ3، ص81). وبهذا التفسير النبوي للآية، والتطبيق العملي لها، تأكدت وسطية الإسلام واعتداله وسماحته بين المغالين والمفرطين، وبين المقصرين والمفرطين من أصحاب الملل والنحل، فهل يجوز لمسلم أو منصف بعد ذلك أن يزعم التعارض بين الآية الكريمة وبين حديث البخاري عن عائشة وميمونة رضي الله عنهما، وينسب إلى الجامع الصحيح اشتماله على أحاديث مناقضة لما أنزل الله في محكم كتابه. ويحكم على هذا الحديث المتفق على صحته بأنه منكر ومفترى.

يا عجبا. كأن المفتري الذي تربع على منصة الإفتاء ظلما وزورا يظن أن البخاري وغيره من أئمة السنة كانوا متسولين يأخذون الحديث عن كل من هب ودب، فكل من قال لهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم… قالوا له: صدقت، هات ما عندك وفرحوا به، كما يفرح الصبي بقطعة الحلوى!!

لا يا أيها المفتري ، لقد كانوا لا يقبلون قولا حتى يعلموا أصله ومصدره، ولهذا اشترطوا الإسناد الذي تفردت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم.

قال ابن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وقال غيره: طالب علم بلا إسناد كحاطب بليل. ونظر الشافعي في تفسير اشتمل على قصص وعبر، فقال: يا له من علم لو كان له إسناد!!

ولم يكونوا يقبلون أي إسناد يذكر، بل يضعون كل راو من رواة السند على مشرحة التحليل، يسألون عنه… عن عقله ودينه… وخلقه وسيرته، وعن شيوخه وتلامذته، فمن اشتبهوا فيه أسقطوه، وردوا حديثه، ومن قامت الدلائل على صدقه وحفظه وعدالته وضبطه رووا عنه وقبلوه، وقد كان من ثمرات هذه البحوث المتشعبة المستفيضة علمان جليلان من علوم السنة هما… علم رجال الحديث ، وعلم الجرح والتعديل.

وكانوا يجوبون الآفاق، ويذرعون الأرض، طلبا للحديث ممن سمعه بأذنيه، قال سعيد بن المسيب: " إنا كنا نسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد ".

وسأل رجل الشعبي عن مسألة فأفتاه فيها ثم قال: " خذها بغير شيء وإن كنا نسير فيما دونها من الكوفة إلى المدينة " . ولنأخذ لذلك مثلا… حديث عائشة الذي رده المفتري ، وزعم أنه منكر ومفترى ، نعوذ بالله من ذلك     إن سند هذا الحديث -عند من له أدنى ذوق بهذا العلم- نير كضوء الشمس. فقد رواه البخاري عن شيخه قبيصة بن عقبة، قال حدثنا سفيان، عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ورجال هذا السند كلهم كوفيون، تلقى بعضهم عن بعض، خلفا عن سلف فهم تلاميذ المدرسة الكوفية التي أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وخرجت أساطين العلم، وأعلام الهدى في الحديث والفقه، وفي العلم والسلوك، أمثال الأسود وعلقمة وإبراهيم وحماد بن سليمان وسفيان الثوري، وأبي حنيفة النعمان وغيرهم من عظماء الإسلام.

ورواة هذا الحديث الشريف… سفيان الثوري ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي والأسود النخعي، كل واحد منهم جبل من جبال العلم، وبحر من بحور الرواية وإمام من أئمة الدين، لا ترقى ذرة من شك إلى أمانتهم أو علمهم… أو وعيهم، حتى يأتي هذا المفتري في آخر الزمان فيتهمهم بخيانة الأمة وتضليل أجيالها وتحريف دينها، والكذب على رسولها باختراع الأحاديث المفتراة المنكرة  ، سبحانك هذا بهتان عظيم . ومع هذا لم يرو البخاري هذا الحديث بهذا السند وحده، وعن هذا الطريق فحسب -وإن فيه لغناء وكفاية- بل روى معناه عن عائشة بأكثر من طريق. ولم يرو ذلك عن عائشة وحدها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل روى البخاري ذلك عن ميمونة أيضا، وليس البخاري وحده هو الذي روى حديثي عائشة وميمونة رضي الله عنهما، بل خرجتهما جميع كتب السنة ودواوينها المتقدمة منها والمتأخرة لإجماع أهل العلم على صحتهما وتلقيهما بالقبول. ولئن كان مثل حديث عائشة -بسنده الذي ذكرناه- منكرا ومفترى كما يزعم هذا الزاعم الجريء، لكان هذا الدين باطلا، وكانت السنة كلها وهما، وكان تاريخ هذه الأمة زورا، وكان تراث هذه الأمة خرافة كبيرة، وكان أئمة هذا الدين وهذه الأمة أكبر دجاجلة عرفهم تاريخ الأديان والشعوب. ولقد زعم المفتري في مستهل كلامه أنه لا يتهم أبا هريرة ولا البخاري بصنع الأحاديث. والحق أنه لم يتهمهما وحدهما، بل اتهم معهما سائر علماء الإسلام وحملة رسالته، في القرون الأولى التي هي خير القرون، واتهم الأمة كلها بالغباوة والغفلة والجهل، حيث تقبلت هذه الأحاديث بضعة عشر قرنا بقبول حسن. وأثنت على رواتها، وخلعت عليهم وصف الإمامة في الدين، حتى جاء هذا المفتري ، فوصفهم بما يستحي من ذكره. لقد سئل القاضي أبو يوسف: أتقبل شهادة رجل يسب السلف الصالح؟ فقال: لو عرفت رجلا يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف بمن يسب أفاضل الأمة؟ وكيف بمن يسب الأمة كلها، ليأتي على دينها من القواعد، لتقر أعين المبشرين والمستشرقين والشيوعيين؟! اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.

أما الحديث الثاني : الذي استند إليه المفتري في الطعن على الإمام البخاري وجامعه الصحيح. ساقه كما يلي. قال: يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة في حكم الطهارة من الجنابة: ﴿ … أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾  إلى آخر الآية. ويقول البخاري: إن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال له عمر: لا تُصَلّ. ولو احترم الأستاذ أمانة العلم واحترم عقول الأمة ما اجترأ على هذا الادعاء، فإن الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره لم يروه البخاري في صحيحه قط مع أن عبارته… (ويقول البخاري… الخ) تشعر أنه قرأ الحديث في البخاري ، فأي كذب على الحقيقة، وتزوير على الناس أكثر من هذا؟

ومع هذا نرخي العنان للمفتري المتعالم، ونتطوع بالجواب عن الحديث، فقد رواه إمام آخر لا يقل عن البخاري في علمه وفضله ودينه هو مسلم في صحيحه. والخطأ الكبير الذي سقط فيه المفتري هنا بتعجله واقتحامه وتحيزه، زعمه أن آية ﴿ أو لامستم النساء ﴾  نص في حكم الطهارة من الجنابة، فإذا أورد البخاري عن عمر ما يخالفها كان ذلك حديثا منكرا ومفترى.

ولو تريث المفتري وتبين لو كان من هدفه التبين ، لعلم أن الملامسة "كالمباشرة" ليست نصا في الجماع، بل تدل عليه بطريق الكناية والمجاز لا الحقيقة اللغوية. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فإن ابن عباس يرى أن الملامسة في الآية معناها الجماع، وقد أخذ بمذهبه أبو حنيفة وأصحابه. وعمر وابنه عبد الله وابن مسعود يفسرون الآية على ظاهرها وحقيقتها اللغوية، وقد أخذ بمذهبهم من يقول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء. قال ابن كثير: وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن ابن حنبل. ولكل من الفريقين أدلة ليس هذا موضع ذكرها إنما الذي يهمنا هنا أن الآية ليست نصا في حكم الجنابة كما أوهم المفتري المتقول بما لا يعلم.

وقول عمر لمن أجنب ولم يجد الماء - لا تصلّ - اجتهاد منه، وهو مخطئ في اجتهاده، ومعذور، بل مأجور أجرا واحدا، وليس عمر بالمعصوم من الخطأ، وليس هو أول من أخطأ من الصحابة في اجتهاده، وليست هذه أول خطأة له، فقد عد له ابن حزم جملة أحكام أخطأ فيها أو نسي ما ورد فيها من سنة حتى يذكره غيره من الصحابة، فيتذكر أو لا يتذكر.

فهل يعيب البخاري، أو مسلما، أن يسجل لنا في صحيحه رأيا لعمر -وإن ظهر خطؤه- فينقل لنا بأمانة العالم صورة صحيحة للاجتهاد الإسلامي في ذلك العصر المبكر؟ أما والله لمأثرة تحمد للبخاري ومسلم، لا مأخذ يعابان به، ويذمان عليه. وما أحسن ما قال البحتري:

إذا محاسني اللاتي أدل بها       كانت ذنوبي، فقل لي كيف أعتذر؟

ولا يفوتنا أن نسجل على الكاتب المتهجم أمرا معيبا حقا، فقد قال في فاتحة حديثه "لست أقول عن حديث ما، إنه ضعيف أو موضوع، لمجرد أنه لا يتفق مع العقل والمنطق فحسب بل لأن ذلك رأي كثير من الأئمة والفقهاء القدماء والمحدثين على السواء أمثال ابن تيمية، والقسطلاني، والذهبي، والبيهقي، والطبراني، والدارقطني، والهيثمي، والعراقي، والسيوطي، والعسقلاني، وغيرهم".

ثم طعن في أحاديث متفق على قبولها، مجمع على صحتها، ولم يطعن في ثبوتها عالم قط من هؤلاء الذين ذكرهم، ولا غيرهم، فليت شعري لم أوهم الأستاذ بذكر أسماء هؤلاء الأعلام الذين يبدو -من ترتيبه لهم- إنه لم يعرفهم ولم يقرأ آثارهم، ولم يرجع إليها فيما انتقده على البخاري، وزعم أنه مفترى بل منكر. " جعل الكاتب المنكر أشد من المفتري، وليس الأمر كذلك لغة ولا اصطلاحا فليس هناك أسوأ من المفتري . أما حديث أبي طلحة الأنصاري وأكله البرد في الصوم فلم يروه البخاري ولا مسلم ولا أحد من الكتب الستة، ولهذا لا داعي بإطالة بالرد عليه، والجزء الموقوف فيه على أبي طلحة صحيح من حيث سنده، ولكن لا حجة فيه، لأنه اجتهاد صحابي انفرد به في فهم النص وخالفه سائر الصحابة، فلا عبرة به، ولهذا مات في مهده، ولم يقل به أحد طوال القرون الماضية. وأما الجزء المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح. كما قرره علماء الحديث.

ولو كان هذا المفتري يحترم العقول التي في رؤوس الناس، ما جشم نفسه ذكر هذا الحديث، لأنه ليس لإيراده معنى في هذا المقام ، إلا الادعاء والتطاول، والتكثر بالباطل، والتمويه الذي لا يروّج إلا عند البسطاء وضعاف العقول.

وبعد: فإن الحملة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست بنت اليوم، فإن وراءها جهات ومؤسسات تغذيها وتمدها، ولم يزل المبشرون والمستشرقون والشيوعيون يقودون المعركة ضدها، ويرمون لها بالوقود الدائم لتظل مستعرة الأوار، وليس من الضروري أن يظهروا بأنفسهم على المسرح، فقد يوغر ظهورهم الصدور، ويثير الشكوك، ففي تلامذتهم -المخدوعين منهم والخادعين- الكفاية كل الكفاية. وما أكثر الذين تحركهم مؤسسات التبشير والاستشراق والإلحاد الأحمر، ليحطبوا في حبلهم وهم لا يشعرون، بل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما أكثر المأجورين الذين يشترون بدينهم ثمنا قليلا، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار.

فلعلي أذكر شيئاً يسيراً في إبطال الفرية المذكورة في السؤال : اتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصح كتابين بعد كتاب الله عز وجل ، وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الإمام النووي :" اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول " . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث " شرح النووي على صحيح مسلم 1/24 . وقال الإمام النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري " المصدر السابق . وقال ابن الصلاح: " أول من صنف في الصحيح ، البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز " هدي الساري ص12 . وقال الذهبي : " وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى " الحطة في ذكر الصحاح الستة ص312 . وقال ولي الله الدهلوي : " أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين"  حجة الله البالغة 1/249 . وقال العلامة أحمد محمد شاكر : " الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر : أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها . ليس في واحد منها مطعن أو ضعف . وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث . على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه . وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها . فلا يهولنك إرجاف المرجفين . وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة . والله الهادي إلى سواء السبيل " الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص35 . وقال محدث العصر الشيخ الألباني : "… كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقاً بالغاً لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم حتى صار عرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة . ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا " مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص14-15 . وبعد ذكر هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين ، فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافاً وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى . فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال . فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح . قال الإمام النووي : " الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما " تدريب الراوي شرح التقريب 1/122-123 . وقال الشوكاني : " واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول " نيل الأوطار 1/22 .

وينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصل الحافظ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري والمسماة هدي الساري فذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عليها جواباً إجمالياً وجواباً مفصلاً فقال في الأول منهما : " والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل … فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة " هدي الساري ص 506 . ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري .

وخلاصة الأمر أن من طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه حيث إن أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة . وإن الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعن في السنة النبوية ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة

ألا وإن هذه الحملات لا تزيدنا إلا استمساكا بالحق، وثباتا عليه، واعتصاما بسنة الرسول العظيم التي بدونها لا يفهم القرآن ولا تستبين معالم الدين وحدوده وقد قال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي). 

 

 

 

   الحملة المفتراة على صحيح البخاري أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن  

كثرت السهام التي توجه للإسلام ، وللقضايا المسلَّمة ، عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان ، وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام  كقول المفترين : إن السنة ليست مصدراً للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم ، وقولهم : إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي صلى الله عليه و سلم بلفظه بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى ، وقول بعضهم : إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات . وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها قديماً وحديثاً . 

أما علموا أن الأمة تلقت  صحيح البخاري منذ اثني عشر قرنا بالقبول والرضا جيلا بعد جيل، الخاصة منها والعامة حتى إن الناس إذا أرادوا أن يهونوا من خطأ وقع فيه إنسان قالوا: "إنه لم يخطئ في البخاري" وجاء من يفتري ويقول:  "صحيح البخاري ليس كله صحيحا- وليست هذه الأحاديث مفتراة بل منكرة". افتراء تقشّعرُّ له الأبدان من سمع به أنكره واستبشعه، والعجب أن الافتراء المثير سلك للتدليل عليه منهجا غير مستقيم، منهجا لا يرضى عنه العلم، ولا يرضى عنه الخلق، ولا يرضى عنه الدين.

فقد مهد المفتري للحملة على صحيح البخاري بذكر جملة من الأحاديث الموضوعة أو التي لا أصل لها بالإجماع، مع عدم الحاجة إلى ذكر هذه الأحاديث، فقد وئدت في مهدها بفضل جهود أئمة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في سبيل خدمة السنة النبوية، وتنقيتها من زيف المزيفين، وانتحال المبطلين، وقد قيل للإمام عبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة! فقال: "تعيش لها الجهابذة" وصدق عبد الله فقد عاشوا لها، وماتت هي ولله الحمد، وحفظ الله دينه، وصدق وعده:﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ الحجر:9. ولا ريب أن حفظ الذكر "القرآن" إنما يتم بحفظ ما يبيّنه ويشرحه، وهي السنة التي خاطب الله صاحبها بقوله: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ النحل:44. لم يكن من الجد أن يحشر المفتري  مجموعة من الأباطيل المكشوفة مثل .."عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا" ونحوه، فإن أصل الموضوع الذي جرت فيه المناقشة هو تنقية كتب التفسير والحديث مما فيها من شوائب وإسرائيليات فما لهذه الكتب ومثل "اتخذوا الحمام المقاصيص.." ..الخ؟؟  إن إيراد ذلك في مثل هذا المقام يوهم القراء أن كتب الحديث روت هذه الأباطيل أو اعتمدتها، أو سكت علماء الحديث عن بيان درجتها، وهو إيهام غير صحيح قطعا. وهو يدل على أن الغرض من وراء هذه الحملة إنما هو التشويش والتشكيك في الإسلام ومصادره وأئمته بالجد والهزل والهدم بكل معول تناله اليد. وأغرب من ذلك أن الذي ذكر هذه الأحاديث الباطلة المفضوحة بلا شك،  وقال المفتري : إن في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمر، في مخالفة أمر ما أمر الله به عباده وأنزله في محكم كتابه".

فهل يعقل أيها المفتري أن صحيح البخاري وكتب الحديث فيها أدهى وأمر من الأحاديث المكذوبة المفتراة التي ذكرها !! أما والله لو صح ذلك لكان هذا أعظم المكتشفين في العصر الحديث، لأنه كما يزعم أزاح الستار عن حقائق غابت عن الأمة الإسلامية اثنى عشر قرنا، حتى أتى هو آخر الزمان بما لم تستطعه الأوائل!! فما هذه الأحاديث التي رواها البخاري وهي أدهى وأمر مما ذكر من الأكاذيب والأباطيل؟ لقد تمخض الجمل ولم يلد شيئا، فقد ذكر حديثين رواهما البخاري (كما يقول) زعمهما مخالفين لكتاب الله.  

الحديث الأول: رواه البخاري في كتاب الحيض عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) وقال : ونسبوا مثل ذلك إلى "ميمونة" إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم . يرى ذلك مخالفا للآية الكريمة :﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾.

وكان عليه أن يجلو لنا وجه المخالفة والتعارض بين الآية والحديث، وذلك لا يكون إلا ببيان المراد من الاعتزال المأمور به في الآية، والمباشرة المروية في الحديث، ليبين للقارئ أهما متعارضان حقا أم لا؟ فالذي يبدو أنه إما فسر المباشرة بأنها الجماع، فقد تطلق على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ البقرة:187. وإما أنه فسر اعتزال المرأة في الحيض بأنه اعتزال فراشها وتحريم جميع بدنها على الزوج!!وكلا التفسيرين خطأ. أما تفسير المباشرة بالجماع، فيرده لفظ الحديث نفسه، إذ تقول عائشة (يأمرني فأتزر فيباشرني) والاتزار: شد الإزار على الوسط وأمرها بذلك يبين المراد من المباشرة . يؤيد ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة نفسها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب) ومثله عن ميمونة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض) . ولو رجع المفتري  إلى مصدر قريب في اللغة أو التفسير، أو غريب الحديث، أو شروحه، لاتضح له معنى المباشرة الذي أزعجه، وأقض مضجعه، جاء في القاموس: باشر المرأة… جامعها أو صارا في ثوب واحد، فباشرت بشرته بشرتها "وإذا كان المفتري لا يعرف طريقة الكشف عن الألفاظ في القاموس واللسان ونحوهما ، فيستطيع أن يتناول أحدث معجم أخرجه المجمع اللغوي في القاهرة ليجد هذا "المعجم الوسيط" يقول: (باشر زوجه مباشرة وبشارا، لامست بشرته بشرتها… وغشيها). وقد وردت المباشرة في القرآن بمعنى الجماع، وبمعنى القبلة والملامسة، وذلك في آية واحدة، والقرينة والسياق مع السنة النبوية هي التي تحدد المراد . قال تعالى: ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا..﴾  إلى أن قال: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ . فالمباشرة المنهي عنها حالة الاعتكاف في المساجد هي القبلة والملامسة ونحوهما فهي التي يمكن أن تقع مع الاعتكاف في المساجد . والمباشرة المأمور بها ليلة الصيام هي الجماع بدلالة السياق: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال القرطبي وغيره في قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ المباشرة كناية عن الجماع ، وسمى الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه. من هنا نعلم أن إطلاق المباشرة على الجماع ليس إطلاقا حقيقيا بل مجازيا، والمجاز لا ينفي الحقيقة ولا يعارضها، بل الحقيقة هي الأصل حتى يقوم دليل على خلافها. وإذن يكون فهم المباشرة في حديث عائشة: بأنها "الجماع" فهما خاطئا بلا جدال. وإذا لم يكن المفتري قد فهم المباشرة هذا الفهم الخاطئ، فلا بد أن يكون قد أتى من قبل فهمه للاعتزال في آية ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ . وعيب المفتري أن يتعجل لغرض في نفسه في فهم النصوص باتباع الظن ثم يبني على فهمه نتائج يريد إلزام الناس بها، وإطراح دينهم وسنة نبيهم من أجلها.

وكان لزاما على المفتري ليعرف المراد من هذه الآية الكريمة أن يتبين ويتثبت ويرجع إلى مصادر العلم، ويسأل أهل الذكر، ولا يتسرع في القول بالرأي والهوى، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه: " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم " ؟! وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار) (رواه الترمذي والنسائي وأبو داود). فإن من الآيات ما بينت السنة المراد منه، ومنها ما يظهر معناه بالقرائن والملابسات وأسباب النزول، وكان الصحابة أعلم الناس بذلك، وعنهم أخذ تلامذتهم من علماء التابعين، فلا جرم أن الرجوع إلى علم هؤلاء والاستفادة منه واجب حتما.

أما ادعاء المعرفة، وإهمال هذه الثروة، والتهجم على القرآن، والقول على الله بغير بينة، فهو خطأ في المنهج لا يقره العلم ولا الدين. وفي الحديث: (من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ). قال ابن كثير: لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، فلن يكون أخف جرما ممن أخطأ (مقدمة تفسير ابن كثير).

وأصح ما يكون هذا الرجوع إلى المصادر حين يقف الإنسان موقف المستدرك على أئمة الإسلام، المخطّئ لمثل البخاري في أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن، المتهم للأمة في سائر الأعصار بالجهل والبلادة والغفلة، بتصحيحها ما ليس بصحيح، وتقديمها ما لا يستحق التقديم.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره، فإذا قال الله تعالى:﴿ يسألونك عن المحيض قل: هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ فقد يحتمل مورد الاعتزال في الآية عدة أفهام … قد يفهم منه اعتزال فراش المرأة مطلقا، وترك مساكنتها كما كان اليهود يفعلون، وقد يفهم منه اعتزال جميع بدنها فلا يباشره الرجل بشيء من بدنه بغير حائل، وإن لم يعتزل فراشها، وقد يفهم منه اعتزال الفرج الذي هو موضع "الأذى" الذي علل به الأمر بالاعتزال، وقد يفهم منه اعتزال جزء معين من البدن -ما بين السرة والركبة مثلا- فالذي يحدد المراد من ذلك هو السنة القولية والعملية : ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ .

ونحمد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل شيئا ليخفيه عن الناس، بل كانت حياته الخاصة والعامة ملك الأمة جميعا، وما فعله في ليله ونهاره، وفي خلوته ، فقد نقله نساؤه صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من بعده، لأنه تشريع لهم، ولهم فيه أسوة حسنة. ومن ذلك علاقته بهن في فترة الحيض، فهي التي تفسر الآية كما يفسرها ما ورد عنه من أقوال في ذلك.

وجاءت أحاديث عائشة وميمونة وغيرهما من أمهات المؤمنين مبينة لما أراد الله باعتزال النساء في المحيض، فليس هو اعتزال اليهود الذي كانوا يهجرون نساءهم في الحيض ولا يساكنونهن في البيوت، وقد تأثر بهم الأنصار بحكم المجاورة سنين طوالا، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل وما يحرم في هذا الأمر، فنزلت الآية وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله.

وكانت أمهات المؤمنين حريصات على تبليغ المسلمين هدى رسولهم في كل أحواله وعلاقاته وتصحيح كل خطأ أو غلو يخرج عن سنة الرسول ويعلمن به. روي عن بدرة مولاة ابن عباس قالت: (بعثتني ميمونة بنت الحارث، وحفصة بنت عمر -وهما من أمهات المؤمنين- إلى امرأة ابن عباس رضي الله عنهم وكانت بينهما قرابة من جهة النساء، فوجدت فراشه معتزلا فراشها، فظننت أن ذلك عن الهجران فسألتها، فقالت: إذا طمثت "حضت" اعتزل فراشي، فرجعت فأخبرتها بذلك فردتني إلى ابن عباس وقالت: (تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه، وإنها حائض وما بينها وبينه إلا ثوب ما يجاوز الركبتين) أحكام القرآن لابن العربي جـ1، ص163). وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر نساءه بالاتزار أثناء الطمث، فإنه لم يلزم أصحابه بذلك، وصح أنه أباح الاستمتاع بالبدن كله ما عدا موضع الأذى "الفرج" فدل على أن الأمر بالاتزار للاستحباب، لأخذ الحذر والاحتياط.

ففي صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن (أي ساكنوهن) في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي فأنزل الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ إلى آخر الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). فبلغ ذلك اليهود فقالوا… ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن الحضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا… أفلا نجامعهن؟ (أي مخالفة لليهود) فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم… وقال القرطبي… قال علماؤنا: "كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعوهن في الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين" (تفسير القرطبي جـ3، ص81). وبهذا التفسير النبوي للآية، والتطبيق العملي لها، تأكدت وسطية الإسلام واعتداله وسماحته بين المغالين والمفرطين، وبين المقصرين والمفرطين من أصحاب الملل والنحل، فهل يجوز لمسلم أو منصف بعد ذلك أن يزعم التعارض بين الآية الكريمة وبين حديث البخاري عن عائشة وميمونة رضي الله عنهما، وينسب إلى الجامع الصحيح اشتماله على أحاديث مناقضة لما أنزل الله في محكم كتابه. ويحكم على هذا الحديث المتفق على صحته بأنه منكر ومفترى.

يا عجبا. كأن المفتري الذي تربع على منصة الإفتاء ظلما وزورا يظن أن البخاري وغيره من أئمة السنة كانوا متسولين يأخذون الحديث عن كل من هب ودب، فكل من قال لهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم… قالوا له: صدقت، هات ما عندك وفرحوا به، كما يفرح الصبي بقطعة الحلوى!!

لا يا أيها المفتري ، لقد كانوا لا يقبلون قولا حتى يعلموا أصله ومصدره، ولهذا اشترطوا الإسناد الذي تفردت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم.

قال ابن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وقال غيره: طالب علم بلا إسناد كحاطب بليل. ونظر الشافعي في تفسير اشتمل على قصص وعبر، فقال: يا له من علم لو كان له إسناد!!

ولم يكونوا يقبلون أي إسناد يذكر، بل يضعون كل راو من رواة السند على مشرحة التحليل، يسألون عنه… عن عقله ودينه… وخلقه وسيرته، وعن شيوخه وتلامذته، فمن اشتبهوا فيه أسقطوه، وردوا حديثه، ومن قامت الدلائل على صدقه وحفظه وعدالته وضبطه رووا عنه وقبلوه، وقد كان من ثمرات هذه البحوث المتشعبة المستفيضة علمان جليلان من علوم السنة هما… علم رجال الحديث ، وعلم الجرح والتعديل.

وكانوا يجوبون الآفاق، ويذرعون الأرض، طلبا للحديث ممن سمعه بأذنيه، قال سعيد بن المسيب: " إنا كنا نسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد ".

وسأل رجل الشعبي عن مسألة فأفتاه فيها ثم قال: " خذها بغير شيء وإن كنا نسير فيما دونها من الكوفة إلى المدينة " . ولنأخذ لذلك مثلا… حديث عائشة الذي رده المفتري ، وزعم أنه منكر ومفترى ، نعوذ بالله من ذلك     إن سند هذا الحديث -عند من له أدنى ذوق بهذا العلم- نير كضوء الشمس. فقد رواه البخاري عن شيخه قبيصة بن عقبة، قال حدثنا سفيان، عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ورجال هذا السند كلهم كوفيون، تلقى بعضهم عن بعض، خلفا عن سلف فهم تلاميذ المدرسة الكوفية التي أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وخرجت أساطين العلم، وأعلام الهدى في الحديث والفقه، وفي العلم والسلوك، أمثال الأسود وعلقمة وإبراهيم وحماد بن سليمان وسفيان الثوري، وأبي حنيفة النعمان وغيرهم من عظماء الإسلام.

ورواة هذا الحديث الشريف… سفيان الثوري ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي والأسود النخعي، كل واحد منهم جبل من جبال العلم، وبحر من بحور الرواية وإمام من أئمة الدين، لا ترقى ذرة من شك إلى أمانتهم أو علمهم… أو وعيهم، حتى يأتي هذا المفتري في آخر الزمان فيتهمهم بخيانة الأمة وتضليل أجيالها وتحريف دينها، والكذب على رسولها باختراع الأحاديث المفتراة المنكرة  ، سبحانك هذا بهتان عظيم . ومع هذا لم يرو البخاري هذا الحديث بهذا السند وحده، وعن هذا الطريق فحسب -وإن فيه لغناء وكفاية- بل روى معناه عن عائشة بأكثر من طريق. ولم يرو ذلك عن عائشة وحدها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل روى البخاري ذلك عن ميمونة أيضا، وليس البخاري وحده هو الذي روى حديثي عائشة وميمونة رضي الله عنهما، بل خرجتهما جميع كتب السنة ودواوينها المتقدمة منها والمتأخرة لإجماع أهل العلم على صحتهما وتلقيهما بالقبول. ولئن كان مثل حديث عائشة -بسنده الذي ذكرناه- منكرا ومفترى كما يزعم هذا الزاعم الجريء، لكان هذا الدين باطلا، وكانت السنة كلها وهما، وكان تاريخ هذه الأمة زورا، وكان تراث هذه الأمة خرافة كبيرة، وكان أئمة هذا الدين وهذه الأمة أكبر دجاجلة عرفهم تاريخ الأديان والشعوب. ولقد زعم المفتري في مستهل كلامه أنه لا يتهم أبا هريرة ولا البخاري بصنع الأحاديث. والحق أنه لم يتهمهما وحدهما، بل اتهم معهما سائر علماء الإسلام وحملة رسالته، في القرون الأولى التي هي خير القرون، واتهم الأمة كلها بالغباوة والغفلة والجهل، حيث تقبلت هذه الأحاديث بضعة عشر قرنا بقبول حسن. وأثنت على رواتها، وخلعت عليهم وصف الإمامة في الدين، حتى جاء هذا المفتري ، فوصفهم بما يستحي من ذكره. لقد سئل القاضي أبو يوسف: أتقبل شهادة رجل يسب السلف الصالح؟ فقال: لو عرفت رجلا يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف بمن يسب أفاضل الأمة؟ وكيف بمن يسب الأمة كلها، ليأتي على دينها من القواعد، لتقر أعين المبشرين والمستشرقين والشيوعيين؟! اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.

أما الحديث الثاني : الذي استند إليه المفتري في الطعن على الإمام البخاري وجامعه الصحيح. ساقه كما يلي. قال: يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة في حكم الطهارة من الجنابة: ﴿ … أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾  إلى آخر الآية. ويقول البخاري: إن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال له عمر: لا تُصَلّ. ولو احترم الأستاذ أمانة العلم واحترم عقول الأمة ما اجترأ على هذا الادعاء، فإن الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره لم يروه البخاري في صحيحه قط مع أن عبارته… (ويقول البخاري… الخ) تشعر أنه قرأ الحديث في البخاري ، فأي كذب على الحقيقة، وتزوير على الناس أكثر من هذا؟

ومع هذا نرخي العنان للمفتري المتعالم، ونتطوع بالجواب عن الحديث، فقد رواه إمام آخر لا يقل عن البخاري في علمه وفضله ودينه هو مسلم في صحيحه. والخطأ الكبير الذي سقط فيه المفتري هنا بتعجله واقتحامه وتحيزه، زعمه أن آية ﴿ أو لامستم النساء ﴾  نص في حكم الطهارة من الجنابة، فإذا أورد البخاري عن عمر ما يخالفها كان ذلك حديثا منكرا ومفترى.

ولو تريث المفتري وتبين لو كان من هدفه التبين ، لعلم أن الملامسة "كالمباشرة" ليست نصا في الجماع، بل تدل عليه بطريق الكناية والمجاز لا الحقيقة اللغوية. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فإن ابن عباس يرى أن الملامسة في الآية معناها الجماع، وقد أخذ بمذهبه أبو حنيفة وأصحابه. وعمر وابنه عبد الله وابن مسعود يفسرون الآية على ظاهرها وحقيقتها اللغوية، وقد أخذ بمذهبهم من يقول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء. قال ابن كثير: وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن ابن حنبل. ولكل من الفريقين أدلة ليس هذا موضع ذكرها إنما الذي يهمنا هنا أن الآية ليست نصا في حكم الجنابة كما أوهم المفتري المتقول بما لا يعلم.

وقول عمر لمن أجنب ولم يجد الماء - لا تصلّ - اجتهاد منه، وهو مخطئ في اجتهاده، ومعذور، بل مأجور أجرا واحدا، وليس عمر بالمعصوم من الخطأ، وليس هو أول من أخطأ من الصحابة في اجتهاده، وليست هذه أول خطأة له، فقد عد له ابن حزم جملة أحكام أخطأ فيها أو نسي ما ورد فيها من سنة حتى يذكره غيره من الصحابة، فيتذكر أو لا يتذكر.

فهل يعيب البخاري، أو مسلما، أن يسجل لنا في صحيحه رأيا لعمر -وإن ظهر خطؤه- فينقل لنا بأمانة العالم صورة صحيحة للاجتهاد الإسلامي في ذلك العصر المبكر؟ أما والله لمأثرة تحمد للبخاري ومسلم، لا مأخذ يعابان به، ويذمان عليه. وما أحسن ما قال البحتري:

إذا محاسني اللاتي أدل بها       كانت ذنوبي، فقل لي كيف أعتذر؟

ولا يفوتنا أن نسجل على الكاتب المتهجم أمرا معيبا حقا، فقد قال في فاتحة حديثه "لست أقول عن حديث ما، إنه ضعيف أو موضوع، لمجرد أنه لا يتفق مع العقل والمنطق فحسب بل لأن ذلك رأي كثير من الأئمة والفقهاء القدماء والمحدثين على السواء أمثال ابن تيمية، والقسطلاني، والذهبي، والبيهقي، والطبراني، والدارقطني، والهيثمي، والعراقي، والسيوطي، والعسقلاني، وغيرهم".

ثم طعن في أحاديث متفق على قبولها، مجمع على صحتها، ولم يطعن في ثبوتها عالم قط من هؤلاء الذين ذكرهم، ولا غيرهم، فليت شعري لم أوهم الأستاذ بذكر أسماء هؤلاء الأعلام الذين يبدو -من ترتيبه لهم- إنه لم يعرفهم ولم يقرأ آثارهم، ولم يرجع إليها فيما انتقده على البخاري، وزعم أنه مفترى بل منكر. " جعل الكاتب المنكر أشد من المفتري، وليس الأمر كذلك لغة ولا اصطلاحا فليس هناك أسوأ من المفتري . أما حديث أبي طلحة الأنصاري وأكله البرد في الصوم فلم يروه البخاري ولا مسلم ولا أحد من الكتب الستة، ولهذا لا داعي بإطالة بالرد عليه، والجزء الموقوف فيه على أبي طلحة صحيح من حيث سنده، ولكن لا حجة فيه، لأنه اجتهاد صحابي انفرد به في فهم النص وخالفه سائر الصحابة، فلا عبرة به، ولهذا مات في مهده، ولم يقل به أحد طوال القرون الماضية. وأما الجزء المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح. كما قرره علماء الحديث.

ولو كان هذا المفتري يحترم العقول التي في رؤوس الناس، ما جشم نفسه ذكر هذا الحديث، لأنه ليس لإيراده معنى في هذا المقام ، إلا الادعاء والتطاول، والتكثر بالباطل، والتمويه الذي لا يروّج إلا عند البسطاء وضعاف العقول.

وبعد: فإن الحملة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست بنت اليوم، فإن وراءها جهات ومؤسسات تغذيها وتمدها، ولم يزل المبشرون والمستشرقون والشيوعيون يقودون المعركة ضدها، ويرمون لها بالوقود الدائم لتظل مستعرة الأوار، وليس من الضروري أن يظهروا بأنفسهم على المسرح، فقد يوغر ظهورهم الصدور، ويثير الشكوك، ففي تلامذتهم -المخدوعين منهم والخادعين- الكفاية كل الكفاية. وما أكثر الذين تحركهم مؤسسات التبشير والاستشراق والإلحاد الأحمر، ليحطبوا في حبلهم وهم لا يشعرون، بل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما أكثر المأجورين الذين يشترون بدينهم ثمنا قليلا، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار.

فلعلي أذكر شيئاً يسيراً في إبطال الفرية المذكورة في السؤال : اتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصح كتابين بعد كتاب الله عز وجل ، وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الإمام النووي :" اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول " . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث " شرح النووي على صحيح مسلم 1/24 . وقال الإمام النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري " المصدر السابق . وقال ابن الصلاح: " أول من صنف في الصحيح ، البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز " هدي الساري ص12 . وقال الذهبي : " وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى " الحطة في ذكر الصحاح الستة ص312 . وقال ولي الله الدهلوي : " أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين"  حجة الله البالغة 1/249 . وقال العلامة أحمد محمد شاكر : " الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر : أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها . ليس في واحد منها مطعن أو ضعف . وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث . على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه . وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها . فلا يهولنك إرجاف المرجفين . وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة . والله الهادي إلى سواء السبيل " الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص35 . وقال محدث العصر الشيخ الألباني : "… كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقاً بالغاً لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم حتى صار عرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة . ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا " مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص14-15 . وبعد ذكر هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين ، فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافاً وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى . فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال . فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح . قال الإمام النووي : " الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما " تدريب الراوي شرح التقريب 1/122-123 . وقال الشوكاني : " واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول " نيل الأوطار 1/22 .

وينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصل الحافظ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري والمسماة هدي الساري فذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عليها جواباً إجمالياً وجواباً مفصلاً فقال في الأول منهما : " والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل … فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة " هدي الساري ص 506 . ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري .

وخلاصة الأمر أن من طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه حيث إن أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة . وإن الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعن في السنة النبوية ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة

ألا وإن هذه الحملات لا تزيدنا إلا استمساكا بالحق، وثباتا عليه، واعتصاما بسنة الرسول العظيم التي بدونها لا يفهم القرآن ولا تستبين معالم الدين وحدوده وقد قال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي). 

 

 

 

دروس وخطب

نقدم بين يديكم مجموعة من الدروس والخطب والمواعظ 

واسال الله ان يتقبل منا جميعا